يوشكا فيشر.. ألمانيا والشرق الأوسط   
الاثنين 1425/11/29 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:21 (مكة المكرمة)، 14:21 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

أكثم سليمان

ضيف الحلقة:

يوشكا فيشر: وزير الخارجية الألماني

تاريخ الحلقة:

20/02/2004

- الموقف الألماني من القضية الفلسطينية
- السياسة الألمانية تجاه العراق
- شراكة ألمانية عربية
- حوار الشرق والغرب

أكثم سليمان: مشاهدينا الكرم أهلاً وسهلاً بكم في حلقة اليوم من برنامج لقاء خاص والتي نتناول فيها قضايا السياسة الخارجية الألمانية في تعاملها مع مشاكل المنطقة العربية، مع القضية الفلسطينية مع المسألة العراقية ومع المشاريع الكثيرة التي يجري الحديث عنها لتحديث الشرق الأوسط وتغيره، ضيف هذه الحلقة هو وزير الخارجية الألماني السيد يوشكا فيشر.

الموقف الألماني من القضية الفلسطينية

أهلاً بك وشكراً على تلبية الدعوة، السؤال الأول هو جئت من زيارة إلى إسرائيل والتقيت رئيس الوزراء الفلسطيني أحمد قريع هنا، كيف يكون الحال حين يحتج فلسطيني لدى وزير الخارجية الألماني تحديداً على جدار يبنيه إسرائيليون؟

يوشكا فيشر: إنه وضع صعب خاصة من ناحية رؤيتي أنه من حق أي حكومة في العالم حماية أبنائها من الإرهاب وإذا استلزم الأمر بناء حائطاً ذلك يكون قراراً وطنياً بحتاً لكن من وجهة النظر الأخرى فإننا ننتقد مسار الجدار الذي كان يتوجب أن يحاز الخط الأخضر، هذا هو الموقف الثابت لنا وعبرت عنه في إسرائيل قبل أيام لكن وبدون أدنى شك فإننا نحتاج إلى حل سياسي للأزمة، يجب إيقاف العنف والإرهاب ومعاناة الأبرياء على الجانبين وخاصة الأطفال هذا ما يجب أن يحرك المسؤولين على الطرفين باتجاه تحريك العملية السلمية مجدداً.

أكثم سليمان: أن يسير جدار بمحاذاة الحزام الأخضر يعني أن يقسم قلب القدس هل هذا هو المقصود؟

يوشكا فيشر: القدس تمثل مشكلة خاصة حيث أن تحديد وضعها صعب مقارنة بقضايا أخرى وهو ما يعزز رؤيتنا الواعية لمعنى وإبعاد الإجراءات المتخذة المهم بالنسبة إلينا هو الوصول إلى حل توافقي بين الأطراف بالسرعة الممكنة بحيث لا تعود هذه الأسئلة لتكون على بساط البحث.

أكثم سليمان: الجدار الإسرائيلي هو أحد عوائق عملية السلام في الشرق الأوسط وخاصة من رؤية فلسطينية الرؤية الأميركية تعتبر أن هناك عائقاً يتمثل بشخص الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات كيف ينظر وزير الخارجية الألماني والأوروبيون إلى عرفات اليوم؟


استمرار الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين سيؤدي فقط إلى سقوط المزيد من الأبرياء من الطرفين وسيوسع مساحة البؤس لدى الطرفين
يوشكا فيشر: سُألت قبل أيام في إسرائيل إن كان عرفات مهماً؟ قلت أنا لست شخص مخول بالإجابة عن هذا السؤال بل الشعب الفلسطيني شرط أن تكون إجابته بواسطة الانتخابات هذا هو المهم، إن ما تصفه من قضايا الجدار قبل عرفات ومن وجهة النظر الإسرائيلية الإرهاب كل هذه القضايا توضح أن الصراع إذا استمر سيؤدي فقط إلى سقوط المزيد من الأبرياء من الطرفين وسيوسع مساحة البؤس لدى الطرفين وهذا يشمل خاصة الأوضاع المعيشية الصعبة للفلسطينيين بالدرجة الأولى ولكن أيضاً الأصدقاء الإسرائيليين الذين لا يعرفون ماذا يمكن أن يحدث في اللحظة التالية، فهم يشعرون بالقلق لابد من إيجاد مخرج عنوانه المسؤولية وهذا المخرج لا يمكن إلا أن يكون الوصول إلى حل الدولتين فلسطين وإسرائيل، دولتين تعيشان بسلام بجوار بعضهما البعض هذا يتطلب اتفاق حول القدس وحول القضايا الأمنية واتفاقاً حول المياه وحول حق العودة للاجئين وغيرها من الأسئلة الهامة، إن عناصر الحل موجودة لكن هناك نقص في الإرادة السياسية في جمع هذه العناصر من خلال اتفاقية سلام وصلح تاريخي هنا يجب أن تتركز الجهود وآمل أن تكون هناك خطوات نحو الأمام في الأسابيع القادمة.

أكثم سليمان: هل لدى وزير الخارجية الألماني معلومات ليست لدينا كوسائل إعلام؟

يوشكا فيشر: هناك نقاش مكثف في إسرائيل حول جدوى بقاء المستوطنات في غزة وأرى أن هذه الخطوة مهمة على الطريق الصحيح وخاصة إذا ما وضعت في إطار خريطة الطريق وقد تقود إلى خطوات أخرى أنا أرى أنه من الضروري حصول إبقاء قريب قدر الإمكان بين رئيسي وزراء الطرفين من أجل البدء بالمحادثات حول هذه القضايا وقضايا أخرى قد تحمل تطور إيجابياً ولكن وكما هو عليه الحال في الشرق الأوسط ما يبدو في لحظة ما ممكن يعود ليصبح غير ذلك في اللحظة التالية لكنني أنتمي إلى الفريق المتفائل، لا يجوز الاستسلام لليأس.

أكثم سليمان: قمت باتفاق لمرة بحيث أطلقت مبادرة خاصة عرفت باسم مبادرة فيشر، كانت ترى إعلان دولة فلسطينية في بداية حل سلمي للأزمة لا في ختامه، الأمر انتهى بتحولها إلى خارطة الطريق، لماذا التخلي عن الخطة الذاتية؟ هل هي ناحية التواضع في السياسة الألمانية الخارجية؟

يوشكا فيشر: نحن جزء من السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي ونشارك في صنعها وهناك مسألتان هامتان تبدوان أحياناً وكأنهما فقدتا أهميتهما، الأولى مسألة اللجنة الرباعية، ما أهمية هذه اللجنة؟ الأهمية تنبع من تبني أهم اللاعبين في الأسرة الدولية أي الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا والأمم المتحدة ودول عربية موقفاً موحداً للمرة الأولى قائماً على نتائج ما يعرف بتقرير ميتشل، أما المسألة الثانية فهي الالتزام بخارطة الطريق نفسها التي تعني خطة تهدف إلى الوصول إلى حل الدولتين وهو الحل الوحيد برأي الذي يسمح بإحلال السلام رغم أنه يتطلب تنازلات مؤلمة من الطرفين وكل ما عدا ذلك لا يمثل فرصة حقيقية للسلام برأي أعتقد أن ذلك لا يمثل أي فرصة لذلك أعتقد أن علينا التمسك باللجنة الرباعية وعلينا التمسك بخارطة الطريق.

أكثم سليمان: السياسة الألمانية كانت أقل تواضعاً حين تعلق الأمر بتبادل الأسرى بين حزب الله وإسرائيل وأنجزت منفردة ما لم ينجزه الآخرون، هل تنظرون بتفاؤل إلى المرحلة الثانية من هذه العملية والتي تتضمن كشف مصير رون آراد ودبلوماسيين إيرانيين؟

يوشكا فيشر: لدينا قاعدة هنا وهي أننا لا نقلق على هذه القضية أستطيع أن أقول فقط إننا نقدم العون بسرور حين يطلب منا ذلك لا أكثر ولا أقل.

السياسة الألمانية تجاه العراق


القرار بشأن العراق كان سيكون مختلفاً لو كان الأمر بيدنا، فالمفتشون الدوليون كانوا سينجزون عملهم كله لو حصلوا على وقت أكثر
أكثم سليمان: أحد أهم القضايا في الشرق الأوسط حالياً هي قضية العراق التي تشغل الجميع، هذه القضية كانت مركز اهتمام وحركت العواطف والسياسة في ألمانيا في الأشهر الماضية، كيف تبدو السياسة الألمانية تجاه عراق ما بعد الحرب؟ كانت ألمانيا ضد الحرب لكنها تمنت النصر للحلفاء عندما بدأت الحرب وألمانيا تعارض اليوم دخول الناتو إلى العراق لكنها لن تعيق أي قرار بهذا الشأن كما تقول، ما هي العوامل المحددة للسياسة الألمانية تجاه العراق اليوم؟

يوشكا فيشر: أعتقد أن هناك عوامل أخرى لم تذكرها في سؤالك أكثر أهمية، صحيح أن شكوك انتابتنا تجاه الحرب ونتائجها والأحداث تؤكد صحة رأينا ولكن ورغم كل شيء -وهذا مهم ليس لنا فقط بل للشعب العراقي أيضاً- يجب كسب السلام الآن هذا من مصلحة الشعب العراقي والمنطقة بأسرها هذا يعني الاستقرار في منطقة نرتبط بها من عدة نواحي إيجابية وسلبية لا من الناحية التاريخية فقط وقضية الاستقرار في هذه المنطقة تهمنا بشكل مباشر كأوروبيين وكألمان كنا نرى ومنذ البداية أن العملية يجب أن تكون بشكل أكبر تحت رعاية الأمم المتحدة، من هنا فإن زيارة الأخضر الإبراهيمي مؤخراً إلى العراق خطوة هامة بالاتجاه الصحيح.

نحن ننشط في أفغانستان وفي كوسوفو وأرجو ألا تنسوا أن الناتو حارب في كوسوفو من أجل حقوق الإنسان لجماعة معظمهم مسلمون وكانت عرضة للتشريد والتقتيل أحيانا، لم يكن الأمر يتعلق بالعقائد بل بالتمسك بقيم مشتركة ممثلة بحقوق الإنسان وفي أفغانستان أيضاً يتركز اهتمامنا على تسهيل إعادة إعمار البلاد على أساس القرارات التي يتخذها الشعب الأفغاني نفسه ولذلك فإننا نؤيد إعادة السلطة إلى الشعب العراقي وأن يكون للأمم المتحدة دور من خلال ما لها من تجربة وما لها من مصداقية وهذا ما طالبنا به منذ البداية، حالياً نحن ننشط في مجال المساعدات الإنسانية وننشط في إعادة الإعمار لقد ساهمنا في إعادة تأهيل شبكة المياه في بغداد وساهمنا كثيراً ونحن مستعدون للمساهمة بشكل أكبر من ذلك بكثير وعبرنا ولازلنا نعبر عن رغبتنا في المشاركة في تأهيل قوى الأمن العراقية والشرطة وهذا ما سنقوم به فعلاً فنحن نلتزم بوعودنا لكن المهم هو تطور العملية السياسية في العراق والمهم هو تسليم السلطة للعراقيين وإذا ما تم لنا ذلك عن طريق الانتخابات الحرة فإن هذا سيعزز العملية السلمية.

أكثم سليمان: مازال هناك وقت حتى الانتخابات الحرة عام 2005، الحكومة الألمانية تشعر بصحة موقفها الرافض للحرب ولكنها ومن خلال تقديم المساعدات والمواقف السياسية تساهم في تثبيت الواقع القائم في العراق والتخفيف عن الأميركان بل إنك وصفت الهجمات التي تعرض لها الجنود الأميركيون في العراق بأنها هجمات إرهابية.

يوشكا فيشر: حسناً الولايات المتحدة الأميركية هي حليفتنا الأكبر خارج أوروبا ودعني أضيف شيئاً على خلفية عملي لخمس سنوات كوزير خارجية، الولايات المتحدة ضرورة لا يمكن التخلي عنها من أجل السلم والاستقرار في العالم هناك أزمات في عدة مناطق في العالم لم تمكن السيطرة عليها إلا من خلال قوة الولايات المتحدة وتحدثت قبل قليل إلى رئيس الوزراء الفلسطيني وكان من الواضح أن اختراقا حقيقياً على صعيد العملية السلمية غير ممكن من دون الولايات المتحدة هذا ما يعرفه الجانبان الإسرائيلي والعربي على حد سواء، الأميركيون لا يستطيعون إنجاز الأمر وحدهم ويحتاجون إلى مساعدة الأوروبيون لكن الأمر غير قابل للتحقيق من غير الأميركان إذا أردنا الوصول للسلم والاستقرار في الشرق الأوسط فإن ذلك لن يكون بدون الولايات المتحدة عندما نختلف في الرأي مع الأميركان نقول ذلك لكننا في الوقت نفسه نعلم قيمة العلاقات والتحالف مع الولايات المتحدة، ما كنا في ألمانيا لنصبح دولة حرة من دون مساعدة الولايات المتحدة التي خاطرت بحياة أبنائها لتحريرنا هذا ما لن ننساه، هذه السنة سيتم الاحتفال بإنزال الحلفاء في النورماندي في الحرب العالمية أنا لا أقيم وزناً للتوجهات المعادية لأميركا، يمكننا الاختلاف بالرأي مع واشنطن ونتمنى عليهم القيام بدورهم والانتباه إلى دور الأمم المتحدة، أنادي بمبادئ الشراكة مع العالم العربي ولابد أن يحصل العالم العربي على حصته من الحداثة والعولمة والاقتصاد العالمي هذه قضايا هامة ويجب علينا أن نتعاون على حلها مع الولايات المتحدة والشركاء في المنطقة.

[فاصل إعلاني]

أكثم سليمان: السيد وزير الخارجية، دعني أسألك عن إرسال جنود ألمانيا للعراق، أنت ترفض هذا الأمر بشدة رغم ما تراه من إيجابيات في السياسة الأميركية.

يوشكا فيشر: نحن ناشطون جداً في أفغانستان ولا نريد أن نتجاوز طاقاتنا لكن ليس سراً أن القرار بشأن العراق كان سيكون مختلفاً لو كان الأمر بيدنا، كان المفتشون الدوليون سيحصلون على وقت أكثر لإنجاز عملهم هذا كله من الماضي وما نحتاجه اليوم معروف نحن بحاجة بالسرعة الممكنة إلى سيادة عراقية مقبولة من كل العراقيين كما يجب الحفاظ على وحدة أراضي العراق والحيلولة دون سقوطه في آتون حرب أهلية أو تجزئته.

هذا ستكون له نتائج غير قابلة للحساب بالنسبة إلى الشعب العراقي وجيرانه كل هذا تجب مراعاته والنظر نحو الأمام وأرى الآن أنه يتوجب علينا دعم جهود الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان ومبعوثه الخاص الأخضر الإبراهيمي الذي يحظى بتقديري وقام بعمل رائع في أفغانستان أما عسكريا فنحن كما ذكرت ناشطون بقوة في أفغانستان وبرضا الشعب الأفغاني فمن الواضح أن الأمر هنا لا يتعلق بنكسات تعيدنا إلى عالم الاستعمار أو الإمبريالية بل بتعاون حل بدل الصراع في بناء القرن الحادي والعشرين وهذا هو الجديد في هذا القرن، الجديد هو التعاون والانفتاح على الآخر ومراعاة الجيران الإقليميين لدينا ثقافات مختلفة وأديان مختلفة وهذا أثمر تلاقياً إيجابياً في الماضي ويجب أن يكون الحال كذلك في المستقبل هناك فرصة لذلك لكن هذا يشترط أن يعبر الصوت العربي عن نفسه وأن يقدم حصته في تطوير القرن الحادي والعشرين وأنا أعتقد بل أجزم بأن الجانب الآخر من الأطلسي سيكون سعيداً بدوره في هذا الأمر.

شراكة ألمانية عربية

أكثم سليمان: هنا نصل إلى مبادرتكم في مؤتمر ميونخ الأخير والتي ترى أن العالم العربي يحتاج مساعدة، أنه يحتاج إلى تحديث وأنه يمثل عنصر خطر على الأمان بوضعه الحالي لذلك يجب أن يساهم العالم بتقديم يد المساعدة، لماذا الآن فقط؟


من قرأ تقرير الأمم المتحدة للتنمية سيرى أن الاستثمارات في شرق وجنوب آسيا في ازدياد مطرد بينما هي في تراجع في الشرق الأوسط
يوشكا فيشر: لأن الإنسان يتعلم مع الوقت، الأمر هنا لا يتعلق بتقديم مساعدات مالية بل بشراكة، الحادي عشر من سبتمبر أيلول جعلنا نعرف أن الإرهاب يمثل تهديداً بدأ بتوجيه الضربات في العالم العربي وفي أفريقيا، الموضوع هنا ألا نقوم بالتعاون في مجال محاربة الإرهاب فحسب بل أيضاً في مجال الاستشراف، استشراف أفاق المستقبل، لقد ألقى العاهل الأردني الملك عبد الله كلمة مؤثرة في المؤتمر أشار فيها إن أكثر من نصف العرب هم دون الثامنة عشر عمراً هؤلاء يمثلون فرصة للعالم العربي حين يكون هناك مجال للتأهيل مجال للدراسة والعمل آفاق لبناء مستقبل وتكوين أسرة، هؤلاء ليسوا تحدياً فقط يمكن أن تنتهي القصة بنجاح كبير وهذا يهمنا كجيران مباشرين للمنطقة، هل سيصبح البحر المتوسط ساحة مواجهات أم ساحة تعاون؟

أنا من أنصار الاحتمال الثاني السؤال هو، ماذا يمكننا إنجازه من الناحية الاقتصادية نحن الأوروبيون مع الجيران المتوسطيين بما فيهم إسرائيل وتركيا إلى جانب الدول العربية؟ أي نجاح سنحقق في منطقة تمثل مركز طاقة اقتصادية في القرن الحادي والعشرين إذا ما قمنا بحل الصراعات وتجاوز الأحكام المسبقة؟ لا أحد يطالب بإلغاء الاختلافات، الاختلافات بين الناس كانت موجودة على الدوام لكن علينا فهم الاختلاف كفرصة للتلاقي والتعاون هناك إمكانيات كامنة وسوف يسرني أن أسمع الصوت العربي والأفكار العربية بهذا الصدد الموضوع ليس أن نقوم نحن بتقديم حلول وعلاجات، الأمر لا يمكن أن ينجح إلا في حال توفر الإرادة في المنطقة نفسها، من قرأ تقرير الأمم المتحدة للتنمية سيرى أن الاستثمارات في شرق وجنوب آسيا في ازدياد مطرد بينما هي في تراجع في الشرق الأوسط كما تبين الأرقام في الوطن العربي رغم ازدياد الحاجة إلى أماكن عمل بسبب حجم الشباب الكبير في المجتمع هذا الأمر سيؤثر علينا جميعاً لذا يتوجب أيضاً علينا أن نقدم الإجابات المشتركة على هذه التحديات من خلال جهود مشتركة ربما وحوار حقيقي، الأوروبيون جاهزون لذلك أنا متأكد وفكرتي كانت تتمثل في عدم الانتظار إلى أن تتقدم الولايات المتحدة بأفكار مبادرتها في قمة الثمانية أو في قمة الناتو في استنبول بل أن نقوم نحن بعرض أفكارنا كأوروبيين، لدينا استراتيجية أوروبية طورها المنسق الأعلى للسياسة الخارجية الأوروبية خفير سولانا ووافق عليها المجلس الأوروبي نريد ترجمة هذه الإستراتيجية إلى مقترحات وهو ما نعمل عليه.

أكثم سليمان: وما هو الفرق بينها وبين الأفكار الأميركية التي طرحها باول بعدها بيومين وفيها أيضاً نقاط كالتعاون ودعم الديمقراطية؟

يوشكا فيشر: أريد أن أشير إلى بعض النقاط التي تجب مناقشتها، أولاً نحن نرى أنه لا يمكن الالتفاف على قضية الصراع العربي الإسرائيلي من جهة لكن ومن جهة أخرى ومن خلال تجربتنا في الشراكة الأوروبية المتوسطية وإعلان برشلونة فإننا نعلم أنه لا يجوز لهذا الصراع أن يأسرنا ويشل حركتنا تلك هي ظروف برشلونة والشراكة التي تضم إسرائيل وتركيا إلى جانب العرب إذاً يجب إيجاد طريق لجمع الفرقاء في شكل إيجابي من جهة وللمساهمة في حل الصراع ولكن من دون أن ندع الصراع في الشرق الأوسط يسيطر علينا ثانياً يجب أن نفكر بجدية في دول كسوريا التي هي جزء من الشراكة المتوسطية أو دولة مثل إيران فهاتان الدولتان هما جزء من المنطقة ولاعبان هامان رغم كل النقد الذي نوجهه لسياستيهما، هذه نقطة ثالثاً أنا أتمنى شراكة حقيقة أتفهم مخاوف كثير من الأصدقاء العرب الذين نتحدث معهم فتجربة العقود الماضية من السيطرة الغربية يصعب محوها لكن القضية ليست هنا القضية هي الشراكة الحقيقية فقط من خلال شراكة حقيقية يمكننا أن نطلق عملية التطوير التي تحتاجها المنطقة.

أكثم سليمان: هل هذه الشراكة الجديدة مستعدة لسماع الصوت العربي بدلا من الحديث فقط عن هذا الصوت؟ لقد تحدث مثلاً في مؤتمر ميونخ عن ما أسميته الإرهاب الجهادي لكن كلمة جهاد تحمل بمعاني إيجابية بالعربية.

يوشكا فيشر: مفهوم لم أقم باختراع بل أخذته عن كتاب من أبناء المنطقة، أعطني كلمة أخرى وستجد أننا نتحدث عن الشيء نفسه، يجب أن نحاربه وننتصر عليه ولتحقيق ذلك يجب إيجاد بدائل.

حوار الشرق والغرب

أكثم سليمان: ألا يتوجب هنا الحديث إلى العرب لمعرفة كيف يعرفون الأمور؟ وكيف يحددون الأخطار المحدقة بهم التي قد يرون مصادر أخرى لها؟

يوشكا فيشر: لا يخلو الأمر من الحديث هنا وهناك، أنا أتناقش كثيراً مع محاورين عرب بل أعتقد أنه من الأهمية ما كان أن يجري هذا الحوار وأتمنى أن تأتي من الجانب العربي مواقف واضحة تبين لنا في أي الاتجاهات يودون السير، لا أحد معصوم عن الخطأ وهناك نقاط مختلفة للنظر في الأمور أنا آخر من يقول أن موقفنا نحن هو الوحيد المرضي لهذا الشأن لذلك أريد أن استغل الفرصة هنا لأطلب من مؤسسات المجتمع المدني العربي والجامعات والمثقفين والاقتصاديين التقدم بأفكارهم ونحن مستعدون دوماً للتعلم بطبيعة الحال نحن نريد حوار حقيقي ليس فقط على مستوى الكلام بل على شكل عملية مشتركة وهو ما أوضحه الأوروبيون في أكثر من مناسبة وإلا لما كان هناك شراكة أصلا وأعتقد أن شركائنا العرب يعرفون أننا نبادر هنا بقلوب منفتحة وهناك أمراً آخر لدينا في أوروبا جالية مسلمة قوية أيضاً في ألمانية هذا يعني أنه لا وجود لأحكام مسبقة تجاه العالم الإسلامي ليس لدي شخصياً على الأقل ولا لدى حزبي -حزب الخضر- إذن ما نريده فعلاً هو الشراكة الحقيقية والتسامح الضروري لتحقيقها التسامح من قبل الطرفين فكرة التسامح يجب أن تطبع الحوار هذه نقطة مهمة جداً كما أرى.

أكثم سليمان: حوار الشرق والغرب إذن كما يسميه كثيرون ولكن كيف هي آليات التنفيذ المباشر؟ ماذا سيحدث بعد هذه المبادرة وأمثالها؟ هل سيسافر وزير الخارجية الألماني أو الأميركي إلى المنطقة ويقول إما الديمقراطية أو المقاتلة؟ أو يقول سندفع هذا المبلغ أو ذاك لدعم الديمقراطية؟ كيف علينا تخيل هذا الأمر؟

يوشكا فيشر: ما قدمناه وأفكار تم التعبير عنها والآن ستتم مناقشتها في الاتحاد الأوروبي وسيكون من دواعي سروري لو تناولتها القمة العربية التي ستنعقد قريباً وهي مناسبة لإرسال مؤشرات إيجابية ليس فقط فيما يتعلق بالشرق الأوسط بل إنها تمثل إمكانية أيضاً لصياغة وإرسال إشارات فيما يتعلق بنقاشنا هذا كلها إمكانيات يمكن الاستفادة منها وسوف نقوم بالنقاش مع الجانب الأميركي على مستوى مجموعة الثماني وعلى مستوى الحوار بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أنا متأكد أن صياغة موقف أوروبي موحد بهذا الصدد سيجعل الساحة الأوروبية المتوسطية أيضاً مجالا للنقاش إذن هناك إمكانيات كثيرة ولا أرى داعي للتسرع واستباق الأمور يجب النظر فيما يمكن فعله بشكل عملي ومباشر بعد تحديد الأفكار وإذا ما قررنا خلق منطقة تبادل تجاري حر في المنطقة المتوسط حتى نهاية العقد فعلينا التفكير فيما يتوجب علينا فعله إذا كان صحيحا ما تقوله التحليلات الاقتصادية عن الضعف الكبير للتبادل التجاري بين الدول العربية نفسها ونحن نعلم أن هذا التبادل التجاري ضروري من أجل النمو الاقتصادي فإن هذا مجال آخر يمكن التعاون فيه، الأوروبيون لديهم تجربة على هذا الصعيد هناك مسائل أخرى كالتعاون في المجال الأمني والضمانات الأمنية في صراع الشرق الأوسط كل هذه أسئلة ستطرح نفسها ذات يوم بالإضافة إلى أسئلة التعاون الأمني على صعيد إقليمي وهو ما يتطلب شفافية لدى الأطراف المعنية فيما يتعلق بتنفيذ الاتفاقيات وهنا أيضاً يمتلك الأوروبيون تجارب كثيرة، كل هذه الأدوات يجب النقاش حولها والتوصل إلى قرارات بشأنها، كيف ستكون هذه القرارات؟ هذا ما لا نستطيع الإجابة عليه اليوم مهما صفت النيات.

أكثم سليمان: سؤال أخير حول القوة الثلاث الغير عربية في المنطقة تركيا إيران وإسرائيل، أين ترى هذه الدول الثلاث بعد عشرة سنوات؟

يوشكا فيشر: أنا لست نبياً، أعرف أن منطقة أم مشهورة بالأنبياء لكنني لست أحدهم إلا أنني على قناعة تامة بأن النظرة الإقليمية الشاملة سيكون لها دور هام في صياغة مستقبل المنطقة، تجربتنا كأوروبيين تقول إننا كنا قارات الحروب اندلعت من قارتنا حربان عالميتان في القرن الماضي بسبب صراعات أوروبية إقليمية على النفوذ تاريخنا تغير بشكل راديكالي في منتصف القرن الماضي حدث هذا بعد أن تم تدمير ألمانية ثم جاء سياسيون فرنسيون مرموقون وخطة أميركية هي مشروع مارشال وأعطونا الفرصة للتطوير مبدأ جديد يقوم على رفض التسلط والمواجهات على الصعيد الإقليمي وعلى التوفيق بين المصالح المختلفة وهكذا ولد التعاون في أوروبا على أنقاض الصراع، أنظر حولك هذه المدينة التي يجري لقاؤنا فيها كانت عام 1945 مدمرة تماماً كمركز بيروت في حينه المدينة كلها البلد كلها القارة كلها لا شيء سوى الدمار التعاون وتوفيق المصالح بديلاً عن الصراع والتخلي عن العنف والاعتراف بالحدود وحل الأزمات بالطرق السلمية هذا ما غير وجه أوروبا تماماً، هذا ما منحنا فرصة جديدة وما وصلنا إليه نحن الأوروبيون يمكن أن يتوصل إليه الآخرون يمكن أن يتوصلوا إليه بشروط مختلفة أنا مقتنع بهذا تماماً.

أكثم سليمان: شكراً أيضاً لكم مشاهدينا الكرام للمتابعة وحسن المتابعة وإلى اللقاء في حلقة قادمة من برنامجكم لقاء خاص.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة