هيكل.. طريق أكتوبر والصراع على كنز   
الاثنين 1431/6/4 هـ - الموافق 17/5/2010 م (آخر تحديث) الساعة 8:00 (مكة المكرمة)، 5:00 (غرينتش)

- غير المتوقع هو الذي يحدث دائما
- رجعت ريمة لعادتها القديمة

- صباح اليوم التالي

غير المتوقع هو الذي يحدث دائما

محمد حسنين هيكل
محمد حسنين هيكل:
مساء الخير. مرة ثانية وثالثة ورابعة وإلى آخر العدد لا أظن أن أحدا في هذه الأجيال المعاصرة يستطيع أن يتصور التأثير الذي جرى على أثر الثورة الليبية سنة 1969، سبتمبر 1969، لأن هذا الذي حدث في ليبيا لا يمكن إدراك صعوبته وإدراك خطورته وإدراك تعقيداته إلا في اعتقادي إما أن يكون ناس عاشوا هذه التجربة عن قرب ورأوا ما جرى وتابعوه وإما ناس أتيح لهم أن يطلعوا على الوثائق وعلى الأوراق الداخلية للقوى المهتمة بما جرى -وهي الآن متاحة على أي حال- لكن في ذلك الوقت ما جرى وأنا أريد أن أذكر كان تغييرا كبيرا جدا وهائلا وقع أولا على ساحة الصراع المباشرة وجبهة القتال في قناة السويس لأنه غير موازين إستراتيجية واضحة ثم أن له أثرا كبيرا جدا في الأوضاع الداخلية في الإقليم ثم أنه أثر تأثيرا كبيرا جدا في الأوضاع الدولية المحيطة بالبحر الأبيض وهو في ذلك الوقت بؤرة الصراعات في العالم لكن هذا التغيير الكبير أظن أن أول حاجة أنه جاء مفاجأة بالكامل لم يتوقعها أحد والحاجة الثانية أنه لم يتصوره أحد ويمكن من هنا لم يتوقعه أحد والحاجة الثالثة أنه لم يكن هناك أي طرف مستعد للتعامل مع احتمالاته وتداعياته لا العالم كان مستعدا يتعامل مع هذه المفاجأة ولا الإقليم كان مستعدا وأكاد أقول أيضا إن القائمين حتى على هذا العمل أنفسهم لم يكونوا مهيئين ولا جاهزين للتعامل مع شيء هم قاموا به، وأتذكر أنا في ذلك الوقت أنه بعد الرئيس معمر القذافي ما أطل على الصورة وبعدها بشهور جاء في زيارة للقاهرة بعد شهور جاء إلى مكتبي في الأهرام وهو يقول لي إنه عندما أطل على الصورة أحس أن نسبة النجاح كانت واحد في المليون لكن هذا الواحد في المليون تحقق. الغريبة جدا أنه أنا أشعر -وهذا مجرد شعور- أنه إذا كان صحيحا أن هناك قرارا اتخذ باغتيال جمال عبد الناصر بالسم أظن أن البذور الجنينية الأولى بدأت بعد الثورة الليبية لأنه في أعقاب الثورة الليبية بدأ إحساس عام وبدأ تحسب واضح وبدأت حسابات أكثر من تحسب أن المشكلة هي حركة القومية العربية والمشكلة هي هنا في القاهرة وأن هذا الوضع القائم في القاهرة والذي لا يزال يقاوم العدوان بالطريقة اللي جرى بها معركة 67 ومع أخطائه فيها هو والذي كان واقفا وصامدا ويحارب ويقاتل هو مصدر الخطر خصوصا بكل هذا التأييد الذي يجده بين جماهير أمة عربية مستعدة لأن تقاتل، أظن أنه حتى لو حد راجع الورقة اللي كتبها جمال عبد الناصر بخط يده والتي سمع فيها من التسجيلات التي أجريت في السفارة الأميركية في ذلك الوقت واللي كان فيها وزير مفوض أميركي في إسرائيل حاضر ومعه سكرتيرة السفير أو مديرة مكتبه وهي بتقول إن الإسرائيليين أو الكبار في إسرائيل وعدتهم، غولدا مائير، وألون وديان وياريث مدير المخابرات كلهم متوصلون إلى أنه لا يمكن أن تنتهي هذه المشكلة مشكلة الشرق الأوسط يعني وتطمئن إسرائيل إلا بجمال عبد الناصر ينتهي ويختفي من المسرح وبالسم أو بالمرض، وهذا سجله جمال عبد الناصر، لو أن أحدا يعيد مراجعة هذه الورقة مرة ثانية لوجد أنها مكتوبة بخط جمال عبد الناصر يوم 6 ديسمبر بعد أسابيع من قيام الثورة في ليبيا لأنه بالفعل تأثير ما جرى هذا التغيير مش بس أحدث خللا كبيرا جدا في كل الموازين موازين الصراع على الجبهة الموازين الإقليمية في المنطقة الموازين الداخلية في العالم العربي الموازين الإستراتيجية في البحر الأبيض لكنه أيضا بدا غير متوقعا حقيقي بدا كل الناس مفاجأة فيه. هنا يطرأ سؤال أنا أعتقد أنه في منتهى الأهمية، صحيح أن إحنا اتصلنا بالملك السنوسي وصحيح أن جمال عبد الناصر كتب له وصحيح أن الرجل استجاب وصحيح أن الرجل أعطى طمأنينة وأنه بالتالي نزع الشرعية عن إمكانية أي تدخل عسكري، الشرعية الدولية، لكن باستمرار القوة قادرة على تدبير وسائلها وتدبير أمورها وخلق شرعية بالأمر الواقع، صحيح أن الملك إدى حاجة، جمال عبد الناصر طلب من الملك والملك استجاب الحقيقة بقدر كبير جدا من الزهد وبعدين إخوانا في ليبيا راحت لهم إشارة الملك واطمأنوا وقدامي رسالة منهم أيضا يمكن تكشف عن مدى عدم.. يعني الضغط اللي كان عليهم لأنه باعثين لجمال عبد الناصر بيقولوا -وهي برقية ملفتة- بيقولوا "رسالتكم طمأنتنا وهذا لم يكن مستغربا ولا مستبعدا منكم إنما هو المتوقع والمألوف" وبعدين.. "اسمح لنا..." قبلها كان مكتوب "اسمح لي.." ثم عدلت "اسمح لنا.." في الجواب اللي جاي ".. يا سيادة الرئيس أن نكتب لك بسرعة وباختصار لضيق وقتنا بيد أننا نؤكد.." على أي حال أنا لقيت "لضيق وقتنا" هي لجمال عبد الناصر في هذا الوقت وبالطمأنينة اللي عملها لهم ناس ما عندهمش وقت إيه! وبالفعل أنا مستعد أعذرهم لأنه وجدوا أنفسهم إزاء ما لم يتوقعوه. أهم حاجة في كل ده كله أنه يطرأ سؤال، إذا كان أمر ما جرى في ليبيا إلى هذه الدرجة من الخطورة وهو صحيح إذاً كيف لم تتدخل القوى؟ الإنجليز موجودون في قاعدة العضم والأميركان موجودون في قاعدة ويلس والأسطول الأميركي واقف عند حافة الأفق، كيف يمكن أن يقبل أحد أن يجيء تغيير إستراتيجي بهذه الأهمية وبهذه الدرجة ثم لا يحدث تدخل ضده بينما في مفروض أن في قوات ومفروض أن في استعداد ومفروض أن في خطط طوارئ! لما أرجع للوثائق وهنا أظن أن الرجوع للوثائق مهم جدا لكن لماذا لم تتدخل بريطانيا؟ إنجلترا وقتها هي الطرف المسؤول مباشرة عن ليبيا بعد الحرب العالمية الثانية وبعد انتهاء السيطرة الإيطالية اللي كانت موجودة من أول غزو ليبيا سنة 1910، 1911، 1912 لغاية ما بعد الحرب كان في إيطاليا لكن بعد الحرب إنجلترا عادت إلى ليبيا أولا بوصاية وبعدين باتفاقية احتلال من غير تفاصيل كثير قوي من غير كلام يعني، فإنجلترا موجودة وإنجلترا عندها مصالح مهولة وبعدين وجودها في البحر الأبيض في ذلك الوقت يعني هي قالت حتنسحب من شرق السويس من قبل 67 لكن غرب السويس ما تقدرش تنسحب منه في مالطة في جبل طارق في إنجلترا نفسها في البحر الأبيض في كل التجارة البريطانية إنجلترا قبل أي حاجة ثانية الأسطول هو مصدر القوة، عمر ما كان عندهم ذلك التفوق الخارق في الجيش لكن باستمرار هم حرصوا على أن تعويض نقص الجيوش في هذه الجزر البريطانية الصغيرة جدا والمحدودة السكان -مهما قيل- يعوضه أسطول لعب لمدة ثلاثة قرون أدوارا هائلة في السيطرة على البحار وعن طريق قواعد موجودة على الشواطئ، كيف إذاً إنجلترا لا تتدخل؟ مسألة غير مفهومة. لما أرجع للوثائق ألاقي أنه أول حاجة قدامي على طول كده في موقف إنجلترا أول حاجة أنه في شعور بالدهشة والمفاجأة شديد جدا في بريطانيا، في لندن في شعور بالمفاجأة، الحاجة الثانية أنهم بيكتشفوا أنهم أخطأوا في الحسابات جدا لأن القوات اللي كان مفروض تبقى بمقتضى الخطة موجودة في قاعدة العضم وهي كانت مقدرة في ذلك الوقت بلوائين أو قريب من هذا العدد ويعززها فرقة موجودة في مالطا لم تعد موجودة لأنه بعد سنة 67 أولا إنجلترا كانت باستمرار تتحسب ما فيش حاجة حتحصل ومصدر التهديد الذي كان يمكن أن يكون موجودا هو أن يحصل حاجة في ليبيا وأن مصر تساعد لكن بعد 67 بقى احتمال أن مصر تجد عندها قوات تساعد بها في ليبيا غير مطروحة وبشكل ما بقى في طمأنينة إلى درجة أن اللوائين الموجودين في القاعدة جرى التصرف فيهم، لما قامت الثورة كان عدد القوات البريطانية الموجودة في القاعدة أقل من ألف وقوة الاحتياطي التي كان مفروضا أن تدعم أي عمل عسكري في ليبيا واللي كانت موجودة في مالطة جاهزة ومستعدة رجعت إنجلترا، حصل لها عملية recess position عملية إعادة انتشار وفي الواقع دي رجعت إنجلترا فالقيادة البريطانية أقصد الحكومة البريطانية والقيادة البريطانية، القيادة البريطانية أولا لم يكن لديها أي قوات تتدخل بها، لا القوات موجودة في العضم ولا قوات تعززها موجودة في مالطة، الحاجة الثانية أن وقتها إنجلترا كانت بتمر بوضع سياسي غريب جدا في حزب العمال بيضعف أو ضعف بسبب شكوك بعض أجهزة المخابرات البريطانية MI5 الداخلية في رئيس الوزارة واتهامه أو تصور اتهامه بأنه شيوعي متخف وبين حزب المحافظين وهو في ذلك الوقت متعرض أو في أعقاب فضائح كبيرة جدا طالت أقطابه كلها بعضها مالي وبعضها جنسي بعضها.. منها فضيحة كريستين كيلر، وزير الدفاع البريطاني على علاقة بسيدة أنا ما أقدرش أوصاف، سيئة السمعة يعني محترفة وفي نفس الوقت الملحق العسكري الروسي بيعرف هذه السيدة وبيشغلها لحسابه ففي إنجلترا مركز القرار في لندن بشكل ما في حالة خلل. الحاجة اللي أشوفها موجودة، موجودة ثانية في التقديرات البريطانية، أنهم اكتشفوا أن قوة دفاع برقة اللي كانوا بيعتمدوا عليها حصل لها حاجة غريبة قوي، قوة دفاع برقة كان مفروض أنها.. قوة دفاع برقة بيقودها قائد بريطاني اسمه بريغادير بيترسون لكن بيترسون كان مات سنة 65، 66 وبعدين حصل خلاف على من يحل محله في قيادة قوة دفاع برقة وبعض الضباط الليبيين الذين ترقوا بدأوا يحسون أن قوة دفاع برقة لا بد أن يرأسها ليبي وبعدين الملك كان بيثق ببيترسون السابق البيغادير السابق اللي كان موجود، الملك السنوسي يعني، كان يثق بقائد قوة دفاع برقة لكن هذا الرجل مات ثم حدث خلاف على من يخلفه بين الضابط الإنجليز وبين الضباط الليبيين وبين كل طرف من هؤلاء وغيرهم والنتيجة أنه لما وقع احتياج إلى قوة دفاع برقة تتدخل هذه القوة كانت في وضع يرثى له لأنه غابت عنها أي قيادة وأي سيطرة وأي مركزية لمدة ثلاث سنين وبالتالي هذه القوة بقيت غير قادرة أو غير جاهزة تعمل أي مهام. الحاجة الأخرى فيما يتعلق بالموقف البريطاني أنه جاء الملك السنوسي فاجأ الكل يوم 4 ثم نزع غطاء الشرعية عن أي محاولات تدخل وبالتالي بدأ يبقى في ضرورة.. مش بس ما فيش قوات جاهزة أيضا لم يعد هناك عذر يغطى به شرعيا ولو مؤقتا على تدخل يمكن أن يحدث لاحقا فبقى في وضع في منتهى الغرابة. في حاجة ثانية كمان، أنه بشكل ما وقع الخلل التقليدي في العلاقة بين حليفين كبيرين كل منهما يعتقد أن الآخر جاهز، الإنجليز متصورون أن الأميركان هم اللي اخذوا مصالح البترول كلها وأنهم موجودون على أي حال في ويلس وأن الأسطول الأميركي جاهز وعليه بحارة الأسطول فبشكل ما في اعتقاد أن مسؤولية العمل في ليبيا قد تكون الأميركان يقوموا فيها بجزء كبير جدا أو بجزء مؤثر لكن اللي حصل أن الأميركان أيضا لم يكونوا جاهزين والوثائق الأميركية توريني إلى أي مدى دهشة الأميركان، الأميركان كان عندهم موقف كمان يعني أنا لما أشوف الاجتماعات، وقدامي هنا اجتماعات في مجلس الأمن القومي، أول أصداء الثورة الليبية هي بعد المفاجأة وبعد الذهول مما جرى من أن هذا الذي جرى.. أنا دائما أستشهد بعنوان رواية مشهورة لأندريه موروا بيقول فيها (كلمات فرنسية) "غير المتوقع هو الذي يحدث دائما" حصل لهم حاجة من هذا النوع، الواحد في المليون اللي كلمني عليه القذافي هو اللي جرى. الرئيس الأميركي أول ما جاءت أول إشارات في جلسة في مجلس الأمن القومي وفي سؤال، الله، إيه العمل؟ ما العمل؟ وبعدين الرئيس مشغول في فييتنام جدا، الرئيس قضى سنته الأولى في الحكم مشغول جدا في فييتنام ولا يتصور أن يدخل في مغامرة عسكرية ثانية خصوصا أنهم يدركون أنهم لو دخلوا لو عملوا مغامرة غير محسوبة ووجدوا مقاومة في الداخل ففي في مصر ممكن إمدادات تروح عمليات متطوعين على الأقل إذا كان الجيش النظامي قادر يعمل حاجة في ليبيا لكن ممكن استمرار قلاقل ثم الجزائريون كمان من الجنوب، لا و الجزائريون من الجنوب يقدروا يتصرفوا إلى أبعد مدى يعني، فهنا كان في تحسب، أول حاجة تحسب أنه.. لقوا أولا الإنجليز مش جاهزين واستغربوا جدا أن الإنجليز ماهماش جاهزين لأي تدخل، الحاجة الثانية قاعدة ويلس بطبيعتها قاعدة معتمدة على الطيران والطيران ما لم تؤمن حدود القواعد وما لم يعمل في محيط آمن لا يستطيع أن يعمل لكن الطيران لوحده ما يكفيش أن تيجي عملية نزول بالأسطول وينزلوا على شواطئ ليبيا في هذا الوقت ما كانش حد قادر يتصورها في هذا الموقف المشتعل وأبسط الأشياء أن كل الناس ملتفتة إلى أن الأسطول السوفياتي موجود ويزيد قوات في البحر الأبيض ثم أن الأسطول السوفياتي في ذلك الوقت تحت قيادة قائد مشهور جدا بطموحاته في البحر الأبيض وهو أدميرال جورشيكوف، وجورشيكوف بالفعل كان نوعا من الكابوس لدى كل المخططين البحريين الأميركان لأن هذا الرجل في ذهنه كان باستمرار دارس تاريخ روسيا العسكري ويعلم ماذا حدث للروس في معركة بورت آرثر قدام اليابانيين وكيف أنهم الروس فقدوا أسطولهم، جورشيكوف كان من الناس اللي عندهم تقريبا أحلام بيتر الأكبر في تواجد روسي بحري مؤثر في البحار وأهمها البحر الأبيض.

[فاصل إعلاني]

رجعت ريمة لعادتها القديمة

محمد حسنين هيكل: في الموقف الأميركي كمان بدا يبقى في صراع في الإدارة بدأ يبقى في صراع في الإدارة ويبدو من المناقشات من أول لحظة، الإدارة من الأول كان فيها صراع موجود بين -وأنا أشرت إليه- بين وزارة الخارجية وبين مستشار الأمن القومي، وزارة الخارجية في ذلك الوقت ووزيرها وليام روجرز لما وقعت الثورة الليبية قال وكل الناس كانت بتقول إنه في هذا الوضع الجديد نحن كنا بدأنا في بذل جهود من أجل تسوية سلمية في الشرق الأوسط لأن هذا هو البؤرة اللي باستمرار قابلة للتفجير والانفجار وهذا لا بد من حله وبأسلوب سياسي لكن في مقابل هذا كان في مستشار الأمن القومي وهو هنري كيسنجر والطامح إلى العودة إلى الإمساك بأزمة الشرق الأوسط وإدارتها لأنه هو كان يحلم بها وباستمرار حتى اللي يقرأ مذكرات هنري كيسنجر كلها على بعضها يحس أن هذا الصبي اليهودي المهاجر من ألمانيا واللي رايح أميركا واللي في أميركا كبر وتعلم وتولى مناصب وأصبح في مقدوره أن يؤثر على القرار الأميركي كان في وعيه الباطن باستمرار رغم كل ما أنكره، في وعيه الباطن باستمرار هو أن هذا الذي جرى لليهود في ألمانيا واللي هو عانى من تجربته وعاشه مرة في صباه لا يتكرر لليهود مرة أخرى كما حدث في عهد هتلر وبالتالي كان الرجل في صميمه هو ينكر مرات أنه يعني حتى متأثر باليهودية ويقول الدين ماهواش مسألة مؤثرة فيي وينكر أن عنده ولاء لإسرائيل على أساس تاريخي وعقائدي لكنه في أعماقه كان يتصور أنه إذا استطاع أن يخلص إسرائيل من كل المشاكل المحيطة بها ويؤمن وجودها ويؤمن مكانتها إلى الأبد إذاً فقد أدى دوره وأرضى ضميره في تاريخ دخل في تاريخ الشعب اليهودي يعني -على فرض أن في شعب يهودي، أنا بأقول في دين يهودي لكن حكاية شعب يهودي محتاجة مناقشة- لكن على أي حال في ذلك الوقت هنري كيسنجر بقى يأخذ رأيا معارضا وهو رأي معارض لوزارة الخارجية وهو رأي كمان عنده دوافعه هو الخاصة في الرغبة في الإمساك بأزمة الشرق الأوسط وبيقول ببساطة كده إن هذا الذي نراه في ليبيا عرض من أعراض حركة أخرى تقاومنا وتقاوم نفوذنا وتقاوم دخولنا في المنطقة وجودنا ودخولنا في المنطقة وتقاوم إسرائيل أيضا وهي اللي اللي جاري في القاهرة وبالتالي حكاية أن وزارة الخارجية تقول نتوجه بحل سلمي هذا الكلام يحتاج إلى مراجعة. لكن على أي حال الموقف الأميركي قدامي أن هنري كيسنجر بيعتقد أن وكالة المخابرات المركزية فوجئت وكيف فوجئت وهو يريد أن يحاسب لكن واقع الأمر أن هو اللي كان مسؤولا عن وكالة المخابرات المركزية لأن وكالة المخابرات المركزية صلتها بالبيت الأبيض هي مجلس الأمن القومي وهي في كل مسؤولية عليها تجاه البيت الأبيض واقعة تحت تأثير وتحت سلطة تقريبا مستشار الأمن القومي، هو لا يستطيع أن يوجهها كما يشاء لكنه هو الطرف الذي يحاورها ويسائلها ويلح عليها في طلب ما هو موجود، لكن ألاقي هنري كيسنجر هنا بيلوم الوكالة، ألاقي في المحاضر في المناقشات هو رجل بيسأل كيف جرى ده؟ وبعدين يطلب -ودي حاحة ملفتة جدا- يطلب دراسات عن.. مش عن اللي جرى في ليبيا، عن علاقة الاتحاد السوفياتي بما جرى في ليبيا، عن أي دور ممكن أن يكون للاتحاد السوفياتي؟ مالوش دور الاتحاد السوفيات ولا حد كان له دور وهذه كانت مشكلة، ولا حد إطلاقا كان له دور، عندما تكون المصادفة هي واحد في المليون ما فيش ادوار، في هنا في مقادير أكثر مما في أدوار. لكن هنري كيسنجر هنا.. الناس كلها متضايقة لكن طيب ما تدخلوش ليه؟ بالضبط ما تدخلوش تقريبا لنفس الأسباب اللي دعت إنجلترا لعدم التدخل، ما عندهمش إلا مطارات ماعندهمش قوات برية، متصورين الإنجليز عندهم، ما يقدروش يعملوا عملية غزو بهذه الطريقة، تنشأ مشكلة كمان أن شركات البترول الأميركية العاملة في ليبيا وهي أهم يعني الشركات الأميركية عندها الجزء الأكبر من المصالح البترولية في ليبيا، تبتدي هذه الشركات تقول في واشنطن تروح لكل الناس فورا تقول لهم انتظروا، بالراحة، لأنه في عدة حاجات، أولا إحنا لقينا ناس من مجلس الثورة أو مندوبين عن مجلس الثورة جايين لنا بيقولوا لنا إنه لكم أن تطمئنوا لأنه إحنا في طموحاتنا لليبيا ومستقبل ليبيا حنعتمد على البترول ولن نقترب بوارد البترول فإذاً اطمئنوا، شركات البترول بتقول آه طيب كويس كمان قوي ممكن يغيروا رأيهم لكن إحنا عاوزين نقول لكم حاجة لازم تدوا وقت لأنه في مشكلة كبيرة أنتم مش متنبهين لها، مناطق الآبار كلها واقعة في العمق الليبي على بعد ألف كم من الشاطئ فلو حدث أنكم بعثتم أسطولا أو مراكب علشان تأخذ هؤلاء الناس فإحنا قدام مشكلة، في الجنوب في مواقع إنتاج البترول في حوالي ألف ومائة خبير معهم من عائلاتهم وأسرهم في كومباونز خمسة آلاف أو فوق الخمسة آلاف من أولادهم وزوجاتهم وعائلاتهم والملحقين بهم، إذا حاولنا نلاقي طريقة بقوافل سيارات تنقل هؤلاء من مواقع إنتاج البترول إلى حيث يمكن أن تريدوا إخلاءهم إذا كنتم عاوزين تعملوا عمليات عسكرية لأنكم لا تستطيعون أن تقوموا بعمليات عسكرية ودول كلهم حيبقوا رهائن في يد الليبيين ولا يمكن تأمين وصولهم ألف كم حيبقى طول الطريق تحت رحمة أي تدخل تحت رحمة أي تعرض لهم، فشركات البترول تبدي القلق، واحد مش عاوزة آبارها لأنها بتخاف شركات البترول بتخاف باستمرار من اقتلاع، إذا اقتلعت من موقع صعب قوي ترجع له ثاني، الحاجة الثانية بتخاف.. خائفة على.. عندها طمأنينة، بعدين ألاقي سؤال غريب قوي من هنري كيسنجر باين في الأمن القومي بيقول لهم أنتم مصالحكم بالضبط مكاسبكم قد إيه؟ ففي ذلك الوقت يقولوا مكاسبنا خمسمائة مليون دولار سنويا وده صعب جدا التضحية به خمسمائة مليون دولار في ذلك الوقت سنة 1969، النهارده بحساب النقود النهارده يعني ممكن قوي تبقى ثلاثة أربعة بليون يعني فالشركات عندها ما تحافظ عليه، كمان نيكسون لا يريد أن هؤلاء الرعايا الخمسة آلاف حد يتحمل مسؤوليتهم. لكن في أوضاع بتنشأ وهي أوضاع تبان لنا في الوثائق وتبان من خلال المناقشات ويبان أن ما حدش إطلاقا كان متوقعها ولا حد إطلاقا جاهز لها ولا حد يقدر يتعامل معها. إسرائيل في ذلك الوقت، حأقف قدام الموقف الإسرائيلي كمان همسة، إسرائيل مفاجأة متصورة أن حركة القومية العربية في ذلك الوقت محاصرة على الأقل محصورة في جبهة القتال وأن الاحتمالات الأرجح أن هي تطبق على هذه الحركة بشكل أو آخر وأن العملية اللي بدأت 5 يونيو 67 تصل إلى مداها المنطقي في رأيهم يعني وأن يتم القضاء على هذه الحركة حتى إذا انتهت الحرب بشكل أو آخر بتسوية معقولة لكن أي تسوية معقولة هم في ذهنهم في ذلك الوقت بيتكلموا عن مش حيتفاوضوا مع كل العرب مرة واحدة وكيسنجر بيؤيدهم في هذا خطوة خطوة ويتصوروا أنه على أي حال هذا الشبح الذي كانوا يواجهونه قبل 5 يونيو هو الآن تحت الحصار وأمره مضبوط وحركاته محكومة وبشكل ما يمكن حسابها لأنه في داخل إطار صعب جدا الخروج عليه لأن جبهة قتال موجودة على قناة السويس، ضربات في العمق، ما حدش فاضي هنا يخش يحرض على ثورة أو ينجد ثورة ومع ذلك فشيء حاجة جرت، حاجة جرت تثبت أنه في ما هو أكبر قوي من الرجل اللي تصوروه العدو في القاهرة وأكبر قوي من لحظة هذه اللحظة في الحرب في حاجة ثانية محسوبة مش محسوبة بالعكس لو كانت مش محسوبة وحدثت ونجحت بهذا الكل فهذا أدعى إلى التوجس وإلى توقي الخطر، فإسرائيل مفاجأة أولا باللي حصل وهي مش قادرة تتصور ليه الأميركان ما تدخلوش وليه الإنجليز ما تدخلوش، لأنه ساعة ما أي حد يمسك ورقة وقلم وأنا شفت كثير قوي مسكوا ورقة وقلم وقعدوا يحسبوا موارد ليبيا من البترول وموارد ليبيا المالية إلى آخره أدركوا أن في حاجة كبيرة جدا أضيفت سواء صح أو خطأ سواء ممكن أو مش ممكن لكنها أضيفت إلى حساب قوة معينة وإلى حساب معسكر معين، لدرجة أنه لما حصل في اجتماعات مناقشات مجلس الأمن القومي كي ماذا نفعل طرأت الفكرة التقليدية اللي بتطرأ في كل وقت وقالوا العقوبات، حد قال العقوبات، سوندرز أظن قال العقوبات وهو في ذلك الوقت مسؤول التنسيق الأمني ما بين وزارة الدفاع الأميركية والمخابرات والبيت الأبيض فبيقول ممكن قوي ينطرح موضوع العقوبات، فرد عليه ببساطة أن ليبيا لديها فوائض داخل ليبيا تستطيع منه أن تتصرف لمدى طويل جدا وبحيث لا تؤثر عليها أي عقوبات. فإسرائيل أيضا مش بس تلاقي عجزا أميركيا بريطانيا عن أن يعملوا حاجة لكن أيضا تجد أن ما فيش إجراءات أبدا ما في حاجة أبدا ما فيش حاجة حصلت، لما حد يبص للموقف الإسرائيلي في هذا الوقت أكثر حاجة قلقاهم العمق أكثر حاجة قلقاهم هي أن الطيران المصري في حالة ما إذا قوي وفي حالة ما إذا نشط وفي حالة ما إذا جاية معركة يستطيع جدا بالعمق الليبي بحريا أو جويا يستطيع في العمق الليبي أن يجد مأمنا لا تطوله ضربات الإسرائيلية وده كله كان باديا قدامهم غريبا جدا وغريب أيضا أنه مضى ولم يتدخل أحد. الحاجة الموقف اللي يستحق الاهتمام برضه هنا أنه مش بس أميركا وإسرائيل وبريطانيا هم اللي اندهشوا واللي اكتشفوا أن إمكانية الفعل المباشر أمام ما جرى وما جرى له عواقب خطيرة جدا لكن أيضا في طرف آخر عربي اهتم واندهش، أول حاجة أنه بمقدار ما فوجئت الأطراف الإنجليزية الأميركية الإسرائيلية بمقدار ما أن في معسكر له قيمة في العالم العربي وله أهمية هو أيضا أولا قلق جدا ثم أنه فوجئ ثم أنه دهش أنه من كان يتصور أن لديهم القدرة على التدخل لم يتدخلوا وأظن هنا حصلت محاولات تدخل لكن يبدو فيها الارتباك أيضا، معسكر.. العالم العربي باستمرار في واضح وبطبيعة ظروف تطوره واضح أن في معسكرين بشكل ما معسكر يمكن أن يقال عنه إنه معسكر ثوري إذا جاز القول وفي معسكر آخر معسكر ملكي واحد ممكن يبقى بشكل أو آخر يعني من أنصار التغيير وفي ناس أنصار المحافظة لكن طبيعة التطور في العالم العربي خلقت فيه وجهتي نظر، وجهتا النظر دول وصلوا إلى حد الاحتكاك في حرب اليمن وإلى درجة هددت فعلا يعني الأمة بإمكانية حرب أهلية داخلية فيها لكن بعد الخرطوم بعد ما جاءت حرب 67 وبعد ما العالم العربي وجد أن هناك خطرا أكبر من كل هذه الخلافات الاجتماعية السياسية بين معسكرين في العالم العربي وجاء اجتماع الخرطوم اللي حصلت فيه المصالحة العربية هنا بشكل ما بعد هذه المصالحة معسكر الملوك والأمراء كان بشكل أو آخر بدأ يطمئن إلى أنه.. هو باستمرار فكرة أن حاجة تنبثق من الداخل الشعب وطبقات الأمة وقوى الأمم وقوى الشعوب إلى آخره ممكن تثور كانت دائما مستبعدة عندهم وفي تفكير أن كل حركة لا بد لها من محرك وفي الغالب خارجي وفي الغالب القاهرة لكن من بعد الخرطوم بشكل أو آخر كان بدأ يبقى في نوع من الاطمئنان لكن فجأة حدث الذي حدث في ليبيا واكتشف هؤلاء الناس جميعا أنه في قضية هم لم يكونوا يتصورون إمكانية حدوثها، كانوا يتصورون أن هذا انتهى عهده لكن فوجئوا بأنه في حاجة حصلت فوجئوا أن في حاجة حصلت في ملكية دينية قائمة على أساس ديني، المذهب السنوسي، زي ما فكرة الوهابية مثلا موجودة في السعودية زي ما فكرة المهدية موجودة في السودان لكن هنا ده كان نذير خطر دقت بسببه كل الأجراس. أنا فاكر أنه في ذلك الوقت أن أحد كبار الأمراء السعوديين قال لي إن أول حاجة قالها الملك فيصل لما وصلته أخبار ما جرى في ليبيا هي "رجعت ريما لعادتها القديمة زي ما بيقولوا إخوانا المصريين!"

[فاصل إعلاني]

صباح اليوم التالي

محمد حسنين هيكل: لكن كانت حاجة في منتهى الصعوبة أن حد يتصور أو يخلع من من ذهن الملك فيصل أن هذا الذي جرى في ليبيا ليس لمصر ولا لجمال عبد الناصر أي دخل فيه لكن المشكلة بان قدامهم أن إحنا تدخلنا لدى الملك السنوسي وأن الملك السنوسي سواء لأسبابه أو لزهده أو.. ما أظنش أنها كانت مراعاة خاطر مصر يعني كان أكبر قوي من هذا يعني لكن عوامل كثير قوي مجتمعة لدى الرجل على أي حال دعته إلى أن يتنازل أو أنه ما يروحش وهذا اعتبر من جانب الملوك أو من جانب بعض الأطراف في العالم العربي ليس فقط أن ريما عادت لعادتها القديمة لكن ما هو أسوأ، أن واحدا من هؤلاء الناس هؤلاء الأمراء والملوك تخلى، أصحاب الدعوات الدينية، بعد ثم هو بابتعاده نزع الشرعية عن إمكانية اي تدخل ثم هو عرضهم جميعا لمخاطر ثم ترك سابقة تجري يمكن أن تؤثر عليها وهذا ليس من حقه لأنه هو يتصوروا أنه طيب مش عاوز تروح، هنا في واقع الأمر أن أكثر حد كان مستثارا ومستفزا.. الملك فيصل كان مستفزا سياسيا لكن الملك الحسن كان مستثارا بكل الأوضاع، أولا لأن هذا اقتراب من المغرب، لغاية هذه اللحظة كانت كل الثورات وكل الانقلابات موجودة في المشرق، في سوريا كل يوم مثلا بيحصل انقلابات في العراق بيحصل انقلابات في اليمن حصل انقلابات في السودان في انقلابات لكن بشكل أو آخر كان بيان أن في منطقة هادئة في المغرب آه ممكن يبقى فيها قلاقل وفيها متاعب اجتماعية لكن هذا النوع لم يحدث من قبل. في ذلك الوقت الملك الحسن، وأنا سمعت هذا الكلام فيما بعد في قصر الملك السنوسي اللي قعد فيه في إسكندرية ليس من الملك مباشرة لكي أكون أمينا لكن سمعته من حد من القريبين جدا منه في ذلك الوقت بيقول لي إن الملك أخطر أن الملك الحسن عايز يبعث له الدليمي، أحمد الدليمي وهو مدير المخابرات في ذلك الوقت وهو قريب من أوفقير، لكن في ذلك الوقت الجنرال أحمد الدليمي كان رجل الأعمال السرية في المغرب فراح طار على تركيا ثم اليونان زي ما عمل قبله حسن صبري الخولي يحمل إلى الملك رسالة معاكسة تماما يحمل للملك السنوسي رسالة معاكسة بتقول له إن أولا أنت لست مسؤولا عما جرى لأنه أكبر منك وفي قوى أكبر منك وأقوى ومسؤولة عن التدخل ولم تتدخل لكن أنت كيف سمحت لنفسك أن تعطي في الواقع شرعية للانقلاب لأنك أنت لما اعترفت بهم أو لما قلت الثوار وطلبت أن ابنتك وسكرتيرة زوجتك تخرج أنت تقريبا وجهت لهم خطابا وطلبت منهم طلبات وكأنك اعترفت بالأمر الواقع بسلطتهم، فكيف حدث هذا؟ وبعدين كويس افرض من حقك أنك أنت تتنازل عن العرش شخصيا لكن أبق العرش فارغا لأنه حتى يجيء.. إذا كنت ما بتثقش في ولي عهد الرضا -واللي هو كان اختار ولي عهد ابن أخيه- فليس لك حق.. خل العرش فاضي كنت خليه فاضي لأن مسألة مهمة جدا أن يستنى العرش وهناك مطالب بهذا العرش لكن أن تتنازل عن عرش بهذه الطريقة فهذا كلام لا يخصك فقط لكن يخص كلنا خصوصا أنه وأنت الأساس الديني للدعوة السنوسية ودعوة الولاية فيها ونحن بدعوة الإرث الفاطميين أنا عارف.. علويين والكلام ده كله، هذا كله يؤثر في شرعية هذه العروش وفي خلفية شرعيتها. كل هذا يعني سهل لكن وكل هذا مما يمكن فهمه لكنه كله مما يلقي أضواء على كيف أن الناس لم يتنبهوا أن الناس لم يقدروا، مش بس فوجئوا لكن فوجئوا ثم تبدى العجز مش عارفين يعملوا إيه. لكن اللي عارف يعمل إيه بقى بعد الصدمة الأولى وألاقي هنا -وأنا أعتقد أن هذا مهم جدا- ألاقي ويليام كوانت مرة أخرى، وليام كوانت في ذلك الوقت كان هو السكرتير العام لمجلس الأمن القومي الأميركي وفي غير الوثائق حتى في ده كله لكن ألاقي أن ويليام كوانت هنا بيدينا شهادة عن شيء مهم جرى، بعدالثورة الليبية بحوالي أسبوعين أو ثلاثة، يوم 25 سبتمبر بالتحديد، الثورة قامت يوم 1 سبتمبر 69، الملك تقريبا تنازل وقال مش رايح ليبيا 4، تكشفت إمكانية أن كل الأطراف غاضبة كل الأطراف مفاجأة في المنطقة، الموازين اتقلبت كل حاجة لكن ما حدش قادر يشتغل إزاي، ما هو العمل في غيبة قوات وفي غيبة شرعية للتدخل وفي غيبة أشياء فاجأت الجميع بما لم يكونوا يتوقعوه ولقوا نفسهم مرة واحدة قدام غير المتوقع الذي يحدث دائما، ألاقي بيل كوانت بيحكي على أن غولدا مائير وصلت إلى واشنطن، وصلت يوم 25 سبتمبر أي بعد أقل من ثلاثة أسابيع من كل التطورات اللي جارية دي كلها ورايحة لمحادثات مع الرئيس الأميركي نيكسون وهي تطرح أن ما جرى تغيير لا يمكن قبوله وأنه -وهنا مسألة مهمة قوي- وأن هنا الولايات المتحدة لا بد أن تساعد بكل وسيلة على ضربة ساحقة توجه إلى مركز الخطر الحقيقي في القاهرة وألاقي ويليام كوانت وقد كان حاضرا -مش واحد بيحكي- لأن هو ده سكرتير مجلس الأمن القومي والرئيس عندما قابل غولدا مائير ومعه وزير الخارجية روجرز ومعه كيسنجر حضر هذه المقابلة اثنان واحد من الخارجية مع روجرز وهو سيسكو وواحد من مجلس الأمن القومي مع كيسنجر وهو ويليام كوانت بيقول بيحكي وهو يسجل هذا بمنتهى الوضوح في ما كتبه ويليام كوانت فيقول إن غولدا مائير راحت للرئيس نيكسون بخطة عمل بتقول له إيه؟ طالبة منه إيه؟ الغريبة جدا أن ويليام كوانت فيما كتبه لا يخفي صلة ما جرى بليبيا بهذا الكلام، على طول ينتقل.. قامت الثورة الليبية وحصل كذا وكذا وكذا وبعدين على طول فورا غولدا مائير بتقول له إنه أنا جاي لك لأن هذا الموقف لم يعد ممكنا احتماله وإن هذه التغيرات اللي جرت لا بد من مواجهتها، طالبة إيه؟ طالبة على الفور 25 طيارة فانتوم ومائة طيارة سكايهوك ومائتي مليون دولار زيادة سنوية في المعونة الأميركية. بيحكي ويليام كوانت بيقول إن نيكسون حاول يقول لها طيب مش تفتكري أن إحنا نربط -استعمل تعبير من التعبيرات الحديثة- نربط الهارد وير بالسوفت وير، يعني نربط العمل العسكري أو الإضافة العسكرية اللي أنتم طالبينها المساعدة العسكرية اللي أنتم طالبينها بعمل سياسي نجرب فيه العمل السياسي؟ فهي بتقول له إنه أنا جاي لك في وقت الشعب اليهودي بيواجه مشكلة وأنت صديق التقليدي والشعب اليهودي لا ينسى لك مواقفك أنك أنت بتحتضنه باستمرار. عمر نيكسون عمره ما احتضن الشعب اليهودي وموقفه من اليهود كان سيئا للغاية لكنه بشكل ما أسعده أن تيجي له شهادة أنه صديق اليهود في ذلك الوقت، لكن مش بس بيوافق لغولدا مائير على هذا لكن ينسى كل اللي بيقوله عن عمل سياسي أن عمل سياسي تغطية الهارد وير بالسوفت وير مع بعض، وروجرز قاعد وروجرز بيحاول يقول إنه حيعملوا حاجة وبيفكروا في حاجة وبيفكروا في مبادرة وإلى آخره لكن بعد جلسة ثانية بعد كده لم يحضرها روجرز ولا سيسكو لكن حضرها كيسنجر وحضرها ويليام كوانت وتقرر إيه؟ وفي حضور الرئيس يتقرر ويقرر الرئيس أن في لا بد من تعاون مع أسرائيل. السفير الإسرائيلي في ذلك الوقت في واشنطن كان -إحنا بننسى مرات-إسحق رابين رئيس أركان حرب في سنة 67 وراح سفيرا في واشنطن بسبب حاجات السلاح بسبب الحاجة لإمدادات السلاح المستمرة مع معركة لا تزال متواصلة، فيتفقوا على إيه؟ على أنه حتنشأ قناة اتصال خلفية مباشرة بين المكتب البيضاوي وبين السفارة الإسرائيلية يقوم عليها هنري كيسنجر وأمر الرئيس بأن يوضع وأن يركب خط تلفون سري مأمون ما بين مكتب كيسنجر ومكتب رابين في السفارة الإسرائيلية لكي يستطيعوا الاتصال في أي وقت وتبدأ نقلة في أزمة الشرق الأوسط غريبة جدا. لكن هنا أنا شايف قدامي كل الأطراف الخارجية كل الأطراف العسكرية في الخارج كل الأطراف السياسية في الخارج كل الأطراف الإسرائيلية في المنطقة كل القوى الحائرة والتائهة كل الملوك كلهم بيحاولوا يشوفوا ماذا يمكن علمه إزاء شيء مفاجئ لم يكونوا يتوقعونه كلهم، فاجأهم كلهم. لكن في أيضا شيء آخر مع الأسف الشديد في أيضا أنه بيحصل مرات كثير جدا أن ناس يلاقوا كنزا ثم يتكالبوا ويتسابقوا عليه ويعملوامذابح فيما بينهم وده حصل في حاجات مشهورة قوي في التاريخ آخرها يمكن كان الاندفاع نحو الذهب غربا في التاريخ الأميركي. ليبيا بدت في ذلك الوقت وهي في حالة الحيرة اللي هي فيها محيطة بها وفي الداخل كل الناس مش عارفة كيف تعالج الموقف لأنه ناس لقوا نفسهم وقد تحقق لهم احتمال الواحد في المليون فهم كأن هناك كنزا إستراتيجيا ماليا اقتصاديا بتروليا عسكري بسبب موقعه وبسبب هذه الواجهة على البحر الأبيض، ما حدش يقدر يتصور يعني إيه ثلاثة آلاف كم على البحر الأبيض، هذا كلام في خيال واحد زي جورشيكوف حلم من الأحلام يعني، لكن بدأ العالم العربي كله يتجه لليبيا، في كنز تفتح هناك وفي إمكانية تأثير على جائزة ثمينة جدا كانت خفية في الأرض نائمة لا يشعر بها أحد أو محكومة أو متصور أنها محكومة وفجأة انفتحت، بدا كل الناس كل الأحزاب العربية كل الحكومات العربية كل التيارات الفكرية وغير الفكرية العربية كلها مرة واحدة مندفعة إلى ليبيا، مندفعة إلى ليبيا وهي في ذهابها إلى ليبيا تنقل معها مش بس أفكارها أو تصوراتها أو أوهامها لكن تنقل كراهيتها لبعضها تناقضاتها مع بعضها، الشيوعيون راحوا قالوا اللي عاوزين يقولوه، البعثيون راحوا قالوا اللي عاوزين يقولوه، إحنا قلنا اللي عاوزين نقوله،كل الناس بدأت تروح بطريقة ممكن قوي أن تحدث حالة من التلبك الفكري والتلبك السياسي إلى درجة أنها تخلق حالة فوضى. يعني أنا فاكر في ذلك الوقت أنني بعد ثلاثة أسابيع من قيام الثورة رحت وكتبت مقالة اسمها "صباح اليوم التالي" وقد بعد ثلاثة أسابيع من موقف أنا شفت فيه حاجة عذرية طالعة من البحر حورية طالعة من البحر لسه لم يمسسها بشر خارجة إلى عالم لا تعرف كيف تواجهه، فجأة لقيت حاجة ثانية، في ثلاثة أسابيع يعني في الفندق اللي أنا نزلت فيه لمدة ليلة واحدة شفت كمية كل الأحزاب العربية موجودة، كل التيارات العربية موجودة كل التناقضات العربية كل المشاكل العربية كلها بتصب في هذا الوقت لأن الكل اكتشف أن هناك جائزة ثمينة جدا في ليبيا. وأنا كتبت مقال "صباح اليوم التالي" وحذرت، حذرت وكتبت صراحة قلت إنه أولا بدأت تبقى في خلافات في مجلس الثورة باينة لأن الناس مفاجؤون بما لم يتوقعوه، ثانيا ناس فوجئوا بالعالم العربي الذي ثاروا من أجله فإذا هو يذهب إليهم بمتناقضاته ويوقعهم في حيرة زودت المشاكل الشخصية اللي بينهم أو القائمة اللي بينهم وبطبيعة أمور طبيعة بشر يعني. بدأ يبقى في وضع في طرابلس أنا حسيت أنني قلق عليه، كان لسه في بدايته في ذلك الوقت لأنه بعد كده تفاقم، تفاقم إلى درجة أنه -يعني أنا آسف أقول ده- لكن تفاقم إلى درجة أنني ذات يوم هذا البلد أو هذه الجائزة اللي جاءت واللي غيرت الموازين الإستراتيجية وكذا وكذا وعملت كل اللي عملته ده كله، أنا فوجئت ذات يوم أنه إحنا بنضرب ليبيا بالطيران وفوجئت أن إحنا بنضرب ليبيا بالدبابات وألاقي يعني بعد سبع سنين بس مما جرى وبسبب تعقيدات كثير جدا وأنا مش عايز أقول مين مسؤول ولا مين مش مسؤول ولا مين غلط ولا مين ما غلطتش، لما أتصور لم يكن يخطر في أحلامي في كوابيسي كلها أن بعد سبع سنوات يبقى عندي الطيران المصري بيضرب مطار بنغازي وطيران مش عارف بيضرب فين وعمليات عسكرية إيه وبقيت عناوين بتقول "على القذافي أن يلزم مكانه فمصر ليست كما يتوهم الرجل المريض" في كلام كثير اتقال وكل الأطراف عملت لكن في النتيجة بقى في وضع غريب جدا. الغريبة جدا أنه في هذا الوضع في هذا الظرف لقيت مصري مهم الدكتور إبراهيم الشربيني وهو أستاذ أعير إلى ليبيا ليشرف على الخدمات الطبية في ليبيا وقعد اشتغل وأخذوا هذا الذي جرى كان مأخوذا بما جرى وموجود لكن هذا الرجل لقيته جاي لي وفي عينيه.. بيحكي لي في مكتبي، وعينيه دموع، أنا كنت بره الأهرام في ذلك الوقت لكن إبراهيم الشربيني جاي بيقول لي إيه؟ بيقول أنا -وبيعيط- كنت أجري عمليات في مستشفى بنغازي المركزي وكنت أجري عمليات لعساكر وضباط ليبيين أصابتهم القنابل المصرية وكنت أبكي وأنا أقوم بهذه العمليات ولا يخطر ببالي أنه في ممكن أن تكون غارات مصرية على قاعدة أصلها قاعدة بريطانية اسمها العضم لكنها الآن أصبحت قاعدة جمال عبد الناصر ثم تضربها طائرات مصرية! أنا لا أستطيع أن أتصور هذا. لكن هذا الرجل كان موجودا في موقف وفي ظروف كلها غير معقولة ولا أحد يستطيع أن يتعامل معها حتى وإن كانت هذه قفزة إلى الأمام. تصبحوا على خير.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة