تقرير الأمم المتحدة عن تفاقم الاختلالات الاجتماعية   
الثلاثاء 25/7/1426 هـ - الموافق 30/8/2005 م (آخر تحديث) الساعة 16:17 (مكة المكرمة)، 13:17 (غرينتش)

- قضية تزايد الفجوة بين الأثرياء والفقراء
- أسباب التفاوتات
- أثر وتبعات التفاوت على الاستقرار العالمي

محمد كريشان: أهلا بكم، نحاول في هذه الحلقة التعرف على ما وراء تقرير جديد للأمم المتحدة عن تفاقم الاختلالات الاجتماعية على مستوى العالم لا سيما اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء أفراداً ودول ونطرح تساؤلين أثنين، كيف يصور التقرير هذه الاختلالات لا سيما فيما يتصل بالثروة والصحة والتعليم؟ أي مستقبل تتوقعه الأمم المتحدة في ضوء الحقائق والأرقام التي أوردها التقرير؟ صورة قاتمة يرسمها تقرير الحالة الاجتماعية للعالم في العام 2005 فبرغم كثرة المؤتمرات والخطط وبرامج التنمية يكشف التقرير عن حالة من عدم المساواة بين الأغنياء والفقراء تترسخ عاماً بعد عام على مستوى العالم برمته.

[تقرير مسجل]

قضية تزايد الفجوة بين الأثرياء والفقراء

أمجد الشلتوني: هنا في كوبنهاغن عام 1995 كان الفقر والتخلف في قفص الاتهام دبجت في هجائها الكلمات وأطلقت الوعود بمستقبل أفضل وهنا في الأمم المتحدة بعد عشر سنوات تقرير الأمم المتحدة للواقع الاجتماعي 2005 يعلن هزيمة الوعود وانتصار الفقر، التقرير يتحدث عن عالم يعيش حالة من عدم المساواة قد تؤدي إلى زيادة الصراعات والإرهاب، التقرير أيضا ينتقد السعي إلى التنمية الاقتصادية فقط دون الأخذ بعين الاعتبار توزيعها بشكل عادل.

 فهو يقول إن من شأن ذلك زيادة الدخل لدى البعض بينما يتقلص لدى الكثيرين، التقرير يتحدث أيضا عن زيادة البطالة على نحو مرتفع في أوساط الشباب وعدم وجود فرص عمل مما من شأنه زيادة حالة الاستياء خاصة في ظل التوسع الذي شهده التعليم، التقرير لاحظ أيضا زيادة تسارع العولمة الاقتصادية من جهة وتباطؤ الإصلاحات الاجتماعية والسياسية والبيئية بسبب عدم وجود آليات محاسبة ومراقبة في الدول النامية موضحا أن سعي تلك الدول لاجتذاب مزيد من الاستثمارات وزيادة الصادرات أدى في الغالب إلى ضعف حماية العمالة والمعايير البيئية، فقراء العالم يلمسون عن قرب نتائج التقرير فثروات العالم مقسمة بين الـ 80% هي من نصيب نحو مليار شخص يعيشون في الدول المتقدمة بينما يضطر أكثر من خمسة مليارات شخص يعيش في أكثر الدول النامية إلى التشارك في الـ 20% فقط من الثروات العالمية، كما أن ربع العاملين في العالم لا يجنون أكثر من دولار واحد في اليوم، قيمة هذا التقرير أنه يأتي قبيل قمة تعقد الشهر المقبل في نيويورك لمراجعة وعود الألفية بعالم أفضل قبل العام 2015، هذه القمة تتعهد بخفض الفقر إلى النصف والقضاء على الإيدز، حقائق الواقع قد يتعين على الزعماء أن يدركوها وهم يعدون لمحفل خطابي آخر، حتى لا يقال بعد سنوات عشر أبشر بطول سلامة يا فقر.

محمد كريشان: معنا في هذه الحلقة هنا في الأستوديو الدكتور مصطفى المرابط أستاذ بجامعة محمد الأول في وجدة بالمغرب ومن القاهرة جودة عبد الخالق أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة وقد اتصلنا بمسؤولين من الأمم المتحدة في بيروت وعمان للمشاركة في هذا النقاش ولكن تعذر ذلك، نبدأ بالدكتور المرابط هنا في الأستوديو، دكتور أبرز استنتاج أنه 80% من ثروة العالم في يد 20% من سكان العالم.

"
خمس سكان العالم يستأثرون بثروات هذا الكوكب بينما أربعة أخماسه لا يجدون ما يسدون به رمق عيشهم
"
مصطفى المرابط
مصطفى المرابط– أستاذ بجامعة محمد الأول: يعني هذا الرقم ليس جديد في حد ذاته هو فقط في كل مرة يحاولون أن يثار من جديد للفت الانتباه إلى مسألة التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية بين سكان العالم.. فيعني خمس سكان العالم يستأثرون بثروات هذا الكوكب بينما أربعة أخماس لا يجدون ما يسدون به رمق عيشهم.

محمد كريشان: هل كانت النسبة قبل ذلك أقل؟

مصطفى المرابط: يعني هو النسب في التفاوتات هي في تصاعد، فإذا أخذنا مثلا أول قياس لهذه التفاوتات كان في أواسط القرن التاسع عشر 1850 كانت التفاوتات بين الدول الغنية والدول الفقيرة حوالي الثلث، في حين قفز هذا الرقم في سنة 1973 إلى 44 مرة، ليصل في 1995 إلى حوالي 82%، ليستقر في سنة 2000 إلى 86%، إذاً هذه التفاوتات في تزايد مع الأخذ بعين الاعتبار أن ثروات الكوكب أو الثروة العالمية تضاعفت ست مرات..

محمد كريشان [مقاطعاً]: الثروة تضاعفت ست مرات والاختلال يزداد.

مصطفى المرابط [متابعاً]: يزداد، مع أن كذلك كان هناك السنة الماضية 2004 تقرير لبرنامج الأمم المتحدة للتنمية تحدث على أن أفريقيا تراجعت قرنا من الزمن، بمعنى أن إذا أريد تقليص نسبة الفقر في أفريقيا فإننا يجب أن ننتظر سنة 2147.

محمد كريشان: نعم.. سيد جودة عبد الخالق في القاهرة ما الذي أفجعك أكثر أن صح التعبير في سرد الاختلالات في التقرير الجديد للأمم المتحدة؟

جودة عبد الخالق– أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة: ربما أكبر شيء أفزعني في واقع الأمر هو زيادة تفاوت درجة التفادي والتهميش على مستوى العالم سواء كان داخل كل دولة من الدول أو بين الدول بعضها وبعض، هذه مسألة خطيرة للغاية لأنه هي تأتي على خلفية أهداف الألفية التي أعلنتها الأمم المتحدة وبدأت كل الدول في تطبيقها عام 2000 وقد مر خمس سنوات الآن مر عشر سنوات..

محمد كريشان [مقاطعاً]: عشر سنوات.

جودة عبد الخالق [متابعاً]: على إعلان كوبنهاغن وبرنامج العمل وطبعا كلنا نعرف الوعود البراقة التي أعلنت في ذلك الوقت منذ عشر سنوات، الآن وبعد عشر سنوات من قمة كوبنهاغن وبعد خمس سنوات من بداية تنفيذ برنامج أهداف الألفية أعتقد أننا.. أقصد العالم بحاجة إلى وقفة شديدة للغاية وبتقديري أن مربط الفرس..

محمد كريشان [مقاطعاً]: دكتور.. نعم.. عفوا.. خلال العشر سنوات يعني هي الفترة التي تم الحديث فيها أكثر من غيرها عن إعادة الهيكلة والتجارة الحرة والخصخصة والعولمة، هل كل هذه المفاهيم ببعديها الاقتصادي والاجتماعي أدت إلى مزيد من الاختلالات مع أنها يفترض أنها تؤدي إلى انسياب أكثر وسلاسة أكثر في انتقال الثروة والبشر؟

جودة عبد الخالق: السلاسة والسهولة في انتقال الثروة والبشر تخضع أيضا لمفعول قانون الطرد المركزي، بمعنى إن هناك سلاسة في انتقال رؤوس الأموال بين الدول ولكن لا توجد سلاسة مناظرة في انتقال العمل بين الدول ولا حتى داخل الدول المختلفة وبالتالي ينتج عن هذا طالما أن العمل أكثر سلاسة في الانتقال رأس المال.. عفوا العمل أقل سلاسة في الانتقال بالمقارنة برأس المال فهذا ينتج عنه تفاوتت كبيرة في مردود الذي يحصل عليه عنصر العمل وعنصر رأس المال، لابد أن أؤكد أنه الفترة التي مضت منذ إعلان كوبنهاغن اقترنت بتطور شديد الأهمية من منظور الظاهرة التي نتحدث عنها وهي ازدياد التفاوت على مستوى العالم والتي يحمل التقرير كعنوان له ورطة اللامساواة هذا عنوان التقرير ورطة اللامساواة، التطور الخطير الذي حدث في 1995 تحديدا هو بدء عمل منظمة التجارة العالمية ومعروف أن منظمة التجارة العالمية تدعو إلى تحرير التجارة ومجموعة من الإجراءات كلها تصب لصالح الشركات دولية النشاط والدول المتقدمة وعلى حساب الدول الفقيرة لصالح رأس المال وعلى حساب العمل.

محمد كريشان: نعم.. دكتور المرابط تقرير الأمم المتحدة وهو تقرير يصدر دوريا منذ سنة 1952 يعني أصبح تقليد معمول به يشير إلى هذه الخطورة ليس فقط على مستوى العالم والقوة في العالم وإنما أيضا حتى داخل كل دولة.. يعني الفجوة تتسع بين أغنياء العالم وفقرائه من ناحية وبين أغنياء كل دولة وفقرائها، كيف نفسر هذه الظاهرة؟

مصطفى المرابط: أنه بالفعل هذه الظاهرة هي كانت موجودة لكن أصبحت أكثر استفحال وأكثر بروزا مع ما يسمى بالعولمة بحيث أنه لم يعد الآن الحديث عن الشمال يشار به دائما إلى أوروبا وأميركا بل في كل دولة من دول العالم هناك شمال وهناك جنوب، كما أنه في دول الشمال هناك شمال وهناك جنوب، هذه التفاوتات.. يعني السؤال الذي يجب أن يطرح هو كيف يمكن أن نفهم أن هذه التفاوتات تتراوح بين الصورة والحقيقة؟ الصورة هي للاستهلاك ودائما هناك تقارير تتحدث عن هذه التفاوتات ورغم كل البرامج والمساعي لم تنجح في تقليص هذه الفجوة بل كما رأينا من خلال الأرقام أنها تتسع وخذ مثلا.. يعني لهذه التفاوتات إذا أخذنا فقيرا من فقراء العالم وحاولنا أن نقارنه بما يحصل عليه مثلا لاعب من لاعبي كرة القدم، نجد أن فقيرا من هؤلاء الفقراء يحتاج إلى مائة وتسع سنوات حتى يحصل على ما يحصل عليه لاعب مشهور مثل زين الدين زيدان في يوم واحد، إذاً هذه الفجوة لا تمثل الصورة إنما تمثل الحقيقة.


أسباب التفاوتات

محمد كريشان: عفواً.. هل التكلفة الاجتماعية لعمليات إعادة الهيكلة هي التي ارتدت سلبا على الاقتصاد.. يعني الاقتصاد أثر في الاجتماع والاجتماع زاد في التأثير السلبي على الاقتصاد؟

مصطفى المرابط: قد يكون عاملا من العوامل، لكن أنا أريد أن أشير إلى أن أسباب هذه التفاوتات أسباب بنيوية، بل يذهب بعض الباحثين إلى اعتبار أنه لا يمكن أن نفهم غنى الشمال بدون فقر الجنوب كأنها عملية اشتراطية أن شرط غنى العالم يشترط فيه أن يكون العالم الآخر فقيرا والعكس كذلك صحيح، لذلك فأنا أعتقد أن هذا المشروع يتضمن هذه الخلاصات في مقدمتها أساسا، لذلك سبق لبعض المنظرين أن تحدثوا عن هذه الأزمات.. يعني منذ بداية القرن بل نادر ما نشر تقرير في بداية السبعينات سماه أوقفوا هذا النمو لأنه كان يرى بعين استباقية للتاريخ أن هذه التفاوت ستزداد استفحالا مع الزمن.

محمد كريشان: دكتور عبد الخالق في القاهرة، كانت المقاربات المعتمدة إلى حد الآن هو أن التنمية الشاملة بمعناها المرتكز أساسا على الاقتصاد وعلى تنمية الثروة يفترض أن تنعكس إيجابيا على مناحي الحياة من صحة وتعليم وغيره، فإذا بهذا البعد الاقتصادي البحت ينعكس سلبا، هل نحن مدعوون أمام هذه الاختلالات التي عددتموها إلى مراجعة هذا المفهوم للتنمية الآن؟

"
المطلوب لحل مشكلة الفقر في العالم هو  إعادة النظر في قواعد إدارة الاقتصاد العالمي وما يسمى معايير السياسة العامة في الدول المختلفة
"
جودة عبد الخالق
جودة عبد الخالق: هناك ضرورة ملحة للغاية لهذه المراجعة وهذا موضوع في الواقع محل جدل كبير بين الاقتصاديين والمفكرين الاجتماعيين، المطلوب الآن هو إعادة النظر في قواعد إدارة الاقتصاد العالمي وما يسمى معايير السياسة العامة في الدول المختلفة سواء في المجال الاقتصادي أو الاجتماعي أو البيئي أو غيره، الحادث الآن هو أننا إزاء مركب شديد القوة والسطوة، هذا المركب يتكون من ثلاثة مكونات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية، وزارة الخزانة الأميركية تقف مع هذا المركب وكل هذا ما يسمى فكر الليبرالية الجديدة التي تؤمن بتفكيك القيود وإزالة كافة الضوابط والحواجز أمام حركة رؤوس الأموال، أمام حركة الأسعار في الأسواق المختلفة وطبعا هذه العملية لابد أن يكون لها ضحاياها، لأن هي محكومة كما ذكرت في البداية بقانون الطرد المركزي أو كما قال السيد المسيح من كان عنده يعطى ويزاد ومن ليس لديه يؤخذ منه، المطلوب الآن هو وقفة لمراجعة منطق (كلمة غير مفهومة) والليبرالية الجديدة وهو الفكر الذي تعبر عنه الإدارة الأميركية الآن مع بعض التحالفات من الدول المتقدمة بالذات في بريطانيا واليابان.

محمد كريشان: نعم.. إذاً العالم يحتاج إلى وقفة للمراجعة ونحن سنتوقف هذه الوقفة بعدها سنطرح تساؤل عن مستقبل التنمية في ضوء هذه الاختلالات التي أشار إليها التقرير ونتساءل عما إذا كان المستقبل سيكون قاتما أكثر من الوضع الحالي؟ نرجو أن تبقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

محمد كريشان: أهلا بكم من جديد وحلقتنا تتناول التقرير الأخير للأمم المتحدة حول الاختلالات وتفاقمها على الصعيد الاجتماعي على مستوى العالم وعلى مستوى كل دولة، دكتور مرابط عندما حددت قمة كوبنهاغن قبل عشر سنوات الأهداف الإنمائية للألفية ويفترض أن يقع الوصول إليها في 2015، كان أول هدف القضاء على الفقر المدقع والجوع الآن الدعوة التي دعى إليها الدكتور عبد الخالق تجعلنا نقف عند تزايد حجم الفقر، إذاً هل سنصل في 2015 إلى وضع أسوأ بكثير مما نحن فيه الآن؟

مصطفي المرابط: يعني هو لا شك أنه إذا استمر العالم أو خاصة منفذي القرارات أو المتحكمين في الخارطة العالمية إذا استمر العالم في هذا الاتجاه لا شك أننا سنتجه نحو الأسوأ والأوضاع لن تزيد إلا مع الزمن سواء، أنا أقول بأنه هذه الأرقام في حد ذاتها فعلا منذرة لكن ليس في حد ذاتها جديدة لأن مقدمات الأنماط المعتمدة سواء على المستوى الاقتصادي أو المستوى السياسي كانت متضمنة في هذه المقدمات وبالتالي أنا أعتقد أن حتى وإن قَبِل العالم بهذه الأنماط على مستوى الاقتصاد أو على مستوى التنمية فإنها غير ممكنة تماما لأن..

محمد كريشان [مقاطعاً]: يعني عفواً.. لا توجد إمكانية للتدارك لإيقاف هذا الاختلالات المتفاقمة؟

مصطفي المرابط [متابعاً]: توجد إمكانية للتدارك إذا تم معالجة الأسباب التي كانت وراء هذه الاستفحالات وهذا الظلم على المستوى العالمي، أنا قلت هناك عائقان ينذران بأن هذا التنمية لا يمكن تعميمها على المستوى العالمي، العائق الأول هو العائق الاجتماعي الذي تحدثنا عنه، الخبراء اليوم يؤكدون أنه إذا كانت فيما قبل البرازيل والمكسيك على سبيل المثال كان بإمكانها أن تدرك الدول الغنية في ظرف عشرين أو خمسة وعشرين سنة فالمسافة اليوم التي تفصل هذين البلدين عن الدول الغنية أصبحت تقدر بقرن من الزمن مائة سنة، أما إذا أرادت دولة من دول أفريقيا جنوب الصحراء أن تلتحق بالركب كما يقال فإن عليها أن تنتظر ثلاث آلاف سنة لتصل إلى هذا الركب.

محمد كريشان: دكتور عبد الخالق هذه الأرقام المفجعة هل تعود إلى أزمة تنمية داخل الدول الفقيرة تجعلها تزداد ارتهاناً أم نتيجة أنانية الدول المتقدمة التي يقال أن عدد قليل منها فقط التزم بما عليه من واجبات تجاه الدول الفقيرة خاصة إلغاء الديون وزيادة حجم المساعدات؟

جودة عبد الخالق: أخي العزيز موضوعيا نحن إزاء هيكل لتوزيع القوى والسلطة على المستوى العالمي وهيكل توزيع القوى والسلطة محوره الآن واشنطن العاصمة الأميركية حيث توجد وزارة الخزانة الأميركية والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي والطرف الآخر في جنيف حيث توجد منظمة التجارة العالمية، المسألة ليست مسألة أنانية إنما هي إطار لتوزيع السلطة ولاتخاذ القرارات والمطلوب الآن هو إعادة النظر في هذا الإطار لأنه لابد أن نلاحظ أن الاتجاه الحالي نحو العولمة..

محمد كريشان [مقاطعاً]: يعني عفوا دكتور ترجع الأمر إلى.. كنتيجة للمشهد السياسي المشهد الاقتصادي يعني كان تابعا؟

جودة عبد الخالق [متابعاً]: على المستوى الدولي وتجليات هذا المشهد على مستوى كل دولة من الدول، يعني إذا أخذنا مثلا الجيوب التي يتركز فيها الفقر على مستوى العالم أفريقيا جنوب الصحراء ومنطقة جنوب أسيا سنلاحظ أن الأنظمة في أفريقيا في حالات كثيرة جدا أنظمة يرتع فيها الفساد ويعشش وفي الحالات التي يحدث فيها التغيير السياسي هذا التغيير السياسي يصطدم بالبيئة الدولية التي هي بيئة غير مواتية على الإطلاق من منظور التنمية في الدول الفقيرة وبالتالي في تقديري المطلوب الآن هو وقفة شديدة جدا مع الإطار الحالي لاتخاذ القرارات هذا يتضمن إعادة هيكلة صندوق النقد الدولي والطريقة التي يعمل بها ويتضمن إعادة البنك الدولي للإنشاء والتعمير هذه المؤسسات أنشئت منذ حوالي خمسين سنة وخلال خمسين سنة حدثت تطورات كبيرة للغاية، الآن الدول الفقيرة وهي 80% من سكان كوكبنا الذين يحصلون على 20% من ثروة هذا الكوكب هؤلاء مستبعدون تماما من عملية اتخاذ القرار، المطلوب إدخال أربع أخماس البشرية في عملية اتخاذ القرار وهذا يتضمن إعادة هيكلة عملية اتخاذ القرار والمؤسسات المالية على المستوى الدولي.


أثر وتبعات التفاوت على الاستقرار العالمي

محمد كريشان: دكتور طالما ربطت بين البعدين السياسي العالمي والاقتصادي التنموي، من بين ربما ما يلفت الانتباه في تقرير الأمم المتحدة هذا الأخير هو حديثه عن أن عدم المساواة الاقتصادية والاجتماعية والمنافسة حول المصادر الشحيحة في العالم قد تغذى وتزيد من الأعمال الإرهابية المحلية والدولية، هذا بعد اجتماعي اقتصادي للإرهاب الدولي ربما لم يسبق للأمم المتحدة أن أشارت إليه بمثل هذه الصورة، ما رأيك؟

جودة عبد الخالق: هذا صحيح ويؤكده أنه في عصر العولمة ومع اتساع نطاق أدوات التفاعل عبر العالم من فضائيات ووسائل الحصول على المعلومات وجمعها واختزانها واسترجاعها يمكن لكل ساكن من سكان هذا الكوكب أينما كان موقعه أن يلاحظ ما يحدث في أماكن أخرى من الكوكب وهذا في حد ذاته يجسد التفاوتات الموجودة أكبر بكثير جدا من أي مرحلة تالية، أضف إلى ذلك أنه إمكانيات زلزلة الكون من خلال أعمال إرهابية هنا وهناك كنوع من رد الفعل العفوي لمدى الظلم والتباين الاجتماعي والاقتصادي القائم يجعلنا أمام تطور بالغ الخطورة على الإطلاق وأنا اعتقد أن الدول المتقدمة عليها أن تدرك أنه إذا كنا نعيش في قارب واحد فإنه من مصلحة الجميع أن نسعى إلى عقد عالمي جديد يعيد توزيع السلطة وعملية اتخاذ القرار على مستوى العالم، لأنه التقدم والرفاهية الذي حققته الدول المتقدمة يصبح في الواقع محفوف بمخاطر شديدة جدا.

محمد كريشان: دكتور مرابط هذا العقد العالمي الجديد هل هو ممكن برأيك الآن؟ هل نحن أصلا ينقصنا العقود والمواثيق؟

"
المشكلة الحالية هي عند العجز عن الحل  في تغيير الواقع يُعمل على تغيير الكلمات، والعمل على تغير الصورة ولكن دون العمل الحقيقي لحل الأزمة
"
مصطفي المرابط
مصطفي المرابط: لا هذا اللي حاولت أن أشير إليه في البداية عندما يكون هناك عجز في تغيير الواقع وفي تغيير الأفعال يُلتفت إلى تغيير الكلمات، فالصورة هي التي تتغير أما الحقيقة لا تزيد إلا استفحالا، فأنا أقول أنه يجب أن ننظر في الأسباب التي أنتجت لنا هذه الصورة، فالمشكلة مشكلة في القيم، هناك قولة جميلة جدا لأحد الباحثين المشهورين إدوارد غولد سميث يقول إن المجتمعات ما قبل الحضارة الغربية كانت تحاول أن تكيف نمط حياتها على حسب محيطها وبيئتها، عندما جاءت الحضارة الغربية أرادت أن تكيف المحيط والبيئة وفق نمط حياتها، فلابد من أن نشجع التنوع وتعدد الأنماط المختلفة لأن ينظر كل مجتمع وكل حضارة أن تنظر في كيفية ترجمة حاجاتها الاقتصادية الاجتماعية السياسية وفق نمطها، لأنه كما قلت أنه حتى وإن أريد لهذا النمط أن يعمم يستحيل اجتماعيا وبيئيا.. يعني إذا أخذنا مثلا قياس ابتدعه الباحثون اليوم يسمى بالبصمة الإيكولوجية (كلمة بلغة أجنبية)، هذا البصمة الإيكولوجية هي عبارة عن المساحة الأرضية التي تتيح لكل فرد من سكان العالم أن يعيش فيها، بمعني بخيراتها وأن تمتص نفاياته، المساحة المتاحة عالميا بالنظر إلى الديموغرفيا هي 1.8 هكتار، نجد أن فرد من الولايات المتحدة الأميركية يستأثر بتسع هكتارات، الإنسان في كندا يستأثر بسبع هكتارات، الإنسان في أوروبا بأربع هكتارات، في حين أن إنسان من أثيوبيا لا يستأثر إلا 0.8 هكتار، إذا عمم هذا النموذج فإننا يقول الخبراء سنحتاج إلى سبع كواكب من حجم الأرض، إذاً يستحيل أن يعمم هذا، فلم يعد المشكل مشكل دول الجنوب فقط إنما أصبح كذلك المشكل مشكل دول الشمال ليس من مصلحتها أن تعمم نمط حياتها بل لابد أن ينظر كل مجتمع كيف يمكن أن يكيف نمط حياته وفق فضائه ووفق بيئته.

محمد كريشان: دكتور عبد الخالق الأمم المتحدة عندما تقدم هذه الجردة المتشائمة، هل هي قادرة الآن على أن تتجاوز ذلك لتقدم إسهام ربما يخفف من وطأة.. هل بإمكانها أن تجعل المستقبل أقل كآبة مما توقعتماه في هذه الحلقة؟

جودة عبد الخالق: أنا كنت أتمنى ذلك ولكنى أشك في ذلك كثيرا، الأمم المتحدة الآن ربما تعيش أضعف أيامها، يؤسفني أن أقول ذلك، الأمم المتحدة يمكنها أن تقرع جرس إنذار ولكنها عاجزة عن تحريك السواكن وإدارة الشأن الدولي في الاتجاه المطلوب، أنا أود أن أوافق الدكتور مصطفي لأنه المشكلة تكمن في محاولة فرض نمط للحياة، هو نمط الدول الرأسمالية المتقدمة على كل سكان هذا الكوكب وهذا يصطدم بمشكلتين؛ المشكلة الأولى حول مدى إمكانية تحقيق هذا النمط والمشكلة الثانية وربما هي أخطر حول مدى ملائمة هذا النمط وبالتالي حينما أشرت أنا إلى ضرورة إعادة هيكلة النظام الاقتصادي والسياسي الدولي وإعادة توزيع السلطة واتخاذ القرار فأنا قصدت تحديدا تقليص نطاق قوة الدول المتقدمة في فرض مفهومها للعالم ونمط الحياة الذي تروج له وفي نهاية الأمر هي عملية فتح الأسواق لمِا تنتجه الشركات الدولية النشاط التي تنتمي إلى هذه الدول لكي توزع بضاعتها على مستوى العالم، هذا يصطدم بحاجز في البيئة وفي الموارد ويصطدم بحاجز الاستبعاد والتهميش الاجتماعي الذي مؤكد أنه سيفرز نزعة للعنف ولا أقول للإرهاب، نزعة للعنف، لأنه طبيعي أن يكون رد فعل الإنسان للظلم محاولة مقاومة هذا الظلم وهذه المقاومة تأخذ صورة القوة والعنف في أحيان كثيرة.

محمد كريشان: دكتور مرابط في كلمتين هل نحن أمام قدرية كونية جديدة فيما يتعلق بهذه القضية؟

مصطفي المرابط: لا أبدا إنما أمام إرادة عالمية لفرض هذا النمط من الحياة وإن كانت في الظاهر يعني تبدو اجتماعية سياسية اقتصادية، لكنها في العمق مشكلة قيم.

محمد كريشان: شكرا لك دكتور مصطفي المرابط أستاذ بجامعة محمد الأول في وجد بالمغرب، شكرا أيضا لضيفنا من القاهرة الدكتور جودة عبد الخالق أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة، كالعادة نذكركم بإمكانية المشاركة في هذا البرنامج من خلال مقترحاتكم من خلال موقعنا على الإنترنت أو عنواننا الإلكتروني بالأحرى indepth@aljazeera.net غدا بإذن الله لقاء جديد في أمان الله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة