هيكل.. طريق أكتوبر والحرب المنسية   
الأحد 1431/4/6 هـ - الموافق 21/3/2010 م (آخر تحديث) الساعة 15:40 (مكة المكرمة)، 12:40 (غرينتش)

- الحرب المنسية.. الانتقال من المقاتلين إلى المقاولين
- القوة المصرية تعود.. العالم ينتبه

- لعبة شطرنج مصرية والبناء يرتفع

محمد حسنين هيكل

الحرب المنسية.. الانتقال من المقاتلين إلى المقاولين

محمد حسنين هيكل: مساء الخير. في تاريخ الحروب العربية الإسرائيلية هناك حرب بالتحديد لا أقول إنها منسية ولكن أقول إنها مظلومة وتلك هي حرب الاستنزاف، حرب الاستنزاف ينطبق عليها بالضبط هذا الذي قيل عن بعض الحروب الكبرى في التاريخ التي مرت عليها الأحداث ثم نُسيت أو أريد نسيانها واللي وصفها بعض الناس بأنها حروب the unsung heros، حروب الأبطال الذين لم يغن لهم أحد ولم يكتب به نشيد ولم يرتفع عليه علم، حرب الاستنزاف في اعتقادي لم تأخذ حقها بشكل أو آخر أشير إليها وحصل فعلا أنه في الجلسة اللي عقدت لمجلس الشعب بعد حرب أكتوبر واللي حضرها كل القادة العسكريين أن جميع القادة العسكريين ده كان في فبراير أو مارس سنة 1974 وأراد الرئيس السادات أن القادة العسكريين الميدانيين يشرحوا لأعضاء مجلس الشعب في ذلك الوقت ما جرى في المعارك وبالتالي وقفوا جميعا أمام مجلس الشعب وتحدثوا وجميعهم بدؤوا حديثهم عن حرب أكتوبر بالكلام عن حرب الاستنزاف لكن هذه السجلات لم تلبث أن طويت وأن بشكل أو آخر وضعت على الأرفف ولم يتذكرها أحد رغم أن حرب الاستنزاف في اعتقادي قد تكون من أهم الحروب لأنها أولا حرب بدأت فورا بعد الضربة الكبرى في حرب يونيو سنة 1967 ثم استمرت ودون انقطاع وعلى مراحل مختلفة لغاية سنة 1970 فهذه حرب استمرت سنتين ونصف بالكامل واشترك فيها.. يعني أنا لما أشوف حجم الأرقام حتى في هذه الحرب حرب الاستنزاف ألاقي أن هذه الحرب مر عليها ما يزيد على مليون و250 ألف مقاتل من شباب هذا البلد ذهبوا للخنادق ذهبوا إلى المواقع الخلفية ذهبوا في مواقع بناء الصواريخ، هذه الحرب أولا أخذت أكثر مدة أظنها اقتضت أكبر تضحيات، للعلم هذه الحرب فيها من التضحيات وفيها من الشهداء أكثر مما كان في يونيو وأكثر مما كان في أكتوبر سنة 1973 لأنه في هذه الحرب على سبيل المثال نحن فقدنا ستة آلاف عامل شهيد في بناء مواقع الصواريخ، لما اقول بالنسبة للقوات الشباب اللي تحت السلاح في ذلك الوقت وأقول إنه كان في مليون و250 ألف أتذكر أو نتذكر جميعا أنه سنة 67 كان عندنا في ميدان القتال تقريبا قوات مقاتلة ما بين 150 إلى 160 ألف جندي، في حرب أكتوبر كان عندنا في ميادين القتال في انتصار العبور العظيم يوم 6 أكتوبر كان عندنا خمس فرق داخلة بتقتحم وفرقتان في الاحتياطي العام غرب قناة السويس وطبعا في مجموعات الخدمات الموجودة وراء هذه القوات والعدد كله لا يمكن أن يزيد عن ثلاثمائة ألف في الجبهات التي التفت إليها الناس واهتموا بها لكن في حرب الاستنزاف وأثناء حرب الاستنزاف الحرب أولا كانت جارية على طول مصر كلها لأنه كان في مواقع جنب الجبهة وجنب الأشياء اللي في الجبهة كان في مواقع في الداخل الأمر يقتضي حمايتها ولما أنا أشوف مرات تقرير للفريق فوزي ويكلمني على عدد القوات قوات الحرس الوطني وهي زيها زي القوات المسلحة قوات الحرس الوطني اللي كانت موجودة في الخلف بتحمي المواقع الداخلية والمطارات والمنشآت الحيوية ألاقي أنه إحنا شكلنا طبقا لتقرير الفريق فوزي شكلنا في البداية 35 كتيبة ثم رفعنا هذا العدد فوصل العدد الإجمالي إلى ستين كتيبة موجودين لفترات خدمة طويلة في مواقع في منتهى الصعوبة في حرب من نوع مختلف، أولا لازم نفتكر كلنا مش بش اللي على الجبهة واللي أخذوا التركيز الأكبر من النيران من ناحية التركيز لكن في اتساع النيران ومع تطور حرب الاستنزاف ومع تعرض أهداف حيوية داخلية في البلد من أول الكباري والجسور والطرق وتقاطعات الطرق والمطارات في معارك كبيرة جدا أدارها أو وقف فيها أو حارب فيها شباب موجودين بعاد عن مواقع العمران بعاد عن التجمعات الكبرى البشر، لما يبقى شاب موجود في مواقع فيها كتيبته هو مطمئن لكن المواقع المتفرقة في أنحاء البلد وهذا الشباب اللي قاعد يحرس مواقع حيوية وهو يحرس منتظرا أي مفاجأة والعدو يركز عليه ونحن لا نعلم أين يركز بالتحديد وهو معرض لغارات ومعرض لعمليات إنزال ومعرض طوال حرب الاستنزاف لأهوال لا حدود لها وهذا كله بشكل أو آخر هذه الحرب واللي أنا بأعتقد أنها حرب الأبطال الذين لم يغن لهم أحد -والتعبير مش من عندي- لأن هذه هي الحرب التي تعرض لها وعاش فيها أكبر عدد ممكن أو متصور من هذا الجيل الذي هو جيل السبعينات ما نسميه جيل أواخر الستينات أوائل السبعينات وهذا جيل أنا أعتقد أنه أدى دوره مش بس في المعارك لكن أدى دورا هائلا، طبيعي جدا أن ما يلفت النظر بالدرجة الأولى في المعارك واحد هو المعارك التي تدور بحشد كبير وتحدث على مساحة زمنية محددة يحدث فيها تركيز الفعل ويلفت النظر وتصبح المعركة مرئية مسموعة مشاهدة مصورة، ما حدش صور أبدا كل اللي كان في الداخل كل الحشد من الشباب اللي كان في مواقع الداخل أو كان وراء الخطوط لكن بعض عمليات الحرب في المراحل الأولى ولو أن حرب أكتوبر يوم العبور نفسه لم يصور، هو بعد كده مثّل ثم صور لكن يومها ما كانش حد فاضي أبدا يفكر في مصورين يتابعون المعركة لكن على أي حال في حرب الاستنزاف هذه المواقع لم تر، الحرب اللي بتلفت نظر الناس هي الحرب الواضحة مدى محدد من الأيام تركيز في العمليات صخب كبير جدا دوي كبير جدا في إطلاق النار نتائج تظهر متحققة لكن هذا في حرب طويلة تستمر سنتين ونصف وهي تجري بالقطارة زي ما يقولوا نقطة نقطة، نقطة هنا ونقطة هناك وموقع هنا وموقع هناك هذه حرب أولا بطبيعتها لا تلفت الأنظار، مدتها طويلة، التركيز فيها مش باين محدد ما لهاش صور ما فيش حد بيسجلها، الشباب اللي عاشوها كلهم متفرقون لأن هذه كانت حرب الإنزال المصري العادي ممكن قوي تكون القيادات خططت ما فيش فيها ضباط كثير قوي ضباط شباب على أي حال بينتموا لنفس الجيل لنفس جيل المقاتلين لكن ما فيهاش الأسماء الكبرى ما فيهاش عبد المنعم رياض مش موجود في حرب الاستنزاف موجود في القيادة بيقود ممكن يخطط لكن مش هو اللي موجود في الموقع، موجود الشاذلي مثلا ممكن بيخطط ولو أن الشاذلي بعد كده كان موجودا على جبهة البحر الأحمر وقاد بنفسه عمليات في حرب الاستنزاف، أحمد إسماعيل، محمد فوزي، من نشاء القادة النجوم الكبار في الحرب كانوا بعيدين عن هذه العمليات لكن كل هذه العمليات التي دارت دون أن يشعر بها أحد ودون أن يعترف بها أحدا الاعتراف الكافي لم تجد من يسجلها، شبابها عاشوها وأنا مواقع كثير جدا أقابل بعض الناس ويعرفون أني بأتكلم على موضوعات الحرب وألاقي كل واحد فيهم بيوصيني أن حرب الاستنزاف ركز على حرب الاستنزاف من فضلك حرب الاستنزاف، لكن لما حد يجي يبحث يلاقي من الصعوبة جدا أن يضع صورة يمكن أن تلخص على هذه الجبهة الواسعة بهذا العدد الكبير من الناس بعيدا عن النجوم وبعيدا عن الأضواء لكن هذه الحرب بشكل أو آخر هي دي اللي علمت التعامل بالنار علمت القتال امتحنت صبر المقاتل المصري امتحنت كفاءته علمته دروسا كثيرة جدا. وأظن وكل القادة اعترفوا أن هذه هي الحرب التي مهدت ليوم أكتوبر لكن يوم أكتوبر خطف الأنظار وأما هذه الحرب البطيئة الغير مركزة المستمرة ونزيف الدم فيها لم تصنع اللي ممكن نسميه دراما، ما فيهاش عنصر الدراما مش موجود فيها لأن الصورة واسعة ومنتشرة وبالتالي فهذه الحرب طبيعيا كان ممكن ما تلفتش الأنظار أو كان ممكن قوي أن الناس لا تقف عندها والمؤرخون لا يقفون عندها بطريقة كافية لأنه فيها خطط وفيها تصورات لكن ما فيش خرائط، الخرائط الموجودة خرائط تفصيلية صغيرة لا تعني أحدا، هنا أنا أعتقد أن طبيعة الحرب نفسها لم تسمح لوقائعها ولم تسمح لنتائجها أن تأخذ حقها الحقيقي وأن تبدو أمام الناس. الحاجة الثانية أن أنا أعتقد أن ما حدث يوم أكتوبر كان لافتا للأنظار وكان وهجه كبيرا جدا إلى درجة أنه حجب الرؤية عما وراءه وعما مهد له في واقع الأمر، الحاجة الثانية أنني أظن أنه أريد التركيز على أكتوبر بشدة وأكتوبر الأيام الستة الأولى السبعة الأولى في أكتوبر تستحق كل التركيز لأنها أيام لا تعوض ولا تضاهى في التاريخ العسكري كله المصري وأظن في حروب كثيرة أظن عالميا أيضا هذه الأيام الستة أو السبعة الأولى في حرب أكتوبر أظن أنها في وثائق الحرب في العالم وفي قصة الحرب في العالم أظن أن لها قيمة خاصة ولها معنى خاص لأنها كانت بالفعل باهرة وضوؤها حجب ما جرى وراءها ومهد لها. وثم حاجة ثانية كمان أنه أريد التركيز عليها لكي تؤكد شرعية وضع جديد ينتقل مما كان في مصر قبل 6 أكتوبر ويحاول أو يجرب خلق أوضاع جديدة تسمح بتغييرات مختلفة، أولا تؤكد شرعية رجل جديد وهذا منطقي ومعقول، الحاجة الثانية تسمح لهذا الرجل الجديد أن يجري ما يشاء من التغييرات سواء في سياسة مصر الداخلية أو في سياسة مصر الخارجية ولديه مؤهل هذا الذي حدث في أكتوبر والذي جرى التركيز عليه، ففي جزء من نسيان حرب الاستنزاف كان بالطبيعة ممكن قوي يحدث لكن في جزء كان مقصودا وهو التركيز على أكتوبر زي ما قلت لكي يؤكد شرعية جديدة لكي يؤكد قيادة جديدة لكي يمهد لتحولات كبيرة جدا وواسعة جدا سواء في السياسة المصرية الداخلية أو في السياسة المصرية الخارجية وبالفعل ده حصل وجرى التركيز جرى أكتوبر بدأ يبقى هو مبررا أو هو مسوغا أن تجري تعديلات أو تغييرات حتى انقلابات كبيرة جدا في السياسة المصرية غيرت فيما أظن مسارها وهذا لا يختلف عليه أحد في اعتقادي لكن التركيز على أكتوبر وبهذا الشكل قصد به أن، واحد أن اليوم في حد ذاته باهر يوم 6 أكتوبر في حد ذاته مبهر والحاجة الثانية كمان أنه أريد استغلاله لأسباب أخرى وهو بقيمته يستحق الاستغلال لكن أنا أتصور أن استغلاله كان لا بد أن يحدث لصالح الذين قاتلوا يصلح لصالح المقاتلين لكن أيضا في مبررات التغييرات في الداخل أنه فجأة كده في حرف واحد تغير في الكلمة من المقاتلين إلى المقاولين وإذا بنتائج حرب أكتوبر وهذا أيضا مما دعا إلى التركيز على أكتوبر ونسيان حرب الاستنزاف أنه فعلا تقدم إلى الساحة حاجة ثانية خالص. المفكر المصري المقتدر الدكتور جلال أمين له وصف أو له نظرية في هذا الموضوع وأنا أعتقد أن جزءا كبيرا منها صائب وعلى أي حال هذا ما أعتقده يعني، بيقول جلال أمين وأنا أعتقد أن له حق وقالها وكررها في مقالة مهمة قوي أنه كان في في ذلك الوقت كان في مشروع اسمه مشروع جمال عبد الناصر وهو واقع الأمر هو المشروع القومي المصري لكن بعد حرب أكتوبر ظهر مش مشروع ظهر شيء آخر هو رمز له بأن ده مشروع عثمان أحمد عثمان المقاول، عثمان أحمد عثمان مقاول قد يكون كفؤا يعني وهو رجل عمل حاجة بنى حاجات كثيرة قوي لكن المشكلة هنا أن عثمان أحمد عثمان رمز في ذلك الوقت وقد عين وزيرا للتعمير ومعارك أكتوبر لم تكد تنتهي عين وزيرا للتعمير وممكن كان يبقى ده لكن دوره أو ما رمز إليه أظن أنه كان أكثر جدا مما يمثل الرجل سواء في قيمته أو في حقيقته لكن هو جلال أمين اعتبره رمزا لتحول معين وأنا أعتقد أنني أوافقه على هذا لأنه بالفعل جرى أن حرب الاستنزاف التي نسيت وحرب أكتوبر التي جرى فيها التركيز بشكل معين على يوم معين لإحداث تغييرات كبيرة جدا وقعت على أساسها وحتى سواء في الشرعية سواء في السياسة سواء في التنفيذ سواء في التوجهات الاجتماعية جانب أيضا أنا أظن أن في عامل آخر كان في عامل آخر في التركيز على أكتوبر ونسيان حرب الاستنزاف أو في عدة عوامل منها مثلا على سبيل المثال أنه أريد التغطية على ما جرى في النصف الثاني من حرب أكتوبر في الإدارة السياسية للنصف الثاني من حرب أكتوبر، أظن أيضا أنه جرى في هذه الفترة وأنا أعتقد أن هذه الفترة تستحق الدراسة وأظن أن أتمنى أنه يوم من الأيام يجي عندنا جيل من المؤرخين الجدد زي اللي ظهروا في إسرائيل يكتبوا تاريخ التحول يحاولوا تقصي تاريخ التحول وقصة هذا التحول الذي جرى لأنه في هذا الوقت بالضبط وعلى أثر اليوم الباهر لستة أكتوبر وما تلاه من أيام في الأسبوع الأول من حرب أكتوبر حصل أنه جرى استغلاله بشكل زي ما قلت لبناء شرعية جرى استغلاله لإجراء تحولات لكن أيضا في أشياء ساعدت على نسيان حرب الاستنزاف والتركيز على أكتوبر أولها أنه أريد الإساءة إلى ما كان فربط يوم 5 يونيو سنة 67 بيوم 6 أكتوبر سنة 73 وكأن المساحة بينهما فراغ، في 5 يونيو وهي تمثل ضربة وصدمة بشعة ويوم 6 أكتوبر وهو يمثل انتصارا ومدعاة للفخر كبير لكن كأن لا شيء بين الاثنين كأنه فراغ وكأن هناك معجزة وقعت بين الاثنين فإذا بالصورة تختلف، وكان هذا في اعتقادي ضمن القصد المقصود وأنا أتمنى أن جيلا جديدا من المؤرخين يركز على هذه النقطة، كيف حدث الانتقال في هذه اللحظة الباهرة بالأضواء من المقاتلين إلى المقاولين؟ كيف تغيرت التاء في المقاتلين إلى الواو في المقاولين مع العلم أن أنا بأقول إن مش كل المقاولين بالعكس أنا أعرف أن في ناس مقاولين يستحقون الاحترام ويستحقون التقدير وأنا مش عايز أقول أسماء.

[فاصل إعلاني]

القوة المصرية تعود.. العالم ينتبه

محمد حسنين هيكل: عايز أقول إن هنا في هذه اللحظة أنا أظن أن ضمن أسباب نسيان حرب الاستنزاف أن حدث انتقال أريد التغطية عليه بنسيان تضحيات الكبيرة والربط المباشر بين يوم يدعو إلى الأسى ويوم يدعو إلى الفرح دونما مساحة بين الاثنين وأنا أظن أن هذه كانت نقلة كبيرة جدا، ساعد طبعا على أن حرب الاستنزاف تنسى أنه دائما الناس في الانطباع العادي وفي المتابعة اليومية للناس الحوادث التفاصيل على سبيل المثال إذا أردنا أن نرسم بناء أن نقيم بناء ما حدش بيقف قدام الوقت اللي ظهرت فيه فكرة هذا الصرح الذي سوف يبنى ما حدش بيشوف الخطوط أو النقاط لما تتحول لخطوط والخطوط لما تتحول إلى أشكال والأشكال لما تتحول إلى هياكل طوب تبنى والهياكل لما تتم وتتعمل ويبقى في الآخر في بناء هائل الناس يقفون أمام البناء مبهورين لكن ما حدش بيتذكر كل ما جرى قبل ذلك ويبدو كما لو أن ده ظهر فجأة كده، لكن واقع الأمر أن هذا البناء الذي ظهر وهو باهر أمام الناس وهو يستحق بلا جدال يوم 6 أكتوبر هو يوم خالد في تاريخ هذا الوطن وأظن في تاريخ هذه الأمة وأظن أنه علامة في تاريخ العالم لكن أريد التركيز عليه لكي ينسى شيء قبله وأنا أعتقد أن ما قبله كان هو الذي مهد له هو الذي صنعه هو مرحلة النقطة اللي تحولت لخط والخط اللي تحول إلى شكل والشكل الذي تحول إلى بناء وتحول إلى صرح لكن هنا في هذا الوقت أيضا كان في انتقال في الإقليم وفي العالم كان في انتقال لأن الإعلام العربي حدث فيه شيء في هذه الفترة يستحق الالتفات، هذه هي الفترة بالضبط التي ظهر فيها إعلام آخر غير الإعلام المصري وغير الإعلام اللبناني، الإعلام المصري كان موجودا وكان موجودا بكامل قوته والإعلام اللبناني كان موجودا وفيه عناصر هائلة جدا لكن فجأة ظهر إعلام من نوع آخر يموله النفط وأنا فاكر أن من أشرف على هذا كان السيد كمال أدهم مدير المخابرات السعودية في ذلك الوقت وأنا فاكر أنه جاء لي في مكتبي يوم من الأيام بعد حرب أكتوبر وقبل ما أسيب الأهرام وجاب لي معه بروفات صفحات لجرنال سوف يصدر في لندن وسألني رأيي فيه، قلت له إيه ده؟ فهو قال لي وهو في مكتبي في الأهرام قال لي يا أستاذ هيكل إحنا بنتعلم منكم لعبة الإعلام سبناها لكم فترة طويلة فكفاية كده بقى ندخل معكم يعني. لكن هذا إعلام جاء في لحظة تعاون مع تحولات في مصر، في هذه الفترة كمية الأموال التي وجهت إلى إنتاج أفلام إلى إصدار كتب إلى إصدار جرائد ومجلات إلى إنشاء إذاعات ومحطات تلفزيون مسألة تلفت النظر لأنه في هذا الانتقال، الانتقال اللي كان جاريا في مصر كانت له أصداء في العالم العربي لأن هذه هي اللحظة التي ظهرت فيها فوائض النفط والنفط بدأ يرسم سياسات أخرى مختلفة عن كل ما سبقه لأنه عنده مصالحه وعنده رؤاه للمستقبل وعنده رؤى متوافقة أكثر مع المقاولين منها مع المقاتلين، وهذه أيضا أظن طبيعة الأشياء لكن اللي حصل في ذلك الوقت أنه فعلا دون أن يدري أحد وفي وهج أكتوبر حدث تحول في مصر وفي الإقليم ساعدت عليه أشياء كثيرة قوي في العالم منها أنه في هذه اللحظة هذه كانت لحظة الظهور الأميركي وكانت لحظة الإمبراطورية الأميركية أو الرئاسة الإمبراطورية للرئيس نيكسون اللي هو كان موجودا في وقت حرب أكتوبر، هنا أنا أعتقد أن حرب الاستنزاف لأسباب كثيرة جدا ضاع منها أو تفاصيلها بهتت وقيمتها ابتعدت ووقائعها وضعت في السجلات ووضعت في الأرفف بينما أنا أعتقد أن هذه حرب تستحق أن نقف أمامها طويلا وهذا ما سوف أحاول أن أفعله. انا قلت تكلمت عن حجم الشباب اللي كانوا موجودين في المعارك عن طول المعارك وأجواء المعارك في حرب الاستنزاف وقلت إن حرب الاستنزاف بدأت في واقع الأمر من أول يوم بعد الحرب بعد ما وقفت حرب يونيو، أول ما وقفت معركة يونيو بقى في ردة الفعل الطبيعية اللي تمثلت في ضرب المدافع في معارك المدافع على شاطئ القناة وبعدين بعدها عملية إغراق إيلات عملية إغراق داكار كل هذه كانت معارك في إطار ردة الفعل لكن بعد كده بدأ يبقى في بداية التخطيط لحرب استنزاف حقيقية لها أهداف، واحد ألا يستقر الإسرائيليون إطلاقا وألا يشعر العالم أن الحرب خلصت وألا يشعر العرب وألا يشعر الشعب المصري أن الحرب خلصت وأن هذا الاحتلال الموجود في سيناء يستطيع أن يبقى وبالتالي بدأ يبقى في تخطيط حقيقي لعمل مختلف وهذا هو الذي دعا في هذا المناخ هذه هنا جاءت رحلة جمال عبد الناصر إلى موسكو في طلب سلاح أكثر وفي الترتيب لمرحلة أخرى مختلفة جاءت مهمة عبد المنعم رياض مع القادة السوفيات العسكريين حد زي الماريشال زاخاروف وكل هيئة أركان حرب وخصوصا في الطيران وخصوصا في الدفاع الجوي بدأت فيها حاجات كثيرة قوي وبدأ فيها التخطيط لحرب منظمة بدأت تعمل نقلة نوعية، بدأت تعمل نقلة نوعية لم يتنبه لها أحد وأنا هنا سوف أعرض تقريرا واحدا، التقرير ده إدارة المخابرات في وزارة الخارجية الأميركية رئيسها توماس هيوز بيكتب تقريرا لديل راسك وزير الخارجية بيقول له "إدارة المخابرات والأبحاث، وزارة الخارجية، رقم 851، مذكرة تاريخ 1 نوفمبر 1968، إلى الوزير -اللي هو راسك- من توماس إيلي هيوز، الموضوع الجمهورية العربية المتحدة تستعرض عضلاتها على طول خطوط السويس، العنوان القوة المصرية تعود، تشير الاشتباكات الأخيرة بين قوات الجمهورية العربية المتحدة وإسرائيل على طول جبهة قناة السويس إلى شعور متزايد بالثقة في القاهرة بشأن قدراتها العسكرية ففي أربع مناسبات متوالية خلال الشهرين الأخيرين وهي أيام 26 أغسطس، 8 سبتمبر، 23 أكتوبر و26 أكتوبر يبدو أن القوات المصرية استطاعت أن تنال من القوات الإسرائيلية" هنا القوات المصرية تحت ستار مدفعية كثيفة جدا دخلت دوريات واشتبكت في عمليات على نطاق لفت نظر المخابرات الأميركية في وزارة الخارجية إلى أن هناك تغييرا نوعيا في القوات. بيقول إيه؟ "إن الاشتباك الأخير بالتحديد قد أكد الأسلوب التكتيكي للسياسة التي اتبعتها الجمهورية العربية المتحدة منذ أواخر أغسطس وأوائل سبتمبر" ده بعد عودة عبد المنعم رياض من موسكو وبعد صفقة سلاح سمحت للقيادة المصرية العسكرية أن تطلق المخزون وأن تطلق الاحتياطي أو جزء منه لكي يدخل في معركة تعرف أن لها إمدادا قادما، وبعدين بيقول "وهو الحشد المركز -بيحكي على إزاي التكتيك المصري- الحشد المركز لقوات المدفعية بما يغطي دخولا عميقا لقواتهم داخل الخطوط الإسرائيلية بواسطة قوات كومندوز كما أن الاشتباك الجوي بين الطائرات المصرية والطائرات الإسرائيلية يوم 23 أكتوبر يظهر تفوقا له معنى في كفاءة الطيارين المصريين أو بعضهم على الأقل" وبعدين "ويبدو أن إستراتيجية الجمهورية العربية المتحدة تركز على قدرات عسكرية أقوى وثقة تتزايد في كفاءة التكتيكات المصرية الجديدة المزودة بإمكانيات متعددة" وبيقول التقرير بعد كده إن ده في عنصر خداع نفس لأنه مش ممكن يكونوا الناس دول المصريون يعني لحقوا يفيقوا بالطريقة دي لكن إحنا "خائفون من أن سلسلة الانتصارات التي حققتها القوات المصرية على القوات الإسرائيلية قد تغذي ثقة الجمهورية العربية المتحدة بنفسها وجسارتها على الفعل والخطر الحقيقي في هذا الوقت أنه من الممكن أن يؤدي هذا الشعور بالزهو إلى ثقة متزايدة تؤدي بدورها إلى خطأ في الحسابات قد يغري قادة الجمهورية العربية المتحدة أن يجربوا تحويل نجاحاتهم المحدودة الحالية إلى انتصار عسكري ضد إسرائيل" وبيتكلم على إيه أهداف الجمهورية العربية المتحدة من هذا الذي يحدث في حرب الاستنزاف، في هذه الطريقة اللي بدت فيها إغارات. أنا قلت الأسبوع الماضي قلت إن القادة السوفيات كانوا خائفين قوي من أن نعمل هجوما مش عاوزين يدوا أسلحة كبيرة تقدر تعمل هجوما وما حدش عندنا كان بيفكر في ذلك الوقت بهجوم لكن كان التفكير باستمرار في إقلاق في إزعاج في نزيف دم لا تستطيع أن تحتمله إسرائيل في معارك مستمرة تشعر العالم وتشعر العرب وتشعر الشعب المصري أن المعركة مستمرة وأن هذا الاحتلال لا يمكن أن يبقى لأنه ضد الطبيعة وضد التاريخ، يستحيل يعني، حتى ضد أكثر قوي من أحلام إسرائيل نفسها أكثر قوي مما هم قدروا لأنفسهم لأن هم وقتها كانوا بيتكلموا على أنهم يصلوا لغاية جبل لبنى ويدمروا القوات لكن قرار الانسحاب فتح الطريق إلى قناة السويس وأعطى الإسرائيليين ليس فقط ما لم يخططوا له بل ولم يحلموا به، ما كانش في أحلامهم ولا في تخطيطهم ولا في قدراتهم كمان. وبالتالي بعدين هو بيتكلم هنا التقرير بيتكلم على أهداف الجمهورية العربية المتحدة وبيقول إنهم "عاوزين يرغموا إسرائيل على أنها تحط قوات كبيرة وإشعار الجميع بأن الجمهورية العربية المتحدة لم تعد تخشى عمليات التخويف، دفع الجنود للجبهة المصرية واستثمار النجاح لعمليات أكبر ومساعدة الفدائيين الفلسطينيين وطمأنة الشعب الفلسطيني" إلى آخره. لكن أنا أعتقد أن هذا التقرير بيوري أنه في هذه اللحظة ونحن بنتكلم على بعد سنة واحدة تقريبا من يونيو بنتكلم على تغيير نوعي أحس به الإسرائيليون وأحس به كل المراقبين في العالم ولفت النظر إلى أن هذا إعداد لشيء آخر. في ذلك الوقت في هنا قدامي في كتاب عن حرب الاستنزاف وهو كتاب مهم جدا حرب الاستنزاف لأن مؤلفه سفير أميركي سابق لكن في وقت الحرب في وقت حرب الاستنزاف هو كان موجودا في إسرائيل طول فترة الحرب لأنه كان رئيس القسم السياسي في السفارة الأميركية في تل أبيب ويتابع عمليات الاستنزاف وهو لفتت نظره وكتب عليها كتابا بحاله، هو كثر خيره في هذا الكتاب ذكر.. يعني أنا مكسوف أقول ده لكن هو ذكر اسمي 132 مرة واستشهد بي في كلام كثير، 132 مرة، كل علامة من دول هي صفحة أشار فيها إلى اسمي وفي كل صفحة مرات كثير قوي، لكن أنا فعلا كنت واحدا من الناس اللي عاشوا أولا رأيت الجهد اللي بيبذل لمواصلة الحرب، رأيت هذا الجيل من الشباب اللي بيتقدم لكي يتحمل مسؤولية الحرب، رأيت وعشت التخطيط اللي بيشتغلوا فيه كل الناس سواء اللي على مستوى القيادة اللي بيرسموا خطوطا ويحطوا نقاطا، ومتابع للشباب الموجود منتشر على طول البلد على طول الوطن المصري كله ويقاتل ويتعرض لمفاجآت ويتعرض لمغامرات ويتعرض لمخاطرات وهو لا أحد يشعر بما يفعله. أنا كنت بأحاول أو يعني كنت أقرب بطبيعة العمل الصحفي يعني كنت أقرب إلى فهم هذا الجيل وبالتالي كتبت عنه أو كتبت عن حرب الاستنزاف وبسبب طول المدة طبعا فالكتابة زادت جدا إلى درجة أن الرجل في كل حرب الاستنزاف كله طول الوقت عمال يستشهد بي، لكن في حرب الاستنزاف الرجل ده بيحكي على حاجة على مناقشات مهمة.

[فاصل إعلاني]

لعبة شطرنج مصرية والبناء يرتفع

محمد حسنين هيكل: بيحكي على مناقشة في رئاسة هيئة أركان حرب الجيش الإسرائيلي، بيحكي على إزاي ممكن يوقفوا هذه الحرب يعني يتصرفوا إزاي فيها، فبيقولوا إيه؟ بيقولوا انقسمت القيادة إلى قسمين وطبقا له هو الجنرال آدان قائد الجبهة الجنوبية عندنا وجنرال بارليف مدير العمليات اللي بقى رئيس هيئة أركان حرب يوم 1 يناير سنة 1968 كان رأيهم تقوية المواقع الدفاعية على خط قناة السويس لمنع الاختراقات ولمنع الدوريات وإيقاف هذا النوع من حرب الاستنزاف اللي بدأ يبقى فعلا مرهقا للقوات الإسرائيلية لأنه بيضطرهم واحد إلى نزيف دم هم مش عاوزينه، إذا أرادوا إيقاف التسللات لا بد من حشد قوات وإعلان تعبئة عامة أو تعبئة عامة شاملة وهذا يدخلهم، يلغي على طول فكرة أنهم انتصروا هذا الانتصار الذي ينهي كل الحروب، في نوع من الانتصارات يتصوروا بعض الناس أنها إما هزيمة تنهي كل الحروب أو انتصار ينهي كل الحروب لكن هذا لم يحدث فهم بيقولوا شايفين معركة كبيرة تدور وهم بيخسروا فيها.. إحنا كمان بندفع تضحيات لكن هم بيخسروا أكثر يعني هنا الرجل ده مستشهد بي وأنا أقول إن في حرب الاستنزاف في أي حرب إذا إحنا خسرنا خمسين ألفا حتى قدام إسرائيل خسرت عشرة آلاف فهذه خسائر لا يمكن أن تحتملها إسرائيل. لكن قيادة منقسمة على مواجهتها، زي ما قلت آدان وبارليف لهما رأي لكن في المقابل في الجنرال تل قائد المدرعات والجنرال شارون اللي هو قائد القوات الخاصة رأيهم الاثنان أن الوقوف على قناة السويس وبناء مواقع حصينة هذا لا جدوى منه وأن المدفعية سوف تحطم هذه القوات، المدفعية المصرية وهي نقطة تفوق واضحة عند المصريين سوف تحطم هذه المواقع وحتفتح الطرق وخسائرهم حتزيد، فكانت اختلفت القيادة وديان انتصر للرأي الثاني وهو أنهم يرجعوا عشرة كيلو وراء وأن المدرعات تتمركز هناك ويسيبوا المصريين يعملوا زي ما هم عاوزين وإذا اقتربوا من الشاطئ الشرقي في قناة السويس فالقوات المدرعة تستطيع أن تتقدم والحركة تستطيع أن تحبط أي عملية اختراق أو عملية عبور أو عملية تقدم، لكن هنا الجنرال بارليف كان بيقول إنه في مسألة مهمة -وهو رئيس أركان حرب- بيقول لهم في حاجة مهمة جدا، إذا المصريون إذا استطاعوا بناء خط أو عبروا وعملوا مواقع لقوات على شرق قناة السويس ثم دعي مجلس الأمن إلى الاجتماع، الروس أو أي حد من أصدقاء إنجلترا فرنسا -ما كانوش أصدقاءنا في ذلك الوقت إنجلترا بالتحديد يعني- لكن لو أي حد من أصدقاء مصر دعا إلى اجتماع لمجلس الأمن وقالوا إن القوات المصرية الآن تحتل خطا على الناحية الثانية وهو خطهم ودي أرضهم وأوقف القتال عند هذا الحد فمعنى ده أن المصريين تمكنوا من العودة إلى سيناء وبالتالي الجنرال بارليف كان رأيه بناء خطوط هنا في الموقع ده على خط الماء لأن استعمال خط الماء في منع أي هجوم كبير لأنه بقى واضحا أن نوايا المصريين مش بس كل حرب الاستنزاف القوات الإسرائيلية لكن بقى واضحا قدامهم أنه في بالتخطيط أن هذا كله يجري تدريبا وتفكيرا وتخطيطا وعملا وتطعيما بالنار واستعدادا للتضحية وأنه بدأ يبقى وراء هذا كله في هنا نقاط في خطوط تتحول لأشكال أشكال تتحول إلى عملية بناء وهذا ما يقلق، هنا في موضوع يقلق الإسرائيليين فبدأ الانقسام في القيادة يبقى واضحا. أخذ على أي حال في النهاية برأي بارليف ورأي آدان أنه خط ثابت يدافع عن الجبهة معتمدا على القناة ومواقع حصينة والتمسك بخط الماء وأنه حكاية الابتعاد عشرة كيلو حتى ولو أن ديان بيؤيدها لأنها أسهل المدرعات تقدر تجي من عشرة كيلو مندفعة وتستطيع أن تزيح أي محاولة اختراق إلى الناحية الثانية، وبدؤوا يبنون خطا لكن المدافع عمالة تدك هذا الخط أولا بأول، عمليات الاختراق مستمرة، الحرب بقى واضحا أنها بتأخذ، حرب الاستنزاف بتأخذ شكلا آخر أكثر مما هم متوقعون وأنه في مسألة كمان ثانية أن هذا الذي يجري بدا أنه يحدث آثاره في مواقع أخرى، الجبهة المصرية بدأت تبقى مشتعلة، في جبهات ثانية بدأت تبقى الهدوء اللي سائد عليها يقلق وأنا أعرف أن إخوانا في سوريا كانوا طبعا موجودين عندهم أرض محتلة وقلقين لكن سوريا لم تكن الظروف تسمح فيها بحرب استنزاف لأن دي على مرمى المدافع يعني إذا بدؤوا نوعا من حرب المدافع في اليوم التالي دمشق تدك، لكن في ذلك الوقت بدأ بقى يحصل التنبه إلى أنه إذا أريد تحرير أرض في الشمال فلا بد بشكل ما من التعاون مع الجنوب في مصر لكن بما أنه ما نقدرش نعمل حرب استنزاف في نفس الوقت اللي مصر فيه ماشية في حرب استنزاف إذاً لا بد أن ندخل مع مصر في التخطيط لما هو قادم للمرحلة التي تلي حرب الاستنزاف اللي هي مرحلة العمل المنسق وهنا بدأ موضوع الجبهة الشرقية يطرح نفسه، إحنا كنا بنتكلم فيه بشدة لكن إخوانا في سوريا بدؤوا يرونه وبدؤوا يرون ضروراته وأظن أن هنا في واحد زي الرئيس حافظ الأسد هو كان وقتها وزير دفاع الرئيس حافظ الأسد وبعض الضباط المحيطين به أظن بدؤوا يفكرون جديا أن هذه الجبهة الشرقية أن سوريا مش حتقدر تحارب وحدها وأن الطريقة اللي الجبهة السورية تصرفت بها سنة 67 لا بد أن تختلف وأنه لا بد من العمل على تنسيق جبهة شرقية تشارك فيها سوريا ويشارك فيها الكل بشكل أو آخر لكي عندما تجيء اللحظة اللي نتائج حرب الاستنزاف فيها دي كلها تتحقق وتؤتي نتائجها وتبتدي تدي الخطوط العريضة والتصور الأوضح لمعركة مقبلة تحرر الأرض بخطوة أبعد كثيرا قوي من حرب الاستنزاف لكنها معتمدة عليها إذاً فالجبهة الشرقية هنا ضرورية. الجبهة الشرقية بدأ يبقى في كلام عن الجبهة الشرقية وهذا بدأ يقلق الإسرائيليين وبدأ يقلق الأميركان، بدا أن اللي جاري في مصر قد يحدث نتائج لأنه حتى في هذه الفترة الاتحاد السوفياتي بدأ يتشجع، الاتحاد السوفياتي كان دائما عنده شكاوي بيقول والله إحنا بنساعد وإحنا بندي سلاحا وبنعمل كل حاجة في إمكاننا يعني لكن المصريين لا يحسنون استعمال هذا السلاح، وبعدين نحن حتى بأن السلاح لا يساء استعماله نحن نوضع في الموقف الأضعف أمام الأميركان في صراع عالمي واسع أنتم أطراف فيه وأنتم مهتمون أيضا بنتائجه وأنتم في واقع الأمر ميدان من الميادين المهمة جدا اللي حاصل فيها هذا الصراع وأنكم أنتم تحاربون لأسبابكم أنتم يعني لكن هنا الاتحاد السوفياتي أنا أظن أنه بدأ يحس أن السلاح اللي إحنا بنأخذه وأن السلاح اللي بقى سلاحنا في واقع الأمر هذا السلاح تكرم قيمته بإجادة استعماله وأن ده في روح جديدة أخرى مختلفة وفي وضع ينشأ ويتطور بشكل ما أظن ما كانش.. يعني دائما معادن الشعوب تبان في أوقات الأزمات، في هذه الفترة الشعب المصري كله كان واقعا تحت ضغط في منتهى الشدة وفي منتهى العنف وأظن أن أفضل ملكاته والأصيل والقادر في طبائعه ظهر ومورس وهذا شاهده أنا أظن أنه كان كل هذا الشباب الموجود في كل مواقع حرب الاستنزاف، هذا أيضا بدأ يعمل تغييرا في حقائق إدراك العالم الخارجي لهذا الصراع، الأميركان كمان بدؤوا يتنبهون، الروس بدؤوا يشعرون أن سلاحهم مش ضائعا، العرب بدؤوا يتحركون الأمة كلها بدأت تتحرك وبدا أنه يبقى في معركة بدا أن في شيء يراهن عليه. إحنا مرات.. مرات أنا أقول مرات كتبتها حتى زمان قوي قلت حاجتين في ذلك الوقت ومن قبله كنت بأقولهم، كنت بأقول إن من عيوب التفكير السياسي العربي باستمرار أن العقل الخطابي يسوده وأن العقل العلمي بعيد عنه شوية، إحنا بتأثير مواريث كثير جدا العقل العربي أخذ نزعة خطابية يمكن لأن معظم الموروث مروي بالرواية ويمكن لأن الشعر وهو ديوان العرب كان بيلقى فالعقل الخطابي أثر كثيرا جدا علينا أو العقل العربي أخذ الطابع الخطابي أكثر مما أخذ الطابع العلمي، ما مريناش بكل اللي مرت به أوروبا على سبيل المثال من اليقظة للنهضة للتنوير ما مريناش فيه قوي وبالتالي فضل تأثير الخطابة موجودا في العقل العربي أكثر والخطابة بتقود إلى أوساط فيها من التمني أكثر مما فيها من الفعل. الحاجة الثانية اللي كنت بأقولها دائما إن إحنا في تفكيرنا حتى في روايتنا مرات بنلعب في السياسة طاولة أكثر ما بنلعب شطرنج، أنا ما بأعرفش ألعب طاولة على فكرة يعني لكن الطاولة هي لعبة حرب يعني الناس بترمي الزهر وتشوف إيه اللي يجيها في الزهر وتتصرف على هذا الأساس تنقل أوراق أو تبادل أوراق على هذا الأساس، لكن الشطرنج قضية ثانية الشطرنج قضية لها قواعد وفيها فكر وفيها عقل وفيها خطوة مبنية على خطوة ومرتبة مع خطوة أخرى لها منطق في منطق معين عقلاني يقودها. الحرب أنا أظن في هذه الفترة أظن أنها كانت لعبة شطرنج، لما إحنا بدأنا نقول، بدا أولا حرب الاستنزاف تأخذ هذا الشكل وتتصاعد في مراحلها بهذا الشكل وتنتقل من ردة فعل طبيعية إلى عمل منظم أو شبه منظم بيقصد أن يصد وأن يمنع وأن يردع إلى حد ما ثم أن يرتب نفسه لقتال أوسع ولمعارك أكبر ولخطة بدأت تتشكل ملامحها وبدأت تتشكل أو تضح وسائلها ولمقاتل بدأ يحس بثقته بنفسه ولشباب بدا.. الشباب اللي أنا كنت بأتكلم عنه وبأتكلم على مليون و250 ألفا لازم ندرك سواء في الخطوط الأمامية أو وراء أنه فات في هذه المرحلة في الطاحونة في الدائرة الكبيرة سواء في التجنيد وفي الخروج للتجنيد بنتكلم على ناس فاتوا لا أقل من اثنين مليون شاب فاتوا في هذه التجربة تحت تجربة النار وهذا تغير إنساني وأنا أعتقد أن هذا التغير الإنساني جزء مما أريد فيما بعد التركيز نسيان حرب الاستنزاف لكي ينسى هذا بدوره لأن الإسرائيليين بدؤوا يفكرون طيب نعمل إيه؟ في لعبة الشطرنج هم أخذوا في غفلة مننا أو في لحظة ضعف عندنا أو في لحظة ارتباك أو في لحظة خطأ بشع سواء عملته السياسة أو عملته القيادة العسكرية حصل أنه في مصيبة وقعت في البلد لكن ردة الفعل كانت لهذه المصيبة هي المقاومة وبعدين بعد المقاومة إرغام الاحتلال على أن يراجع موقفه وبعدين إرغام الاحتلال على أن يعيد تصوراته وبعدين إقناع العالم، في لعبة شطرنج جارية وماشية في لعبة خطوة بعد خطوة في تصاعد يحدث على كل مربع من الرقعة اللي جارية، طيب الإسرائيليون حيعملوا إيه؟ في هذه اللحظة لو أفتكر تقرير المخابرات الأميركي اللي بيتكلم على التغير النوعي في حجم العمليات آخر عملية فيه مهمة جدا وهي عملية 26 أكتوبر اللي بعدها حصل اشتباك بالطيران والعملية لم تعد عملية دخول بدوريات ضرب مدافع ستار مدفعية يمهد ثم اختراقات بالقوات واختراقات بقوات كبيرة مش قوات صغيرة يعني، وبعدين في معارك جو بدأ الإسرائيليون يفكرون في نقلة ثانية تبقى ضرورية للحرب وهنا بدت أهمية هذا الشباب اللي بيقاتل على المواقع الداخلية في كل الجمهورية وهي أن الإسرائيليين بدؤوا يفكرون في إيه؟ هم عندهم تفوق في الطيران وبدا أن على جبهة القتال إحنا أصبحت لنا بشكل أو آخر اليد العليا طالما هم لم يعلنوا تعبئة عامة ولم يقوموا بهجوم شامل على الجبهة فالجبهة المصرية بدأت تتماسك وانتقلت من امتلاك قدرة دفاعية إلى قدرة على الفعل أيضا على الناحية الثانية بدت أنها خطرة يعني فبدأ الإسرائيليون الخطوة الثانية ينقلون المعركة إلى الداخل وهنا يوم 31 أكتوبر بدأت أول غارة في العمق وهي على قناطر نجع حمادي لأنه في عملية التصاعد كيف تستطيع إسرائيل أن تواجهها؟ جبهة أصبحت تحس أنها بقيت أقوى ومش عاوزين يعلنوا تعبئة عامة لكن في نزيف دم مستمر وفي عمليات انتهاكات للخطوط مش قادرين يعملوا حاجة فيها بشكل أو آخر وإحنا برغم الخسائر وبكل حاجة في شباب مستعد يخش ويدخل ويقاتل وراء الخطوط الإسرائيلية وأن يحدث نتائج، النقلة الطبيعية على طول بالنسبة للقيادة الإسرائيلية أن يحاولوا ينقلوا المعركة من خطوط الجبهة إلى الداخل العمق الداخلي وبالتالي بدأت أول غارة على نجع حمادي، قناطر نجع حمادي فيها محطات محولات الكهرباء بتاعة السد العالي اللي بتدي القاهرة وبتدي الدلتا نزلت عليها مجموعات هليكوبتر نزلت في البحر الأحمر اخترقت الصحراء إلى نجع حمادي نزلوا وحاولوا ينسفوا ونسفوا فعلا حاجات واشتبكوا مع قوات من هذه القوات من هذا الشباب الموجود في الداخل بيحمي مواقع هؤلاء الـ the unsung heros الأبطال الذين لم يغن لهم أحد والذين لم يرتفع عليهم علم، في وحشة وفي دوريات إسرائيليين بينزلوا عليهم بالليل بالهيلكوبتر وبيقاوموا لكن هذه كانت نقلة نوعية جدا، الشباب اللي فيها.. يعني أنا هذا الجيل من الشباب كل ما أفتكر أن هذه الحرب أو كل ما جرى في وقائع هذه الحرب حرب الاستنزاف يعني بيزاح من الذاكرة سواء بطبيعة الحرب نفسها أو بالقصد المقصود وألاقي أن البناء الأخير البناء الهائل اللي اتبنى في الآخر يوم 6 أكتوبر تسابق كثيرون قوي بعد ما انتهت الحرب تسابق المقاولون لكي يسبقوا المقاتلين ويحتلوا اللي فيه وأنه يا دوب بعض المقاتلين حاولوا بعد الحرب أنهم يعني يقربوا يشوفوا إيه نتائج هذه الحرب، بعضهم بقوا في العشوائيات المحيطة بهذا الصرح الشامخ اللي بني ظهر في أكتوبر، هو بني قبلها وظهر في أكتوبر، وبعضهم يا دوب دخل في البدروم لكن بقى في هذا الجيل جيل المقاتلين قدام جيل المقاولين بدؤوا يحاولون يخلوا بعد الحرب والأسباب الكثير قوي اللي أدت واللي أنا تكلمت فيها مما أدى إلى نسيان حرب الاستنزاف بدأ هذا الجيل يشعر أنه بشكل ما في حاجة غلط، هذا هو الجيل بالضبط اللي أوقف أول محاولات المقاولين للخصخصة في أوائل سنة 1974 لما بعد الحرب بدأ يبقى في صيحة الخصخصة والكلام ده كله وأوقفت، هذا هو الجيل اللي سنة 1977 طلع لما لقى أن الصرح اللي هو بناه وهو دفع دمه فيه بيحتله وبيحتل الأدوار العليا فيه من لم يقاتلوا بدأ في 1977 في يناير 18، 19 يناير بدأ يطالب بحق ثم قمع، بدأ يبقى هذا الجيل ينطبق عليه حقيقي وحرب الاستنزاف أيضا ينطبق عليها بيت شعر مشهور قوي اللي بيقول

وتؤخذ باسمه الدنيا جميعا

وما من ذاك شيء في يديه

تصبحوا على خير.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة