جون قرنق.. اتفاق السلام ماذا يعني؟   
الاثنين 1425/11/29 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:21 (مكة المكرمة)، 14:21 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

رأفت يحيى

ضيف الحلقة:

جون قرنق: زعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان

تاريخ الحلقة:

12/10/2003

- أهداف جون قرنق من تشكيل حركة تحرير السودان
- مدى إدراج البعد الديني في الحرب السودانية

- ملامح العقيدة الجديدة للجيش السوداني في ظل الترتيبات الأمنية

- حقيقة وجود خلافات في الجبهة الجنوبية

- طبيعة العلاقة بين قرنق والترابي

- طبيعة علاقة الحركة مع مصر والعالم العربي

- حقيقة العلاقة بين الحركة الشعبية وإسرائيل

رأفت يحيى: أعزائي المشاهدين، السلام عليكم.

ضيفنا في هذه الحلقة العقيد جون قرنق (زعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان)، الذي خاض حرباً دامت أكثر من عشرين عاماً مع الحكومات السودانية المتعاقبة خلال هذه الفترة، حرباً كان ضحاياها أكثر من مليون قتيل، وأكثر من أربعة مليون لاجئ داخل السودان وخارجها، فضلاً عن تعطل عملية التنمية في الكثير من مناطق السودان، وباتفاق قرنق مع الحكومة السودانية حول الترتيبات الأمنية والتحضير للاتفاق حول النقاط الخلافية المتعلقة بتقاسم السلطة والثروة يصبح الطريق في نظر البعض ممهداً لتحقيق سلام شامل في كل أنحاء السودان، غير أن آخرين يساورهم شك في أن تضع الحرب أوزارها، وأن ما يجري من وجهة نظرهم هو مجرد استراحة مقاتل أو بالأحرى التحضير لبناء دولة جديدة في جنوب السودان.

أشكرك دكتور قرنق أن أتحت لي فرصة لقائك هنا في رومبيك جنوب السودان، والحقيقة أنك تبدو أنيقاً جداً في زيك العسكري، ولكنك على وشك أن تصبح نائباً للرئيس السوداني، فمتى تتخلى عن هذا الزي العسكري وترتدي اللباس المدني؟

جون قرنق: هناك أشخاص في الحكومة الحالية من العسكريين، ووجود مقاتلين من الجانبين في فترة ما بعد الحرب لا يعني بالضرورة أن يكون هناك نزاع، اشتغلت سابقاً في الجيش السوداني برتبة عقيد، وذلك قبل الحرب ولست جديداً على هذا الجيش.

أهداف جون قرنق من تشكيل حركة تحرير السودان

رأفت يحيى: دعنا نتحدث عن المشكلة من بدايتها، اسم حركتك هو تحرير السودان، من أي شيء تريد تحرير السودان؟

جون قرنق: هي ما تعنيه بالضبط، فإذا ما أخذنا مثلاً الوضع هنا في رومبيك أو جنوب السودان، ومنذ أن خلق الله هذه الأرض لم تكن هناك طرق مرصوفة، والناس يعانون حيث يقطعون مسافات طويلة تصل أحياناً إلى خمسة أو عشرة كيلو مترات لجلب الماء، وإذا قمت بحفر بئر على مسافة تقل عن عشرة كيلو مترات ولو بنصف كيلو متر تكون قد خففت عن معاناة تلك المرأة التي تقطع عشرة كيلو مترات يومياً لجلب الماء وساهمت في تحريرها أيضاً، هناك سوء فهم لدى بعض الناس حين يتساءلون التحرر مِن مَن؟ والسؤال قد يكون بالأحرى التحرر من ماذا؟ هناك من يقول إن البلاد تحررت عام 1956، نحن لا نتفق مع ذلك، فهذا التحرير كان زائفاً، ولم يشمل كل السودانيين، نحن الآن نقوم بإشراك كل المواطنين السودانيين في عملية تحرير ثانية إذا شئت ذلك، أشركنا كل المواطنين في جنوب السودان وجبال النوبة، والفونج جنوب النيل الأزرق، والبيجا شرقي السودان بشكل لم يحصل سابقاً، حيث قرروا مصيرهم بأيديهم، وهناك الآن حركة في دارفور تطلق على نفسها حركة تحرير السودان، وتريد كذلك اتخاذ قرارات لصالح البلاد، ولذلك فبدلاً من أن تكون البلاد تحت سيطرة مجموعة قليلة من الأشخاص الذين يقررون كل شيء يجب أن يتم إشراك كل السودانيين في اتخاذ القرارات.

رأفت يحيى: إنك لديك تفسيراً يبدو فلسفياً أكثر لما تقصده بتحرير السودان، أنت تقصد بالتحرر -كما فهمت- معنىً آخر على مستوى كل السودان.

جون قرنق: لها معنى شامل ومتكامل، وهذا جانب منها، أي التحرر من المعاناة ومن مختلف القيود ضد الحرية والحياة وفيما يتعلق بطريقة الحكم فإن المعايير المتبعة في السودان مقيدة للحرية، السودان يتميز بالتنوع، التنوع في تاريخه الذي يرجع إلى ما قبل الميلاد، فمنذ مملكة الكوش إلى الوقت الراهن تجد أن ممالك ودولاً ظهرت واختفت لتشكل ما يسمى الآن بالسودان، أسمي ذلك التنوع التاريخي، واليوم لدينا نمطان من التنوع، هناك أولاً التنوع العرقي، حيث يوجد أكثر من خمسمائة مجموعة عرقية في السودان يتكلمون أكثر من مائة وثلاثين لغة مختلفة، وهناك في الجانب الثاني التنوع الديني، حيث يوجد المسلمون الذين يشكلون ما بين 60 و70% من السكان، والمسيحيون وآخرون لديهم ديانات إفريقية قديمة، أنا أسمي كل ذلك التنوع المعاصر، ويجب أن ينعكس التنوع التاريخي والتنوع المعاصر على أسلوب الحكم، لكن هذا لا ينطبق على السودان، ولم يكن الأمر كذلك منذ سنة 1956، نظام الحكم في السودان قام على الإسلام والعروبة، صحيح أن الإسلام عنصر أساسي في حياتنا في السودان، وصحيح أيضاً أن عدداً واسعاً من مواطنينا لديهم خلفية عربية، لكن هذه نصف الحقيقة، ولا تمثل كل السودان الذي يتميز بالتنوع الذي تكلمت عنه من قبل، وعليه من أجل سودان جديد ومتحرر يجب أن يقبل السودان بكل أبنائه على قدم المساواة، سواءً أكانوا من ذوي الأصول الإفريقية أو العربية أو كانوا مسيحيين أو مسلمين، لأنهم في المقام الأول سودانيون.

رأفت يحيى: أنت تريد تحرير السودان من الفقر، من الظلم، من عدم المساواة.

جون قرنق: من عدم التكافؤ والظلم.

رأفت يحيى: هناك تصريحات ذكرت فيها أن السودان مثل إسبانيا احتلها العرب قديماً، ويجب أن يحرر السودان الإفريقي من العرب أيضاً؟

جون قرنق: كلا، ليس هذا ضد أحد، ومن أجل الشعب السوداني نريد أن يقبل السودان ويشرك كل مواطنيه على اختلافهم، ولتحقيق السلم والاستقرار يجب علينا أن نقبل أنفسنا، لسنا ضد أحد، ولسنا ضد العرب أو المسلمين، فلدينا الكثير منهم في منظمتنا، ومنظمة النوبة مثلاً أغلبية أعضائها من المسلمين، وأغلبية سكان جنوب النيل الأزرق من المسلمين، في شرق السودان أغلبية أعضاء الحركة هناك من المسلمين أيضاً، هناك أفراد في منظمتنا كياسر عرمان ومنصور خالد هم مسلمون وذوو أصول عربية، إن الاتهام الذي يوجهه الناس لنا بأننا ضد العرب والمسلمين غير صحيح على الإطلاق، إذ ليس بإمكاننا ذلك، لأن المسلمين هم الأغلبية في بلادنا، وهذا ليس صحيحاً نريد سوداناً ينتمي إليه كل المواطنين على قدم المساواة.

مدى إدراج البعد الديني في الحرب السودانية

رأفت يحيى: رغم هذه الأسباب الرئيسة التي أشرت إليها إلا أن هناك بعض العناصر من الجانبين تريد أن تعطي هذه الحرب بعداً دينياً، مسلمين ومسيحيين من الجانبين، ليس فقط من الداخل وإنما من خارج السودان أيضاً.

جون قرنق: حسناً، إذا كانوا من خارج البلاد فلا يمكنني أن أتكلم عنهم، لأنهم سيفعلون ذلك بأنفسهم، لكن من داخل البلاد ومن وجهة نظرنا كحركة لم نقل أبداً إنها حرب دينية، بل على العكس تماماً فالطرف الآخر -أي الحكومة- هي التي كانت تقول دائماً إنها كذلك، بل إنها تحركت وأعلنت الجهاد ضدنا نحن سكان الجنوب وضد سكان جبال النوبة، وفي عام 1993 اجتمع علماء كردفان وأصدروا فتوى للجهاد ضد سكان جنوب السودان وجبال النوبة، وإذا ما فتحت جهاز التليفزيون في أم درمان، أو أي وسيلة إعلام أخرى ستجدها تدعو إلى الجهاد مراراً وتكراراً، إذن الطرف الحكومي هو من كان يؤكد على الجانب الديني للحرب، نحن لا ننفي وجود عناصر دينية للصراع، وهناك طبعاً دلالات دينية، لكن الحركة لم توجد ولم تؤسس ولم ترتكز على أبعاد دينية.

رأفت يحيى: ولكن هناك أطرافاً دينية في أوروبا وربما أميركا تروج لذلك البعد الديني في الصراع أيضاً.

جون قرنق: طبعاً، لدى بعض الأشخاص في أوروبا وأميركا مخاوف من ثلاثة أمور، الاضطهاد الديني في السودان، لأنه تم حرق بعض الكنائس، وتعرض المسيحيون هناك في الخرطوم مثلاً إلى الاضطهاد الديني، وتم اعتقال أشخاص في كاتدرائية هناك في عدة مناسبات، هناك أيضاً مخاوف بخصوص الحريات الدينية والعبودية وحقوق الإنسان في البلاد، وإن هذه الموجة أو الحركة هي حركة عالمية لا تقتصر على السودان فحسب، هناك أيضاً مخاوف عامة حول الديمقراطية والحريات الدينية وحقوق الإنسان في العالم كله، فالعالم أصبح قرية كونية.

ملامح العقيدة الجديدة للجيش السوداني في ظل الترتيبات الأمنية

رأفت يحيى: إذا تحدثنا عن اتفاق الترتيبات الأمنية التي توصلت إليها مع السيد علي عثمان طه فإن هناك نقطة مهمة تتعلق بعقيدة مشتركة تخص القوات التي سيجري تشكيلها من الجانبين، هل تعتقد أن هذه العقيدة المشتركة ستحل محل عقيدة سابقة قاتل بها كل من الشماليين والجنوبيين، العقيدة الدينية التي حكمت جانباً أساسياً في الصراع، النظر إلى الآخر على أنه كافر أو أنه مسلم يجب قتاله، أي عقيدة جديدة تقصدون من خلال هذا الاتفاق؟

جون قرنق: هذا سؤال جيد، لكل جيش في العالم عقيدته العسكرية التي يتخذها قاعدة في تدريبه وثقافته، ثقافة الجيش تقوم على هذه العقيدة، الجيش الحكومي يعتمد في عقيدته العسكرية على الجهاد ونشر الدين وحمايته، هذه هي عقيدتهم، أما عقيدتنا نحن في الجيش الشعبي لتحرير السودان فهي تعتمد على التحرر من أجل السودان الجديد، إذا كنا سنشكل وحدات منسجمة من هاتين العقيدتين المختلفتين فإن هذه الوحدات التي ستنصهر فيما بينها يجب أن تقوم على أساس قاعدة جديدة، لا هي بعقيدة الجهاد ونشر الدين وحمايته، ولا هي عقيدة التحرير من أجل سودان جديد، بل هي شيء مشترك، شيء جديد نسميه العقيدة المشتركة، بدل العقيدة الجديدة، لأن كلمة جديدة ربما ستبدو متشابهة أو مشابهة لتعبير السودان الجديد، أردنا شيئاً يجمعنا أكثر مما يفرقنا، وتوصلنا إلى حل وسط هو العقيدة المشتركة.

خلال السنة الأولى من الفترة الانتقالية سيجتمع الطرفان لتطوير هذه العقيدة، وستكون طبعاً عقيدة تمثل شيئاً جديداً، سوداناً جديداً فعلاً، نعم ستكون مختلفة لأنها لن تركز على خلافاتنا، بل ستبرز الأشياء المشتركة بيننا، وذلك سيؤدي إلى خلق جيش جديد، إذا اخترنا تنظيم استفتاء في حدود ست سنوات وصوَّت الجنوبيون للوحدة سيصبح لدينا جيش جديد يمثل فترة ما بعد الاستفتاء أو ما بعد وضع الفترة الانتقالية، إذن سيتم استخدام هذه العقيدة الجديدة أو العقيدة المشتركة خلال الفترة الانتقالية لتدريب الوحدات المنسجمة والجيش الشعبي لتحرير السودان والجيش الحكومي، وذلك حتى ينشأوا معاً خلال المرحلة الانتقالية بدل الانتظار حتى موعد الاستفتاء وتصويت الناس على الوحدة، لقد بدأنا فعلاً بتشكيل الجيش الجديد منذ الآن من خلال تدريب الجيوش الثلاثة، حيث سيكون هناك ثلاثة جيوش خلال الفترة الانتقالية، ستُدرب الوحدات المندمجة والجيش الشعبي لتحرير السودان والجيش الحكومي على هذه العقيدة الجديدة حتى إذا جاء موعد الاستفتاء ستكسب الوقت، وإذا صوَّت الناس على الوحدة سيكون سهلاً تشكيل جيش جديد ينتمي إلى المرحلة الجديدة.

[فاصل إعلاني]

رأفت يحيى: بعض المراقبين ينظرون إلى اتفاق الترتيبات الأمنية بتوجس ويرون فيه صعوبة لأن يطبق على الأرض؟

جون قرنق: طبعاً سيتم تطبيقه، ما ينص عليه الاتفاق الأمني هو أنه سيتم نشر الجيش الحكومي شمال خط الحدود بين الجنوب والشمال والجيش الشعبي لتحرير السودان جنوب الخط، لا يجب أن تكون هناك أي صعوبات، لكن بما أننا بلد واحد، فإننا سنمثل هذه الوحدة في الوحدات المندمجة، وكذلك في العقيدة المشتركة، لذلك سيبقى الجيش السوداني في الجنوب على شكل وحدات مندمجة، كما أن الجيش الشعبي لتحرير السودان سيكون في الشمال على شكل وحدات مندمجة كذلك، وهذا سيمثل وحدة البلاد وسيادتها، لذلك لا أرى أي صعوبات في تطبيق ترتيبات الاتفاق الأمني.

رأفت يحيى: بعض السودانيين يعتقدون أن قرنق كان لبقاً إلى حد بعيد في أن يحصد الكثير من المكاسب، ومع ذلك لا يزال بعض أنصاره داخل الحركة غير مرحبين باتفاق الترتيبات الأمنية.

جون قرنق: أولاً لم نحصل على الكثير من الحكومة، قد يبدو ذلك كذلك، ولكن لماذا؟ لأن الحكومة أخذت كل شيء، ولم تترك لنا شيئاً، ليس لنا إذن ما نقدمه إلى الحكومة، وهي التي تملك كل شيء، وعليها أن تعطيه، لذلك أفترض أن الحكومة أخذت 100 نقطة وأعطتنا نقطة واحدة، وهذا كثير لأنهم يملكون كل شيء، ليس صحيحاً إذن أننا أخذنا كل ما نريد من الحكومة، إنه اتفاق سياسي عادل.

فيما يخص الترتيبات الأمنية، فالاعتراف بكون الجيش الشعبي لتحرير السودان جزءاً من الجيش السوداني ضروري لإنهاء الحرب، وعليه فقد نالت الحكومة شيئاً، وهو أننا قبلنا إنهاء الحرب، وهذه نقطة إيجابية للشعب السوداني، والجيش الشعبي لتحرير السودان وللحكومة.

أما فيما يتعلق بالسودانيين في الجنوب، فلهم الحق في إبداء التشكك، لأنهم سبق وأن خُدِعُوا مرات عدة، فالزعيم الجنوبي السابق السيد (أبيل ألير) ألف كتاباً سماه "نقض المواثيق"، يحمل نفس المضامين، إذن لا ألوم الجنوبيين في كونهم متشككين، لأنهم سقطوا في كثير من المطبات في الماضي، ولا يريدون تكرار ذلك، لكننا واثقون أنه سيتم التعامل مع مخاوفنا بخصوص وجود جيشين خلال الفترة الانتقالية، وهذا يمنحنا الأمان ويحد من مخاوفنا، أما بالنسبة إلى الشماليين وجيش السودان فقد يساورهم الخوف من وجود جيشين، مما يؤدي إلى استقلال مبكر في الجنوب السوداني، وهذه مخاوف مشروعة كذلك، وسنحتاج إلى التعامل مع هذه المخاوف من خلال طمأنة الشماليين بدعوتهم إلى التعاون خلال الفترة الانتقالية، ووضع المعايير الضرورية التي ستضمن أن الوحدة ستكون جذابة.

رأفت يحيى: دعني أطرح عليك قضية أخرى، أن الدكتور قرنق سوف يعمل على بناء جنوب السودان خلال الفترة الانتقالية، والتي مدتها 6 سنوات، سيعمل على الحصول على الكثير من الدعم من الشمال، خاصة مع وجود البترول، وبالتالي فإنه خلال الفترة الانتقالية ستتشكل نواة دولة جديدة في الجنوب.

جون قرنق: من حق جنوب السودان أن يتطور من خلال موارده الخاصة، وموارد أخرى تأتي من الخارج، من الغرب ومن جامعة الدول العربية، فقد زرت الجامعة والتقيت بعمرو موسى للحديث معه حول الصندوق العربي لتنمية جنوب السودان، وأوجه نداءاً عبر قناة (الجزيرة) إلى العالم العربي للمساعدة في تنمية جنوب السودان، ولجعل الوحدة تبدو أكثر جاذبية أيضاً، وعليه فإذا طورنا جنوب السودان، سنطور بذلك الإنسان السوداني، لأن جنوب السودان يمثل ثلث سكان البلاد، إذا طوَّرت ثلث السكان الذي تم إهماله بالإضافة إلى النوبة والفونج جنوب النيل الأزرق، سيكون هناك رأيان، رأي يقول إنك تطور دولة جديدة، وآخر يقول إنك تطور الشعب السوداني والسودان، وذلك هو هدفنا، أي تطوير الشعب السوداني، وجعل أقاليم النوبة والفونج جزءاً ألا يتجزأ من الشعب السوداني، وهذه المخاوف في الحقيقة لا أساس لها.

رأفت يحيى: الآن وكما أشرت هناك بعض السودانيين في غرب السودان، وفي مناطق أخرى في البلاد يعانون مثل الجنوبيين، وهذا الاتفاق بين الحكومة والحركة الشعبية، سوف يشجع هذه الأطراف السودانية الأخرى أن ترفع السلاح في وجه الحكومة لأخذ حقوقها أيضاً بالقوة، إذا اقتضى الأمر.

جون قرنق: قد يشجع ذلك مجموعات أخرى لحمل السلاح ضد الحكومة، ومن أجل منع ذلك على الحكومة أن تبذل قصارى جهدها وتذهب إلى تلك المناطق في غرب السودان وشرقه لتنميتها، إن الإهمال والتهميش يدفعان الناس إلى التمرد، صَدَقت، الناس سيتمردون لو تم إهمالهم، لا يجب أن نتخوف من ذلك، يجب أن يكون في ذلك رسالة إلى الحكومة مفادها أنه إذا أرادت أن تمنع أشخاصاً آخرين من اقتفاء أثر الجنوب والجيش الشعبي لتحرير السودان، يجب على الحكومة أن تهيئ برامج لتنمية المناطق المهمشة في السودان، حتى تتجنب تمرداً آخر، لأنه إذا لم تتم تنمية هذه المناطق ستتمرد بصرف النظر عن وجود أو عدم وجود الجيش الشعبي لتحرير السودان، إنهم بشر، صحيح أن بعض المناطق في الشمال تعاني أكثر من الجنوب، ففي شرق السودان مثلاً حيث زرت البيجا، تعاني كثير من المناطق هناك من التخلف الشديد، هنا الوضع أحسن، فالأمطار تسقط والأراضي خضراء، أما هناك فالصحراء قاحلة، ويصعب العيش دون تدخلٍ من الحكومة التي لم تفعل شيئاً حتى في قبيلة الرشايدة، الناس يعانون الإهمال، حيث لا مدارس ولا ماء، وينتقل الناس بجمالهم من مكان إلى مكان، إنها مسؤولية الحكومة.

رأفت يحيى: قريباً جداً يتوقع أن يكون الدكتور قرنق نائباً للرئيس السوداني، فما هو تصورك لحل المشكلات السودانية التي أفرزت الحرب؟

جون قرنق: لم يتم الاتفاق بعد على قضية تقاسم السلطات، بما فيها الرئاسة، وهناك اقتراحات أحدها يقول إن منصب رئيس الجمهورية يجب أن يعطى للحركة الشعبية لتحرير السودان، الاقتراح الثاني وهو الذي تم طرحه من قبل الوسطاء في منظمة الإيجاد، وبعض المراقبين الاقتراح الخاص بالحركة الشعبية لتحرير السودان ينص على التناوب على منصب الرئيس، وتقسيم المرحلة الانتقالية إلى فترتين، تستغرق كل واحدة منهما ثلاث سنوات يتم خلالها التناوب على السلطة.

وبخصوص الجزء الأول من سؤالك ليس هناك اتفاق حول الرئاسة، أما ما يتعلق بدور الحركة الشعبية لتحرير السودان والجيش الشعبي لتحرير السودان في مرحلة ما بعد الحرب، فإننا سنركز أساساً على التنمية، والرفع من مستوى معيشة الناس، كتزويد منازلهم بالمياه، وإيجاد أسواق لمحاصيلهم فهذا ما سنركز عليه أساساً.

رأفت يحيى: ولكن الجنوب يشكل فقط 30%، كيف يمكن أن تتبادل السلطة مع الرئيس السوداني لمدة ثلاث سنوات؟ هل في ذلك عدل؟

جون قرنق: ألا تظن ذلك، نعم أرى إنه أمر عادل، هكذا تم إيقاف الحرب في بوروندي من خلال التناوب على السلطة، طبعاً بالنسبة للحركة الشعبية والجيش الشعبي وسكان جنوب السودان سيكون ذلك عادلاً، وأعتقد أن الأمر سيكون كذلك بالنسبة للشعب السوداني، وقد لا يكون ذلك عادلاً عند أولئك الذين اعتادوا على السلطة في الخرطوم، لكن هذا يعتبر حلاً نزيهاً عند عامة الناس في السودان.

رأفت يحيى: في هذه الحالة وأنت تتطلع لأن تكون رئيساً للسودان، هل أنت في هذه الحالة تمثل السودانيين الجنوبيين؟ أم كل الشعب السوداني؟

جون قرنق: كلاهما معاً، الحركة طبعاً انبثقت من جنوب السودان للتعبير عن مطالب سكان الجنوب، لكن هذه المطالب لا تنحصر في جنوب السودان، بل تهم كذلك بقية الشعب السوداني، ونحن لدينا رؤية للسودان الجديد ونمثل أفكاراً حول مستقبل السودان، وأيضاً مصالح الكثير من الناس، لأن النضال لا ينطلق من فراغ، ونحن نعبر عن هواجس ومطالب خاصة للناس، فسكان جنوب السودان ضحوا بأرواحهم حيث يجري الحديث عن حوالي مليون قتيل وأربعة ملايين من اللاجئين، ولا أعرف مدى صحة هذه الإحصائيات، لكن هناك الكثير من المعاناة التي تحملها سكان جنوب السودان، إننا نمثل الشعب السوداني من جنوب السودان وجبال النوبة والفونج جنوب النيل الأزرق إلى شرق السودان، ولدينا الكثير من الدعم في كل مناطق البلاد.. في الجامعات وحتى في أقصى الشمال، ففكرة السودان الجديد شعبية ورائجة جداً، إذن فنحن نمثل الأفكار والناس كذلك.

حقيقة وجود خلافات في الجبهة الجنوبية

رأفت يحيى: دعنا نتحدث عن الوضع في الجنوب، هناك حديث عن خلافات بين القبائل الجنوبية، بين الدنكا والنوير، الجنوب يبدو ليس جبهة موحدة أمام الحكومة، كيف ترى ذلك؟

جون قرنق: هذه ليست خلافات جوهرية كبيرة، ما هو الخلاف بين قبائل الدنكا والنوير؟ كلاهما يعاني الفقر والتهميش والقمع، ليس هناك إذن خلافات جوهرية، لكن زعماء القبيلتين يستغلون الاختلاف العرقي لخدمة أهدافهم الخاصة، كما أن الحكومة في الخرطوم تستغل هي الأخرى هذه الخلافات، لكن عندما يتم التوصل إلى اتفاق سلام وتسوية سياسية عادلة، وإذا ضمَّت الحكومة في جنوب السودان آخرين، لن يكون هناك خلافات جوهرية، سيكون هناك طبعاً خلافات سياسية مثل تلك التي توجد في أي بلد، لكن سنكون قادرين على حل تلك المشاكل.

رأفت يحيى: عندما نتحدث عن تقاسم الثروة، ما هي رؤيتك لحسم هذه القضية مع الحكومة؟

جون قرنق: نحن قدمنا موقفنا، ونعتقد أنه يجب تقسيم الثروة النفطية بالتساوي، وأن تحصل منطقة (بانتيو) على حصة عادلة من النقاط الموجود هناك، وكذلك الحكومة في جنوب السودان، يجب أن تحصل على حصتها، والباقي من العائدات يجب أن يذهب إلى كل الشعب السوداني، إننا نتحدث عن النسبة المئوية التي يجب أن يحصل عليها كل من المنطقة المنتجة للنفط وحكومة جنوب السودان وبقية الشعب، وسوف نتفاوض على هذا الأساس.

طبيعة العلاقة بين قرنق والترابي

رأفت يحيى: لو توضح لنا أي نوع من العلاقة تربطك بالدكتور الترابي، خاصة وإنكما تمثلان تياران متناقضان؟ الترابي يمثل توجهاً إسلامياً، فكراً أيديولوجياً إسلامياً؟

جون قرنق: الحكومة التي كنا بصدد التفاوض معها في نيباشا، كانت تحاربنا وكنا في حالة حرب معها، والدكتور حسن الترابي كان جزءاً من هذه الحكومة، وهم من نفس الحركة السياسية، وهذه حقائق على الأرض، هدفنا السعي لإقامة علاقاتٍ مع كل القوى السياسية في البلاد، مهما كانت ميولاتهم الأيديولوجية، لأننا في بلد واحد هو السودان، ويجب عليَّ أن أعمل مع الجميع، بصرف النظر عن قناعاتهم الأيديولوجية، لكي أستطيع التوصل إلى تسوية سلمية، وعليه فإن المحادثات التي أجريناها مع الدكتور حسن الترابي ومولانا محمد إسماعيل الميرغني وسعيد صادق المهدي في القاهرة، أسفرت عن إعلان القاهرة، وبذلت كل هذه الجهود من أجل إجماع وطني وإجماع حول السلام نفسه، عكس ما حصل في اتفاق أديس أبابا، الذي شاركت فيه القيادات فقط، نحن نريد إشراك جميع القوى السياسية السودانية في عملية السلام لنتوصل إلى إجماع وطني حول السلام نفسه.

طبيعة علاقة الحركة مع مصر والعالم العربي

رأفت يحيى: ما هي رؤيتك لطبيعة العلاقة التي تربط الحركة الشعبية بالعالم العربي؟ وخاصة بمصر التي يبدو أنها قلقة على مصادر المياه في الجنوب؟

جون قرنق: علاقتي الشخصية مع مصر جيدة جداً، وعلاقة الحركة مع مصر جيدة كذلك، لقد زرت مصر لأول مرة عام 97، ولدي علاقات واسعة مع الأوساط المثقفة والإعلام والعديد من المنظمات ومع الحكومة، ومنذ عام 97 تمكنَّا خلال ست سنوات من بناء علاقات وثيقة مع مصر، الحركة الشعبية لتحرير السودان والجيش الشعبي لتحرير السودان، وحكومة جنوب السودان لن يهددوا بأي حال من الأحوال مصالح مصر المائية، أنا شخصياً كتبت رسالة الدكتوراه في مشروع قناة (جونغلي)، ولا أعارض تلك القناة، بل فقط ناقشت التقسيم العادل لمزايا القناة، حتى يستفيد سكان منطقة القناة من المياه، إذن حتى قبل الحرب من خلال مساهماتي الشخصية في رسالة الدكتوراه، دعمت مشروع القناة.

فيما يخص مصر أنا دائماً أتحدث عن وادي النيل، والتفاعل التاريخي مع وادي النيل، ففي تاريخ مصر كان الجنوب دائماً هو سبب نجاة البلد، ووحدة مناطقها العليا والسفلي، وبالإمكان كذلك الآن أن يؤمن الجنوب خلاصاً لمصر، ولا يشكل تهديداً على الإطلاق، بل على العكس هو منفعة، وسنواصل العمل على تطوير هذه العلاقات.

وفيما يتعلق بالعالم العربي أنوي إقامة علاقات واتصالات واسعة مع بقية العالم العربي، من خلال جامعة الدول العربية، وأيضاً عبر علاقات ثنائية مع الدول العربية، لدينا علاقات تاريخية في جنوب السودان مع الكويت ولنا اتصالات جيدة مع الشيخ زايد، وسنواصل توطيد العلاقات مع العالم العربي.

حقيقة العلاقة بين الحركة الشعبية وإسرائيل

رأفت يحيى: هناك تقارير عديدة عن نشاط إسرائيلي واسع في جنوب السودان، سواء على مستوى دعم الحركة مادياً، أو تدريب عناصرها عسكرياً، إلى أي مدى هذه التقارير صحيحة؟

جون قرنق: حسنا إنه لأمر جيد أنك موجود هنا في رومبيك، ولم ترَ أي إسرائيلي هنا، كانت هناك أخبار أغلبها من ترويج بعض المشوِّشين، الذين يريدون تخويف السودانيين بالشمال، والعالم العربي من علاقات الجيش الشعبي لتحرير السودان مع مصر، لقد أُشيع كذلك أنني أنجزت دراستي الجامعية في إسرائيل، والحقيقة أنني لم أزر إسرائيل أبداً من قبل، إنها مجرد دعاية تسوقها حكومة الخرطوم لتقديمنا إلى العالم العربي في صورة سيئة، وعلى العكس فإن العديد من الدول العربية تقيم علاقات مع إسرائيل، إنها مجرد دعاية، ولم نتلقَ أي مساعدات من إسرائيل، ومصادر المخابرات العربية تستطيع أن تؤكد صحة ذلك بنفسها، مصر تملك جهاز مخابرات جيد، وبإمكانها أن تعلم ذلك بطريقتها الخاصة، وأنا متأكد أنهم سيكتشفون أن الحركة الشعبية لتحرير السودان والجيش الشعبي لتحرير السودان لم يتلقيا إطلاقاً أي مساعداتٍ من إسرائيل.

رأفت يحيى: Dr. Garang, Thank you so much to giving me this unique opportunity.

جون قرنق: You are welcome .

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة