فقه العمران   
الثلاثاء 14/5/1431 هـ - الموافق 27/4/2010 م (آخر تحديث) الساعة 14:14 (مكة المكرمة)، 11:14 (غرينتش)

- العمران المادي والمعنوي وشروط عمارة المساجد
- سبل تحقق العمران والجوانب المطلوبة فيه

- علاقة العمران بالمقاصد وحضور فقه العمران

عثمان عثمان
 يوسف القرضاوي

عثمان عثمان: السلام عليكم مشاهدينا الكرام وأهلا ومرحبا بكم على الهواء مباشرة في هذه الحلقة الجديدة من برنامج الشريعة والحياة، يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ..}[النور:55] الاستخلاف يشمل إعمار الأرض، فكيف يتحقق العمران؟ وكيف اهتم الإسلام بالتمدن؟ وما أسباب التأزم في العمران الإسلامي الذي برز الوعي به في القرن التاسع عشر وانشغل الكثيرون على إثره بالبحث عن أسباب التقدم والتمدن؟ فقه العمران موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، مرحبا بكم سيدي.

يوسف القرضاوي: مرحبا بك أخ عثمان.

العمران المادي والمعنوي وشروط عمارة المساجد

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور الآية القرآنية {..هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا..}[هود:61] ما المقصود بالعمران هنا؟

يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه، وبعد. ضبطها العُمران مش العِمران، وابن خلدون كان دائما يعني بكلمة العمران ويعني بها ما يسمى الآن علم الاجتماع يعني عمران الأرض باجتماع الناس بعضهم إلى بعض ووجود روابط تربطهم وقوانين تنظم حياتهم، هذا هو العمران. هذه الآية هي مما ذكره القرآن على لسان سيدنا صالح حينما بعثه الله إلى قومه وهم ثمود {..قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ..}[الأعراف:73] هذا هو النداء الأول في كل رسالة توحيد الله {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ}[الأنبياء:25]، {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ..}[النحل:36] فعبادة الله وحده هي المبدأ الأول في رسالة كل رسول يبعثه الله، ثم اهتم كل رسول بإصلاح يعني مجتمعه وإصلاح الفساد المنتشر في قومه، فسيدنا مثلا شعيب اهتم بالجانب الاقتصادي حتى أن بعضهم يقول إنه نبي الاقتصاد، اهتم بمحاربة الرأسمالية حتى قالوا له يعني {قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء..}[هود:87] نحن أحرار مسلطون على أموالنا نفعل فيها ما نشاء أي ما دخلك في هذا. سيدنا لوط يعني قاوم الفاحشة، الشذوذ الجنسي، كل نبي من الأنبياء يهتم بإصلاح مجتمعه، فسيدنا صالح يعني {..هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا..} استعمركم يعني طلب منكم أن تعمروها، السين والتاء في اللغة العربية تفيد الطلب، أين أن الله سبحانه وتعالى طلب منكم وأمركم أن تعمروا الأرض، كما ذكر الإمام الرغب الأصفهاني في كتابه "الذريعة إلى مكارم الشريعة" قال إن مقاصد الله تعالى من الخلق ثلاثة، أولها العبادة {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}[الذاريات:56] والثاني الخلافة {.. إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً..}[البقرة:30] والثالث العمارة {..هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا..} فهذه المقاصد كلها هي تفيد التمدن، إنشاء يعني حضارة، أن تحيا الأرض وتنمو الحياة وتزدهر روابط الناس بعضهم مع بعض، فهذا المقصود بالعمران هنا أن يبدأ الناس يعني يبحثون عما يحتاجون إليه في حياتهم. والله سبحانه وتعالى حينما خلق الأرض بارك فيها وقدر فيها أقواتها من أول ما خلقها وهيأ للناس أرزاقهم فيها كما قال تعالى {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ}[الأعراف:10] {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ..}[الأعراف:11] يعني قبل أن يخلقهم خلق لهم ما يكفيهم وعليهم هم أن ينظموا أنفسهم ويبحثوا من الزراعة من الغرس من العمارة من البناء من تعلم الأدوات المختلفة، حتى إن علماء المسلمين قالوا كل ما يحتاج الناس لتعلمه لتنمو حياتهم وتتكامل يعتبر فرض كفاية عليهم أن يتعلموه ويتقنوا كل العلوم الدنيوية، حتى مش بس العلوم الدنيوية يعني الطب والهندسة وهذه الأشياء هذه يجب أن يتقنوها يعني حتى لا يحتاج المسلمون إلى غيرهم، يكتفوا اكتفاء ذاتيا والصناعات، الإمام الغزالي والإمام القرافي والإمام الشاطبي وهؤلاء ذكروا أن كل الصناعات التي يحتاج إليها ما نسميه الآن التكنولوجيا وهذه الأشياء بحيث تتكامل معاني القوة والازدهار في الحياة الإسلامية.

عثمان عثمان: عندما تحدث القرآن الكريمة فضيلة الدكتور عن عمارة المساجد {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ..}[التوبة:18] هل المقصود بالعمارة هنا العمارة المادية أم العمارة المعنوية أم الاثنين معاً؟

يوسف القرضاوي: هو الاثنين معا بس المقصود في الآيات التي ذكرت هذه بالذات المقصود بها عمارة المساجد بالصلاة بقراءة القرآن بدروس العلم وتعليم القرآن والسنة بذكر الله عز وجل، لأنه يقول {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ..}[التوبة:17] مش بيبنوا، لا، بيروحوا بيقولوا لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك إلا شريكا هو لك ويخلطون التوحيد بالوثنية والحق بالباطل فيقول {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ..}[التوبة:18] فأولئك هم عمار المساجد الذين ذكرهم في آيات أخرى حينما قال {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ، رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ..}[النور:36، 37] يعني حتى عمار المساجد ليسوا دراويش متعطلين أو متبطلين، رجال أعمال يعني بيزنس يعني {.. لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ..} فهذا الذي يجمع ويمزج بين الدين والدنيا، ليس الإسلام يعني جانب روحاني خالص ولا جانب مادي خالص إنما العمران فيه مرتبط بالناحية الروحية مش مجرد عمران مادي، العمران المادي إذا لم يقترن بالجانب الإيماني والجانب الأخلاقي ربما تعرضت الأمم للفساد، نجد سيدنا صالح هذا الذي ذكرناه{..هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ..} أنكر على قومه قال {وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتاً..}[الأعراف:74] فهذا يعني نوع من العمارة الرفيعة، يعني اتخذوا من الجبال بيوتا وفي قلب الصخور نحتوا بيوتا وأقاموا في سهولها قصورا ولكن هذا لم يبن عنه شيئا لأن هذا اقترن بالطغيان والفساد، القرآن يقول {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ، إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ، الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ، وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ، وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ}[الفجر:6-10] لعل الأوتاد إشارة إلى الأهرام وهذه الأشياء {الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ، فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ}[الفجر:11، 12] ما قيمة هذه الأوتاد وما قيمة هذه الذين جابوا الصخر بالواد والتي لم يخلق مثلها في البلاد إذا لم تكن على تقوى من الله ورضوان، إذا لم تكن على الإيمان والأخلاق، إذا كان الحياة مادية فقط وأنانية فقط ونفعية فقط لا قيمة فيها للجانب الإيماني أو الرباني أو الأخلاقي، ستكون يقترن بها الطغيان والطغيان مقترن بالفساد {الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ، فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ، فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ}[الفجر:11-13] العمران الذي يريده الإسلام يكون عمرانا متكاملا، معناه أنه يشيد المباني ويشيد المعاني أيضا يشيد معها المعاني، لا يقيم يعني يعمر الأرض ويخرج الإنسان كما فعل الاستعمار في بعض البلاد فعمل الأرض ولكنه خرب الإنسان من داخله، فالإسلام هو هذا العمران الشامل المتوازن المتكامل.

عثمان عثمان: يعني عمارة البنيان وعمارة الإنسان. فضيلة الدكتور الآن لو نتحدث بشكل أو بإضاءة سريعة عما يجري من تسابق في ارتفاع الأبنية والأبراج وما إلى ذلك، يعني أحد السادة المشاهدين يقول يرى أن البنيان والتطاول فيه ربما يكون من علامات الساعة.

يوسف القرضاوي: هو من علامات الساعة وفي حديث جبريل الشهير لما سأله عن الساعة فقال ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، فقال له أسألك عن أشراطها أو أماراتها، فذكر أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة رعاة الشاء يتطاولون في البنيان. يعني انقلابات مفاجئة في المجتمعات، يصبح البدوي يعني يمكن لا يعرف شيئا يصبح يملك برجا كبيرا أو التطاول قد يكون إلى أعلى وقد يكون أيضا الأفقي يعني واحد عنده قصر تسير فيه الخيول يعني تمشي اثنين ثلاثة كيلو على أسواره هذا كله من التطاول في البنيان، فجعل هذا من علامات الساعة، أن الأمور لا تمضي بسنن ثابتة في انقلاب في الحياة مفاجئ والانقلاب في الحياة المفاجئ يحدث في حياة الناس آثارا، يعني رأينا في أيام الحرب العالمية الأولى والثانية ناس سموهم إيه؟ أغنياء الحرب، أغنياء الحرب واحد كان عايش في الحضيض جاءت له ظروف غير عادية واحتكر أشياء وأتبعها بأضعاف أضعاف فانتقل من فريق معدم إلى غني، ولأنه غني حرب تلاقي ملابس غير يعني مقبولة يعني عرفا، لابس ساعة قد كده ومش عارف عامل كذا، ده الحقيقة يسموه غني حرب.

عثمان عثمان: ما في تطابق.

يوسف القرضاوي: آه، فأغنياء الحرب وأغنياء النفط وأغنياء المجتمعات السريعة اللصوص اللي بيسموهم القطط السمان يعني اللي بيجيئون في عصور الانفتاح وعلى حساب الناس، الناس يهزلون وهم يسمنون، يعني من أكل حقوق الآخر، فهذه كلها يعني ظواهر تشوه الحياة ولا تصلح بها ولا معها الحياة الحقة الحياة المتوازنة.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور طالما نتحدث عن التطاول في البنيان ماذا عن بناء المساجد الضخمة خاصة تلك المساجد التي تبنى في قرى ربما ليس فيها أكثر من مائة رجل أو مصلي ويبنى فيها ما يسع الآلاف من البشر والناس؟

يوسف القرضاوي: هذا ليس محمودا وإن كان هذا غير واقع حقيقة يعني قلما يحدث، بالعكس الآن الذي نشكو منه الآن المساجد المزخرفة والضيقة، جرت عادة المسلمين أن يعملوا مساجد كبيرة، الأصل في المسجد أنه لما تبنى قرية أو تبنى مدينة يعمل فيها مسجد يسع أهلها ليصلوا جميعا خلف إمام واحد، يعني أحمد بن طولون لما بنى مسجده في مدينة القطائع يعني في مصر القاهرة قبل أن تبنى القاهرة عمل مسجدا يسع الناس، قبل كده جامع الفسطاس الذي بناه عمرو بن العاص وأصبح بعد كده اسمه جامع عمرو بن العاص، جامع الأزهر حينما بناه الفاطميون، جامع الظاهر بيبرس، مساجد ضخمة فالمساجد الضخمة لتسع الناس، الآن معظم المساجد صغيرة والناس يصلون في الشوارع، رأيت في جميع العالم الإسلامي الناس يصلون الجمعة في الشوارع لأن المساجد صغيرة وكأن الحكام يخافون من الجوامع الكبيرة فدائما يعني لا يسمحون إلا ببناء مسجد صغير. على أن الآن العمران لا يتسع أفقيا فقط يتسع رأسيا عموديا، أصبح الأبراج، العمارة الواحدة أو البرج الواحد عايز مسجدا لوحده، فيعملون مسجدا مزخرفا وصغيرا، فالمفروض أن المسجد يناسب المكان اللي هو فيه، حتى هو يعني أحيانا بعض الناس بيعيب أن المساجد فخمة في عصرنا، وأنا أقول كل عصر له من العمران ما يناسبه، إذا كان البلد مثلا أهلها يعيشون في مكيفات سياراتهم مكيفة وبيوتهم مكيفة أو أسواقهم مكيفة، لماذا يكون المسجد هو غير مكيف؟ أنا أذكر بني في قطر هنا جامع الشيوخ، جامع الشيوخ اللي هو بجوار الديوان الأميري ولما بني كان فيه ثريا نجفة كبيرة جدا، اعترض العلامة الشيخ عبد الله بن زيد المحمود رئيس القضاء والمحاكم الشرعية على هذه النجفة وناقشه في هذا الشيخ قاسم درويش وهو كان مشرفا على عمارة المسجد وبناء المسجد وقال له يا فضيلة الشيخ نحن بيوتنا شوف بيوتنا إيه الآن، الآن ما عادش ينفع المسجد القديم اللي كان يعني بنصلي فيه لا يصلح لنا في عصرنا، هذه هي مناسبة لهذا العصر عصر النفط وعصر امتداد العمران وعصر التوسع وعصر.. وفعلا الآن تدخل مسجد الشيوخ وتلاقي هذه الثريا فوق وكبيرة وكذا ما حد يعني يعتبرها أنها شيء خارق للعادة ولا شيء، فينبغي أن يكون المسجد مناسبا، نبعد عن الزخرفة إنما الجمال مطلوب، إن الله جميل يحب الجمال، الزينة المعقولة، يعني لما أنت تدخل المسجد الحرام بتوسيعاته والمسجد النبوي بتوسيعاته الهائلة وفيها من الجمال يعني فخامة وجمال ولكن ليس فيها زخرفة تلهي المصلي وتشغله عن صلاته.

عثمان عثمان: الآية القرآنية فضيلة الدكتور في موضوع الاستخلاف {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ..} يعني من مقتضيات هذا الاستخلاف الإعمار، كيف يتحقق الإعمار من وجهة نظر إسلامية؟ نسمع الإجابة إن شاء الله بعد وقفة قصيرة، فابقوا معنا مشاهدينا الكرام نعود إليكم إن شاء الله بعد الفاصل.


[فاصل إعلاني]

سبل تحقق العمران والجوانب المطلوبة فيه

عثمان عثمان: أهلا وسهلا بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة والتي هي بعنوان فقه العمران مع فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي. فضيلة الدكتور إسلاميا كيف يتحقق العمران؟

يوسف القرضاوي: العمران يتحقق لحياة الإنسان فردا وأسرة ومجتمعا وأمة، كل ما يطلبه من مطالب مشروعة في حياته المادية وحياته الروحية وحياته العامة وحياته الخاصة فأول ما يطلب الإنسان بيطلب الرزق بيطلب العيش لذلك الزراعة هي أول ما يطلبه الناس الزرع والغرس، من هنا جاء الحديث للنبي بيقول "ما من مؤمن يزرع زرعا أو يغرس غرسا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة" لا بد الناس تزرع لتأكل مما تزرع، وللأسف نحن المسلمين الآن كثير من بلادنا تستورد أقواتها بعض البلاد أكثر من نصف الأقوات تستوردها وهي بلاد زراعية، فلا نأكل مما نزرع ولا نلبس مما نصنع يعني هذا الصوف ده والحلة اللي عليك دي كلها ليست من صناعتنا للأسف، لا بد توفر ما يأكله الإنسان حتى لا يتحكم فيك غيرك، أحيانا الدقيق أو الطحين يأتي من بلد هي تستطيع أن تمسك عنك فتموت جوعا، لا بد للناس أن تزرع ولذلك بعض البلاد زرعت أرضها وكلفتها، السعودية بجوارنا زرعت وكان الأميركان يقولون لهم لماذا تزرعون، ده الكيلو الواحد بيكلفكم كذا وتستطيعون أن تشتروه بربع ما يكلفه؟ أيوه أشتريه بربع وبعد شوية تتحكم فيي إنما أنا أزرع الآن وإن كان يكلفني أفضل من أن أعتمد على غيري. لازم الأمة الإسلامية يكون عندها ما يكفيها باعتبارها أمة مش شرط أن كل قطر لوحده لأن الإسلام لا يعرف هذا التمزيق وهذه الإقليمية أو المحلية المبالغ فيها، تتكامل الأمة زراعات وصناعات، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم "ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده" وهو ملك آتاه الله الملك ولكن مع الملك كان يصنع الدروع {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ..}[الأنبياء:80]، {..وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ}[سبأ:10] فكان بيصنع ليأكل منها، فالصناعات المختلفة ذكر القرآن صناعات عديدة وذكر الجن الذين يعملون لسليمان كل بناء وغواص {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً..}[سبأ:13]، وهناك العلامة المغربي الكتاني له كتاب اسمه "التراتيب الإدارية" أو الحكومة النبوية وكيف قامت هذه الحكومة النبوية على صناعات، ذكر كل الأشياء النساج والخياط والدباغ والبناء والنجار وكل هذه. الحياة محتاجة إلى أن توفر هذه الأشياء وإذا غاب عنصر مهم يؤثر في الحياة، والمسلمون مطالبون كجماعة يعني بأن يتمموا كل ما يقوم به المجتمع، بيسميه فقهاؤنا فروض الكفاية، فروض الكفاية التي لا تجب على أفراد معينين ولكن تجب على المجتمع بالتضامن بحيث إذا توافر ما يحتاجه المجتمع بشكل متكامل فالأمة نجت من الإثم وإلا تكون الأمة جميعا آثمة وخصوصا أولو الشأن فيها وأولو الأمر، المفروض يهيئوا لها الأمور ويرتبوها وهكذا.

عثمان عثمان: اسمح لنا مولانا أن نأخذ الدكتور عبد المجيد النجار ينضم إلينا من باريس من فرنسا، السلام عليكم دكتور.

عبد المجيد النجار/ مجلس البحوث والإفتاء الأوروبي: وعليكم السلام ورحمة الله.

عثمان عثمان: دكتور مفهوم التكليف يعني في الفقه التقليدي ربما ارتبط بالمسائل الفردية، ما أهمية أن يتوسع هذا التكليف ليشمل المجتع ليشمل المدنية والحضارة بشكل عام؟

عبد المجيد النجار: بسم الله الرحمن الرحيم، نحييك أستاذ عثمان وأحيي فضيلة الشيخ يوسف.

يوسف القرضاوي: حياك الله يا دكتور.

عبد المجيد النجار: نعم، إن مسألة العمران هي من صلب التكليف بل يمكن أن نقول إن البناء العمراني هو بعد من أبعاد الإيمان، والمقصود بالعمران هنا بالعمران الروحي المعنوي كما شرح فضيلة الشيخ وأيضا العمران المادي المتمثل في مظاهر الحضارة المادية زراعة وصناعة وغير ذلك. ولو ذهبنا إلى القرآن الكريم وإلى الحديث النبوي الشريف فإننا نجد الآيات الكثيرة والأحاديث الكثيرة التي تؤكد هذا المعنى، ولما كان المسلمون تشربوا هذا المعنى من الوحي قرآنا وسنة فإنهم لما أنتجوا الفقه الإسلامي -والفقه هو ترجمة لما جاء في الوحي قرآن وسنة- فإننا نجد هذا الفقه فيه قسم كبير جدا مما يمكن أن نسميه بفقه العمران وفقه المدنية، وقد عقد منذ أيام مؤتمر في مدينة مسقط بهذا العنوان، عنوان فقه العمران وتبين أن هذا الفقه كان ثريا جدا في مجالات العمران والمدنية والحضارة زراعة وصناعة ومسألة المياه وتقسيم المياه ومسألة الأسواق وغير ذلك، هذا كله يدل على أن التعمير في الأرض بالمعنى المادي فما بالك المعنى الروحي، بالمعنى المادي هو من صلب الإمامة ومن صلب التكليف. مع الأسف الشديد إننا نجد أن كثيرا من المسلمين ومنذ بعض الزمن قد ضعف هذا المعنى في نفوسهم فأصبح التعمير العمران أو التعمير المادي أو مسألة العمران والبناء الحضاري أصبح ضامرا في النفوس ولا يأخذ موقعه الحقيقي في سلم الإيمانيات في نفوس الناس كأنما أصبح هذا مسألة ثانوية أو كأنها ليست من الدين، وهذا أحد أكبر الأسباب التي جعلت الحضارة الإسلامية تنحدر وتتخلف. ونحن هنا نريد أن ندعو الناس..

عثمان عثمان (مقاطعا): نعم، شكرا دكتور عبد المجيد النجار كنت معنا من باريس، شكرا على هذه المداخلة. فضيلة الدكتور عندما نتحدث عن العمران ربما نتحدث أيضا عن المؤسسات التي تعني بالمجتمع تعنى بالأيتام بالأرامل بالعجز، تفيد فائدة عامة المؤسسات التربوية الاجتماعية إلى ما هنالك، كيف يمكن أن نصنف هذه في مشروع العمران الذي أراده الإسلام؟

يوسف القرضاوي: أولا أحب أن أكمل ما ذكره الأخ الدكتور عبد المجيد وهو له كتاب في الشهود الحضاري وأقول إن الفقه لم يهمل هذه الناحية، الأصل في الفقه الإسلامي أنه بيشمل حياة الإنسان كلها، الإنسان منذ يولد إلى أن يموت يعني طوليا في مراحل حياته كلها يعني جنينا وطفلا ورضيعا وفطيما ويافعا وشابا وكهلا وشيخا إلى أن يموت، ابن القيم له كتاب اسمه "تحفة المودود في أحكام المولود"، وفي كتاب الجنائز كتب الجنائز عن الاحتضار والموت وأحكام الموت والجنائز إلى آخره، وبعدين أيضا عرضيا أو أفقيا الفقه الإسلامي يهتم بحياة الإنسان كلها كيف يأكل وكيف يشرب وماذا يأكل وماذا يشرب والآنية حتى التي يأكلها فيها، ففي أواني محرمة وفي أواني كذا والمأكولات منها المحرم منها والمباح وفي آداب وفي أشياء والشرب كذلك وأشياء كثيرة واللبس كذلك وكل يعني أنواع الحياة يشملها الفقه، من الناحية الفردية من الناحية الأسرية فقه الأسرة، بر الآباء صلة الأرحام حق الجيران ما ذكرته من الأيتام والأرامل الضعفاء بالذات في المجتمع الأيتام الأرامل الفقراء المرضى يعني هؤلاء لهم حقوق أكثر من غيرهم. كان الأستاذ محب الدين الخطيب يقول إن هناك في الإسلام شيئا اسمه شعب الإيمان جمعها الإمام البيهقي في 17 مجلدا "الجامع لشعب الإيمان" كان هذه الأشياء يسميها الأستاذ محب الدين الخطيب الفقه الاجتماعي الذي يعني بالمجتمع وبالواجبات الاجتماعية وتشمل كل أنواع الحياة، الأمر بالمعروف النهي عن المنكر طلب العلم النصيحة في الدين الرحمة مكارم الأخلاق إكرام الضيف حق الضيوف يعني ما شئت من هذه الحقوق الاجتماعية وما نسميه الفقه الاجتماعي. ربما أهملناه في بعض الأحيان ولكن أحيانا هذه الأشياء تكمل بأنواع من الفقه يعني فقه الآداب الشرعية اللي ألف فيه ابن مفلح، فقه السياسة الشرعية أو الأحكام السلطانية، فقه الأموال في أبو عبيد وأبو يوسف وابن زنجويه ويعني هناك ألوان من الفقه، الحسبة، وكتب للحساب وهي تتعلق بالأمر بالمعروف وبالنهي عن المنكر وفيها عجائب في كيفية الرقابة على المجتمع وتعليم الناس للارتقاء، يعني لما يذكر لك الخبازين وكيف يجب أن يكونوا وأنه يلبس كمامة علشان ربما يعطس يجي على العجين أو كذا وكيف يسوي الخبز ويعني شيء يذهلك حينما، فهذه هي الحياة المتحضرة أو الحياة الاجتماعية. النبي عليه الصلاة والسلام يعني من أروع ما وجدناه في السنة أنه بعد الهجرة سأل يعني احصوا لي أو اكتبوا لي عدد من يلفظ بالإسلام من الرجال، فأحصوا له فكانوا 1500 رجل، يعني إحصاء كتابي يعني لعل هذا أول إحصاء في التاريخ، في التوراة داود أحب أن يحصي فنزلت صاعقة على الناس، يعني حتى أخذ راسل الفيلسوف الوضعي المعروف أن التوارة لا يمكن أن يقوم عليها علم ولا بتاع ما دام الإحصاء مرفوض عندها، نحن عندنا الإحصاء مطلوب، وأحصى كل شيء عددا، من أسماء الله المحصي والإنسان مطلوب منه يتخلق بأخلاق الله ويكون له نصيب من كل اسم من الأسماء، فالإحصاء.. التخطيط عندنا في سورة يوسف، التخطيط لمدة 15 سنة {قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ، ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ، ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ}[يوسف:47-49] 15 سنة تخطيط، فهذه كلها موجودة عندنا في فقهنا وفي ديننا.


علاقة العمران بالمقاصد وحضور فقه العمران

عثمان عثمان: أيضا فضيلة الدكتور ضرورة العمران ترجع إلى حفظ الضروريات الخمس أو الكليات الخمس والتي هي من مقاصد الشريعة، يعني ما علاقة العمران بتحقيق المقاصد؟

يوسف القرضاوي: هذه الكليات الخمس أو الضروريات الخمس اللي هي الحفاظ على الدين اللي هو الكلية الأولى والضرورية الأولى، والنفس الحياة الإنسانية، والنسل، استمرار الحياة الإنسانية بالتناسل البشري، والعقل والمال، والإمام القرافي أضاف إليها العرض، يعني كرامة الإنسان وسمعته، فهذه معناها الحفاظ على مقومات الحياة. الناحية الدينية هي الأساس لأن الله خلق الناس ليعرفوه ويعبدوه، وبعدين الحياة الإنسانية أنه {..مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً..}[المائدة:32]، فهنا الحفاظ على الحياة البشرية، وبعدين الحفاظ على النسل فتستمر الحياة ويرث جيل الجيل الذي قبله وهكذا ولذلك كانت عملية ما يسمى الشذوذ الجنسي اللي يسموه الآن المثلية هذه، هي لو الناس استجابوا لهذه النزعة لقضي على البشرية بعد جيل أو جيلين وانتهى، يعني فالحفاظ على النسل ثم الحفاظ على العقل وليس الحفاظ على العقل لمجرد حد الخمر كما تكلم الكثير من الأصوليين، الأمر أكبر من هذا، الحفاظ على العقل يأتي بأشياء كثيرة، في طلب العلم في تعليم الناس كيف يفكرون يعني كيف لا يقبلون القضية إلا ببرهان، برهان حسي برهان عقلي برهان تجريبي برهان تاريخي توثيقي {.. أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}[الأحقاف:4] فهكذا، وبعدين المال هو أيضا قوام الحياة، فهذه الأشياء يعني فعلا إنها أسس العمران، إذا حفظنا الدين وحفظنا الحياة الإنسانية والصحة صحة الأبدان وحافظنا على النسل وحافظنا على المال فقد حافظنا على مقومات الحياة الإنسانية والمجتمعات الإنسانية.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور حول مفهوم العمران نستمع إلى الدكتور رضوان السيد والدكتور كمال إمام لهما رأيان في هذه المسألة.

[شريط مسجل]

رضوان السيد/ أستاذ الدراسات الإسلامية-الجامعة اللبنانية: أعني بفقه الحضارة أو فقه العمران ما ينبغي القيام به في المجال الحديث والمعاصر من أجل النهضة بالشأن الديني ومن أجل النهضة بالشأن المديني، فقد تغيرت أحوال العمران العربي والإسلامي وبالتالي تغيرت ترتيباته وترتب على تغير الترتيبات الكلاسيكية تغير المهام أيضا.

محمد كمال إمام/ أستاذ الشريعة الإسلامية-جامعة الاسكندرية: أما الفقه الحضاري فنقصد به الحياة اليومية وهي تصنع على عين من أحكام الإسلام من خلال الأقضية من خلال النوازل من خلال حركة السوق من خلال حركة الطريق من خلال حركة التعليم من خلال حركة رفع الأضرار عن الناس من خلال حركة المرور من خلال كل ما يمكن أن يتصوره الإنسان من حياة يومية يحس بأن الفقه الإسلامي حاضر ولديه أحكامه في رفع الضرر ولديه أحكامه في الإشادة بالمؤسسات التعليمية وتأسيسها ولديه أوقافه في صنع الحياة الإسلامية المتعلقة بالزواج والطلاق وغيرها، استقلالية العالم  من خلال أنظمة الوقف، هذه المسائل المتعددة التي بلورتها حجج الوقف وبلورتها الكتابات المفردة في الحسبة العملية والنظرية وبلورتها أيضا الكتابات المتخصصة في الأبنية والدور والجدر وغيرها ومثلتها حجج أيضا وثائق الأحكام التي صدرت في المحاكم الشرعية هذه هي المصادر الأولية التي من خلالها يتفاعل فقه العمران تدريسا وعلما وفقها.

[نهاية الشريط المسجل]

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور الفقه ربما انفصل اليوم عن الدولة الحديثة، ماذا خسرت هذه الدولة بتغييب الفقه خاصة وأنه لدينا تراثا فقهيا كبيرا في موضوع العمران؟

يوسف القرضاوي: للأسف هذا نتيجة الاتجاه العلماني الذي غزا البلاد العربية والإسلامية وبه انفصل القرآن عن السلطان كما جاء في بعض الأحاديث "ألا إن القرآن والسلطان سيفترقان فلا تفارقوا الكتاب" فافتراق القرآن عن السلطان أو افتراق الدين عن الدولة أو افتراق الإيمان وتوجيه الإيمان عن الحياة العامة هو الذي أدى إلى أنه أصبح الفقه مركونا في الكتب ويدرس ولا يطبق. الجانب الذي يطبق في الفقه هو جانب الأحوال الشخصية ولذلك نما هذا الفقه وكان فيه اجتهادات كثيرة ومؤلفات لعلماء يعني كبار وتقنينات حديثة يعني حلوا فيها بعض المشاكل فقهاؤنا المعاصرون زي قانون الوصية الواجبة يعني في مصر، أنه يموت الجد وابنه مات في حياته فحفيده هذا يعني سما عليه اليتم والحرمان لا أخذ نصيبه من الميراث لأنه حسب الميراث ودرجات القرب وكذا، ليس.. بس كان من حقه أن يكون له وصية من جده {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ..}[البقرة:180] أي الذين لا يرثون وأقرب الناس إلى الجد هو هذا الحفيد فالفقه الحديث جعل له نصيبا من جده عن طريق الوصية الواجبة فحل هذه المشكلة، فالمهم الفقه يحيا بالتطبيق ولذلك لما انفصلت الدولة عن الشريعة ولم تعد تبحث عن ماذا يريد الله من الناس وما هو حكم الله في المسألة فقدت خيرا كثيرا فقدت البركة لأن البركة هي في اتباع منهج الله عز وجل {..فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى، وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى}[طه:123، 124] فانفصال هذا هو.. المهم أن تظل الأمة مرتبطة بمصدر تشريعها وتوجيهها الذي يريد لها عمرانا متكاملا ومتوازنا يتصل فيه الناس بربهم وتتصل فيه الدنيا بالدين وتمتزج فيه العبادة بالمعاملة والدعوة بالدولة وفي ذلك يكون الخير الكثير كما قال الله تعالى عن سبأ وكان لهم حضارة في اليمن {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ}[سبأ:15] ولكنهم لم يشكروا لله عز وجل ولم يرعوا النعمة وضيعوها فضاعت حضارتهم وأرسل عليهم سيل العرم {فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ، ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ}[سبأ:16، 17]، القرآن يقول {وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ}[النحل:112].

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني في ظل الافتراق بين الدين والدولة بين القرآن والسلطان بين الفقه والتشريعات الحديثة، ما دور الفقيه في إحياء فقه العمران؟ هذا السؤال لأحد السادة المشاهدين يسأله.

يوسف القرضاوي: الفقه عليه مهمتان، مهمة التفكير والاجتهاد والاستنباط لحل المشكلات من الشريعة، أحيانا الناس تشكو من أنهم لا يعرفون كيف يحلوا هذه المشكلة في ضوء الشريعة، هنا يتصدى الفقيه الحقيقي لإيجاد الحل من داخل الشريعة، الدواء من صيدلية الشريعة نفسها لا يستورد من الخارج وإنما من داخل الشريعة، هذه مهمة أخرى مهمة توجيهية، الفقيه ليس فقط عليه مهمة الاستنباط الفقيه أيضا داعية واعظ منبه للناس من غفلتهم موقظ للناس كما قال القرآن {..فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}[التوبة:122] الإنذار ده يعني صنعة أخرى ووظيفة أخرى تضاف إلى وظيف الاستنباط والاجتهاد فعلى الفقيه أن يقوم بتنوير عقول الأمة وتنبيهها من غفلتهاحتى تؤدي واجبها قبل أن تطلب حقها.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني طبعا هناك صار في تقدم عمراني في الدول الأوروبية في القرنين 18، 19 وهناك أصبح بحث حثيث عن أسباب تقدم الغرب، عن أسباب تخلف الأمة وهناك من قدم رؤى لمعالجة هذه المشكلة الحضارية، كيف توصفون هذه المشكلة فعلا؟

يوسف القرضاوي: أي مشكلة؟

عثمان عثمان: مشكلة تخلفنا حضاريا في موضوع العمران.

يوسف القرضاوي: هذه مشكلة كبيرة وهي للأسف أساس ما نعاني منه في حياتنا، أننا كنا في المقدمة على رأس القافلة فأصبحنا في ذيل القافلة، كنا نحن القادة ففقدنا موضعنا، أنشأناحضارة عالمية متميزة حضارة ربانية إنسانية أخلاقية متوازنة جمعت بين العلم والإيمان وبين العدل والإحسان وبين الروح والمادة هذه الحضارة، وبعدين تخلفنا فاستلم الشعلة منا الغربيون وقادوا الحضارة وأصبحوا هم سادة الحضارة، ولكن هم الآن الحقيقة أفلسوا في قيادة الحضارة وقادوا العالم بمعايير مزدوجة ونصروا الباطل على الحق والمنفعة على القيم الأخلاقية وسادت عندهم النزعة المادية أنكروا الغيبيات وأنكروا الإيمانيات، ليسوا في الحقيقة لا مسيحيين ولا يهودا عامة الغرب، فالآن آن لغير الغربيين أن يرثوا هذه الحضارة، المفروض نحن الورثة ولكن الميراث لا يكون بالشعارات ولا بالدعاوى ولا بالكلام يعني يحتاج إلى عمل كبير لننهض من هذه لنغير ما بأنفسنا حتى يغير الله ما بنا، نغير الأنظمة الاستبدادية وأنظمة الظلم الاجتماعي وأنظمة النهابين والسراقين -حاميها حراميها- لا بد من تغيير هذه الحياة كلها حتى نستحق أن نكون ممن قال الله فيهم {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ}[الأنبياء:105].

عثمان عثمان: أشكركم فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي على هذه الإفاضة الطيبة، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة، لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب والمخرج منصور الطلافيح، إلى اللقاء في الحلقة القادمة حيث تكون تلك الحلقة مخصصة لأسئلتكم واستفساراتكم، والأولوية طبعا للأسئلة المكتوبة عبر بريد البرنامج الإلكتروني أو عبر صفحة البرنامج على الـ facebook. دمتم بأمان الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة