أحداث سبتمبر، تمثيل العراق في الجامعة العربية   
الجمعة 16/4/1425 هـ - الموافق 4/6/2004 م (آخر تحديث) الساعة 2:34 (مكة المكرمة)، 23:34 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

جميل عازر

ضيف الحلقة:

حنان عشراوي: عضو المجلس التشريعي الفلسطيني

تاريخ الحلقة:

13/09/2003

- تداعيات أحداث سبتمبر على العالم
- محاولات إعادة التوازن الدولي

- تمثيل العراق في جامعة الدول العربية

- هوشيار زيباري.. شخصية الأسبوع

- أصداء قرار إسرائيل بإبعاد ياسر عرفات

- عودة الروح إلى محادثات السلام السودانية

- اغتيال وزيرة الخارجية السويدية

جميل عازر: مشاهدينا الكرام، أهلاً بكم، ونحن نستأنف (الملف الأسبوعي) بعد انقطاع.

وفي هذه الحلقة:

الحادي عشر من سبتمبر حدث تاريخي، تبعاته ثقيلة، ومضاعفاته خطيرة.

العراق ترحيب بعودته إلى كنف الأمة العربية ووزير خارجيته الجديد شخصية الأسبوع في الملف.

المسرح الفلسطيني بعد استقالة عباس، عرفات مهدد بالإبعاد وقريع رئيس وزراء بلا حكومة.

تداعيات أحداث سبتمبر على العالم

ربما لم يمر المجتمع البشري على الإطلاق في ظروف أدت فيه حادثة واحدة إلى حرب على دولتين، وحملة أوسع نطاقاً على ما أصبح يعرف بالإرهاب مثلما حدث منذ الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول عام 2001، فالهجمات التي استهدفت رمزي القوة الأميركية العسكرية والاقتصادية مركز التجارة العالمي والبنتاجون كانت بداية تحول لم يكن في اعتبارات مخططيها على ما يبدو، فالتداعيات البعيدة المدى التي مازالت تتفاعل بالنسبة لتوازن القوى على صعيد عالمي تثير القلق على مستقبل الأمم المتحدة والعلاقات الدولية بوجه عام، وبغض النظر عما إذا كان المواطن الأميركي أو غيره يشعر الآن بأمان أكثر أم لا.

الهجوم على أميركا وتداعياته
تقرير/ حسن إبراهيم: عامان من التداعيات مضيا على أخطر حدث بعد الألفية الجديدة، وربما لم يحسب الذين دبروا الهجمتين أنهما ستغيران العالم -وربما إلى الأبد- لكن إلى غير الوجهة التي ربما كانوا يبتغونها.

الولايات المتحدة التي ترنحت لم تنهر مع ركام البرجين كما تمنى أعداؤها، ولم تصبح أكثر تعاطفاً مع العالم الثالث، ولم تضعف كقطب أو حد ولم تتقوقع على ذاتها، بل ردت واشنطن بإعلان حرب شعواء على الإرهاب بدأت منذ القصف الأولي للعاصمة الأفغانية كابول في السابع من أكتوبر من عام 2001، فانهار نظام طالبان وأضحى تنظيم القاعدة شبحاً ينفذ بعض العمليات على فترات متفرقة وإن كانت موجعة ويحترف إرسال أشرطة الفيديو والتسجيلات الصوتية من زعمائه.

وأمعنت الكثير من الجهات التي تتحامل تقليدياً على العرب والمسلمين في تشويهها لصورة العربي والمسلم وربطها بالإرهاب، بل وأطلق البعض العنان لعنصريته وهو ما شجع دولاً ديمقراطية غربية على تمرير قوانين مقيدة للحريات ما كانت تجرؤ حتى على طرحها لولا الجو الذي أفرزته أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

العراق الذي كان هدفاً أميركياً منذ الثاني من أغسطس/ آب عام 90 من القرن المنصرم، وعانى من العقوبات على مدى ثلاث عشرة سنة بدا في منأى عن الحرب الأميركية على الإرهاب إلى أن تمكن المتنفذون من اليمين الأميركي في ربطه -حقاً أو بهتاناً- بملف الإرهاب وملف أسلحة التدمير الشامل.

وإن أيدت معظم دول العالم الحرب على نظام حركة طالبان فإن معظمها وقف وبشدة ضد الحرب على العراق، وأصرت الولايات المتحدة وحليفتها بريطانيا على خوض الحرب ولو غضب الملايين الذين تظاهروا في مختلف أنحاء العالم، واحتلت قوات واشنطن ولندن العراق وأسقطت نظام الحكم فيه، إلا أنها فشلت في العثور على أسلحة تدمير شامل كانت الذريعة الرئيسة لشن الحرب، ولم تجد إثباتاً لعلاقة نظام صدام حسين بالإرهاب.

ولعل حملة الحزب الديمقراطي الأميركي على الرئيس بوش واتهامه بالكذب على الشعب الأميركي من جهة، وانتحار مفتش لجنة (أنسكوم) ثم (أنموفيك) السابق (ديفيد كيلي) على خلفية اتهام إذاعة الـ BBC للحكومة البريطانية بالتهويل في القدرات التسلحية للنظام العراقي السابق من جهة أخرى هي أهم خسائر الحكومتين.

العالم أضحى أكثر قلقاً بعد الحادي عشر من سبتمبر، هذا لا شك فيه، فمراكز ثقل تحالفات واشنطن في المنطقة العربية وخارجها قد تغيرت، اقتصادياً تنتاب العالم تذبذبات تزداد حدة كلما زادت واشنطن من إنفاقها على جيشها الضخم في العراق، وها هو الرئيس (جورج بوش) يطالب الكونجرس بمبلغ 87 مليار دولار للإنفاق على العمليات في العراق مع تخصيص حوالي عشرين مليار منها لإعادة إعمار العراق.

ما برز إلى العيان بصورة واضحة هي عودة لسياسة المحاور بصورة صارخة وإن لم تكتسب طابع الحرب الباردة، ففرنسا وألمانيا وإلى حدٍ ما روسيا والصين حاولت منذ تصاعد معارضتها للحرب على العراق تنسيق مواقفها ضد محور لندن -واشنطن، لكن ضخامة القوة الأميركية عسكرياً واقتصادياً وسياسياً ربما كانت حجر العثرة الأهم في سبيل بروز قطب موازٍ للولايات المتحدة.

ورغم تعيين قوات الاحتلال مجلس حكم انتقالياً مكوناً من خمسة وعشرين عضواً، فإن ذلك لم يخفف، بل زاد من حدة الهجمات المسلحة ضد الاحتلال وتحت هذا العبء أصبحت واشنطن تطلب بل وربما تستجدي مشاركة دولية للسيطرة على العراق، وإن اشترطت أن تكون تحت قيادتها فقط، ولكن للدول الأخرى اعتباراتها ومصالحها، وفي نهاية المطاف الكل يريد جزءًا من الكعكة العراقية.

محاولات إعادة التوازن الدولي

جميل عازر: المصالح هي التي تحكم العلاقات بين الدول وتقرر قيام تحالفات ومحاور، فإصرار ألمانيا وفرنسا على التمسك بموقفيهما من مضاعفات الورطة التي وجد الأميركيون والبريطانيون أنفسهم فيها في العراق ما هو إلا مظهر واحد لمحاولة إعادة شيء من التوازن إلى المسرح الدولي الذي مازالت واشنطن تهيمن عليه منذ انهيار الاتحاد السوفيتي.

وكان الخلاف بشأن ذريعة أسلحة الدمار الشامل العراقية ومبررات الحرب على العراق سبباً آخر من أسباب الانقسام بين الأميركيين وحلفائهم الذين لم يشاركوهم الرؤية لمحور الشر أو أسلوبهم في مكافحة الإرهاب، ومن هنا فإن الحسابات الجيوبولوتية على جانبي الأطلسي كانت مختلفة إلى حد التناقض.

الرئيس جورج بوش بجانب نظيره الفرنسي جاك شيراك أثناء مؤتمر صحفي
تقرير/ ميشيل الكيك: فرنسا التي ناهضت بقوة الحرب على العراق تحاول أن تثبت بأنها كانت محقة في اعتراضاتها على مواقف واشنطن، من هنا يأتي تحفظ باريس على العديد من النقاط الواردة في مشروع القرار الأميركي المرفوع إلى مجلس الأمن والقاضي بإرسال قوات متعددة الجنسيات إلى العراق، وتحتاج فرنسا بالطبع من أجل تثبيت موقفها هذا إلى حليفها الألماني إذ اعتبر كل من (شيراك) و(شرودر) أن الأولوية تكمن في ضرورة إعطاء دور محوري للأمم المتحدة في تحمل مسؤولياتها في العراق والعمل لاحقاً على نقل السلطة إلى العراقيين أنفسهم، وتكليف الأمين العام للمنظمة الدولية (كوفي عنان) بوضع جدول زمني لتشكيل حكومة وطنية تمثل كل الفئات العراقية.

وبما أن هذا كله غير متوفر في الوقت الحاضر على الأرض يشدد (دو فيلبان) وزير الخارجية الفرنسي على ضرورة تغيير الوضع الحالي في العراق للانتقال مما تصفه فرنسا بمنطق الاحتلال إلى منطق السيادة، وتركز الخارجية الفرنسية على وجوب أن يكون إرسال قوات دولية إلى العراق مبنياً على قواعد واضحة لا يسودها أي لُبسٍ في التعامل، وذلك في ضوء إصرار واشنطن على ضرورة أن تكون قيادة هذه القوات تحت إمرة أميركية، في حين طالبت كلٌ من باريس وبرلين باعتماد الشفافية التامة في موضوع صرف الأموال التي ستخصص لإعادة إعمار العراق وإلا ستكون حصص الدول المانحة للمساعدات ضعيفة للغاية.

ويرى بعض المراقبين الفرنسيين أن الرئيس الأميركي بوش وجد نفسه مضطراً إلى طلب مساعدة الأوروبيين وتحديداً فرنسا التي يمكنها وعبر دبلوماسيتها أن تكون فعالة في عدم وضع العراقيل في وجه الأميركيين تسهيلاً لتمرير هذا المشروع في مجلس الأمن وتخفيفاً للأعباء الثقيلة عن كاهلهم على أرض العراق.

إلا أن وزير الخارجية الأميركي (باول) لا يبدو معتمداً كثيراً على ما يقوله الفرنسيون والألمان، خصوصاً وأن كلاً من باريس وبرلين لا تريدان المساهمة العسكرية في أية قوات محتملة في العراق إلا وفق شروط قاسية وفي إطار دولي محدد تتولاه الأمم المتحدة في حين أعاد الوزير الأميركي التأكيد بأن واشنطن لا يمكنها التخلي ببساطة عن كل السلطات في العراق، لأن الأمم المتحدة غير قادرة على توليها كما يقول باول.

ورغم ظهور العديد من الاختلافات في المواقف إلا أن الجانب الفرنسي يبدو حريصاً وبشدة في هذه المرحلة بالذات على عدم إعادة تعريض العلاقات الفرنسية الأميركية لأية شوائب جديدة بعد كل الديون التي خلفتها حرب العراق على مجمل العلاقة بين باريس وواشنطن سياسياً واقتصادياً.

ميشيل الكيك -لبرنامج (الملف الأسبوعي) -الجزيرة - باريس.

تمثيل العراق في جامعة الدول العربية

جميل عازر: ورغم أنه لا يمكن فصل الوضع القائم في العراق عن تبعات الحادي عشر من سبتمبر والحرب المعلنة على الإرهاب، فقد أحرز التحرك العراقي باتجاه العودة إلى المجتمع الدولي أحرز من النجاح بقدر ما تلاقيه أي خطوات أولية لأي مشروع من هذا القبيل، فالاحتلال الذي أفرز مجلساً انتقالياً للحكم والذي شكل بدوره لجنة لصياغة الدستور ومجلساً للوزراء لا يزال عقبة تحجب السيادة الوطنية بكل جوانبها ومؤسساتها الشرعية عن العراقيين، ومع ذلك فإن قبول مجلس جامعة الدول العربية بتمثيل العراق فيه -ولو بتحفظ أو على استحياء- كان خطوة إيجابية، ولكنه لم يمنع الأمين العام من الاجتماع بمعارضين عراقيين يستطيعون العمل في داخل العراق، وهذا عنصر إيجابي آخر لم يكن متوفراً في عهد النظام السابق.

مشاركة مجلس الحكم العراقي في اجتماع وزراء الخارجية العرب
تقرير/ سمير عمر: قرار مجلس الجامعة العربية بقبول وزير الخارجية العراقي الجديد ممثلاً للعراق في اجتماعات مجلس الجامعة، فجر الغضب في نفوس معارضي مجلس الحكم، الذين تصوروا أن لقاءهم بالأمين العام، واستقبال عدد من الوزراء العرب لهم قبيل الاجتماعات، قد يحول دون السماح لوزير الخارجية بحضور الاجتماع، غير أنهم سرعان ما رضوا بالأمر الواقع، وحاولوا الاستفادة من قرار مجلس الجامعة، ليلتقوا في اليوم التالي للاجتماع بالأمين العام، الذي طمأنهم بأن باب الجامعة ما زال مفتوحاً أمامهم.

سياسي عراقي: الذي حدث من قبول ممثل العراق في مجلس الجامعة العربية، هو ليس سد الباب أمام الآخرين، بل سيبقى الباب مفتوح لنا ولهم، وأننا قادرين على أن نثبت أننا أصحاب حق في هذا الشأن، وأننا نمثل العراقيين، ونمثل العراق، وحريصين على العراق أكثر من أي شخص آخر.

سمير عمر: نشاط معارضي مجلس الحكم لم يتوقف عند حدود الجامعة العربية، بل تجاوزه للتفاعل مع مؤسسات المجتمع المدني في مصر التي سبق وأن أعلنت موقفها الرافض لمجلس الحكم، والتي اعتبرت قرار الجامعة خطأً جديداً ارتكبته الدول العربية.

سياسي مصري: ليس هذا القرار قراراً قانونياً، وإنما قرار مجاملة بقصد مجاملة الولايات المتحدة الأميركية، في اختيار عاملها وممثلها في جامعة الدول العربية، وهذا خطأ تاريخي سوف يحسب على جامعة الدول العربية، ويحسب على وزراء الخارجية العرب.

سمير عمر: غير أن التواجد النشط لمعارضي المجلس في القاهرة، لم يحظَ بتأييد دوائر عراقية عديدة كان لها دور بارز في معارضة النظام العراقي السابق، وأولئك رغم اعترافهم بأن أعضاء مجلس الحكم ليسوا هم أفضل العناصر العراقية، إلا أنهم يرفضون أن يدعي أحد الأطراف حق التعبير عن الشعب العراقي.

سياسي عراقي 2: وجود أصوات معارضة لمجلس الحكم الانتقالي، أنا أعتقد أنه هناك عامل إيجابي جيد فيها، إذا اتسمت بمصداقية عالية، فبالتالي ليس من حق يعني كل من هب ودب أن يدعي بأنه يمثل فئة عراقية، خاصة عندما يأتي هذا الادعاء خارج العراق.

سمير عمر: وبغض النظر عن تداعيات شغل ممثلي مجلس الحكم لمقعد العراق في الجامعة العربية، إلا أنه يبقى نقطة مفصلية في علاقة المجلس بالدول العربية، والمجتمع الدولي من ناحية، وعلاقته بمعارضيه داخل العراق وخارجه من ناحية أخرى.

تعرُّض معارضي مجلس الحكم الانتقالي لضربة موجعة بعد احتلال ممثل المجلس لمقعد العراق في جامعة الدول العربية لم يثُنِ قادة المعارضة عن المضي قدماً من أجل إثبات وجودهم على الساحة العربية، الأمر الذي يؤكد أن الصراع الميداني بين عناصر المقاومة وقوات الاحتلال بات يحمل وجها سياسياً، يتمثل في السباق بين عناصر مجلس الحكم الانتقالي وممثلي المعارضة من أجل الفوز بالاعتراف العربي والدولي.

سمير عمر -(الجزيرة)- القاهرة.

هوشيار زيباري.. شخصية الأسبوع

جميل عازر: وما من شك في أن إعادة تأسيس علاقات العراق الإقليمية والدولية تحتاج إلى جهود كبيرة، ليس بسبب المآخذ لدى بعض الدول حول شرعية مجلس الحكم، ومجلس الوزراء المنبثق عنه فحسب، بل هو بسبب الخلل الكبير الذي تسببت فيه سياسات النظام السابق، ومضاعفات ثلاث حروب دمرت العراق داخلياً وخارجياً.

ومن هنا فإن هوشيار زبياري، وهو شخصية الأسبوع في ملف هذا الأسبوع، وهو كردي وهذا ليس من قبيل التمييز العرقي، وإنما لبيان واقع الحال، قد يصبح بالنسبة للعراق كصلاح الدين، إن استطاعت سياساته الخارجية جذب تأييد عربي ودولي يكفي لتحرير وطنه من الاحتلال.

هوشيار زيباري وزير خارجية العراق الانتقالي
تقرير/ جيان اليعقوبي: لعل رؤية (الكاكا) هوشيار زيباري وهو يقف وسط وزراء الخارجية العرب في عرينهم بالقاهرة، ليلقي كلمة الوفد العراقي، لم يكن بالنسبة للكثيرين أقل هولاً من رؤية تمثال الرئيس المخلوع صدام حسين وهو يتهاوى في وسط بغداد، فالمشهد كان صادماً للذين أُريد لهم أن ينسوا، ولعقود طويلة أن العراق يتألف ومنذ بداية تكوينه من قوميات ومذاهب متنوعة، تضافرت عقدها حتى أصبحت لا ترى غير نسيج متماسك وإن كان مختلف الأطياف والألوان.

الوزير العراقي الجديد من مواليد عام 1953 في مدينة الموصل في شمالي العراق، تخرج من قسم العلوم السياسية بالجامعة الأردنية عام 76، ثم نال درجة الماجستير من جامعة (ويسكونسن) الأميركية عام 79، وقد عرف في وسائل الإعلام متحدثاً باسم الحزب الديمقراطي الكردستاني منذ عام 88.

ويعتبر زيباري من أبرز مستشاري زعيم الحزب مسعود برزاني، وهذا الحزب الذي ينتمي إليه الوزير تأسس عام 46، على يد الملا مصطفى البرزاني، وظل في كرٍّ وفرٍّ مع الحكومات العراقية المتعاقبة، في كفاحه للاعتراف بحقوق الأكراد السياسية والثقافية، مما أدى إلى إشعال حرب أهلية دامت عقوداً، حتى أصبح شعار الحزب في السنوات الأخيرة هو "الفيدرالية لكردستان، والديمقراطية للعراق".

وقد ظل زيباري يمثل الحزب في المحافل الدولية للترويج لهذا الطرح، الذي مازال الكثير من العراقيين ومن جيرانهم يتوجسون منه، ويعتقدون أنه يحمل في طياته بذور انشقاق قد يهدد وحدة الأراضي العراقية، ولكن زيباري -وبلهجة لا تنم عن أي تردد أو شكوك- طمأن الوزراء العرب في القاهرة بأن العراق سيبقى عربي الوجه واليد واللسان، حتى لو كان ممثلهم في المحافل العربية والدولية مواطناً عراقياً قد لا تكون العربية لغته الأم، ولكنها بالتأكيد تشكل جزءاً من هويته الدينية والتاريخية، وإن كونه كرديا لا ينفي عنه مواطنته ولا وطنيته، ويبدو واضحاً من تصريحات وزير الخارجية العراقي الجديد أنه يدرك مدى الصعوبات التي تواجهها بلاده في سبيل العودة إلى ممارسة دور فاعل عربي ودوليً، ولكن أبرز ما ينادي به هو الخروج بالعراق من سياسة المواجهات مع دول الجوار، إلى سياسة الحوار والتعامل على أساس المصالح المشتركة، كما أنه يعي حجم الأعباء التي خلَّفتها سياسة النظام السابق، وتبعاتها على العلاقات مع الدول قاطبة، وهو إذ يدعو إلى إنهاء الاحتلال، وإعطاء العراقيين حقهم في تسيير شؤونهم بأنفسهم، فإنه يؤكد بذلك على التزامه بمبدأ المسؤولية من منطلق وطني لا غبار عليه.

جميل عازر: وفي الشارع العراقي اتسمت ردود الفعل على استقبال زيباري في جامعة الدول العربية، بالترحيب من جهة، والتحفظ من جهة أخرى، إلا أن النبرة السائدة كانت متفائلة بصدد عودة العراق إلى المجتمعين العربي والعالمي بوجه عام.

مواطنة عراقية: بصراحة أنا عندي تحفظ يعني بمشاركة العراق بجامعة الدول العربية، لأنه الوزير العراقي، وزير الخارجية العراقي اللي يمثلنا، يعني هو ضمن الوزراء الـ 25 اللي انتخبوا، ورغم يعني قالوا إنه هم انتخبوا، بس هم ما.. ما منتخبين من الشعب العراقي.

مواطن عراقي 1: إحنا كعراقيين نفرح إنه يرجع العراق إلى وضعه الطبيعي للمجتمع العربي والمجتمع الدولي، لكن إحنا عندنا تحفظ حول الحكومة أو الهيئة أو التشكيلة الوزارية اللي انتخبت هذه.

مواطن عراقي 2: لا شك أن هذا القرار صائب، لأن العراق عضو مؤسس في الجامعة العربية.

مواطن عراقي 3: مبادرة جيدة جداً، وإحنا نريد ننتمي للعرب.

مواطن عراقي 4: كان لابد عاجلاً أم آجلاً أن يستعيد العراق موقعه في كل المحافل الدولية، ومن أهمها في نظرنا، وفي نظر الجميع على ما أرى، الجامعة العربية هو أحد مؤسسي هذه المنظمة العربية، إذن لابد وحسناً فعلوا بإعادة الموقع الصحيح للعراق.

مواطن عراقي 5: القرار بالحقيقة كان إيجابي، وبالرغم يعني من هم تأخروا على أنهم انطوا موافقة مشاركة العراق، خلال اجتماعاتهم، يعني اللي كان العراق ما كان يشارك بها، بس هم ها اللون (..) شروط يعني فاد شيء مؤقت.

جميل عازر: ومن قناة (الجزيرة) في قطر نواصل وإياكم هذه الجولة في (الملف الأسبوعي)، وفيها أيضاً بعد فاصل:

السودان احتمال الاتفاق يعيد التفاؤل في التوصل إلى تسوية، ولكن تعقيد المسرح الداخلي يجعل المهمة أكثر صعوبة.

[فاصل إعلاني]

أصداء قرار إسرائيل بإبعاد ياسر عرفات

جميل عازر: لم يكن قرار الحكومة الإسرائيلية إبعاد الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات أمراً مفاجئاً، ولا غير متوقع، فالحديث عن ذلك -بل والمطالبة بمثل هذا الإجراء- صدرت سابقاً من فم أكثر من وزير وجنرال إسرائيلي، أما أن يصف الأمين العام للأمم المتحدة هذه المرة القرار بأنه متهور، فإن في ذلك إدانة للسياسة الإسرائيلية، التي تريد إنكار حق الفلسطيني في اختيار رئيسه، إذ أن عرفات رئيس منتخب، شاء شارون أم أبى، غير أن هذا لا يعفي الرئيس من جانب على الأقل من المسؤولية عما يحدث في المسرح السياسي الفلسطيني، فاستقالة محمود عباس مرتبطة في رأي الكثيرين بخلافه مع عرفات، إلا أن أحمد قريع (رئيس المجلس التشريعي، المكلف بتشكيل حكومة جديدة) ليس في وضع أفضل حالا.

متظاهرون مؤيدون للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات
تقرير/ وليد العمري: لماذا يستهجن الكثيرون على الائتلاف اليميني الحاكم في إسرائيل قراره بقتل.. إبعاد أو اعتقال الرئيس الفلسطيني المنتخب ياسر عرفات؟ ألم يخرج قاتل (إسحاق رابين) وهو رئيس الحكومة الإسرائيلية المنتخب، من بين صفوف هذا اليمين لوأد عملية السلام مع الفلسطينيين؟!

القرار الذي اتخذته حكومة آرييل شارون بطرد عرفات وبقدر ما ينذر بانفجار سفك واسع للدماء بين الشعبين في حال وضعه قيد التنفيذ، شَحَن الشارع الفلسطيني من جديد واستفز أنصار السلام الإسرائيليين، رُبَّ ضارة نافعة إذن، عرفات يستطيع أن يتنفس الصعداء وسط الحصار العسكري الإسرائيلي المفروض عليه منذ عشرين شهراً تقريباً، وهو يرى الحشود تتدفق على المقر الرئاسي في رام الله، وعشرات الآلاف من الفلسطينيين يتظاهرون في الشوارع يومياً تأييداً له وتنديداً بقرار حكومة شارون.

مواطن فلسطيني: إحنا رايحين نوقف دروع بشرية أمام الدبابات الإسرائيلية، وإذا بنحاول نقلبها بنقبلها.

وليد العمري: عرفات بدا وكأنه عاد إلى شبابه غداة قرار شارون وحكومته، أدى صلاة الجمعة وأسرع لاستقبال الحشود العائدة إلى مقره، فالفلسطينيون ردوا على القرار باستفتاء شعبي أعادوا من خلاله انتخاب عرفات زعيماً ورئيساً.

القرار الإسرائيلي وقع كالصاعقة على الجهود الفلسطينية لتشكيل حكومة جديدة، حكومة طوارئ سرعان ما تحولت إلى حكومة أزمة، فحكومة إنقاذ وطني، إلى أن استقر القرار على حكومة عادية وإلى جانبها مجلس للأمن القومي برئاسة ياسر عرفات يديره ويشرف على توحيد الأجهزة الأمنية وتحريكها، لكن قرار الحكومة الإسرائيلية بطرد عرفات دفع أحمد قريع المكلف برئاسة وتشكيل الحكومة الفلسطينية الجديدة إلى إعادة حساباته.

أحمد قريع: هذا القرار يدمر كل إمكانية لعودة إلى عملية السلام، بالنسبة لي شخصياً يدعوني إلى التفكير جدياً، هل أشكل حكومة أم لا؟

وليد العمري: والقرار الإسرائيلي بقدر ما عرقل الجهود المبذولة لتشكيل حكومة فلسطينية جديدة فهو في المقابل شحن الشارع الفلسطيني في صالح الرئيس ياسر عرفات، فالالتفاف الجماهيري المتواصل حوله أكد من جديد أنه الرقم الصعب وألا سبيل للتعامل مع الشعب الفلسطيني إلا من خلاله.

وليد العمري -الجزيرة- خاص لبرنامج (الملف الأسبوعي).

جميل عازر: وتنضم إلينا من رام الله الدكتور حنان عشراوي (عضو المجلس التشريعي الفلسطيني) دكتور حنان، المسرح الفلسطيني: رئيس محاصر مهدد .. يعني بالطرد، ثم هناك رئيس وزراء مستقيل ورئيس وزراء مكلف ولا يزال بدون حكومة، ما هو المخرج أو الحل الفلسطيني من هذه الحالة؟

د. حنان عشراوي: يعني الحل الفلسطيني لا يمكن أن يكون بمعزل عن العوامل الخارجية، هناك قضايا داخلية نستطيع السيطرة عليها فيما يتعلق بإقامة المؤسسات، بتقاسم الصلاحيات والسلطة بناءً على القانون الأساسي، وبالتالي بناء مؤسسات الدولة على أساس ديمقراطي وقانوني، هذه أمور يجب أن نقوم بها بغض النظر عن المواقف الإسرائيلية، ولكن إسرائيل الآن في هجمتها الأخيرة على الرئيس عرفات طبعاً أثرت بشكل مباشر، لأن الرئيس عرفات الآن أصبح أكثر قوة من السابق، وأصبح هو الموضوع وهو القضية، يعني مرت فترة كانت وكأن تنازعات على السلطة هي القضية، الآن الرئيس ومكانة الرئيس التاريخية والسياسية والرمزية والفعلية، أصبحت هذه هي القضية، ولكن لابد من إعادة الأمور إلى مسارها الطبيعي، فهناك مؤسسة رئاسة، هناك مؤسسة وزارة، وهناك شعب يريد أن يحصل على حقوقه وحمايته، وأيضاً لابد من مجابهة التصعيد الإسرائيلي.

جميل عازر: طيب، دكتور حنان، يعني عندما تقولين أن الرئيس أصبح هو القضية، هذا لا .. لا يعني أن هذا ينبغي أن يكون، لأن القضية أكبر من شخصية واحدة.

د. حنان عشراوي: القضية بكل عناصرها متكاملة، ولكن الرئيس الآن ولأنه مستهدف ولأن إسرائيل تحاول أن تستفرد بالرئيس كرمز لكل ما تريد أن تفعله من إلغاء للاتفاقيات، من استهداف للشعب، من إلغاء للهوية، من مصادرة الأرض، أصبح وكأن الرئيس يُجسِّد الحماية لكل هذه الأمور. فبالتالي طبعاً هناك اندفاع شعبية عارمة لإعادة تثبيت شرعية الرئيس كقائد منتخب وكرمز سياسي ووطني وتاريخي، ولكن هذا يجب ألا يصرف أنظارنا عن ضرورة ترتيب الوضع الداخلي، وعن ضرورة المضي قدماً في إقامة مؤسسات الحكم على أساس من المهنية والكفاءة، وعلى أساس من القانونية واحترام للديمقراطية.

جميل عازر: طيب، في تقديرك دكتور حنان، المشهد الفلسطيني -إن صح التعبير- في حالته الراهنة، إلى حد.. إلى أي حد تأثر بالخلاف بين محمود عباس وياسر عرفات؟

د. حنان عشراوي: بالفعل المشهد الفلسطيني وصنع القرار الفلسطيني والسياسة الفلسطينية وحتى المعنويات الشعبية الداخلية فلسطينياً تأثرت في هذا النزاع، لأن الشعب لا يريد أن يرى نزاعاً على السلطة وإنما يريد أن يرى يعني تقاسماً سلساً للمسؤوليات والمهام، فبالتالي شعر الشعب وكأن القضية أصبحت قضية مناصب وقضية مصالح وقضية سلطة، وليست قضية شعب خاصة على ضوء التصعيد الإسرائيلي، ولكن كانت هذه في المرحلة السابقة، وبعد استقالة الأخ أبو مازن أصبحت هناك يعني حاجة ملحة للمضي قدماً في بناء هذه المؤسسات من أجل تمكين الصف الداخلي، الوضع الداخلي وتمكينه من أجل مواجهة الهجمة الإسرائيلية التصعيدية، ولكن اختار شارون أن يركز الأزمة هذه على الرئيس عرفات مرة أخرى، فتحولت القضية -كما ذكرنا- إلى قضية حماية الرئيس باعتباره الرمز، الآن الرئيس يمتلك كل عناصر القوة الداخلية والشعبية والخارجية أيضاً، دولياً وشرعياً فلابد من استثمار هذه الشرعية وإعادتها إلى مسارها الطبيعي بحيث نقوم بتمكين الوضع الداخلي باستثمار هذه القوة والشرعية الجديدة للرئيس.

جميل عازر: طيب، في مثل هذا الظرف كيف تقدرين احتمالات نجاح أحمد قريع في تشكيل حكومة عادية، مجلس وزراء ليس مجلس وزراء طوارئ أو حكومة محدودة الصلاحيات؟

د. حنان عشراوي: نعم، كانت الفكرة أن تكون هناك حكومة لإدارة الأزمة ولمواجهة الوضع الطارئ وليست حكومة طوارئ، لأنه لم تعلن حالة طوارئ، ولكن هذا ما لم يحدث والآن هناك محاولة، وطبعاً بعد تدخل مؤسسات فتح ومؤسسات المنظمة، بحيث أصبح هناك مطلباً أن تكون الوزارة وزارة عادية وموسعة، وهذا طبعاً يفتح الباب لمشاورات ولتدخلات ولبعض المناورات السياسية الداخلية، وقضايا أيضاً فردية وذاتية، وهذا يأخذ الكثير من الوقت الآن، ولكن أنا في رأيي إذا اعتمدت الوزارة على مقاييس ومعايير واضحة من الكفاءة والوطنية والمهنية والاستعداد للعمل هذا هو المطلوب يجب أن نُغيِّر نمط التعيينات ونمط تقاسم المقاعد والمصالح الذاتية الضيقة واعتماد معايير واضحة بحيث تصبح الوزارة وزارة مهنية، وزارة تستطيع أن تقدم الخدمات المطلوبة للشعب الفلسطيني، وتصبح القضايا السياسية من صلاحية الأطر السياسية القائمة والمؤسسات السياسية لمنظمة التحرير، هذا هو المطلوب في رأيي، ولكن حتى الآن إذا استمرت جميع مكونات وأسباب الفشل التي.. ولا أقول فشل وإنما الإحباط الذي عانت منه وزارة الأخ أبو مازن، هذا يعني بأن الأمور ستكرر نفسها، يجب إزالة العوامل الخارجية التي أدت إلى تقويض هكذا عملية وإزالة .. وأيضاً حل القضايا الداخلية أيضاً والمنافسات الداخلية التي أدت إلى استقالته، إذا استمرت كل هذه العوامل إسرائيلياً و أميركياً وعربياً وفلسطينياً، فللأسف ستكرر التجربة نفسها.

جميل عازر: طيب، أخيراً وباختصار دكتور حنان، هل تعتقدين أن قرار حكومة شارون بشأن إبعاد الرئيس عرفات سيعقد أم يسهل على أبو علاء تشكيل الحكومة.

د. حنان عشراوي: لا طبعاً سيُعقد.. سيصعب الأمور لأبو علاء لتشكيل هذه الحكومة لأنها أعادت الرئيس إلى وسط الأمور وهو صانع القرار وهو المسؤول أمنياً وعملياً، فبالتالي سيجد أبو علاء صعوبة في تشكيل وزارة فاعلة منذ الآن، ولكن أنا في رأيي إذا ارتكز أو احتكم إلى القانون فهناك وضوح في تقاسم المهام والصلاحيات والوضع كما ذكرنا، وأنا أقول بصراحة بأن استهداف الرئيس من قِبَل شارون لا يعني أن إسرائيل ستقوم على هذه الخطوة على تنفيذ هذه الخطوة، لأنها خطوة خطيرة جداً وستكون لها أبعاد أيضاً خطيرة على المنطقة بكاملها، وهذه تمثل يعني قمة الحماقة والإفلاس السياسي، فالرسالة وصلت والعالم كان له ردة فعل واضحة، وإسرائيل هي أصبحت خارج القانون الدولي.

جميل عازر: دكتور حنان عشراوي في رام الله، شكراً جزيلاً لكِ.

عودة الروح إلى محادثات السلام السودانية

توشك المحادثات الجارية بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان على التوصل إلى اتفاق يمكن أن يفضي إلى التسوية النهائية المنشودة، ورغم وجود صعوبات فإن هناك انطباعاً عاماً بأن هذه الجولة التي يمثل فيها الرئيسَ السوداني نائبه الأول علي عثمان مع رئيس الحركة الشعبية (جون جارانج) قد تؤدي إلى اتفاق أوسع نطاقاً لمجرد رغبة الجانبين في إنهاء الحرب الأهلية المستمرة منذ عشرين عاماً، فللخلاف على اقتسام السلطة والثروة إضافة إلى الترتيبات الأمنية جوانب عديدة على الصعيدين المحلي والإقليمي، ولكن تعقيد المسرح الداخلي السوداني يجعل من استبعاد المعارضة الشمالية أو استثنائها من التسوية عقبة قد تعيق أو تقوض أي اتفاق مستقبلي.

نائب الرئيس السوداني على عثمان يصافح زعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان جون قرنق
تقرير/ حسن إبراهيم: جدلية المركز والهوامش كانت المعضلة الأكثر إراقة للدماء في تاريخ السودان، بل أضحت من مُحددات الهوية السودانية وإن كان النزاع قد تمحور من الاستقلال حول جنوب السودان، فإن هذه الجولة من الحرب الأهلية التي تدور رحاها منذ مايو/ آيار من عام 83 من القرن المنصرم اجتذبت شرق السودان وغربه إلى قلب الصراع.

ولعل الجغرافيا العدو الأول للسودان والعامل الأكثر أهمية في تحديد هويته، ففي الجنوب هناك الزنوجة الإفريقية الغالبة على قبائل تلك المنطقة من السودان المتاخمة لإقليم البحيرات العظمى بما فيه الكونغو وأوغندا وكينيا.

أما شرق السودان ففيه من التفاوت ما يشبه ذلك القائم بين إثيوبيا وإريتريا بقبائله الأكوسامية مثل (البجا) والهوية العربية نظراً لمتاخمته للبحر الأحمر واقترابه من مسار الهجرات العربية التاريخية.

غرب السودان الذي كان المنفذ إلى غرب إفريقيا مثل تشاد وإفريقيا الوسطى، فكان أقرب إلى تأثير الحضارات الهوساوية في نيجيريا ومالي من جهة، وبقايا ارتباط بدول الشمال الإفريقي من جهة أخرى، وقد عانى غرب السودان وشرقه من تهميشٍ تاريخي حوَّل حياة أهله إلى جحيم حقيقي.

وفي المركز الذي يشهد هيمنةً لقبائل السودان الشمالية على مقاليد السلطة والثروة فإن كثيراً من محاولة التقسيم العادل لثروات السودان الكبيرة باءت بالفشل الذريع.

وها هو (نائب الرئيس السوداني) علي عثمان محمد طه، و(زعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان) دكتور جون جارانج ديمابيور يحاولان التفهم على تقاسم السلطة والثروة بل والهوية المفترضة لخرطوم السودان الجديد.

ما ينقص هذه الصورة هو غياب أحزاب الشمال المؤثرة والواسع انتشارها حتى في بعض المناطق المهمشة في غرب وشرق البلاد، فلا السيد الصادق المهدي (إمام طائفة الأنصار زعيم حزب الأمة القومي) ولا السيد محمد عثمان الميرغني (راعي طائفة الخاتمية) سيكونان جزءاً من التسوية، ولو حسب طرفا المفاوضات أن بوسعهما السيطرة على الرجلين أو حتى تهميشهما في أي معادلة حكم جديد فإنهما يراهنان على جواد خاسر، فالميرغني تمتد سلطته الروحية إلى ملايين المسلمين من شرق السودان وشماله بل وفي أجزاء كثيرة من القرن الإفريقي، والصادق المهدي إمام بايعه ملايين الأنصار على السمع والطاعة وبإمكانه توجيه جموع غفيرة منهم وتأليب قبائلهم على الحكومة، ولا يُعرف إن كانت الحكومة أو الحركة الشعبية مستعدتين لعقد انتخابات حرة تشارك فيها جميع الأحزاب السودانية، لكن مما لا شك فيه أن التجمع الوطني الديمقراطي الذي يجمع تحت مظلته الكثير من أحزاب السودان بما فيها حركة جارانج سيحاول تنسيق جهوده للفوز بأكبر قدر من مقاعد البرلمان المقترح أو الحكومة المركزية.

وبالطبع تعلم الحكومة أن استبعاد هذه الأحزاب الشمالية يعتبر استمراراً لنهج الاستئثار بالسلطة الذي مارسته الحركة الإسلامية السودانية منذ الانقلاب الذي أتى بها إلى الحكم عام 89 من القرن المنصرم، ولعلها تُرسل رسالة خطيرة مفادها أنها لا تقدم تنازلات إلا إلى الطرف الذي يستطيع حمل السلاح، وهو نهج -إن شاع- فسيظل مهدداً لأي تسويةٍ سلمية تُعفي السودانيين من أعباء حربهم الأهلية.

اغتيال وزيرة الخارجية السويدية

وزيرة خارجية السويد آنا ليند
جميل عازر: وأخيراً كانت السويد مرة أخرى على موعد مع عملية اغتيال سياسي أعادت إلى الأذهان اغتيال رئيس وزرائها (أولوف بالم) قبل نحو عقدين من الزمن، فقد أقدم مجهول على طعن وزيرة الخارجية (أنَّا لند) ولاذ بالفرار بعد أن تركها مضرجة بدمائها، ففي بلد لم يعتدْ مسؤولوه التجول برفقة حراس، ويأتي اغتيال (لند) قبل أيام من الاستفتاء على اعتماد اليورو في السويد والذي كانت الوزيرة الراحلة من أبرز أنصار اعتماده، مما أثار شكوكاً بأن يكون حادث الاغتيال مرتبطاً بهذا الموضوع، غير أن لند كانت من أكثر الوزراء شعبية في أوساط المهاجرين العرب والمسلمين بسبب تفهمها لأوضاعهم ودفاعها عن حقوق الإنسان، وقد أقيمت مراسم جنازة حافلة لها في العاصمة (ستوكهولم).

وبهذا نأتي إلى ختام جولتنا في (الملف الأسبوعي)، ونذكر حضراتكم بأن بإمكانكم الوصول إلى مضمون هذه الحلقة بالنص والصورة والصوت في موقع (الجزيرة نت) في الشبكة المعلوماتية الإنترنت أو الكتابة إلى عنوان البرنامج الإلكتروني، وسنعود في مثل هذا الموعد بعد سبعة أيام لنفتح ملفاً جديداً لأهم أحداث الأسبوع القادم من قناة (الجزيرة) في قطر، فتحية لكم من فريق البرنامج، وهذا جميل عازر يستودعكم الله، فإلى اللقاء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة