العقلانية في الإسلام   
الجمعة 1425/4/16 هـ - الموافق 4/6/2004 م (آخر تحديث) الساعة 1:03 (مكة المكرمة)، 22:03 (غرينتش)
مقدم الحلقة ماهر عبد الله
ضيف الحلقة - الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي، داعية إسلامي كبير
تاريخ الحلقة 17/09/2000


الشيخ يوسف القرضاوي

ماهر عبدالله
ماهر عبد الله:

أعزائي المشاهدين.. سلام من الله عليكم، وأهلاً ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من برنامج الشريعة والحياة، والتي يسعدني فيها أن يعود مجددًا إلى الحضور فيها فضيلة الدكتور العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، أما موضوعنا لهذه الليلة فسيكون موضوع سبق وأن طرحناه من قبل، ولكن أحب بعض الإخوة أن يسمعوا فيه رأي الدكتور القرضاوي، أما الموضوع فهو العقلانية كمصطلح وفد علينا، دخل في الثقافة الإسلامية، ولا أقصد بالإسلامية التي تتبنى الإسلام، ولكن في مجتمع، وثقافة المسلمين عمومًا، تبناه البعض كبديل عن الدين، تبناه البعض كآلية جديدة لفهم الدين، أو لتحديث الحياة، لمعرفة رأي الإسلام، أو رأي مفكري الإسلام في هذا المصطلح تحديدًا، ما المقصود منه؟
سيكون حوارنا مع الدكتور القرضاوي هذه الليلة، دكتور يوسف.. أهلاً وسهلاً بك مجددًا في الشريعة والحياة.
د. يوسف القرضاوي:
أهلاً بك يا أخ ماهر، وحفظكم الله.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وصلوات الله وسلامه على المبعوث رحمة للعالمين، وحجة على الناس أجمعين، سيدنا وإمامنا وأسوتنا، وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه، ومن دعا بدعوته، واهتدى بسنته وجاهد جهاده إلى يوم الدين.
الحقيقة قبل أن أجيب عن هذا الموضوع، أحب أن أشكر الإخوة الكثيرين الذين اتصلوا بي من أقطاب شتى، وقد أقلقهم غيابي عن البرنامج فترة من الزمن
وأحب أن أطمئنهم أني كنت في إجازة، وإن كانت الحقيقة اليوم أسميها إجازة وأنا قلما آخذ إجازة فكنت بعيدًا عن قطر، وعندما عدت إلى قطر، عدت إلى برنامجي هذا، وأسأل الله–تبارك وتعالى- أن يجعله نافعًا،وأن يجعله مصباحًا ينير للناس الطريق، اللهم آمين..
ماهر عبد الله(مقاطعًا):
إذا سمحت لي بس، أنا أضيف أنه الدكتور يوسف في هذه الـ.. ما أسماها بالإجازة سلم مجموعة من الكتب–فيما أعتقد أيضًا- للمطبعة لبعض الناس..
د. يوسف القرضاوي:
والله سبعة كتب–والحمد لله- إن شاء الله نسأل الله أن يهيئها للظهور قريبًا، وهي نافعة–إن شاء الله- في أبوابها المختلفة إن شاء الله.
ماهر عبد الله:
طيب.. لو عدنا إلى موضوع العقلانية، أولاً أنت كيف تفهم المقصود بهذه العقلانية؟
د. يوسف القرضاوي:
هو طبعًا لابد من تحديد المفاهيم، من الأشياء المهمة في مثل هذه المصطلحات أن يُحدد مدلولها ومفهومها، حتى لا تبقى مائعة ورجراجة، يفسرها كل فرد وكل فريق بما يحلو له، الماركسي يفسرها تفسيرًا ماركسيًّا، والليبرالي يفسرها تفسيرًا ليبراليًّا، والإسلامي يفسرها تفسيرًا إسلاميًّا، ما المقصود بالعقلانية؟
كلمة العقلانية هي مصدر–كما نقول نحن في لغتنا العربية- مصدر صناعي إلى العقل، يعني في المصدر أحيانًا نقول–مثلاً- ربانية إلى الرب، نفسانية إلى النفس ولكن تزاد الألف والنون فهي نسبة إلى العقل، مع ذلك الألف والنون فالعقلانية معنى هذا أن هذه العقلانية معناها تستخدم العقل، فهل نحن ضد استخدام العقل؟ لو كان المراد بها مجرد استخدام العقل في فهم النفس والكون والحياة والدين، ما كان عليها أي غبار من جهة ديننا نحن الإسلامي، ولكن بعض الناس يفهمون منها أن العقل في مقابل الوحي، أو كما يقول بعضهم العقل في مقابل إيه؟ النقل ودي قضية من قديم، قضية الاختلاف بين العقيدة والفكر، أو بين الدين والفلسفة، أو بين الشريعة والحكمة –على حد تعبير الفيلسوف الفقيه ابن رشد- ألف رسالة مركزة مهمة في هذه القضية سماهها فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال.. فهل العقل يعني يقابل الوحي؟ يضاد الوحي؟ أو العقل مهم مع الوحي؟ هناك ثلاثة أصناف من الناس.. صنف يؤله العقل، ويعتبر العقل وحده هو مصدر كل معرفة، سواء معرفة ما يستطيع العقل أن يصل إليه، وأحيانًا في أشياء لا يستطيع العقل أن يصل إليها، وينكرون الوحي، هؤلاء هم الماديون من قديم ومن حديث، وفي مقابل هؤلاء جماعة يجمدون العقل أو يغيبون العقل أو يعطلون العقل، وهؤلاء منهم بعض الدينيين أصحاب الأديان، يعني كثير من أصحاب الأديان يرى أن العقل لا علاقة له بالدين، وأن الدين شيء خارج العقل وفوق العقل، حتى عند المسيحيين عندهم العقل شيء والإيمان شيء، ويقول لك: آمن ثم اعلم بعد ذلك، اعتقد وأنت أعمى، أغمض عينيك ثم اتبعني، هذا.. وأنا أقول–للأسف- فيه بعض المسلمين–أيضًا- من دعاة تغييب العقل، يعني هؤلاء الجامدون المجمدون، الذين قال عنهم (شكيب أرسلان) من قديم:
إنما أضاع الدين لاحد وجامد، هذا يفتن الناس بجموده، وهذا يضلهم بجحوده.
فهؤلاء الجامدون يغيبون العقل، نحن–في الحقيقة- لا نؤله العقل، ولا نجمد العقل ونرى أن العقل هو أثر من آثار رحمة الله بالناس، كما أن الوحي من آثار رحمة الله، ولا يمكن آثار رحمة الله وفضله يتناقض بعضها مع بعض، فالعقل–كما قال بعض الفلاسفة- هو للفرد مصباح ينير له والوحي أو النبوة هي عقل الجماعة يعني الجماعة محتاجة إلى عقل ينير لها الطريق، يسند الوحي، يسند العقل، ويرشده فيما لا مجال له فيه، فإذن نحتاج–نحن- إلى الوحي في مجاله، وإلى العقل في مجاله ونعتبر أن كلاً منهما يسند الآخر، فيكون هذا–كما قال الله تعالى- "نور على نور"، نور العقل والفطرة، ونور الوحي والنبوة، فنور على نور يهدي الله لنوره من يشاء.
ماهر عبد الله:
اسمح بس (فقط) قبل أن نواصل في موضوع العقلانية طوال القرن الماضي (المائة سنة الماضية) تردنا مفاهيم جديدة.
(فاصل إعلاني)
ماهر عبد الله:
فضيلة الدكتور قبل الفاصل، ثمة ظاهرة شغلتنا في المائة سنة الماضية، غالبية ما يُكتب في الفكر الإسلامي هو ردة فعل على مفاهيم تردنا وتشغل.. وفي بعض الأحيان يثبت بالتجربة والخطأ، إنه لم يكن هناك داعي لهذا النقاش، ناقشنا كثيرًا في الاشتراكية إلى أن سقطت، ناقشنا كثيرًا في القومية وأنها أساس وحدة هذه الأمة والنهضة بها، اليوم نتحدث عن الديمقراطية، نتحدث عن العلمانية، والآن في هذه الليلة نحن نتحدث عن العلمانية..
د. يوسف القرضاوي(مقاطعًا):
العقلانية.
ماهر عبد الله:
العقلانية، عفوًا، أليست هذه مؤشر على أزمة داخل الفكر الإسلامي؟
أنه كل المفاهيم التي نناقشها وافدة عليه؟
د. يوسف القرضاوي:
هو الفكر الإسلامي مر بمراحل مختلفة، في المائة سنة التي تحدثت عنها بمراحل عدة، بعض هذه المراحل كانت مرحلة التبعية.. التبعية للفكر الغربي، وللحضارة الغربية، وللفلسفة الغربية، كانت الحضارة الغربية في أوجها، والفكر الإسلامي مطمور، والتراث الإسلامي مغيب، والناس مبهورون بهذه الحضارة، فدعا داعون من أبناء المسلمين، ومن غير أبناء المسلمين إلى اتباع الغرب شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، وأنه لابد أن نأخذ بالفلسفة الغربية، الثقافة الغربية بخيرها وشرها وحلوها ومرها، ما يحب منها وما يكره، وما يُحمد منها وما يُعاب، هذه كانت مرحلة الإيه؟
ماهر عبد الله:
التبعية.
د. يوسف القرضاوي:
التبعية، ثم كانت هناك مرحلة أفضل من هذه وهي مرحلة الإيه؟
ما نسميه مرحلة الاعتذار والدفاع اللي هي أنت بتسأل عنها دي، إن تأتينا الأشياء، ونحن نحاول أن ندافع.. جعلنا الإسلام كأنه في قفص الاتهام، ونحن محامون ندافع عنه، وكأن على الإسلام أن يقبل كل المفاهيم التي جاءت من الغرب القوي والمتفوق والمنتصر، فلذلك كأننا نعتذر عن الإسلام، أو نحامي عن الإسلام، هذه كانت مرحلة، ومرحلة من المراحل –أيضًا- كانت مرحلة تبرير يعني محاولة إن إحنا نأتي بالأشياء الغربية، ونوجد لها سندات شرعية.
يعني بنحاول نجعل الشيخ صاحب العمامة نلبسه برنيطة، عشان يبقى خواجة فتبقى تكون الأشياء.. الربا، حتى بعض الناس حاولوا أن إيه؟ يبرروا الربا، حتى بعض الناس حاولوا أن يبرروا الخمر، ويقول لك: دا ربنا ما قالش حرام، قال فاجتنبوه وكذا، فدي مرحلة، وإلى أن جاءت المرحلة الأخيرة، وهي مرحلة المواجهة، نحن في مرحلة مواجهة إن إحنا بنعرض الإسلام بقوة، ولم نعد مجرد معتذرين عن إسلامنا،بالعكس.. نحن نهاجم الفكر الغربي في مواضع الضعف منه وفي نقاط الخلل فيه، وكما يهاجمه–أيضًا- بعض النقاد الغربيين والفلاسفة الغربيين، فهذا هو موقفنا، ولكن ليس معنى هذا إن هذه الأشياء التي تـثار والتي قد تكون إثارتها لها وجه، لأنه–للأسف- بعض الذين ينتسبون للإسلام وبعض الفصائل الإسلامية التي تجمد الإسلام، وتضع الإسلام في ثلاجة أو في فريزر هؤلاء يسيئون إلى الإسلام، فلازم إنك تتكلم، وتدافع عن الإسلام، ماذا تفعل أمام–مثلاً- جماعة أبو سياف دي؟
حينما تحتجز الرهائن، وتساوم عليهم، ما ذنب إنسان لا دخل له ولا ناقة له ولا جمل، ولا عنزة ولا حمل، تأخذه وبعدين يعني.. فلازم تتكلم وتقول: إن الإسلام ضد العنف وكذا، وضد هذه الأشياء، أحيانًا أنت مضطر إلى هذا، فعندما تـثار هذه القضايا، فلابد أن نوضح الحقائق فيها، ونكشف الأباطيل، ونبين موقف الإسلام الحقيقي المعتمد على القرآن والسنة الصحيحة.
ماهر عبد الله:
في المثال الذي نتحدث عنه الليلة، العقلانية عندما استُحدث هذا المصطلح، قبل أن نستورده، جاء في بيئة مناكفة للدين تمامًا، هل حمل جزءًا من هذه الظلال عندما وفد إلينا؟ إذا لم يحمل أين حدود العقل؟
متى ينتهي دور العقل ليبدأ دور الوحي؟
د. يوسف القرضاوي:
والله هذا هو مهمتنا نحن، مهمتنا نحن، لا نقول: نحن ضد العقلانية بإطلاق، ولا نقبل الاتجاه العقلاني بإطلاق، إنما نأخذ وندع وفق مسلماتنا الدينية والعقلية، نحن نقول بصراحة: نحن ديننا لا يرفض العقل، بالعكس نحن المحققون من علمائنا قالوا: لولا العقل ما قام النقل، كيف؟
لأن العقل هو الذي يثبت لنا أعظم حقيقتين من حقائق الدين، الحقيقة الأولى هي: حقيقة وجود الله –عز وجل- لو أن إنسانًا ماديًّا ينكر الألوهية، ويقول: إنه لا إله والحياة مادة، وليس صوابًا أن الله خلق الإنسان، بل الصواب أن الإنسان هو الذي خلق الله كما قال (باخ) وبعض الفلاسفة الماديين، ما موقفنا نحن في هذه الحالة؟ هل أثبت له، وأقول له الله –تعالى- موجود لأن الله تعالى يقول: "قل هو الله أحد، الله الصمد" أو "وإلهكم إله واحد" لا.. لأن هذا كيف يستدل عليه بالقرآن، وهو لا يؤمن بالقرآن ولا بكتب سماوية؟
فلابد أن أثبت له وجود الله بالعقل، وقد أستخدم القرآن أيضًا، لأن القرآن أحيانًا بيثبت هذه الأمور بالعقل، كقوله تعالى "أم خُلقوا من غير شيء أم هم الخالقون، أم خلقوا السماوات والأرض.."
يعني بيناقش قضية الألوهية، هل هؤلاء الناس المشركون خُلقوا من غير شيء؟ مستحيل أن يُخلق الإنسان من غير خالق، لأن لا صنعة من غير صانع، ولا أثر من غير مؤثر "أم هم الخالقون" هل هم الذين خلقوا أنفسهم؟!
م يدع أحد إنه خلق.. وكيف يخلق نفسه وهو عدم؟! كيف ينشئ العدم الوجود؟ أم خلقوا السماوات والأرض.. لم يقل.. حتى الذين ادعوا الألوهية مثل النمروذ أيام سيدنا إبراهيم ومثل فرعون أيام سيدنا موسى، لم يقل أحد منهم أنه خلق السماوات والأرض، لأنه لو قال هذه لكذب، لأن السماوات والأرض قبل أن يولد هو كانت موجودة، فمستحيل أن يقول إنه خلقها، فإذن لكي أثبت وجود الله –هذه الحقيقة الكبرى- لابد أن أثبتها بالعقل، صحيح إنه الإيمان بالله غريزة فطرية، ولكنه أيضًا ضرورة عقلية، فلابد–وخاصة أمام المنكر- لابد أن أثبت وجود الله بالعقل، فهذه الحقيقة الأولى، الحقيقة الثانية–وهي من أكبر حقائق الدين أيضًا- ثبوت النبوة، ثبوت الوحي، كيف تـثبت أن الله أرسل نبيًّا؟ وأن فلان هذا نبي؟
لابد أن تـثبت إمكان الوحي عقلاً، إن إيحاء الله إلى الناس–بعد أن أثبتنا وجود الله بالعقل –فنثبت أن الله هذا خالق السماوات والأرض، ومدبر الكون، الإله العظيم العليم الحكيم هذا أرسل رسلاً، هل هذا ممكن؟
ممكن، لأنه لا يعجز الله –سبحانه وتعالى- أن يخاطب الإنسان بطريقة غير الطريقة العادية، والإنسان عنده من القدرات والطاقات الروحية والمكنونة في حناياه، ما يستطيع به أن يتلقى هذا الوحي، فالوحي ممكن عقلاً، وواقع فعلاً ودلَّ على ذلك موكب النبيين من آدم ونوح، ومن بعدهم إلى محمد، الذين قامت الأدلة على صدقهم، والأدلة على صدق الأنبياء هي المعجزة، التي سماها القرآن الآيات (ائتِ بآية إن كنت من الصادقين) لأن النبي بيمثل كأنه سفير الله إلى خلقه، وأي واحد سفير جاي عند دولة، من حق هذه الدولة تقول له: قدِّم أوراق اعتمادك، ما الدليل على إنك بتمثل هذه الدولة؟ لازم، فأوراق اعتماد النبي هي المعجزة أو الآية التي يظهرها الله على يديه خارقة للعادة، العلماء –علماء الكلام المسلمون- يقولون: إن دلالة المعجزة على صدق الرسول دلالة عقلية..
ماهر عبد الله(مقاطعًا):
رغم إن هي في ذاتها هي غير عقلية.
د. يوسف القرضاوي:
آه هي خارقة، إنما بتدل، لأنه أنا لا أستطيع أن أفعل هذا، طب مَنْ إذن؟
لابد قوة أكبر منك هي التي جعلت هذا يظهر على يديه، فإذن ثبوت النبوة يعني بصفة عامة، ونبوة فلان، يعني كيف نثبت نبوة محمد–عليه الصلاة والسلام- لابد أن تـثبتها بالعقل، كيف تـثبت أن القرآن الذي جاء به محمد كلام الله وليس من عنده؟ هذا لابد أن يثبت عن طريق الإيه؟ العقل، فأكبر حقيقتين من حقائق الدين، وهي وجود الله تعالى وثبوت النبوة هاتان ثبتا بالعقل.
ماهر عبد الله:
طيب، هذه الحقائق، وما تفضلت به، يعني كيف تغيب؟ هناك تيار كبير لو سميناه مجازًا تيار أهل الحديث على مدى قرون مازال يعيش معنا، وما زال.. لعلك عانيت منه في بعض الردود على ما تفضلت به، إنه يعول على العقل، يعني يجعلونه في مصاف التهم، أن فلان يعول على العقل من العلماء.
د. يوسف القرضاوي:
مع إن كبار العلماء مثل الإمام الغزالي يرى إنه العقل والشرع بمثابة العين والضوء، هل يستطيع الإنسان لو كان نظره ستة على ستة يستطيع يرى في الظلام؟ لا يستطيع أن يرى في الظلام، فالعقل بمثابة العين، والشرع بمثابة الضوء.
(فاصل وموجز أنباء)
ماهر عبد الله:
فضيلة الدكتور كنت سألتك قبل الفاصل عن مدرسة مازالت موجودة معنا ومنذ قرون، رغم كل ما تتفضل به وكل ما ذكرت من آيات وأحاديث مازالت تأخذ موقفًا سلبيًّا من استخدام العقل في مجالات الشريعة؟
د. يوسف القرضاوي:
بسم الله الرحمن الرحيم.. أنا أقول هذه المدرسة ليست هي المدرسة التي قادت الأمة الإسلامية، الذين قادوا الأمة الإسلامية هم الفقهاء، الفقهاء الذين جمعوا بين النصوص وبين الفقه، بين القرآن والفقه وبين الحديث والفقه، ما يمكن أن نسميهم فقهاء الحديث، يعني الإمام مالك مثلاً هذا كان محدثًا وصاحب (الموطأ) لكنه كان فقيهًا، ويعمل الرأي، ويعمل المصلحة المرسلة، ويقدم عمل أهل المدينة على أحاديث الآحاد، وله تأويلات في كثير من الأحاديث، الإمام الشافعي نفسه، الإمام أحمد، حتى الإمام أحمد صاحب المسند الكبير، يروى عنه في القضية الواحدة عشر روايات لأنه كان حينما تختلف الحال أو تختلف زاوية الرؤية أو يختلف الشخص أو يختلف المكان يفتي بما يناسب الحال، لم يكن جامدًا، الإمام ابن تيمية، وبعض هؤلاء يزعمون أنهم ينتسبون إليه هو من هؤلاء الذين أعملوا عقولهم في فهم الشريعة، ولكن ليس عقلاً مطلقًا، عقل مقيد بأصول وضوابط وقواعد، وله كتابه الكبير في عشرة أجزاء الذي سماه (درء تعارض العقل والنقل) وقد ظهر قبل ذلك في طبعة قديمة سماه (موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول) يعني لا يمكن أن يتناقض نقل صحيح وعقل صريح، إذا حصل هذا التناقض يبقى لابد النقل غير صحيح أو العقل غير صريح، ما ظنناه من الدين ليس من الدين وما ظنناه من العقل والعلم ليس من العقل والعلم، فهؤلاء هم فقهاء الأمة وقادتها أما هؤلاء الذين يغيبون عقولهم، ويستعملون النصوص على غير وجهها، هؤلاء لا يحكمون على أمة الإسلام لا في الماضي ولا في الحاضر، ولا في المستقبل إن شاء الله.
ماهر عبد الله:
طيب.. أين يقف العقل ليبدأ النقل؟ ما هي الحدود التي لا يمكن للعقل بعدها أن يعمل؟
د. يوسف القرضاوي:
هو العقل–كما قلت في قضية العقيدة- يوجب أن تكون العقيدة مبنية على أساس صحيح.
ماهر عبد الله:
نعم.
د. يوسف القرضاوي:
يعني على الاستدلال ولو بإجمال المحققون من علماء المسلمين يرفضون إيمان المقلد، يعني واحد لقي أبوه مسلم فقال أنا مسلم، أنت ليه مسلم؟ والله لقيت أبويا مسلم، لأ، هذا لا يُقبل، لازم يقول له: لأ.. أنت مسلم؟ يقول له: والله لقيت الإسلام هو الدين الصحيح، وإيه اللي عرفك إن هو الدين الصحيح؟
أُمَّال محمد دا ربنا نصره على أعدائه ليه؟ أمال القرآن دا جابه منين؟
ليه آمنت بالله؟ يقول لك والله يا أخي مين اللي خلقني؟ مين اللي خلق الكون اللي حولي ده؟ يعني ليس من الضروري أن يرتب الأدلة ترتيبًا منطقيًّا.
الفلاسفة أو علماء المنطق، لأ، هناك كما قال الأعرابي ببساطته: البعرة تدل على البعير، وخط السير يدل على المسير.
فكيف بسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج وبحار ذات أمواج أفلا تدل على العلي القدير؟ هذا بالنسبة للعقل.
بالنسبة للشريعة، حتى الشريعة لابد العقل هنا يفهم الشريعة، من المخاطَب بالنصوص الشرعية؟ المخاطَب بها العقل، من فقد العقل فلا يتوجه إليه الخطاب ليس عليه تكليف، التكليف للإنسان البالغ العاقل، فمن لا عقل له لا تكليف عليه، الذي–أيضًا- يستنبط من النصوص، يعني الأحكام كيف تُستنبط؟
إما من نص أو من خارج النص، ولم ينص الإسلام على كل الأحكام، فهناك الذي نص عليه القرآن والسنة أشياء محدودة جدًّا، والأشياء الأخرى كثيرة فالنص كيف تستنبط من النص؟ بالعقل، لأنه كيف أقول إن العام يُحمل على الخاص والمطلق يُحمل على المقيد، والجزئي يفهم في ضوء الكلي، هذا شغل العقل، حتى علم أصول الفقه، واللي العلم الذي علمنا منهج استنباط الأحكام، هذا العلم هو صنعة العقل الإسلامي، يعني علم أصول الفقه من وضع العقل الإسلامي، ومن مفاخر التراث الإسلامي، أول من ألَّف فيه الإمام الشافعي، وبعضهم قال: قبله كان الإمام أبو يوسف.
د. يوسف القرضاوي:
ولكن لم يصلنا ما كتبة أبو يوسف، وصلنا الرسالة للإمام الشافعي، وجاء بعده الأصوليون، فهذا من عمل العقل الإسلامي، طبعًا العقل الإسلامي لا يمشي سائبًا بغير ضابط ولا رابط، لأ، هو يستهدي بالنصوص الشرعية، ويبني القواعد على أساسها، فنحن في النصوص لابد أن نُعمل عقلنا في النص:
"ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم"
وبعدين في أشياء لم ينص عليها، هذه أيضًا لابد إن العقل عن طريق القياس، يعني ما لم ينص عليه على ما نص عليه لاشتراكهما في العلة إذا لم يكن بينهما فارق معبر عن طريق الاستصلاح، العمل بالمصلحة المرسلة، سد الذرائع، مراعاة العرف، الاستصحاب، ودي كلها أدلة يعمل فيها العقل، ويصول ويجول.
ماهر عبد الله:
اسمح لي بمقاطعة أخرى.
(فاصل إعلاني)
ماهر عبد الله:
مولانا.. كنت في معرض الإجابة على أين تقف حدود العقل لنبدأ في التعامل فيها مع الوحي، ونسلم له بالمطلق؟
د. يوسف القرضاوي:
الإمام الغزالي له عبارة جيدة، يقول: إنه العقل أساس النقل، لأننا أثبتنا النقل أو الوحي بالعقل، وعندما يثبت الوحي بالعقل، إحنا قلنا العقل هو اللي بيثبت وجود الله–عز وجل- ويثبت وحدانيته وحكمته وكذا، ويثبت النبوة، عندما يثبت ذلك يعزل العقل نفسه، ليتلقى من الإيه؟ من الوحي، ففي أمور العقيدة الأمور الغيبية على العقل أن يقول: آمنا وصدقنا، فإذا قال الوحي: إن هناك حياة بعد هذه الحياة في هذه الحياة مثلاً في الحياة البرزخية، بعد الموت، وقبل القيامة نسميها الحياة البرزخية، فيه نعيم وعذاب، وفيه سؤال في القبر وفي كذا، على العقل أن يقول: آمنا وصدقنا، إذا قال: الجنة فيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر.. نقول: آمنا، إذا قال النار فيها عذاب كذا وكذا نقول.. إذا قال فيه ميزان يزن أمور الناس، يقول: آمنا، أحيانًا بعض الناس تعطي للعقل أكثر من حجمه ومن وزنه، بعض الناس قديمًا حتى بعض المتكلمين وبعض الفلاسفة قديمًا أوَّلوا في القرآن، من أجل مقولات عندهم، ثبت لنا بعد ذلك أنها لم تكن بالقطعية كما.. يعني كثير من الفلاسفة المسلمين، فلاسفة المدرسة المشائية كما يسمونها: الكندي والفارابي وابن سينا وهؤلاء الناس أوَّلوا كثيرًا من آيات القرآن، لأنها خالفت ما جاء عن أرسطو طاليس هذا الفيلسوف اليوناني الشهير سموه المعلم الأول، الفارابي سماه المعلم الأول، مش محمد المعلم الأول.
فما جاء به محمد لازم يعرضوه على ما جاء به أرسطو، على عكس ما هو شأن الإنسان المؤمن، وكانوا يعتبرون إن الأشياء التي جاءت عن هؤلاء مسلمات، من ضمنها–مثلاً- إن العناصر أربعة، إن الكون يقوم على عناصر أربعة، وهذه الأشياء اللي ظنوها عناصر، تبين لنا أنها ليست عناصر، فهي مركبة، التراب.. هل التراب عناصر، ده فيه بضعة عشر عنصرًا، ولم تعد أربع عناصر، زادت على المائة، الأفلاك كانت عندهم أجسام لا تقبل الخرق ولا الالتئام.. إلى آخره فأحيانًا العقل يستند على أشياء غير صحيحة، ويؤول بها النصوص.
قال بعض المتكلمين، وتبعهم كثير من المفسرين في مثل قوله تعالى مثلاً "ووجدوا ما عملوا حاضرًا" الإنسان يجد عمله يوم القيامة "يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرًا وما عملت من سوء" "يومئذ يصدر الناس أشتاتًا ليروا أعمالهم"
فهم قالوا: لأ.. هو العمل يقول لك: لأ ده هم لن يروا أعمالهم، إنما يرون جزاء أعمالهم، لماذا؟ قال لك: لأن العمل ده عَرَض، وانتهى.
هم عندهم العالم ينقسم إلى جواهر وأعراض، الأعراض دي صفات الجواهر وهو عندهم كان في الفلسفة القديمة العرض لا يبقى خلاص لم يعد له وجود، فإذا اتكلمت الكلام ده عرض، خلاص مجرد ما تتكلم انتهى، إذا إحنا جالسين هذه الجلسة مجرد ما نقوم انتهت هذه الجلسة تبين أن هذا الكلام الذي أوَّلوا من أجله القرآن إنه ليس صحيحًا، إن الصوت ده لم ينـتهِ، وإنما هو موجود، ويمكن تسجيله، وإن جلسنا هذه لن تنتهي وإنه يمكن تسجيلها، وإن حتى لو ما سجلنهاش هي موجودة..
ماهر عبد الله(مقاطعًا):
وتُعاد مرتين.
د. يوسف القرضاوي:
آه.. فإذن ينبغي إن الإنسان يتواضع، ويعرف إن العقل–مهما كان- محدود، كما إن العين، ربنا أعطاني عين أنظر بها، إنما لا أستطيع أنظر ما خلف الجدار، لأن هي محدودة تجد معين، لا أستطيع أن أنظر أكثر من أمتار معينة، يمكن واحد مثل زرقاء اليمامة أو كذا ممكن تشوف كذا كيلو متر، إنما مهما كان أيضًا هي محدودة، وكما أن حواس الإنسان محدودة، وعقل الإنسان محدود، فهنا أمام أمور الغيب نقول: آمنا وصدقنا، بعض الناس العقلانيين الماديين، بيسموا دي عقلية غيبية، ويتهمون كل عقلية غيبية بالخرافية، وهذا ليس مسلمًا، الغيبي اللي بيسلم بالخرافات هذا نرفضه.
إنما إحنا بنسلم بالغيب الذي قامت عليه الأدلة القاطعة بأنه وحي من الله، فهذا من ناحية العقيدة، من ناحية الشريعة إحنا قلنا: العقل هو اللي بيفهم الشريعة وهناك أشياء في الشريعة مثل الأمور التعبدية المحضة، الإنسان عليه أن يسلم بها ويقول: سمعنا وأطعنا، يعني مثلاً لماذا نركع مرة واحدة في الصلاة، ونسجد مرتين؟ ثم لماذا لم يكن ركوعان وسجودان؟ أو ركوع وسجود؟
لماذا كان الظهر أربع ركعات، والصبح ركعتين والمغرب ثلاث ركعات؟
لماذا كانت الركعتان الأوليان تُصليان مثلاً بجهر في العشاء والمغرب والركعات الأخيرة تُصلى سرًّا؟ لماذا هذا؟
هنا نقول: الإنسان عليه أن يسلم، وكما يقول الغزالي في (المنقذ من الضلال) إنه أنت لما الطبيب بيديلك وصفه، ويقول لك: خذ الحبوب دي قبل الأكل والحبوب دي بعد الأكل، أو هذا في أثناء الأكل، وهذا.. هل أنت بتسأله ليه كده؟ لأ، ما بتسألوش، لأن ده فوق طاقتك، ولا تستطيع أن تفهمه، لأنه مبني على أشياء كثيرة لا يستطيع الفرد العادي أن يفهمها، أنت بتثق في علمه فبتاخد كلامه مصدقًا، فكذلك هناك أمور تعبدية، ليست كل العبادات، فيه أشياء ممكن نعرف حكمتها، وخصوصًا عبادة مثل الزكاة، لأن الزكاة هي من ضمن العبادات الأربع، الزكاة مفهومة يدخل فيها القياس، ويدخل فيها المصالح
ويدخل فيها كذا، هناك أشياء الشريعة.. معظم الشريعة أحكامها مُعللة، تعليل الأحكام ده وافق عليه جمهور الأمة ما عدا الظاهرية وبعض المعتزلة، رغم إن المعتزلة عقلانيين إنما بعضهم رفض تعليل الأحكام، فالأمة بيقول لك: لأ، وده من قرأ القرآن الكريم، وقرأ سنن النبي، وجد التعليل، حتى قال الإمام ابن القيم: إن القرآن فيه تعليل لما خلق الله، ولما شرع الله في حوالي ألف موضع في القرآن الكريم، تعليلات بصيغ مختلفة، فالتعليل هذا أمر.. ولذلك عبر ابن القيم عن هذا قال: الشريعة عدل كلها، رحمة كلها حكمة كلها، مصلحة كلها، وأي مسألة فيها خرجت من العدل إلى الظلم أو من الحكمة إلى العبث أو من الرحمة إلى ضدها أو من المصلحة إلى المفسدة فليست من الشريعة في شيء، وإن أدخلت فيها التأويل، الشريعة إذن مفهومة، ولذلك دخل فيها القياس، ودخل فيها الاستصلاح، ودخل فيها الاستحسان، ودخلت فيها، بل هو حتى علم أصول الفقه، يعني هو علم–أيضًا- مفهوم، حتى شيخ مؤرخي الفلسفة في عصرنا الشيخ مصطفى عبد الرازق قال في كتابه عن الفلسفة إن علم أصول الفقه أدل على فلسفة المسلمين من فلسفة الفارابي وابن سينا وعلماء الكلام، لأن هو العلم اللي بيبين آفاق الشريعة، ويبين معالم الشريعة، فهناك في الشريعة أشياء تعبدية نقبلها والأشياء الأخرى بنحاول نفهمها ونعللها، ولكن أحب أن أقول هناك منطقتان:
منطقة مغلقة، وهي التي جاءت فيها النصوص قاطعة..
ماهر عبد الله(مقاطعًا):
مغلقة عليها.
د. يوسف القرضاوي(مستأنفًا):
قاطعة الثبوت والدلالة، يعني لا يدخلها الاجتهاد ولا التطور ولا التجديد، ودي قليلة جدًّا، ولكنها مهمة جدًّا لأن فيها نصوص قطعية الدلالة يعني هي ديه اللي تمثل وحدة الأمة، وتجسد وحدة الأمة الفكرية والعملية والشعورية والسلوكية ولكن معظم أحكام الشريعة ظنية، ودي بيدخلها الاجتهاد والتجديد، وتتغير بتغير الزمان والمكان والإنسان، ففي المنطقة الأولى لا نحاول إننا نغير الحقائق وندخل الاجتهاد فيما لا يقبل الاجتهاد وإلا معناها لا يبقى للأمة شيء تستند إليه، وتعتمد عليه، وترجع إليه عند الاختلاف، ولكن معظم أحكام الشريعة قابلة للاجتهاد والتجديد.
ماهر عبد الله:
طيب، لنسمع، عندي بعض الإخوة على الهاتف منذ فترة الأخ بسام الشيحة من فرنسا أخ بسام تفضل.
بسام الشيحة:
السلام عليكم.
ماهر عبد الله:
عليكم السلام، تفضل.
د. يوسف القرضاوي:
عليكم السلام يا أخي.
بسام الشيحة:
هو القاعدة كما قال الرازي في قصة تأويل النصوص أنه قال الرازي في (المحظور) أنه لا يجوز تأويل نص إلا بدليل عقلي قاطع أو نقلي ثابت، فنفهم من هنا أنه يجوز تأويل النصوص إذا كانت تتعارض مع نصوص ثابتة، أو إذا كانت تتعارض مع العقل، أما النصوص التي ليس فيها معارضة مع العقل الصريح أو مع صحيح المنقول لا نؤولها، وهذا موضوع نظر فيه في المؤتمر الثاني للمجلس الأوروبي للبحوث والإفتاء في أيرلندا، وكان الشيخ القرضاوي يعني هو رئيس هذا المؤتمر وفي هذا المؤتمر قال الدكتور القرضاوي أنه يجوز بيع لحم الخنزير والخمر للتجَّار في أوروبا، وهذا مخالف لصريح النص.
ماهر عبد الله:
ممكن تعيد العبارة يا سيدي، أخ بسام.
بسام الشيحة:
يعني في المؤتمر الثاني للمجلس الأوروبي للبحوث والإفتاء في (دبلن) عام 1998 وكان المؤتمر ده برئاسة الدكتور القرضاوي، وأفتوا فيه بأنه التجار المسلمين في أوروبا يجوز لهم بيع الخمر ولحم الخمر، وأنه يجوز..
د. يوسف القرضاوي(مقاطعًا):
ليس صحيحًا.
ماهر عبد الله:
طيب أخ بسام، أخ بسام مشكور، الشيخ سمع الكلام وإن شاء الله هيعلق عليه معايا الأخ سمير كامل من القاهرة.
سمير كامل:
مساء الخير.
ماهر عبد الله:
مساء النور.
سمير كامل:
أنا الحقيقة شخص مسيحي، ومن اللي بيسمعوا الجزيرة وخاصة برنامج الشريعة والحياة.
ماهر عبد الله:
أهلاً بك.
سمير كامل:
لاحظت في أول مقال للشيخ القرضاوي أنه بيهاجم المسيحيين، أو بيهاجم المسيحية ما افتكرش إن ده الدور بتاع الجزيرة، تعمل منبر للهجوم على المسيحية، لأنه يقول المسيحية بتقول عَمُّوا عينيكم أو غمضوا عينيكم واتبعوني أؤمنوا ثم فكروا، المسيحية قالت غير كده، قالت فتشوا الكتب وافحصوها بتدقيق وتمسكوا بالأفضل، وده اللي بنشوفه إن المسيحية في كل الغرب اللي دايمًا نحب نهاجمه، الغرب لأنه مسيحي أفتكر هو اللي بيشغل عقله، وقادر يتكلم عن العقلانية أكثر من أي جهة ثانية بغض النظر عن المسميات.
ماهر عبد الله:
طيب أخ سمير ملاحظة في محلها، وأنا متأكد إنه الشيخ أيضًا هيعلق عليها بإذن الله، الأخ صبري ميرزا من أمريكا، أخ صبري.
صبري ميرزا:
السلام عليكم ورحمة الله.
ماهر عبد الله:
عليكم السلام ورحمة الله.
صبري ميرزا:
أخي الحبيب جزى الله شيخنا كل خير أولاً أرجو أن يوضح الشيخ للإخوة المشاهدين قضية العقلانية والعلمانية، لأن العقلانية نسبة كما تفضل مصدر صناعي إلى العقل، أخذت طريقها إلى الساحة الفكرية الإسلامية من خلال السعي لإبعاد الوحي، وانطلاقًا من غاية الوصول إلى إنكار الإيمان بالغيب، ومن ثم يكون الاحتكام إلى العقل في كل ما يتعلق بالإنسان والكون والحياة بمعزل عن الوحي الذي جاء بالدين، وهذا الأمر وصلنا في مرحلة الصراع بين الكنيسة التي كانت تحاول فرض أغاليطها على العقل والفكر، فكانت الغلبة للعقل وهزيمة الأباطيل، ومن ثم بدأ العلمانيون يحاولون نقل هذا المصطلح في ظل العقلانية حتى يوحوا للمسلمين بأن الإسلام يكاد يعطل العقل، مع أن الإسلام في الأصل جعل مناط التكليف العقل، فرجاءً من شيخنا أن يبين تستر العلمانية بمظلة العقلية ورجاءً توضيح مصدر المعرفة للإنسان الوحي والعقل.
ماهر عبد الله:
مشكور أخ صبري، أخ صبري مشكور جدًّا أنا أعتقد السؤال واضح وستسمع من الشيخ رد عليه، معي مكالمة الأخ يخلف أبو إبراهيم من فرنسا، أخ يخلف تفضل.
يخلف أبو إبراهيم:
السلام عليكم.
ماهر عبد الله:
عندي سؤال يبدو أنه خارج الموضوع اليومي، لكن أمر مهم ومستعجل من فضلكم.
ماهر عبد الله:
إذا كان قصير.
يخلف أبو إبراهيم:
عندي امرأة حاملة منذ أربعة أشهر، وبعد الفحوصات الطبية يبدو أن الطفل يمكن أن يكون معوق بعد الولادة، ولكن يبقى الفحص الأخير لكي يؤكدون أن هذا الأمر هل هو صحيح أم لا؟ وفي الحالات أن هذا الطفل معوق هل شرعيًّا يجوز..
ماهر عبد الله (مقاطعًا):
أخ يخلف أنا أقترح عليك يا سيدي أن تكتب هذا السؤال بفاكس وإن شاء الله نحاول أن فضيلة الشيخ يرد عليك بالفاكس، لأنه كما ترى ثمة إخوة ينتظرون على الهاتف كثيرًا، يريدون أن يشاركوا في موضوع هذه الحلقة، رقم الفاكس أظنه سيظهر عليك على الشاشة بعد قليل، وسيظهر طوال فترة البرنامج وستسمع إن شاء الله أو سيصلك إذا استطاع الشيخ أن يرد عليك، طيب يا سيدي لو عدنا لسؤال الأخ بسام، ما أدري هو خارج عن الموضوع، ولكن أدخله.
د. يوسف القرضاوي:
هذا ليس سؤالاً، هذا هجوم، وهجوم كاذب في الحقيقة يعني، وسبق ورددنا عليه، لأنه هؤلاء، أنا أقول إنما صدر على المجلس الأوروبي للإفتاء منشور في وقائع، وصدرت به كتب، وليس فيه هذا الكلام الذي يدعيه هذا الأخ.
ماهر عبد الله:
طيب، الأخ سمير كامل أزعجته –كونه مسيحي- أزعجته عبارة أن أغمضوا أعينكم واتبعوني، المسيحية.
د. يوسف القرضاوي:
يا أخي هذه أصل يعني خصائص لكل دين، يعني هذه خصيصة المسيحية الفيلسوف القديس الشهير (توما الإكويني) قال هذا، والفيلسوف (أوجستين) قال: أنا أؤمن بهذا لأنه غير معقول، يعني العقلية المسيحية تقبل هذا، والأخ التاني اللي تكلم قال لك هذا، وقال طب الغربيين، الأخ بيقول طب أُمَّال كيف الغرب تقدم وهو مسيحي؟ الغرب تقدم حين (وهو) مسيحي حينما اصطدم بالكنيسة وعزلها، يعني الكنيسة التي كانت تتبنى هذا الكلام، اصطدمت بالنهضة الغربية حينما مس الغرب المسيحي نفحة من الشرق المسلم، وأخذ عن الشرق الإسلامي والعربي المنهج التجريبي، كان (فرانسيس بيكون) و(روجر بيكون) أخذوا هذا المنهج، يعني كما هو ثابت من كتاب (بيروفلت) وغيره، إنهم أخذوا هذا المنهج من الحضارة الغربية (العربية) واصطدموا بالعقلية المسيحية، ولذلك الغربيين قالوا إن إحنا لم ننتصر إلا بعزل الدين، وده حجة العلمانيين عندنا إنه قالوا إن الغرب لم يصل إلى التقدم إلا حينما تحرر من الالتزام بالدين، فلازم نتحرر، ولكن يا أخي لأ، إحنا يعني تاريخنا غير تاريخهم وتراثنا غير تراثهم، المسيحية عندهم مثلاً (من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر) هذه طريقة، إحنا ليس عندنا هذا، عندنا (ولئن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين) أنا لا أهاجم المسيحية بالعكس، أنا من دعاة الحوار مع المسيحية، ومن دعاة التسامح، ولكن هذا لا يجعلنا إننا ندعي على الأديان ما ليس من حقائقها هذه خصيصة المسيحية إنها الدين أمر وجداني، أمر يتعلق بالقلب أكثر مما يتعلق بالعقل، هذا ليس..
ماهر عبد الله(مقاطعًا):
طيب، في معرض جوابك على هذا السؤال، وهذه الملاحظة ومشكور على هذا التوضيح ذكرت التجربة الغربية اللي تفضل بها الأخ صبري، سألك في النهاية سؤال أعتقد إنه جوهري جدًّا، هل تتفق معه في إنه ثمة محاولة علمانية للتستر بالعقلانية للوصول إلى ما وصلت إليه أوروبا ودفع الدين خارج إطار الحياة العربية؟
د. يوسف القرضاوي:
آه.. هو طبعًا هي العلمانية بتحاول إن هي تقول إنه الدين لا يتكلم بالعقل وإحنا نتكلم بالعقل، الدين ثابت والحياة متغيرة، هو (أتاتورك) حينما جاء بالعلمانية صدر تقرير، خلاصة التقرير ده بيقول إيه؟ يقول إنه الدين أحكام ثابتة وحياة المجتمعات متطورة ومتغيرة، فلا يصلح الثابت لعلاج الإيه؟ لعلاج المتغير هذه مبنية على حقيقتين كلتاهما خطأ، ليس الدين كله ثابتًا، وليست الحياة كلها متغيرة، الدين فيه أشياء ثابتة وأشياء متغيرة، إحنا قولنا الشريعة ممكن تتغير الفتوى فيها بتغير الزمان والمكان والعرف والحال، فيه أشياء ثابتة، منطقة مغلقة، ولكن معظم أحكام الشريعة قابلة للاجتهاد والتطوير والتغيير والتجديد، ولذلك دخلت الشريعة الإسلامية بلاد الحضارات، دخلت بلاد الفرس وبلاد الروم وبلاد مصر وبلاد الحضارات المختلفة، ولم تضق بأي قضية من القضايا، كان لها مع كل حادث حديث ومع كل مشكلة علاج، فلهذا أنا أقول إنه فعلاً العلمانية بتحاول هذا، وكما قالوا في تركيا إن الدين ثابت والحياة متغيرة، وأنا أقول الدين ليس كله ثابتًا، والحياة ليست كلها متغيرة، فيه أشياء ثابتة وأشياء متغيرة، يعني جوهر الإنسان هو الإنسان، سواء كان الإنسان بيركب الحمار أو يركب الصاروخ الإنسان هو الذي قتل أخاه حينما لم يكن يعرف كيف يدفن الميت، والآن يمكن إنه يذيب جثته بمحاليل وأشياء كيماوية فلا يبقى لها أثر، الخير والشر موجود يعني إذن الجوهر ثابت، ولكن التفاصيل هي اللي بتتغير، ودي عندنا من الشريعة ما يعالجها.
ماهر عبد الله:
والثابت في الشريعة هو الذي يتعامل مع الثوابت في حياتنا.
د. يوسف القرضاوي:
مع ثوابت الحياة، والمتغير في الشريعة يتعامل مع متغيرات الحياة.
ماهر عبد الله:
معانا الأخ عبد الله القادري من السعودية أخ عبد الله تفضل.
عبد الله القادري:
نعم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ماهر عبد الله:
عليكم السلام ورحمة الله.
عبد الله القادري:
فضيلة شيخنا حياك الله عودًا حميدًا.
د. يوسف القرضاوي:
حياك الله يا أخ، وبارك فيك يا شيخ عبد الله.
عبد الله القادري:
ونرجو أن نقرأ كتبك السبعة قريبًا إن شاء الله.
د. يوسف القرضاوي:
بارك الله فيك.
عبد الله القادري:
فضيلة الشيخ علماء القانون يجتهدون في وضع القوانين، واجتهادهم مبني على العقل، فإذا وجدت بعض المواد في القانون ولم يوجد ما يعارضها من القرآن والسنة أو قواعد الشريعة، فهل يجوز الأخذ بها؟ وشكرًا لك والسلام عليكم ورحمة الله.
ماهر عبد الله:
مشكور جدًّا يا أخ عبد الله، معي الأخ عبد الله حسن من قطر، أخ عبد الله تفضل.
عبد الله حسن:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
ماهر عبد الله ود. يوسف القرضاوي:
عليكم السلام ورحمة الله.
عبد الله حسن:
أود أن أؤكد على بعض ما قال فضيلة الشيخ، وأضيف بعض الإضافات.
ماهر عبد الله:
تفضل.
عبد الله حسن:
أولاً في موضوع حدود العلم، صحيح أن الغيب بتفصيله ليس معرفة الله سبحانه وتعالى ومعرفة طبق رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم كما ذكر الشيخ، هذه يمكن أن تُعلم بالعقل، ولكن هنالك حدود تفصيلات الغيب التي ذكرها لا يمكن أن نعلمها بالعقل، ولكن ما أود أن أضيفه أن العلم اليوم صار يقول لنا أن هنالك حدود للعلم، وأمامي كتاب..
ماهر عبد الله(مقاطعًا):
أخ عبد الله بس ممكن ما تبعد السماعة عن فمك كثيرًا.
د. يوسف القرضاوي:
آه صوتك بعيد.
عبد الله حسن:
أيوه، طيب، أمامي كتاب بعنوان Impossibility المستحيل، اللي هو علم حدود العلم، وهذا يعني توصل العلماء إلى نتائج حاسمة فيه، من ضمن هذه الأمثلة ما يعرف بنظرية (جودل) في المنطق أنه برهن أنه من المستحيل أن تبرهن نظام رياضي كامل متسق، إما أن يكون متسقًا، وبذلك لا يكون كاملاً، أو يكون كاملاً وليس متسقًا، وهنالك أمثلة من ضمنها معرفة المستقبل من الناحية العلمية لأنه يحتاج في المعرفة إلى استقراء، والاستقراء لا يعطينا معرفة يقينية، فهذه الآن صار يكتب فيها صار علم في هذا المجال.
ماهر عبد الله:
أخ عبد الله أطلب منك تختم لي بسؤال لفضيلة الدكتور.
عبد الله حسن:
أيوه أنا السؤال أنه أود أن يوضح هو ذكر، ولكن أنا أردت أن أعلق إضافة في مسألة التعارض هذا، التعارض بين العلم والدين أو العقل والدين، وكلام العلمانيين والتنويريين في هذا، كانت فيه ثقة كبيرة في العقل، والآن كما ذكرت أن العلم نفسه صار يجعل حدودًا للعقل بأمثلة كثيرة، ولكن هذا التعارض كما ذكر أنه هنالك العلم عمومًا في اتفاق أنه نسبي، والدين نسبي ومطلق، ولكن مع هذا كما ذكر أن إذا نشأ تعارض بين العقل والعلم ندرأ هذا التعارض بمراجعة الدين، أو فهمنا للدين، أو بمراجعة العلم.
ماهر عبد الله:
أخ عبد الله مشكور جدًّا على هذه المداخلة القيمة، وأنا على يقين أن الشيخ سيعلق عليها، معي الأخ يعرب بن قحطان، من سوريا، تفضل.
يعرب بن قحطان:
آلو.
ماهر عبد الله:
تفضل يا سيدي.
يعرب بن قحطان:
السلام عليكم.
ماهر عبد الله:
وعليكم السلام.
يعرب بن قحطان:
تحياتنا للدكتور القرضاوي.
د. يوسف القرضاوي:
حياك الله يا أخي.
يعرب بن قحطان:
حمد الله على السلامة.
د. يوسف القرضاوي:
سلمك الله، وبارك فيك.
يعرب بن قحطان:
مر حين من الدهر لم نركَ، وقد اشتقنا إليك.
د. يوسف القرضاوي:
شكر الله لك.
يعرب بن قحطان:
ونحن نحبك في الله.
د. يوسف القرضاوي:
جزاك الله خيرًا.
يعرب بن قحطان:
أدامك الله زخرًا وعزًّا للإسلام والعروبة شيخنا اسمح لي أن أدلي بدلائي في هذا الموضوع المكرر، وسبق وأن انتقدت تعريف الأخ (الجابري) في هذا الموضوع ولي مقالات في العقلانية في الإسلام والعقلانية الدينية والسياسية إن أزمة الفكر العربي مازالت قائمة بين ناقض ومنقوض (بالضاد) وبين مهاجم ومدافع، وبين سلفي ومجدد، وبين العقلاني والطوباوي، وكثرت الندوات حول تيارات الفكر المعاصر، أختصر العقلانية ليست مدرسة فكرية جديدة نستقيها من روح العصر نقلدها كموضة، وليست عودة إلى موائد المعتزلة ودعاة العقل لمآرب لا يعنينا أمرها الآن، إنما هي توجه فكري ينتهج الخطاب العقلاني، ويعتمد أدواته أي اعتماد العقل أولاً وإعماله في معرفة الطبيعة والمعطيات والظواهر التماسًا لاكتشافها ومعرفة خصائصها الموضوعية وصفاتها الفيزيائية والمنطقية، أما العقلانية المعاصرة العلمية والعلمانية–بفتح العين- العلمية لا تضيرنا، خطاب علمي، طريقة أسلوب عملي، طريقة في التفكير العلمي، شيء جيد، أما العلمانية فخلاصتها عند (بول فيفرييه) أو (جول فيفياني) "قتلنا الله الذي في السماء وما زلنا نطارده على الأرض حتى لا يبقى رجل يقول ربي الله" وبعد مائة وخمسين جاء (كارل ماركس) ليأخذ منها الدين أفيون الشعوب، وقد انتهجها منهجًا (هتلر) و(بلياتو موسوليني) و(مصطفى كمال أتاتورك) وكثير من العلمانيين العرب لفصل الدين عن الدولة، وكان آخر ضحية لها العلامة
(نجم الدين أربكان) وتحياتنا له.
ماهر عبد الله:
مشكور يا سيدي، طيب يا سيدي مشكور جدًّا على هذه المداخلة، وستسمع من الشيخ بإذن الله تعليقًا، معي الأخ هشام، أرجو أن يكون الأخ هشام مختصرًا تفضل أخ هشام.
هشام إبراهيم:
السلام عليكم.
ماهر عبد الله ود. يوسف القرضاوي:
عليكم السلام ورحمة الله.
هشام إبراهيم:
تحية للشيخ الدكتور القرضاوي ولك يا أخي ماهر، وشكرًا على اختيار هذا الموضوع المهم.
ماهر عبد الله:
حياك الله يا سيدي.
هشام إبراهيم:
عندي مداخلة وسؤال إذا سمحتم.
ماهر عبد الله:
تفضل.
هشام إبراهيم:
أبدأ بالتأكيد على ما ذكر الشيخ بأن الإسلام يؤكد على التكامل بين صحيح النقل وصريح العقل، وبأن الإشكالات غالبًا تأتي من تبني ما هو ليس بصحيح من النقل، أو ما هو ليس بقطعي وصريح من العقل، وفي هذا السياق أذكر بعض النصوص الإسلامية للتأكيد على هذا التكامل، يقول الحق تعالى (فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله، وأولئك هم أولو الألباب) ويقول الرسول صلى الله عليه وآله: (العقل ما عبد به الرحمن) ويقول الإمام علي (فبعث إليهم رسله، بعث إليهم أنبياءه ليستهدوهم ميثاق فطرته ويذكروهم منسي نعمته، ويحتج عليهم بالتبليغ ويثير لهم دفائن العقول) ويقول الإمام جعفر بن محمد الصادق: إن لله على الخلق حجتين حجة ظاهرة وهم الأنبياء والرسل والأئمة، وحجة باطنة وهي العقول.
والحقيقة التدبر في القرآن والسنة يرشد إلى أن الإنسان العاقل يحتاج إلى الوحي من أجل نقاط ثلاثة أذكرها بشكل سريع، فهم تفاصيل مهمة الخلافة الإلهية والنقطة الثانية فهم تفاصيل عالم الغيب وخاصة ارتباط عالم الآخرة بما يقوم به الإنسان في هذه الحياة، وكذلك مساعدة الإنسان العاقل في بناء نظام اجتماعي لرفع الاختلاف بين الأفراد والمجتمعات وتحقيق المجتمع الذي..
ماهر عبد الله(مقاطعًا):
أخ هشام ممكن أطلب منك السؤال أخ هشام، ممكن أطلب منك السؤال لو سمحت؟
هشام إبراهيم:
نعم، السؤال الحقيقة إذا ممكن من الشيخ أن يفصل في النقطة الثالثة ألا وهي دوام دور العقل فيما يتعلق بتبني آليات تساعد على تطبيق النصوص الصحيحة اللي تستجيب لمتغيرات في حياة المجتمعات، وكذلك تبني التشريعات اللي ما فيها نصوص صريحة تستجيب أيضًا للمتغيرات وتطورات الحياة في المجتمعات وشكرًا.
ماهر عبد الله:
مشكور جدًّا يا أخ هشام، مشكور جدًّا، أنا أعتقد لو ابتدأنا بهذا السؤال، كونه خاتم وله علاقة بسؤال الأخ عبد الله القادري أيضًا، إلى أي مدى يمكن لنا أن نتبنى آليات، وكان يقول إن الأصل من الوحي هو فهم مفهوم الخلافة للإنسان على الأرض، فهم الغيب وتفصيلاته فيما بعد وتأسيس، أو تأسيس لنظام اجتماعي، إلى أي مدى يمكن للعقل أن يتدخل خصوصًا فيما لا نص فيه كما ذكر في آخر سؤاله؟
د. يوسف القرضاوي:
مجال العقل فيما لا نص فيه مجال واسع جدًّا أولاً أمام العقل هذا الكون بأرضه وسمائه وعلويه وسفليه وجماداته ونباتاته وحيواناته وأفلاكه، العقل يسبح في هذا الكون وآيات القرآن تدعوه إلى التأمل في هذا الكون والتدبر فيه، وتعتبر هذه آيات لقوم يعقلون، ولقوم يتفكرون، والإنسان لا يتسع الوقت لذكر بعض النماذج من الآيات القرآن التي تدعو إلى هذا، فده من ناحية، ومن ناحية أخرى إنه العقل كما قلنا مهمته إنه يأخذ، يقتبس.. الحكمة ضالة المؤمن أنَّا وجدها فهو أحق الناس بها، حتى من حقه أن يأخذ من الآخرين، لا مانع من.. أنت يمكن تذكر إن إحنا عملنا حلقة اسمها الثقافة بين الانفتاح والانغلاق، ثقافتنا ليست منغلقة، النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبو هريرة عن الشيطان: صدقك وهو كذوب، خذ منه يعني هذه النصيحة التي.. وهو شيطان، وكما قال
(معاذ بن جبل) إن المنافق قد يقول كلمة الحق، فنحن علينا أن نستفيد حتى من خصومنا، نأخذ منهم كل ما ينفعنا، لا حَجْر علينا في هذا، وقد رأينا الصحابة أخذوا من الفرس، وأخذوا من الروم نظام تدوين الدواوين، نظام الخراج، نظام.. هذه الأشياء، ولم يجدوا في ذلك حرجًا فاستخدام العقل في تطوير الحياة وجعل الحياة أفضل وأحسن هذا ما يأمرنا به الإسلام، والنبي عليه الصلاة والسلام قال (من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة) سن سنة حسنة، يعني ابتكر، ابتكر تقليدًا جديدًا شيئًا جديدًا، ولذلك سيدنا عمر له أشياء اسمها أوليات عمر، يعني حاجات عملها وما كنش عملها اللي من قبله، أوليات ولذلك الإسلام لا يضيق بكل جديد كما يزعم بعض الناس يقول لك: دا الإسلام بيقول كله بدعة، بدعة في الدين، إنما في الدنيا لأ، بالعكس الإنسان يريد الابتداع في الدنيا والاتباع في الدين، وهكذا كان المسلمون في عصور الازدهار لما تأخر المسلون بالعكس جمدوا الدنيا، وابتدعوا في الدين على عكس ما.. فالإسلام يتيح لنا..
ماهر عبد الله(مقاطعًا):
في النقطة الجزئية اللي سألها الأخ عبد الله القادري، في حال إنه في قانون، في حالة حادة قانون لا يتعارض مع الشريعة لكنه قانون وضعي، هل يُؤخذ به؟
د. يوسف القرضاوي:
هذا نأخذ القوانين لو وجدنا قانونًا، افرض إحنا بنعمل، السلف ما كانش عندهم سيارات، فما كانش عندهم قوانين للسير والمرور، إحنا الآن بقى فيه مركبات حديدية وأشياء فأصبحنا في حاجة إلى أن نأخذ قوانين المرور، هذا آخذه من أي.. وأحيانًا أنا أقرأ بعض القوانين اللي صدرت هنا في قطر، قرأت مرة قانون فيه 64 مادة، لا يتصل من الشريعة فيه إلا مادتان تتصلان بالشريعة، والباقي كلها تدخل فيما سماه الفقهاء المصالح المرسلة أو سد الذرائع، فهذه المصالح ما دامت لا تتعارض مع قاعدة شرعية، ولا مع نصوص شرعية نأخذ بها، كل ما نريده من هذه القوانين إنها تُؤصل تأصيلاً شرعيًّا، يعني هو واحد بيقول لي طب ما أنا آخذ القانون الفرنساوي أو القانون البلجيكي أو.. آخذ منه، ولكن لما آجي أصدر القانون أقول بناءً على أن الله سبحانه وتعالى أمرنا بأن كذا وأن الرسول قال لنا كذا، وأن فقهاء الأمة قالوا كذا، وإن مالا نص فيه لنا حق الاجتهاد فيه ولنا أن نأخذ من غيرنا، والحكمة ضالة المؤمن، نؤصله تأصيلاً شرعيًّا لأن القانون بالنسبة للمسلم بيتعبد به، ويعتبر طاعته عبادة لله عز وجل، فلازم أصله هذه الوصلة التي تجعله إسلاميًّا، إنما لا مانع أبدًا أن تأخذ القوانين وكل الأنظمة المفيدة، إذا وجدنا نظامًا لحفظ الصحة، أو نظامًا لتوزيع البريد، أو نظامًا لأشياء اللي زي كده نأخذه، ونرحب به، وهذا ما يأمرنا به الإسلام.
ماهر عبد الله:
سؤال الأخ عبد الله حسن، أنا على يقين إن فيه بينكم اتفاق فيما يتعلق بحدود العلم والكتاب الذي أشار إليه، لكن هل تتفق معه في الملاحظة التي وصل إليها أن العالم الغربي الآن وصل إلى درجة بدأ يشعر فيها أن ثمة فقدان للثقة بالعلم والعقل، وبالتالي قد تكون هناك عودة؟
د. يوسف القرضاوي:
نعم، الأخ الدكتور عبد الله حسن هو أستاذ فلسفة ومعني بهذا الأمر وله مؤلفات أنا عرفته من صوته، وهو معني بهذا الأمر وكلامه صحيح، إنه الآن العقل الغربي كلما ارتقى عرف أن للعقل حدودًا، وإن فيه أشياء لا يمكن للعقل أن يصل إليها وهذا ما ذكرته أنا في كتابي الإيمان والحياة ونقلت عن بعض الغربيين خصوصًا من كتاب (الله يتجلى في عصر العلم) ذكر بعضهم إنه في الأشياء اللي كنا بنعتبرها في وقت من الأوقات حقائق قطعية أصبحت الآن بنعتبرها ظنيات، أو بعضنا يعتبرها خرافات، الآن مثلاً عملية المادة والطاقة، وما الفرق بين المادة والطاقة، وتحول المادة إلى طاقة، وهذه الأشياء قربت المسائل الروحانية والمسائل الغيبية إلى الناس، وكما ذكرت أنا في قضية العَرَض والعمل ينـتهي بمجرد عمله، هذه كلها أفادنا بها العلم الحديث، فالمفروض إن إحنا نستفيد من آخر ما انتهى إليه هذا العلم.
ماهر عبد الله:
عندي فاكس من الأخ شريف أحمد من الكويت، الوحي عندنا آيات وأحاديث هو يقول إن الآيات المتعلقة بالرسول صلى الله عليه وسلم وطاعته كانت موجهة للناس في زمانه من حيث أنه كان قائدهم الفردي، أما بالنسبة لباقي الأزمنة فالمقصود هو اتباع ما نزل عليه من آيات بينات فقط، يعني هل إلزامية الحديث كنص؟
د. يوسف القرضاوي:
هذا لا يعني، لم يقل، ما معنى أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، يعني هل هذه الآية يريد أن يجعلها-ومثلها آيات كثيرة في القرآن الكريم- يجعلها خاصة بزمن الرسول؟ هل يقول أحد إن آيات القرآن كانت خاصة بزمن ثم انتهى زمانها هذا؟ القرآن ده يُخاطب به الناس في كل زمان ومكان، ما خوطب الناس به في زمن الرسالة وفي زمن الصحابة وفي زمن الأمويين والعباسيين وإلى اليوم، وإلى أن يشاء الله بعد خمسين قرن أو مائة قرن القرآن هو هو، لأنه خطاب الله، فإذا نحن أُمرنا بطاعة الله وطاعة الرسول، فطاعة الرسول يجب أن تظل.. والعلماء قالوا في قوله تعالى (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) أجمعوا أن الرد إلى الله تعالى هو رد إلى كتابه، والرد إلى الرسول الرد إلى سنته، الرد إليه في حياته لما كان حي، بعد أن مات الرد إلى سنته، الناس قالوا حتى الأفكار لا تموت بموت أصحابها، فالوحي لا يموت بموت صاحبه هذا مستمر، والسنة وحي غير متلو، والقرآن وحي متلو، والنبي صلى الله عليه وسلم قال (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه) ليس مثله في المنزلة والقدر، ولكن في أنه وحي من الله تبارك وتعالى إلا ما ثبت أنه عن اجتهاد من الرسول عليه الصلاة والسلام.
ماهر عبد الله:
هو هذا كان سؤال الأخ الثاني، كيف نميز–إذا أردنا أن نسلم بالمطلق- بين ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وحيًا قاطعًا وبين ما كان منه اجتهادًا –صلى الله عليه وسلم؟
د. يوسف القرضاوي:
هو حتى ما كان منه اجتهادًا–عليه الصلاة والسلام- إذا اجتهد في شيء، وسكت عليه الوحي ولم يصوبه كان هذا أصبح وحيًا، يسميه العلماء الوحي الباطن، لأن الله–سبحانه وتعالى- لا يقره على خطأ، ولا يتركه على باطل، وجدنا أنه عندما اجتهد في بعض الأمور، وكان فيها مجانبًا للصواب أو للأصوب يأتي القرآن وصحح له (عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا) (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض) (وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه) يعني هذا دليل على أن هذا القرآن كلام الله، السيدة عائشة تقول: من زعم أن محمدًا قد كتم آيات من كتاب ربه فقد خان الرسالة، لو كان كاتمًا لكتم هذه الآيات التي فيها عتاب له على أشياء، فهذا دليل على أن الله لا يتركه إذا أخطأ في اجتهاد، حتى الأشياء التي اجتهد فيها.
إنما فيه أشياء ليست من أمور الدين وهذه نعرفها بالقرائن المختلفة، هذه مثل ما قال لهم: أبروا النخل، اتركوا تأبير النخل، وبعدين لما تركوه، ففسد النخل ولم يثمر الثمر المرجو، فما سألهم: إيه اللي حصل؟ قالوا: أنت قلت لنا يا رسول الله، قال لهم: إنما ظننت ظنًا فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن ما قلت: قال الله، فلن أكذب على الله، أنتم أعلم بأمر دنياكم.
ماهر عبد الله:
طيب سنعود لنواصل هذا الحوار بعد هذا الفاصل.
(موجز الأخبار)
ماهر عبد الله:
عندي فاكس من الأخ أبو أحمد العبادي من السويد، هو يحتج على أننا ننسب كل ما نرى من تقدم علمي في الغرب والشرق للعقل وحده، ويقول أنه لابد من أن يكون هناك إلهام إلهي يقف وراء هذا التقدم، فالعقل وحده لا يستطيع أن يفعل كل هذه الأمور وحده، لك تعليق على هذا.
د. يوسف القرضاوي:
أنا–يعني- معه في بعض كلامه وليس في كله، العقل هو الذي يصنع الحضارات ولكن بمساعدة الإيمان يعني لابد أن يكون عند الإنسان قدر من الإيمان الديني يدفعه، ويهون عليه المصاعب، ولذلك بناة الحضارة الغربية الأوائل هم كانوا أناس متدينين، حتى قال بعض الفلاسفة، الفيلسوف المشهور (كارلين) يقول: نحن نعيش على ظل الظل، فعلى أي شيء يعيش من بعدنا؟
يعني يقول: الأولين كانوا يعيشون في ظل الإيمان، ونحن نعيش على ظل هذا الظل، فهو يخشى على الذين يأتون في المستقبل إنه إذا فقد الإيمان، فالإيمان مع العقل ومع العلم هو الذي يستطيع أن يشد من أزر الإنسان حتى يحقق هذه الأشياء الكبيرة.
ماهر عبد الله:
الأخ عز الدين من ألمانيا بيسألك كونك ذكرت أن الاستدلال على وجود الله مسألة عقلية أولاً وسابقة على الإيمان، سؤاله عن سيدنا إبراهيم عليه السلام، هل تعرف على ربه بعقله قبل أن يأتيه الوحي؟
د. يوسف القرضاوي:
آه طبعًا، أمال ربنا هيبعث إليه وحيًا وهو غير مؤمن به؟! يجب أن يكون مؤمن به، مؤمن به عن طريق الفطرة وعن طريق التأمل، وربما الآيات التي جاءت في سورة الأنعام ممكن أن يُؤخذ منها أنه ظل يتدرج حتى وصل، وقال (إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين) فالإنسان يستطيع أن يصل إلى الله بطريق عقله.
ماهر عبد الله:
طب، لو أن جوهر موضوعنا، فضيلتكم ذكرتم أن غالبية أحكام الشريعة معللة على الأقل فيما هو خارج إطار العبادات، وتحدثنا الآن مطولاً في الحض على استخدام العقل واحترامه، لماذا يتأخر الفكر الإسلامي دائمًا؟ على الأقل في مرحلتنا المعاصرة هذه، ونحن نشهد ضعف في حال الصحوة الإسلامية لماذا التأخر عند كثير من علماء الإسلام في استيعاب متغيرات الحضارة والعصر؟ لدرجة أنه أكثر ما يتهمنا به العلمانيون أنكم لا تواكبون العصر، كيف تفسر هذه الظاهرة تأخرنا؟
د. يوسف القرضاوي:
هو تأخرنا، إحنا لم نتأخر في هذا الجانب وحده، حينما كنا متقدمين وكنا سادة العالم كنا متقدمين في الفقه والاجتهاد، متقدمين في الأدب والبلاغة، ومتقدمين في الصناعة، ومتقدمين في الفلسفة، ومتقدمين في العلوم، الطب والكيمياء والفيزياء والفلك وهذه الأشياء، لما كنا سادة الدنيا كنا متفوقين في هذه المجالات كلها، لما حدث التخلف والركود والتراجع، تراجعنا في هذه المجالات كلها ومنها الفقه، لا يمكن أن يبقى الفقه وحده قويًّا ونحن ضعفاء في كل النواحي الأخرى فلما بدأت النهضة، يعني وبدأت الأمة تحيا من جديد، وتحاول أن تتفادى هذا الأمر، بدأ هناك نهضة عقلية وفقهية واجتهادية، وبدأنا نرى رجالاً كبارًا من علماء الشرع المحدثين من أمثال الشيخ شلتوت والشيخ محمد أبو زهرة والشيخ الخفيف والشيخ الغزالي والشيخ مصطفى الزرقا والكثيرين والشيخ ابن عاشور الشيخ .. يعني رجال لهم وزنهم، فبدأ هؤلاء يظهرون، فهذا متصل بالأمة نفسها عندما تبدأ الأمة تحيا، تحيا كل الجوانب فيها ومنها الجانب الفقهي.
ماهر عبد الله:
طيب، معي مكالمتين أرجو أن تكونا الأخيرتين، الأخ واصف هلال من الإمارات تفضل.
واصف هلال:
السلام عليكم، أولاً أهنئ نفسي أولاً وأهنئ جميع الإخوة المشاهدين ثانيًا لهذه القناة من محبي الشيخ يوسف–حفظه الله- على عودته وإطلالته من جديد من خلال هذه القناة، عندي مداخلة وسؤال وملاحظة بشكل موجز، كلنا يعلم أن الدين له مجالات والعقل له مجالات، فالدين مجالاته القوانين التي تحكم العلاقات الإنسانية والعبادات التي تصل الخالق بالمخلوق.
والعقل له مجالات يعمل بها مثل الكون المفتوح من حيث الطبيعة وشئون الحياة وصناعاتها واستنباط الأحكام التي لم يأتِ بها نص كما تفضل شيخنا، وكما قال الشيخ الإمام الغزالي، محمد الغزالي –رحمه الله- هنالك كتابين اثنين كتاب الله المفتوح بين دفتي المصحف، وكتاب الله المشاهَد في هذا الكون بما فيه، ولا تناقض ما بين هذين الكتابين في الإسلام، كما وقع في الأديان السابقة حيث وقع التصادم المضحك بين الدين والعقل، وما بين الوحي والوجود.
سؤالي لفضيلة شيخنا–حفظه الله- بعض المتكلمين قديمًا–كالمعتزلة مثلاً- جعل العقل هو الأساس في كل شيء، فالحسن ما حسنه العقل، والقبيح ما قبحه العقل، وبعضهم كأهل السنة أو أهل الحديث جعل النص هو الأساس في كل شيء ولا شيء سواه.
فما هو الموقف السليم بين هذين الموقفين، حفظكم الله؟
ملاحظتي، أتمنى عليكم يا أخي، عند الإعلان عن هذه الحلقات الطيبة تحديد موضوع الحلقة ليتسنى لنا إعداد ما يمكن والسلام عليكم.
ماهر عبد الله:
طيب، مشكور، الملاحظة الأخيرة لاعتبارات فنية صرفة، نحن في العادة نفعل هذا لانشغال عنها في اللحظات الأخيرة.
معي الأخ–أرجو أن يكون هذه المكالمة الأخيرة- الأخ فاروق الخفش من الإمارات، وأرجو أن تكون مختصرًا يا أخ فاروق، لأنا شارفنا على الانتهاء تفضل.
فاروق الخفش:
يعطيكم العافية، ونشكركم على برامجكم اللي بتخاطب العقل دائمًا ما بتخاطب الغريزة، وأشكر الشيخ القرضاوي، أنا حبيت أعلق على موضوع العلمانية وفصل الدين عن الدولة.
إن مكتشفات العلم الحديث أصبحت لا تتطابق مع التفسير التوراتي للكون ونظرًا لجمود شريعة موسى.
د. يوسف القرضاوي:
والله عَلِّ صوتك شوية يا أخي مش سامعك.
فاروق الخفش:
ونظرًا لجمود شريعة موسى وطرح التوراة والإنجيل كان مرحليًّا، وشريعة موسى وعيسى كانت زمانية مكانية، حدية، فكانت هذه المطالبة بدرة وتنسجم مع فطرة الإنسان إذا تم في نهاية الأمر فصل الدين عن الدولة، حيث أن الديانتين المسيحية واليهودية أصبحتا في المعابد فقط، وكان الابتعاد عنهما ينسجم مع فطرة الإنسان الحنيفية، هذا هو السبب الأساسي في فصل الدين عن الدولة، أما بالنسبة للدين الإسلامي فهو دين حنيفي منسجم مع الفطرة الإنسانية، يعتمد على التشريع الإنساني ضمن حدود الله، وعلى البينات المادية وإجماع أكثرية الناس على التشريع، لو إحنا حاولنا فصل الدين عن الدولة من وجهة النظر الإسلامية، إذا أردنا فصل الدين الحق عن الدولة فهذا يعني أن الدولة غير معنية بالبحث العلمي..
ماهر عبد الله(مقاطعًا):
أخ فاروق اسمح لي بس بالمقاطعة يعني، أنا صبرت عليك ظننت أنك ستدخل في موضوعنا هذه الليلة، موضوعنا اليوم ليس بالضرورة فصل الدين عن الدولة.
فاروق الخفش:
أنا حبيت أعلق على الموضوع، بس أنا حبيت أطلب من الشيخ القرضاوي هو يشرح لنا الفرق بين النبوة والرسالة وبالتالي الفرق بين القرآن وأم الكتاب، لأنه لما نعرف الفرق اللي هي العبادات والقرآن، بنعرف إن هذا شيء عقلاني، وهذا شيء يجب أن.. عبادات ثابتة ومحددة.
ماهر عبد الله:
مشكور جدًّا يا أخ فاروق، لو عدنا يا مولانا لسؤال الأخ واصف، معتزلة عقلانيون يقولون العقل هو الأساس، أهل سنة وأهل حديث يقولون النص هو الأساس.
هو يريد-باعتقادك- ما هو الموقف السليم بين هذين؟
د. يوسف القرضاوي:
أشكر الأخ واصف أولاً على مقدمته، وأقول إنه ليس بين أهل السنة والمعتزلة هذا الفارق الكبير الذي يجعلهما متناقضين، لأني كما قلت لك كلام الغزالي وغيره أن العقل يقولون إن العقل أساس النقل، هذا ما يقوله، ولكن إلى مرحلة معينة ثم يعزل العقل نفسه المعتزلة يقولون: الحسن ما حسنه العقل، والقبيح ما قبحه العقل، بالعكس قرر علماء المسلمين، ومنهم شارح كتاب (مسلم الثبوت في أصول الفقه) أن المسلمين جميعًا سنيين ومعتزلين يقولون إن الحاكم هو الله في علم أصول الفقه، مبحث كده اسمه مبحث الحكم، ما هو الحكم؟ وما المحكوم به؟ وما المحكوم عليه؟ ومن الحاكم؟
فقال في هذه إن الحاكم وده قرره الإمام الغزالي في المستصفى، الحاكم هو الله حتى النبي ليس حاكمًا، مبلغ عن الحاكم، والإمام حينما يحكم للناس أو القاضي حينما يحكم إنما ينفذ حكم الله، الحاكم الوحيد هو الذي له حق الأمر والتحليل والتحريم هو الله عز وجل وقال: على هذا اتفق المعتزلة وأهل السنة، ولذلك المعتزلة–بقولك- إن بعض المعتزلة لا يجيز القياس، ويقولك لأن النص هو.. ولهم كتب في الأصول، كتاب (المعتمد) لأبي الحسين البصري، هم مع أهل السنة.
ماهر عبد الله:
في هذا المذهب.
د. يوسف القرضاوي:
في القرآن والسنة وكذا، ولكن هم يُعملون العقل أكثر خصوصًا في بعض الأشياء المعنية أكثرها في العقائد، لا في الشرعيات العمليات، هم في العمليات معظمهم حنفية المذهب.
ماهر عبد الله:
طيب يا أستاذ–يعني- محورنا الأخير فيما تبقى من خمسة ستة دقائق، هل نحن فقط نحترم العقل أم أن مجمل ما تفضلتم بذكره من آيات وأحاديث في كتاب الله وسنة رسوله ستؤدي بنا–لو تدبرناها جيدًا- إلى تشكيل عقل مسلم عقلاني؟
يعني هل هنا..
د. يوسف القرضاوي:
هذا الكلام في غاية الأهمية في الحقيقة، وهو من أهم ما صنعه القرآن الكريم خاصة والإسلام عامة، هو إنه عمل جاهدًا على تكوين العقلية العملية المسلمة.
هناك عقلية عامية، عقلية خرافية تقبل كل ما يقال لها، وتصدق الأوهام والأباطيل ولا تطالب، ولا تمتحن المعلومات، ولا تختبر الأشياء، العقلية التي يريدها الإسلام والتي ويقررها القرآن غير هذا.
هي تقوم–أولاً- على احترام العقل نفسه، بعض الناس الباحثين قرأت لبعضهم يقول القرآن ذكر–يعني- مشتقات العقل ولم يقل العقل كملكة وجوهر، يعني ذكر كلمة يعقلون أو تعقلون حوالي في صيغة الفعل المضارع ثمانية وأربعين مرة في القرآن، (أفلا تعقلون) (لقوم يعقلون) وهكذا النظر، التفكر، الكذا، القرآن لا يوجد كتاب في الدنيا مثل القرآن يستخدم مثل هذه الألفاظ، النظر، التفكير الاعتبار، الحجة، البرهان، الحكمة، يعقل، يتفكر.
لا يوجد إلا القرآن، وهذا كله يهيئ لنا إنه أولاً ينوه بالعقل، القرآن ذكر العقل كجوهر وملكة، بس لم يذكره باسمه كلمة عقل، سماه اللب، أولى الألباب ستة عشر مرة في القرآن الكريم، ذكر القرآن أولي الألباب (اتقونِ يا أولي الألباب) (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب) (إنما يتذكر أولو الألباب) يعني أولو الألباب أصحاب العقول، وكأنه يعني يشير إلى أن الإنسان لب وقشر، اللب هو ما يقابل القشر، فكأن جسم الإنسان هو قشر أو غلاف، واللب هو العقل، فينوه بأولي الألباب (فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب)
فنوه بهؤلاء، وبعدين حمل القرآن حملة شعواء على المقلدين والجمود والتقليد، وده –الجمود والتقليد- هو اللي وقف الرسالات، النبوات، والإصلاح والتجديد دائمًا (قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون) تقليد الآباء أو تقليد الكبراء والسادة (إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا) أو تقليد العامة كما جاء في الحديث (لا يكن أحدكم إمعة، يقول أنا مع الناس، إن أحسنوا أحسنت وإن أساءوا أسأت) هذه يريد للإنسان يفكر بعقله مش بعقول غيره، عقول الأموات، أحيانًا يقلد الذين ماتوا، أو عقول الكبراء أو الآباء، لأ، فهذه الحملة على التقليد، ثم من الناحية الأخرى القرآن ينكر اتباع الظنون والأهواء.
اتباع الظن في مقام تأسيس اليقين الحقائق اليقينية لا تقوم على الظن، ولذلك أنكر القرآن على المشركين (إن يتبعون إلا الظن، وإن الظن لا يغني من الحق شيئًا) وقال عن أهل الكتاب (وما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينًا) إلى آخره.. فالظن، أيضًا الهوى، لأن الهوى معناها إنك لست موضوعيًّا، لست حياديًّا تتبع العواطف، تتأثر بانفعالاتك النفسية، لأ، يقول (إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى) (ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدىً من الله) (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه فأضله الله على علم).
فالقرآن يريد من الإنسان إنه يكون موضوعي، يكون حيادي في محاولة..
وبعدين دعا القرآن إلى النظر والتفكر في آيات كثيرة (أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض، وما خلق الله من شيء) (أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها..) قل انظروا.. مش النظر البصري، النظر العقلي، التأمل استخدام الفكر (أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جِنة) (قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا) شوف–يعني- أن تقوموا لله يعني مخلصين في طلب الحقيقة، تجرد في طلب الحقيقة.. آدي معنى أن تقوموا لله مثنى وفرادى أي بعيدًا عن تأثير العقل الجمعي، لأن الناس يجامل بعضهم بعضًا، يحابوا بعضهم بعضًا، يخافوا بعضهم من بعض، فيقول لك: لأ، ابعد عن تأثير العقل الجمعي وإما تفكر أنت وصديق لك تأنس إليه..
ماهر عبد الله (مقاطعًا):
أو وحيدًا.
د. يوسف القرضاوي (مستأنفًا):
أو أنت لوحدك، مثنى وفرادى ثم تتفكروا، خصوصًا في قضايا مثل قضية النبوة فهذا، بعض السلف يقول: تفكر ساعة خير من إحياء ليلة، وبعضهم يقول: تفكر ساعة خير من عبادة سنة، التفكير والتأمل.
والقرآن جعل لنا مجالات للتفكر، التفكر في الكون، في خلق السماوات والأرض (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب (الذين يذكرن الله قيامًا وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت..)
التفكر في التاريخ.. (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم) إلى آخره.
التفكر في آيات الله الكونية، وآيات الله التنـزيلية (في الآفاق وفي أنفسهم) (وفي الأرض آيات للموقنين، وفي أنفسكم أفلا تبصرون)
الحقيقة أن ما جاء به القرآن في تكوين هذه العقلية العلمية التي تتمرد على الخرافات، وترفض الأوهام، وتتبع الحقائق، وتستخدم السمع والبصر والفؤاد اللي هي النوافذ لتطل على الكون (إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً) هو أنا أرى أن هذا أهم مما يذكره الكثيرون من الإشارات للإعجاز العلمي وهذه الأشياء تكوين هذه العقلية العلمية هي التي تصنع أمة مبصرة، وأمة لها قيمتها تتبوأ مكانتها تحت الشمس.
ماهر عبد الله:
دكتور يوسف أهلاً بك مجددًا، وشكرًا لك على هذه المشاركة.
أعزائي المشاهدين، إلى أن نلتقي في الأسبوع القادم تحية مني، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة