أوديسا.. ذكريات الحرب ضد الألمان   
السبت 1426/11/2 هـ - الموافق 3/12/2005 م (آخر تحديث) الساعة 23:43 (مكة المكرمة)، 20:43 (غرينتش)

- فالنتينا ورامان والحرب
- الزواج وحياة ما بعد الحرب

 



فالنتينا إيفانوفنا
- زوجة رامان بيتروفيتش ومناضلة سوفيتية: هنا عرفنا ما هو البحر، ما هو القارب الشراعي.

رامان بيتروفيتش- نائب رئيس مجلس محافظة أوديسا من أجل السِلم وضابط في الجيش السوفيتي سابقا: ما هو الحب.

فالنتينا إيفانوفنا: وما هو الحب، نحن نحب أوديسا كثيرا، أوديسا منذ ثلاثة أجيال مدينتي، هنا أقاربي.. أجدادي هنا عاشوا وربوا أبناءهم.

فالنتينا ورامان والحرب

رامان بيتروفيتش: اسمي رامان، عائلتي أغريكوف، أنا ضابط في الجيش السوفيتي، فالنتينا إيفانوفنا هي زوجتي الحبيبة، هي من المشاركين في الحرب.

فالنتينا إيفانوفنا: في الثاني والعشرين من يونيو/ حزيران عندما بدأت الحرب كنت في السابعة عشرة من عمري، أفقت على بكاء امرأة من الجيران أخبروها عن المصيبة الكبرى، لكنني وفي سن السابعة عشرة لم أفهم ما هي المصيبة الكبرى، ذهبت إلى الشاطئ، وصلت إليه كان دائما ما يعُج بالناس، لكنه كان خاليا عندها فهمت، في أوديسا مصيبة كبرى.

رامان بيتروفيتش: في عملي الاجتماعي ومن وراء مكتبي أتابع القتال، في هذا العمل، عمل الذكرى مثل هذا الكتاب.. تاريخ ومغامرات الجبهة.. كيف يمكن أن يمر العمل دون معركة؟ فإنني ومن خلال جهازي العصبي أستعيد ذكريات الحرب وأقوم بتوثيقها في صيغة مشوقة لشباب اليوم، هؤلاء الذين يريدون أن يصبحوا رجالا حقا ومحاربين، أظن أنني أقوم بعمل صالح.

فالنتينا إيفانوفنا: راماشيشكا.. القوة جاهزة.

رامان بيتروفيتش: إنني قادم، فالوشينكا لقد نظرت إلى بعض الصور في الجبهة وتذكرت غريشا شيفتشيخنا عليه الرحمة.

فالنتينا إيفانوفنا: هل يبدو في الصور ذلك الأوديسي الذي أنقذ حياتك؟

"
عبر جهازي العصبي أستعيد ذكريات الحرب وأقوم بتوثيقها في صيغة مشوقة لشباب اليوم
"
رامان بيتروفيتش
رامان بيتروفيتش: أجل في مكان ما.. أخي بافل بيتروفيتش حاربنا معا في نفس الكتيبة، أنا كنت القائد وكان هو أحد المسؤولين، هذا الحصان أنقذني.. رفض أن يدخل أرضا مزروعة بالألغام، تقدم.. ألمانية.. كلا.. كان واحدا من حقول ألغامنا نحن، منطقة ارتكاز عسكرية، كان الوقت ليلا، دخلت الحقل وفجأة توقف الحصان ورفض التقدم، بدأت بركله لكنه رفض التقدم، عندها فكرت ما الذي يحدث؟ ماذا جرى؟ قفزت عن الحصان، رأيت سورا يشير إلى حقل الألغام لو أنني دخلت لانفَجَرَت فيّ الألغام، عندها تقدمت على قدمي بحذر، خرجت إلى الجهة الأخرى من حقل الألغام المضادة للدبابات، ناديت الحصان فأتى إليّ متتبعا خطواتي بحذر.

فالنتينا إيفانوفنا: أمر عجيب.

رامان بيتروفيتش: حتى الآن لا أستطيع أن أفسّر كيف استطاع الحصان الإحساس بأننا داخل حقل ألغام.

"
كتاب درب المجد موجه إلى الجيل الجديد الذي يجب عليه أن يعرف ثمن النصر
"
فالنتينا إيفانوفنا
فالنتينا إيفانوفنا: عندما كتبنا كتاب.. درب المجد.. فإننا رددنا الدَين لهؤلاء الرفاق الذين استشهدوا والذين يجب تذكرهم وتخليدهم وهذا الكتاب موجّه إلى الجيل الجديد والذي عليه أن يعلم ما هو ثمن النصر، أتكلم عن ذلك دائما عندما أجتمِع بطلبة المدارس، لأنه دَين في رقابنا لهؤلاء الذين لم يعيشوا إلى يوم النصر، هنا درب المجد حيث دُفنوا وهنا شواهد ذكرى هؤلاء الأشخاص الذين لم يبخلوا بأرواحهم دفاعا عن الوطن، دافعوا عن السلام على الأرض وعن حق جيلكم في الحياة، أعطوكم إمكانية أن تصبحوا أفضل، من أجل أن تكون لكل منكم عائلة رائعة، كي يكون لدينا الأبناء والأحفاد والذين يجب أن تخبروهم مَن أتى لزيارتكم اليوم أيها الشباب، إنهم جيل مدهش، لقد آمنا بالعدل في قضيتنا، لقد آمنا بالنصر على الفاشية، الفاشيون هم الأكثر إرعابا، الإنسان الذي يكره الإنسانية في أي قومية كان ألماني، أوكراني، روسي، أميركي.. إنه الموت والحقد على الإنسان، هاهم اثنان من المدافعين عن ستالينغراد، بيتر إيفريموفيتش
، بستوياييف ورامان بيتروفيتش، بيتر إيفريموفيتش من ستالينغراد جلب معه وساما يرجو أن يقلده في هذا الاحتفال لرامان بيتروفيتش، أرجوك، بيتر إيفريموفيتش.

بيتر إيفريموفيتش بستوياييف: بتفويض من إدارة سفيتلويارسك محافظة ستالينغراد حيث حارب رامان بيتروفيتش دفاعا عن ستالينغراد اسمحوا لي أن أقدم له وسام النصر.

رامان بيتروفيتش: بهذا تتميز أعمال الشعب السوفيتي العظيم في الحرب العالمية الثانية والدور الرئيسي في عملية القضاء على الفاشية.. لعبه الاتحاد السوفيتي الذي استوعب الضربة الأقسى للقوات الفاشية، صمد ومن ستالينغراد بدأنا الهجوم المضاد ونحن.. أي جيلي نفخر بأننا شاركنا في الحرب العالمية الثانية وقضينا على الطاعون البني.. الفاشية، كان لي الفخر بأن أكون في مدينة درزدين.. درزدين الألمانية، أن أحررها، أن أتجاوز الحراسة الألمانية وأحرر ضباط فرنسيين من أحد المعتقلات على حدود درزدين، عندما خرجوا من المعتقل قبّلوني ورحبوا بي، أحد السادة الضباط الذين تحرروا كان يحمل على يده كلبا صغيرا وبلُغة روسية ضعيفة قال حضرة الوكيل.. ناداني وكيل.

فالنتينا إيفانوفنا: بفخر أخبركم وليعلم الناس.. حضرة الوكيل ليس لدينا ما يكفي لنشكرك.

رامان بيتروفيتش: هكذا بدأت بالنسبة لي الحرب عام 1941، بمعارك ضروس أجبِرنا على الانسحاب إلى ستالينغراد.. الفولغا، أنا أصلا من الفولغا.. مدينة سيزرانا على الفولغا، عند وصولنا إلى نهر الفولغا أدركنا أن المزيد من التقهقر لم يَعُد مسموحا به، سوف تكون كارثة وخسارة، لا أدري مَن قال هذه الكلمات.. وراء الفولغا ليس لنا أرض.. هذه الكلمات دخلت إلى صلب كل الجنود العاملين في الضفة اليمنى لنهر الفولغا ونحن أقسمنا بأننا لن نسمح للقوات الفاشية التابعة للجنرال فون باولس باقتحام الفولغا وضرب موسكو من الخلف، مائتين يوم حافظنا على مواقعنا القتالية في ستالينغراد، عندها كنت قائد بطارية أفخر بأنه في 21 أغسطس/ آب 1942 استطعنا بطارية من أربعة مدافع أن نحرق 12 دبابة معادية وفي هذا اليوم بالذات وعلى خط الجبهة في ستالينغراد احترقت للألمان 72 دبابة، كل شيء كان يشتعل.. الدبابات، المدفعية، الخنادق.

فالنتينا إيفانوفنا: ذهبنا إلى اللجنة الحربية مطالبين أن يأخذونا إلى الجبهة، لكنهم قالوا لنا أيتها الفتيات لسن بحاجة لكنّ، اذهبن إلى لجنة الشبيبة الشيوعية، في اللجنة تم تحويلنا لجمع المحاصيل، محطة كافوني.. قرية غربوزينكا كانت أولى المناطق حيث تعرفت على رعب الحرب، في البداية جمعنا المحاصيل، لكن الطيران الفاشي حلّق فوقنا، لكننا لم نكن نفهم ماذا يريدون من الأطفال وعندما بدأنا بحفر الخنادق عندها تم سحبنا من تلك القرية، رأينا وجه الفاشية، لقد رأينا الطائرات الألمانية وعليها الصلبان الفاشية تحلّق من فوقنا وهؤلاء الشباب الذين كانوا يمرحون صباحا محبين للحياة ومؤمنين بروعتها بقوا هناك على الأرض السوداء في تلك الخنادق التي حفرناها من أجل الدفاع عن مدينتنا، أوديسا كانت تشتعل وهناك ظل إخواتي، أهلي، رفيقاتي، زملائي وأساتذتي، نظرت إلى ألسنة اللهب المستعرة، وقفت وبكيت أتى إليّ المدعى العام العسكري فاسيلي بوكف وقال لماذا تبكين؟ أنت جندي، أصبحت في الثامنة عشرة من عمرك، ففي 15 أكتوبر/ تشرين أول أصبحت في عامي الثامن عشر وهاهي سيفوستوبل خرجت كجندي، ممرضة في المستشفي العسكري التابع للسرية 103 الفصيلة 95 جيش الشواطئ حرس السواحل، إنها ذكرى هؤلاء.. مَن قاتل من أجل الوطن واستشهد، أفضل من هذه الكلمات لا يُقال، لن تأتي أبدا، أتذكرون؟ بالنسبة لنا هذه الكلمات ليست فراغا، لهذه الكلمات الكثير من المعاني، لأنه هنا على درب المجد دُفن العديد من رفاقنا، هؤلاء الذين قاتلوا معنا في أوديسا وسيفستوبل، هذا ياكوف بريوس.. هذا سيمينيوك، إنهم المقاومة السرية.. ياشا غردينيكو.. ملادتسوف بدايف.. لذكراهم تدوي هذه الكلمات.

رامان بيتروفيتش: على هذه اللوحة 82 شخصا وما نراه هناك طاقما غواصتين استشهدوا بالقرب من هنا في هذا الخليج وبعد الحرب وجدوهم، رفعوا الغواصات، دفنوهم هنا عند مدخل درب المجد، إنهم طاقما الغواصتين الأبطال، أتوا إلى هنا في سيفستوبل عندما كانت أوديسا محتلة وهنا استشهدوا.. انفجرت فيهم الألغام، عندما أُسأل أحيانا أي أوقات تذكرها في سنوات الحرب الأربع؟ ولعلي لا أخطئ إذا ما قلت إن الذكريات الأكثر رسوخا هي التي لها صلة بالإصابات، أول مرة أصبت فيها على الحدود في العام 1941، في المرة الثانية جرحت في معركة ستالينغراد 23 من أغسطس/ آب عام 1942، إصابتي الثالثة كانت بعد معركة كورسك.. عند نهاية المعركة بعد تحرير مدينة خاركوف الأوكرانية، هذه التواريخ لن أستطيع نسيانها أبدا إلى ساعتي الأخيرة والأوقات الأكثر تراجيدية هي عندما وقعت تحت نيران الرشاشات بالقرب من خاركوف وأصِبت بجراح بالغة، كنت مع خمسة أشخاص جميعهم استشهدوا أما أنا فتمكنت من القفز خارج السيارة، لكننا كنا قد اقتربنا من الحدود الألمانية الأمامية في مسافة ما بين عشرة أمتار وخمسين مترا وأنا وحيد ومصاب لا أستطيع الحركة، على قدر المستطاع تفحّصت جسدي وجدت أربع إصابات، الدم يسيل وأنا أضعف، لا أستطيع تضميد إصابتي، توقعت أنها النهاية، أول فكرة هي أن لا أصبح أسيرا لدى الفاشية، قررت الانتحار، أمامي مسدس.. في الحقيبة قنبلة يدوية، تذكرت ذلك وقررت أن أفجّر نفسي ليكون الموت أكيدا، لكن عندها جاءتني فكرة، لماذا عليّ قتل نفسي بهذه السهولة؟ فليتقدموا لأخذي وعندما يصبحون بالقرب مني أفجّر القنبلة لآخذهم معي بموسيقى الموت.

[موجز الأنباء]

الزواج وحياة ما بعد الحرب

فالنتينا إيفانوفنا: القدر جمعنا على الإرادة نفسها.. التربية الوطنية الشبابية، كان لدينا جمعية.. جمعية المعرفة ومجلس الشباب العلمي للدعاية الوطنية.. كنا نكتب الأبحاث، نتناقش، كنت السكرتيرة المسؤولة لهذا المجلس، هذا كان في السبعينيات 1970.

رامان بيتروفيتش: أكثر من 15 عاما.

فالنتينا إيفانوفنا: أجل، لعلّها الستينيات، يجب أن أحسب ذلك، لم أعُد أذكر، هناك تعرفنا.. بدأت صداقتنا وأخذنا نلتقي في الاجتماعات المخصصة للحرب الوطنية العظمى وعندما بدأ رامان بيتروفيتش بكتابة كتابه.. حكايات ومغامرات الجبهة.. أصبحنا معا وبدأت أقرأ كتاباته وهكذا اجتمعت آراؤنا وهكذا بدأت صداقتنا وأستطيع القول أننا لفترة 15 عاما لم نتوقف، بل أكثر من عشرين عاما عن التحدث بشأن الأعمال، الاجتماعات، النصب التذكارية للحرب الوطنية العظمى، عندما أصبح رامان بيتروفيتش أرملا ومضى عليّ أنا خمسة عشر عاما كأرملة وحّدنا حياتينا وهانحن معا منذ ذلك الحين.

رامان بيتروفيتش: عريسان جديدان.. راماشيشكا.

فالنتينا إيفانوفنا: في الثامن من مايو/ أيار احتفلنا بالذكرى الثانية لزواجنا.

رامان بيتروفيتش: حاربنا رجالا ونساء.. فقط في محافظة أوديسا على جبهات الحرب في فترة أربع سنوات استشهد خمسمائة من النساء من محاربي الحرب الوطنية العظمى.. فتيات.. شابات مثل فالنتينا إيفانوفنا.

فالنتينا إيفانوفنا: الحرب بالنسبة لنا نحن النساء كان صعبة جدا، لأن المرأة خُلقت من أجل السِلم ومن أجل إكمال سنّة الحياة، أما نحن فكان علينا القتال، أجل الأطباء والممرضون كانوا يساعدون الجرحى، هم لم يطلقوا النار على أحد، لكن كانت هناك نساء مقاتلات، أتدري.. عندها لم نكن نفكر بمصيرنا، هدفنا الوحيد كان تأدية واجبنا بأفضل الطرق، لقد كنت ممرضة وكان عليّ العناية بالجرحى ونقلهم إلى المرافئ والمستشفيات وهذا كان الأهم كيف أقوم بذلك على الوجه الأفضل، العطف على جنودنا.. شعبنا.. كانت مشاعر عظيمة وليس فقط من قِبل الممرضات بل والأطباء أيضا.

رامان بيتروفيتش: لم أكن أريد أن يستشهد أحد أو أن يصاب في هذه المعركة الأخيرة، نحن القادة بكل ما للكلمة من معنى كنت أمشي أحذر.. أيها الرفاق لا تخرجوا، أيها الرفاق اقصفوهم، أطلقوا النار عليهم، أيها الرفاق الحرب انتهت، أيها الرفاق انتبهوا.. وبالرغم من ذلك فحالة من الهيجان كانت مسيطرة وأرادوا أن ينهوا الحرب بموسيقاها وكان علينا تهدئة الجنود والضباط كي لا يندفعوا إلى المعارك، ثم حدث بعد ثلاثة أيام احتفال في الغابة بمناسبة الانتصار، أُعطيت الكلمة الأولى.. النخب الأول في الاحتفال من بين ضباط لوائنا والذي معهم بدأت الحرب وأنهيتها، أُعطيت الحق في النخب الأول.. وقفت ولم أستطع قول شيء لفترة طويلة، بدأت أنظر إلى الطاولات المستحدثة في الغابة وهو شيء متعارف عليه وبدأت أعد على أصابع اليد الأولى وثم الثانية وصلت إلى الإصبع الثاني وبقى إصبعان، ثم بدأ الرفاق ينادونني، كانوا على الجبهة ينادونني راماشيشكا، راماشيشكا بسرعة نريد أن نشرب، فقلت رفاقي أعذروني، إنني أقوم بتعدادكم، مَن حارب معي منذ بداية عام 1941 بالقرب من الحدود ومَن وصل إلى المعركة الأخيرة، عندها كنا 110 من الضباط والقادة، اليوم في تشيكوسلوفاكيا المعركة الأخيرة أصبحنا ثمانية فقط، أي إنه قد في يداي إصبعان زيادة، هذه بالتأكيد خسائر فادحة، لكن اعلموا بأن هذا لواء المدفعية فقط، هذه ليست المشاة، أما بين ألوية المشاة فالخسائر كانت أشد، اليوم يُقال لنا هل كان من الضروري الانتصار على الفاشية والجيش الألماني؟ لعل حياتنا كانت ستصبح أفضل دون كل ذلك العناء؟ أظن أنه حديث فارغ، المهم أنه تم القضاء على الفاشية وتم إنقاذ أوروبا والعالم أجمع.

فالنتينا إيفانوفنا: الحرب.. إنها صعبة، المواقف متعددة ولا تعرف كيف ستتحول الأمور، إذاً لم أكن ممرضة فقط بل عملت أيضا في فرق الاستطلاع.

"
لما أنهيت خدمتي في الجيش وتقاعدت لأسباب صحية، قررت تكريس بقية حياتي للكفاح من أجل السلم
"
رامان
رامان بيتروفيتش: هنا في هذا الكتاب قلت بوضوح إنه ليس هناك أبشع من الحرب، حتى ولو كانت بالنسبة لك ولشعبك حرب حق ونحن حاربنا حرب حق والأهم في الحرب هو أن تتخطى الخوف من الموت والبقاء مع ضمير حي والحفاظ على علاقة الأخوة في الجبهة، بعد خوضي لهذه الحرب الآن أنا على يقين بأنني أكرهها، هذه ليست مجرد كلمات، فعندما أنهيت خدمتي في الجيش وخرجت متقاعداً لأسباب صحية قررت أنني سأكرس بقية حياتي للكفاح من أجل السِلم وليس بالصدفة أنني منذ أكثر من ثلاثين عاماً أعمل في لجنة الكفاح من أجل السِلم، أنا اليوم نائب رئيس مجلس محافظة أوديسا من أجل السِلم، أقوم بما أقدر عليه من أجل الحفاظ على السِلم ونبذ الحرب لكن وللأسف هذا لا يحصل دائما، لكننا لا نستسلم ونتابع عملنا من أجل ألا تدخل أوكرانيا الحرب مجددا.

فالنتينا إيفانوفنا: لعلي كجميع الفتيات اللواتي أردن أن يكن ممثلات وأنا من بينهن، لكنه أمر صعب، كنت أشارك ببعض المسرحيات في المعهد، في إحدى المسرحيات الأوكرانية لعبت دور أداركا، لكن بعد الحرب وفي إحدى المدن العسكرية لعبت دور الجندي كرايتيغن، لكن لم يُكتب لي أن أصبح ممثلة، أما ابني البكر فقد أصبح ممثلا، ممثلاً في المسرح الروسي وليس فقط ممثلاً بل هو مخرج جيد أيضا، هكذا تحقق حلمي في ابني.

رامان بيتروفيتش: عندما رأيت القطار لأول مرة.. فأنا ولدت بعيدا عن السكك الحديدية بحوالي ستين كيلومترا وعندها كنت طفلاً ورأيت القطار أردت أن أصبح سائق قطار ولكن وبعد حوالي سنتين عندما أبحرت على نهر الفولغا على متن سفينة أردت أن أصبح قبطاناً وعندما كبرت وأنهيت الدراسة في العام 1939 شهدنا اجتماعا في المدرسة مع ممثل اللجنة الحربية وتوجه إلينا بحديثه.. أيها الشباب الحال في العالم مُقلق، في أوروبا حرب، الفاشيون يتقدمون من بلد إلى بلد ولا نعلم متى سوف يستديرون بأسلحتهم ضد الاتحاد السوفيتي.. ضد وطننا، عليكم بدخول المعاهد العسكرية والحصول على اختصاص عسكري.. كنا في الصف ثمانية أشخاص، في اليوم التالي ستة أشخاص منا ذهبوا إلى اللجنة العسكرية وأعلنوا إننا جاهزون لدخول المعهد العسكري، يجب أن نقوم بربط الكرمة، في موسكو.. روسيا للأسف نقول اليوم روسيا يتم إصدار كتاب جنود القرن العشرين، إنها السيرة الذاتية للمشاركين في الحرب الوطنية العظمى وأنا.. بتواضع.. أحد المذكورين في هذا العمل، كما يظهر هنا في قسم المائتين الأفضل.. ليس من الجيد مدح النفس لكن إن لم تفعل ذلك فلن يفعل ذلك أحد.. المعاصرون من المشاركين في الحرب الوطنية العظمى وبما أن أول حرف من اسم عائلتي يبدأ بالألف وُضِعت في المركز الثاني داخل الكتاب وهنا أُلقي الضوء على أهم مراحل سيرة كل شخص، فالنتينا إيفانوفنا لوتشينكنا مع ملخص عن سيرتها الذاتية، هنا إلى اليوم من سكان أوديسا فقط اثنا عشر شخصاًُ ذُكروا في هذا الكتاب، ليس جيدا أن يفخر المرء لأنه مذكور في مثل هذا الكتاب وأنا شخصيا أعتقد أنه أمر زائد عن اللزوم أن تكون من بين أفضل مائتين مع الأعداد الهائلة للمشاركين في الحرب الوطنية العظمى، إنه فخر كبير.

فالنتينا إيفانوفنا: راماشيشكا.. هلا غنيت لي شيئاً؟

رامان بيتروفيتش: يجب أن أشرب شيئاً لهذا، ليس بعد القهوة سوف أغني لفالنتينا إيفانوفنا أغنية ما قبل الحرب لكنها حديثة أيضا، من إيقاع الحرب وأسمها كوبانكا، في هذا المساء البعيد وراء البحار.. وراء الجبال ستشتعل ألوان الشروق.. أتيت من أجلك يا حبيبتي لأخبرك عن الكثير.. لأخبرك عن المهم.. لنتكلم معا.. الآن أتحدث إليك.. إنسي يا حبيبتي الأحزان.. لعله غداً في الصباح الأزرق قد أخرج ولا أعود وعندها في المدن والقرى بسرعة أمشى بين الحشود وأنطلق في الهجوم فرحاً إلى الدنباس.. القوقاز وستالينغراد وهناك على إحدى المحطات ستبدأ معركة كبرى وأفقد قبعتي الكوبانكا من على رأسي والآن أتحدث إليك.. إنسي يا حبيبتي الأحزان وغداً قد يكون الصباح أزرق اللون وقد أخرج ولا أعود.

فالنتينا إيفانوفنا: وتعود في المساء.. نحن لن نكون هنا، أنتم ستنقلون الحقيقة، نحن نؤمن بأن هذه الذكرى لن تموت، بأن هؤلاء الفتيان الذين قرأتم عنهم، الطيارون الذين وهبوا حيواتهم، أيها الشباب إن هؤلاء الأشخاص يستحقون الذكر إلى الأبد.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة