الاتحاد المتوسطي.. المشروع الذي "ولد ميتا"   
الثلاثاء 21/7/1432 هـ - الموافق 21/6/2011 م (آخر تحديث) الساعة 12:08 (مكة المكرمة)، 9:08 (غرينتش)

"ولد ميتا" عمل لم يكن يوماً من بنات أفكاري، ولم أفكر يوماً في أن أول عمل وثائقي لي سيكون حلقة من حلقات برنامج "تحت المجهر" البرنامج الوثائقي السياسي الجاد، لكن هكذا شاءت الأقدار، إذ أطلعتني زميلتي في فريق "تحت المجهر" روان الضامن على أرشيف مقابلة مصورة لعمل لم يكتمل، وسألتني إذا كان من الممكن الاستفادة من هذه المواد التي تقبع في المكتبة دون فائدة حالية. 

اطلعت على التصوير وفرغت جميع المقابلات والصور، ووجدتها تتناول بزوايا عدة مشروع "الاتحاد من أجل المتوسط". ودرست الموضوع من كل جوانبه، وظل في ذهني سؤال رئيس لماذا جعل الرئيس الفرنسي (السابق) نيكولا ساركوزي من هذا المشروع دعامة لحملته السياسية لرئاسة فرنسا بدل أن يركز على برنامج سياسي يحل مشاكل الفرنسيين؟

لماذا كلما فركت أوروبا عينيها اتجهت جنوباً؟ لماذا المتوسط؟ ولماذا يدمج مرشح فرنسي من أصول يهودية أوروبية بين طروحات اليمين المتطرف الفرنسي المسكون بأحلام التفوق والهيمنة وتطلعات ابن مهاجر يفترض أن يكون كما أمثاله من أبناء الجيل الثالث والرابع يأملون في مساواة وتضامن وأخوة فرنسا؟

وهل من مستقبل لعلاقات ندية بين دول حكم علاقاتها على مر العصور منطق الصراع والهيمنة، فكان كلما تقوت غزت جيرانها؟ وهل بإمكان حوض مائي أن يظفَّر ما فرقته الديانات والسياسات والاستعمار؟ وقلت لنفسي لم لا؟ فمشروع طموح كهذا يمكن لبني جلدتي من سكان ضفاف المتوسط أن ينجح فالاتحاد الأوروبي جمع كل الأوروبيين على مصلحة سواء، خاصة أن كل التجمعات الإقليمية العربية والإسلامية في حالة احتضار حقيقي؟

لكن سؤالاً آخر بدأ يلح عليّ وأنا أقرأ وأبحث بنهم، يمكن نسيان الاحتلال والتنكيل والحروب والاعتذارات ولكن أين "إسرائيل" من كل هذا؟ كيف يمكن بناء فضاء متوسطي وبين ظهرانيه دولة محتلة يفترض أن تكون جزء من المنظومة تؤثر وتتأثر، وتكون طرفاً سياسياً واقتصادياً فاعلاً في نسيج هذا الحوض؟

فشددت الرحال نحو بروكسل عاصمة الاتحاد الأوروبي علني أجد فيها بعض الأجوبة عن بعض هذه التساؤلات، ورتبت هناك للقاء الدكتور بشارة خضر الباحث المتخصص في العلاقات العربية الأوروبية، والذي كتب باستفاضة حول الموضوع، وكان لقاؤه غنيا ومفيدا للحلقة.

حاولت التواصل مع العديد من سفارات الدول العربية المطلة على الحوض، ولكنها استمعت إلي دون تحديد موعد وظل السؤال بدون جواب إلى حين كتابة هذه السطور باستثناء سفارتي "تركيا وإسرائيل" التي رحبت كلتاهما وحددتا موعداً تم تصوير مقابلتين معهما.

انطلقت صحبة مصور روسي ومهندس صوت بلجيكي نحو مبنى السفارة الإسرائيلية، وكانت المرة الأولى في حياتي أدخل فيها مكاناً تابعاً للكيان الصهيوني، بل أول مرة أتعامل فيها مع إسرائيليين في حياتي وأنا أعرف أنهم يعرفون نفسهم "إسرائيليين"!

قرعنا جرس البوابة الحديدية لنخضع لتفتيش أولي في المدخل الأول مع معداتنا، ثم نحو مدخل آخر ليطلب فيه تفتيش أكثر دقة حيث نزعنا الأحذية والمعاطف في غرفة باردة، وتم طلب تفكيك كل المعدات القابلة للتفكيك، ما وراء ذلك، كان الأسلوب جافاً جداً معنا، ذكرني فعلاً بمعابر فلسطين وما يعانيه الفلسطينيون هناك من تفتيش يومي مذل، فإذا كانت المعاملة معنا بهذا الشكل ونحن موفدون إعلاميون في مهمة رسمية في مقر "سفارة" في بروكسل، فكيف سيكون حال من يقبعون تحت احتلالهم هناك في فلسطين المحتلة؟

دخلنا على الدبلوماسي الإسرائيلي المسؤول عن التواصل مع الاتحاد الأوروبي يوئيل مستر وكان اللقاء معه دبلوماسيا بعيداً عن تشنجات الجنود. رغم أن النقاش كان جوهريا، حول إسرائيل المؤرقة أكثر من غيرها بطبيعة "الاتحاد من أجل المتوسط"، وما الذي ستجنيه دولة عمرها 65 عاما خلقت داخل المتوسط غير واثقة في جيرانها من الدخول في غمار هذا الاتحاد؟

شعوب المتوسط لم يوحدها تاريخ ولا دين ولا سياسة، خاصة بين ضفتين عرفتا صراع القوة، فكيف يمكن الرهان على الجغرافيا لتشكل القاطرة؟ وهل مشروع الاتحاد هو مشروع جاد أم مجرد مظلة لساركوزي من أجل إدماج أكثر لإسرائيل ووسيلة أخرى لمزيد من الهيمنة والإخضاع من بوابة الاقتصاد؟

ومن الرابح الأكبر خاصة بعد أن لم تكتف إسرائيل بتعاونها الاقتصادي تحت وفوق الطاولة مع العرب، فقام ساركوزي نيابة عنها بجلبهم جميعاً إلى مائدة الاتفاقات والتواصل الاقتصادي و"الإنساني" لكسر الحواجز وتجاوز الحرج الرسمي وهكذا كان.

وكانت حلقة تحت المجهر - ولد ميتا- التي بثت أول مرة عام 2011 ليعاد بثها تذكيرا بدور ما زالت تلعبه دول عدة في مشاريع المستفيد الأكبر منها "إسرائيل".

المخرجة خديجة أولاد عدي (منتج في فريق برنامجي تحت المجهر وفلسطين تحت المجهر)

 

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة