دور الفن في زمن الثورات   
السبت 1433/6/21 هـ - الموافق 12/5/2012 م (آخر تحديث) الساعة 13:30 (مكة المكرمة)، 10:30 (غرينتش)
عبد الرحيم فقرا
مارسيل خليفة

عبد الرحيم فقرا: مشاهدينا في كل مكان أهلاً بكم جميعاً في حلقة جديدة من برنامج من واشنطن، في هذه الحلقة ننقل من الولايات المتحدة صدى من أصداء تطورات ما يسمى بالربيع العربي ومخاضاته المتواصلة في العديد من البلدان كمصر حيث لم تتوقف تعاريجه مذ أرغم الرئيس حسني مبارك على ترك السلطة هناك، كما ننقل صدى من أصداء نكبة فلسطين عند العرب والمسلمين الأميركيين. 

[مقطع غنائي]

لم يعرفوني، آه ... لا تتركي كفي بلا شمسٍ

لأن الشجر يعرفني تعرفني كل أغاني المطر 

عبد الرحيم فقرا: لماذا اضطررنا للهجرة في المقام الأول؟ هل ستواجه الأجيال القادمة نفس الظروف التي دفعتنا إلى الهجرة؟ هل سيخلق الربيع العربي في نهاية المطاف نهضة شاملة تحقق العيش الكريم والمواطنة لتلك الأجيال في مواطنها الأصلية؟ كيف سيؤثر الربيع العربي على علاقات المنطقة العربية مع الولايات المتحدة وعلى علاقاتنا مع بقية المجتمع الأميركي؟ هذه بعض الأسئلة التي تروج في أوساط العرب والمسلمين الأميركيين الذين وجد بعضهم ضالته ولو إلى حين في فن مارسيل خليفة. 

مغتربة عربية: مارسيل خليفة طبعاً فنان عربي إحنا كلنا متحمسين له وبنحب دائماً نسمعه، بس كمان بترجع لنا القضايا العربية والفلسطينية، أنا كفلسطينية مثلاً كثير مهمة إلي وكنا حلمانين فيها من ثلاثين أربعين سنة ويمكن فقدنا الحماس إلها وإنه نرجع نسمع: منتصب القامة، وريتا والبندقية يعني هذا برجع الحماس إلنا. 

عبد الرحيم فقرا: إذن أهمية الجولة التي قام بها الفنان مارسيل خليفة في العديد من المدن الأميركية كواشنطن ونيويورك حيث قابلناه، تتمثل في مضمونها وكذلك أيضاً في توقيتها، فبطبيعة الحال يتابع العرب الأميركيون بمزيج من الأمل والقلق ما يدور في البلدان التي ينحدرون منها منذ أضرم محمد بوعزيزي النار في جسده قبل أكثر من عام. 

مغترب عربي: مارسيل خليفة أعطى رسالة نبيلة وأنا كنت أتكلم مع أصدقائي، يستحق جائزة نوبل للسلام، مارسيل خليفة بيغني لكل الشعوب، بيغني لكل الجنسيات، بيغني لكل الديانات. 

مغترب عربي: اليوم مارسيل خليفة موجود في واشنطن، رجعنا للحنين للماضي، ووجوده بهذا الوقت بزمن الربيع العربي رسالة كثير مهمة ونحن بحاجة إليها خاصة وجودنا بالمغترب، بالعالم المغترب فضروري كثير مارسيل يكون موجود معنا. 

[مقطع غنائي]

كان يا ما كان

يا صمت العشية  قمري

هاجر في الصبح بعيداً

في العيون العسلية

في العيون العسلية 

عبد الرحيم فقرا: ذاكرة العرب والمسلمين بمن فيهم من يعيش في أميركا تتموج هذه الأيام بذكرى سقوط الأندلس الذي أصبح لاحقاً رمزاً لكل النكبات الأخرى التي يشعر العرب والمسلمون أنها حلت بعالمهم:

يا أُختَ أَندَلُسٍ عَلَيكِ سَلامُ     

هَوَتِ الخِلافَةُ عَنكِ وَالإِسلامُ 

هكذا رثى المصري أحمد شوقي سقوط أدرنة العثمانية في أيدي المجر في مطلع القرن العشرين، ثم جاءت نكبة فلسطين التي رمت بمئات الآلاف من الفلسطينيين في مختلف المهاجر والمنافي بما فيها الولايات المتحدة حيث يحتل العديد منهم مقامات مرموقة الآن دون أن يمحي ذلك ذاكرة ما يصفونه بالفردوس المفقود من ذاكرتهم. 

[مقطع غنائي]

الكمنجات تبكي على العرب الخارجين من الأندلس

الكمنجات تبكي على الغجر الداخلين إلى الأندلس 

الكمنجات تبكي على وطن ضائع لا يعود

الكمنجات تبكي على وطن ضائع قد يعود 

عبد الرحيم فقرا: على مر عقود غنى مارسيل خليفة قصائد من صميم الوجدان العربي كما عكسه صديقه الراحل محمود درويش وقد جاءت الأقدار وللمفارقة أن يلفظ درويش أنفاسه الأخيرة عام 2008 في أميركا، عالم ينسب اكتشافه إلى كريستوفر كولومبس في نفس العام الذي سقطت فيه الأندلس. خليفة الذي يحتفي بالأندلس ليس دفاعاً عن فكرة استرجاعها جغرافياً بل كمصدر إلهام جمالي يؤسس لما يسميه نهضة عربية جديدة أهدى جولته الأميركية لمحمود درويش فغنى له قصائد ضمن اسطوانة جديدة تحت عنوان "سقوط القمر". 

[مقطع غنائي]

انهض يا ثائر يا عاصف زندك

فالأعالي تشتهي تعشق بندك

انهض يا ثائر يا ثائر يا عاصف زندك 

عبد الرحيم فقرا: أستاذ مارسيل مرحباً بك في أميركا، مرحباً بك في نيويورك خلال هذه الجولة الموسيقية في أميركا، سقوط القمر، الربيع العربي هل هذه مفاهيم سياسية أم أنها مفاهيم جمالية في المقام الأول؟ 

الصدى الوطني لأغاني مارسيل  

مارسيل خليفة: سيدي في البداية شكراً لاستضافتكم، سقوط القمر هو تحية لمحمود درويش في مجموعة جديدة من القصائد التي تناولتها في هذا العمل وهو صدر بأسطوانتين يعني عمل طويل حوالي ساعتين، كان فيه صعوبة كثير عندي إنه أنفذ هذا العمل لأنه أول مرة ألحن قصائد لمحمود درويش ومحمود درويش مش موجود يعني فيه مسؤولية مضاعفة. 

عبد الرحيم فقرا: في زمن الربيع العربي هل هناك أي اختلاف؟ هل تشعر بأي اختلاف وأنت تقوم بهذه الجولة أمام جمهور أميركي؟

مارسيل خليفة: أولاً الجمهور اللي بيجي يحضر الحفلات جاي يبحث عن الموسيقى عن القصيدة، عن ذاكرة ما بأغنية بحبها بتذكره بأشياء كثيرة، إذا بدنا نكون صريحين بنقول إحنا إنه يمكن أكثر من نصف سكان العرب موجودين بالمنافي أو موجودين كلهم في أوروبا وفي أميركا وفي أستراليا وفي إفريقيا، وهذا كان سبب مباشر يمكن لهذا الحراك الشعبي اللي عم بصير في منطقتنا، وهذا تأسس له منذ زمن بعيد لأنه دائماً بهذه الأغنية أو بهذه القصيدة في بحث عن وطن جديد، عن حرية، عن ديمقراطية، عن عدالة اجتماعية، يعني كان فيه إله تأسيس، هلأ الجمهور اللي أجا أكيد أكثره جمهور من الجالية العربية وفيه أكيد من الأجانب اللي هم بيهمتوا وخاصة إذا كان فيه قاعات مهمة وكبيرة لأنه كمان هذه القاعات عندها جمهورها الخاص. الحفلة كان فيها تنوع كبير من الناحية الموسيقية ومن الناحية الغنائية ومن الناحية الشعرية، هي صحيح تحية لمحمود درويش وفي نفس الوقت تحية أيضاً لهؤلاء الناس اللي عم بيصرخوا بصوت عالي ويقولون لا ضد هذا المد الطافح بالقذارة والبؤس اللي عشنا فيه. بشوف أنا إنه الأنظمة العربية ما خلت مجال للمواطن العربي إنه يتنفس لأنه دائماً كان محجوز في هذه القفص، ما فيه يقول، ما فيه يصرخ، ما فيه يقول لا، ما فيه يعبر عن ما يريد أن يعبر به، أكيد درجة إذا بدك الحماس أو درجة الزخم اللي صارت فيه هذه الأمسيات أضاف لهذه الحفلات رونقا آخر، وبحث عن معنى جديد للحياة الجديدة في أوطاننا، أكيد كمان بمحطات معينة بموسيقى معينة كان فيه هذا الحنين أيضاً إلى الأوطان، كان فيه حنين إلى الحب، إلى الحياة، إلى الطفولة، كان كله موجود بهذه الحفلة. 

[مقطع غنائي]

والمدينة كنست كل المغنين، وريتا

والمدينة كنست كل المغنين، وريتا

بين ريتا وعيوني بندقية  

بندقية بندقية 

عبد الرحيم فقرا: بالنسبة لهذه المفاهيم: الحنين إلى الوطن، الحنين إلى الأم، الحنين إلى خبز الأم، جواز السفر، إن هذه كلها تعتمل في نفس هؤلاء الناس الذين يعيشون في المنافي وتذكرهم بأنه ربما البعض منهم يشعر أنه وجد المواطنة في المهجر وأكثر من الموطن الأصلي بالرغم أنه يحن إلى الموطن الأصلي. 

مارسيل خليفة: صحيح دائماً في هذه المشاعر أو هذا الشعور، يعني أنا بس أكون على المسرح بكون عم ببوح بشيء أنا بدي أبوح فيه، يعني ولا مرة بطلع على المسرح إنه بدي أقول شيء للجمهور، عم أقول شيء أنا بحس أنا بدي أقوله، وبسائب دائماً إنه الشيء اللي عم أقوله يتلاءم مع إحساس الناس، ولهذا السبب بتشوف هذه الصلة وهذا التوحد بين الخشبة وبين الجمهور؛ يعني الجمهور ليس بمتلقي فقط عادي يأتي بكرافات ويفوت ويقعد بثيابه الرسمية لا! بيرجعوا لساحات ضيعهم، لساحات مدنهم، لذاكرتهم، بيرجعوا بيحيوها من جديد، الحنين مش إلى مثلاً، أنا كمان من لبنان الحنين مش إلى جرن الكبة ونبعة المي لا لا! الحنين إلى وطن حقيقي، الحنين إلى جمال حقيقي. وبعدين بنفس الوقت كمان إذا عم نحكي عن الثورات العربية وعن هذا الربيع العربي كمان الناس عم بتحاول إنه تروح بطريق وبتعرف تماماً إنه هالطريق مش سهلة، إنه لن يتحقق كيف ما بدك بظرف وقت زمن قصير كل ما هو الإنسان يبحث عنه فيمر بمخاضات كثيرة، سيمر بتجارب كثيرة ولكن في النهاية سيتحقق حلم الناس. اليوم ما فيّ أقول إنه كل اللي صار خلص وانتهينا، اللي صار هو بداية لمشروع جديد، لأوطان جديدة لأوطان حقيقية يمكن المهاجر يقول إنه أنا لازم أرجع على بلدي لأنه صار فيه ببلدي وطن بيدافع لي عن حقوقي أو أنا بساهم كمواطن في تأسيس هذا الوطن من جديد، مش إنه يكون هو في المنفى أو محروم إنه يدخل أو ما عنده جواز سفر. 

عبد الرحيم فقرا: هل تشعر أن هذا الفن الذي تقدمه أنت لنفسك أولاً ولجمهورك ثانياً يساعد على جسر هذه الهوة التي يشعر بها من يعيش في المنفى أو في المنافي، وما يريد أن يحققه بالنسبة للحلم حلم الارتباط بالوطن الأم، حلم المواطنة في الوطن الأم إلى غير ذلك؟ 

مارسيل خليفة: يعني سأقول لك إنه بعد الحفلة اللي بنحييها في القاعة أو في المدينة، هناك حفلة ثانية اللي هي لما يصير فيه توقيع على الأسطوانة الجديدة على سبيل المثال، بتحس الناس مصرة إنه تأخذ شيء معها على البيت اللي هو الشريط الجديد أو الأسطوانة الجديدة، بينطروا ساعة ونصف بالصف لكل واحد يأخذ الـ CD تبعه، يأخذه معه، أحياناً بتحسه بيأخذه كذخيرة أو إنه يوديه لأهله الموجودين في الأوطان، وهذا شيء حلو، بتحس إنه هذه الأغنية ربما تكون بلسم أو هذه القصيدة أو هذه الموسيقى. قد ما فيه قبح عشنا فيه، بتحس كمان هو بده يبحث عن الجمال مثل ما قلت حضرتك أو يبحث عن وردة ضمن هذا الركام، هذا الدمار الشامل اللي عم نشوفه. 

[مقطع غنائي]

عصفور طل من الشباك قالى يا نونو

خبينى عندك خبينى دخلك يا نونو

خبينى عندك خبينى دخلك يا نونو

خبينى عندك خبينى دخلك يا نونو

قلت له أنت من وين قالى من حدود السما

قلتله جاى من وين قالى من بيت الجيران

قلتله خايف من مين قالى من القفص هربان

 قلتله ريشاتك وين قالى فرفطها الزمان

عصفور طل من الشباك و قالى يا نونو

 خبينى عندك خبينى دخلك يا نونو

خبينى عندك خبينى دخلك يا نونو 

الحضارة العربية من وجهة نظر الفن

عبد الرحيم فقرا: ماذا تمثل أو ماذا يمثل مفهوم الأندلس بالنسبة لك أنت في هذا الظرف بالذات من تاريخ العرب وعلاقات العرب بالآخر؟ 

مارسيل خليفة: يمكن هو الحلم بيرجعك لمكان كان فيه كثير جمال، كان فيه كثير موسيقى، كان فيه كثير شعر. عندما ذهبت إلى الأندلس ورأيت من آثار بعدها موجودة بتحس بفرح داخلي، يعني أنا كموسيقي عندما يُذكر في التاريخ إنه زرياب كان أول موسيقي أسس أول معهد في العالم في الأندلس، وكانوا ملوك أوروبا يودوا أولادهم يدرسوا في الأندلس، عم بحكيك موسيقى كاختصاص يعني، فهذا شيء مهم كانوا يودوا أولادهم يقولوا نحنا ودينا أولادنا منشان يجبيوا نور من عندكم يضوي هذا الظلام اللي عم نعيش فيه، كان بأوروبا بذاك الزمن، فرقة توبادور اللي هي انتقلت من الأندلس إلى أوروبا وحملت معها الكثير من الآلات الموسيقية، الكثير من الموشحات والكثير من القصائد، يعني كان فيه نهضة إنسانية وفكرية وجمالية قوية بالطبع كله راح وكان فيه انكسار حقيقي، ولازم نعترف إنه نحنا انكسرنا يعني ما بدنا نظل نقول إنه إحنا انتصرنا ونحنا أمجاد لا! إحنا في مراحل كثيرة انكسرنا ولازم نعترف بهذا الانكسار ونعاود صياغة مشروعنا من جديد، إذا اعترفنا بالانكسار أنا  برأيي فينا نرجع نؤسس مشروع جديد، بس إذا ظلينا مصرين على الانتصار وعلى هذا المجد ما بنقدر نحقق أي شيء، لازم نعترف في الخسارة، الخسارة كانت موجودة وهذا مش عيب فيه الواحد يخسر وفيه الواحد ينكسر ويعيد صياغة مشروعه من جديد، إعادة صياغة هذا المشروع أنا برأيي هي مهمة ضرورية. 

عبد الرحيم فقرا: طبعاً هناك من يقول خسرت الإنسانية الأندلس في إسبانيا وربحت الأندلس في أميركا على الأقل، هذا في منظور بعض الأميركيين مسألة المواطنة، مسألة التعايش بين الأجناس والأعراق والديانات وكذا برغم أن أميركا بنيت على أنقاض السكان الأصليين. ما رأيك أنت في هذه المفاهيم؟ 

مارسيل خليفة: أنا عندي موقف شوية مختلف إنه أنا بشوفه الظلم اللي لحق بالسكان الأصليين الهنود الحمر على سبيل المثال هو جريمة إنسانية كبيرة، كان بيسوى هذا الضيف الآتي من بعيد اللي إجى على هذه الأرض الجديدة، أن يتشارك مع سكان البلاد وأن تختلط تلك الحضارات، إذا كان عنده شيء جايبه معه وبده يقوله كثير منيح بس اللي كانوا هون عندهم كثير أشياء أهم من اللي هو جابه، كان عندهم ارتباطهم بالأرض، كان عندهم روحانياتهم العالية، كان عندهم صفاؤهم، كان عندهم نبلهم مش إنه أنا بيجي بسحقهم وبدمرهم، هكذا حصل مثلاً مع فلسطين مع الشعب الفلسطيني إنه جاءت أوروبا بمرحلة من المراحل بدها يعني تكفر عن ذنوبها وإنه ودوا على فلسطين المهاجرين وتأسست دولة إسرائيل، دولة إسرائيل تأسست على أرض فلسطينية، هذه الحقول هي حقول فلسطينية كانوا يزرعونها فلسطينيون، البيوت اللي قاعدين فيها اليوم هي بيوت فلسطينية. يعني بعد اليوم إذا بتروح على مخيمات الفلسطينيين إن كان في لبنان وسوريا أو في الأردن الرجال الكبار بالعمر بعدهم حاملين مفاتيح بيوتهم، حاملينها ومعلقينها بالمخيمات يعني بالخيمة، إذن كمان هذه جريمة إنسانية كبيرة، فأنا بقول إنه علينا قبل ما نحكي بالسياسة إنسانياً نقول هل يحق للحضارة أن تسحق حضارة أخرى؟ يعني أنا إذا حدا بده يعلمني يسحقني ما بدي أتعلم بدي أقول له: يعلمني وشوف أنا كمان شو عندي بدي أكون أحلى. 

درويش الحاضر الغائب

عبد الرحيم فقرا: أستاذ مارسيل ربطت طبعاً علاقة خاصة، صداقة خاصة بالراحل محمود درويش شخصياً وجمالياً، هناك مفارقة تستوقف الكثير من العرب وأريد أن آخذ رد فعلك عليها وهي أن هذا الرجل الذي ارتبط خلال حياته كاملةً بفلسطين محمود درويش في النهاية وافاه أجله في الولايات المتحدة. 

مارسيل خليفة: كمان هو صدفة. يمكن الطب متقدم في الولايات المتحدة الأميركية ومن أحدى نكات محمود، النكت اللي قالها الأصدقاء اللي كان معهم وهم أصدقائي لما دخل المستشفى بهيوستن، حكيم البنج لبناني، حكيم الأعصاب عراقي، حكيم الشرايين سوري، الممرضة فلسطينية، قال لهم ما فيه أميركان في هالمستشفى؟ يعني الولايات المتحدة الأميركية اللي عم يصنعوا العلم والثقافة من ناس جايين من كل ضواحي هذه الأرض، ناسا بتشوف فيها علماء من الشرق الأقصى، من عند العرب من أفريقيا، إذن هو يمكن جاء لمكان فيه الطب فيه متقدم وحدث الحدث، والمفارقة أيضاً إنه إحنا بدأنا هذه الجولة أيضاً بهيوستن، يعني هو رحل في هيوستن وإحنا بلشنا في هذه الجولة، وتعرفت على أطباء كانوا شهدوا اللحظات الأخيرة وكانوا معه في المستشفى يعني كانت الأمسية كثير حارة وحميمية التي قدمناها في هيوستن، بدأت الرحلة من هيوستن. 

عبد الرحيم فقرا: هل تعتقد أن عدم ارتباطك بهذه الصداقة خاصة من الناحية الجمالية كان سيأخذ فنك في اتجاه مخالف للاتجاه الذي أخذه؟ أم أن هذا الاتجاه كان سيحدث بصرف النظر عن العلاقة الجمالية مع محمود درويش؟ 

مارسيل خليفة: هذا سؤالك برجعني للبداية، كيف تعرفت على محمود درويش، بالبداية لما بدأت الحرب اللبنانية وأنا كنت تخرجت من المعهد الموسيقي، كنت شابا صغيرا، أحلامي كبيرة وأريد أن أغير العالم كله بالموسيقى وانسجنت قسرياً في قريتي، كنت في شمال بيروت أنا من قرية ساحلية اسمها عمشيت في جبل لبنان ولم تكن أفكاري تناسب المنطقة التي أنا فيها، كان عندي ميول يسارية طموح في تغيير كثير من الأشياء، وإذ بلاقي حالي أنا في منطقة لا تحتمل هذه الأفكار فانسجنت قسرياً في بيتي ولم يكن معي في هذا البيت إلا ديوان محمود درويش، كنت أقرأ لمحمود درويش، وقلت ماذا أفعل؟ بلشت آخذ بعض النصوص وأضع لها الموسيقى وكنت عم بتسلى وما كنت عارف إنه وأنا عم بتسلى إنه هذه الأغنيات رح تصير خبز يومي لكل الناس. يعني هي الصدفة بس لم يرتكز العمل فقط على هذه القصائد وإنما أنا أخذت الكثير من عيون الشعر العربي، مع شعراء كثر مهمين وجميلين كمان وأيضاً كان فيه دور للموسيقى، الموسيقى اللي ما إلها علاقة بالنص، يعني كتبت أعمال كثير للموسيقى ابتداءً من العود اللي هي آلتي وللأوركسترا. 

عبد الرحيم فقرا: أنت طبعاً ستحضر مهرجان العود في تطوان في.. 

مارسيل خليفة: للمرة الأولى دعيت لأكون في مهرجان العود في المغرب. 

عبد الرحيم فقرا: في المغرب. 

مارسيل خليفة: في المغرب. 

عبد الرحيم فقرا: طيب، الآن يلام على الأميركان أنهم لا يعرفون العرب وثقافة العرب وحضارة العرب وفن العرب، عندما تتجول في المنطقة العربية مثلاً من المشرق إلى المغرب أو من المغرب إلى الخليج أو غيره هل تشعر أن هذه الشعوب تعرف بعضها معرفة حقيقية؟ 

مارسيل خليفة: لا لا! وهذا مشكل كبير، يعني أولاً الحدود مسكرة كلها يعني بدك تتروح من المشرق إلى المغرب بدك تعمل معاملات هيك يعطوك تأشيرة أو هيك ما يعطوك تأشيرة وهذا شيء مؤسف حقاً، نتمنى أن تنفتح الحدود، تكون مهمات الأوطان الجديدة أن يكون هناك انفتاح، أن يكون هناك على الأقل وحدة ما في الثقافة، في الموسيقى، في الشعر في الأدب، في العلاقات الإنسانية. فهذا الانفتاح ضروري، أنا شفت تراثا غنيا في المغرب العربي، أو مثلاً أغاني الصيادين، صيادين اللؤلؤ في الخليج مثلاً، هذا تراث مندثر، في المغرب هناك تراث أيضا في الملوف وفي الأندلسيات وفي كل هذه الأنواع بتحسها بعيدة عنا، محصورة باتجاهات قليلة بنعرفها، يمكن بنعرف القد الحلبي ونعرف الدور المصري أو الموشح الأندلسي، ولكن هناك كثير من أغاني الصيادين اللي كانوا يروحوا يبحثوا عن اللؤلؤ ويروحوا 4 أشهر في البحر، يعني كل مرحلة عندها أغنيتها، فيها هذا الأسى، فيها هذا الفرح، فيها هذا اللقاء، عودتهم إلى اليابسة إلى الأرض. في المغرب تراث غني جداً بتحس أحياناً إنه يا ريت فيك تغرف منه وتطلع منه هذه الأشياء. 

عبد الرحيم فقرا: استراحة قصيرة الآن ثم نعود. 

[فاصل إعلاني]

 [مقطع غنائي]

منتصب القامة أمشي

مرفوع الهامة أمشي 

عبد الرحيم فقرا: أهلاً بكم مرة أخرى في هذه الحلقة من برنامج من واشنطن ونخصصها لجولة مارسيل خليفة في الولايات المتحدة في خضم ما يوصف بالربيع العربي. 

[مقطع غنائي]

منتصب القامة أمشي

مرفوع الهامة أمشي

في كفّي قصفة زيتون

وعلى كتفي نعشي

وأنا أمشي  وأنا أمشي  وأنا أمشي 

المغترب العربي بين الوطن والمواطنة

عبد الرحيم فقرا: بالنسبة للعرب في المهاجر وفي المنافي خاصة هنا في الولايات المتحدة، في الوطن هناك الأم وخبز الأم  ولكن هناك أيضاً عصا الاستبداد أو عصا الاحتلال أو عصا كذا وكذا، في المهجر برغم كل آلامه يقول بعضهم إن هناك سرير المواطنة. 

مارسيل خليفة: أكيد أنا ما عندي شك إنه نحن في أميركا وأنتم موجودين عايشين هون، أكيد القانون الأميركي يحترم حق المواطن وكل واحد عنده حقوقه وكل واحد عنده جواز سفره يحصل عليه بس يقدم إقامة محددة وإلى آخره، شو بدي أنا بسياسة الولايات المتحدة الأميركية الخارجية اللي أنا بحسها سياسة ظالمة وخاصة فيما يخصنا فيما يخص فلسطين، فيما يخص المنطقة، فيما يخص علاقتها في إسرائيل، فيما يخص تلك المساعدات الكبيرة أو فيما يخص كثير من الأشياء اللي عم بتصير اليوم بتشوف اليوم إنه هذه الثورات العربية اليوم أحياناً بيلحقوا حالهم بالسياسة الأميركية بيلقطوا محل معين، بيأخذوه باتجاه معين ما بدي أحكي عنه لأنه واضح ومعروف يعني بس فيما يخص الداخل أكيد في المواطنة، في شخص بيقول لك: إنه أنا عندي حقوق، وعنده واجبات وعنده حقوق وأكيد في وطنه الأصلي فيه عصا، سوط بشكل يومي وما فيه عنده حقوق، ما فيه عنده أي شيء يحصل عليه، بس هذا ما بيمنع إنه نحنا نتابع نضالنا اليومي من أجل إيصال بلادنا إلى هذا الشيء يعني كثير أحرى إنه أنا أعيش بلبنان يكون فيه عندي دولة حقيقية مش مثل اليوم هذه الدولة الكارتون اللي إحنا موجودين فيها، يكون فيه دولة حقيقية تدافع لي عن حقوقي إذا أنا حدا تعرض إليّ بس هذا مش موجود إحنا اليوم مثلاً معروفين في لبنان عنا دول طوائف عنا 18، 19 طائفة يعني 18، 19 دولة في قلب هذه الدولة ما فيه مواطنة حقيقية الإنسان ينتمي إلى طائفته، أنت من أي طائفة بيروح بيدافع عنك كرئيس الطائفة إذا واحد ما بده يكون عنده طائفته بيكون وحيد وما فيه حدا بيدافع عنه، فالبحث في أوطاننا أن نحقق هذا الإنجاز هذا ضروري. 

الربيع العربي وآفاق العمل الفني

عبد الرحيم فقرا: بأي شكل من الأشكال تعتقد أن تغير الأوضاع في المنطقة العربية وتغير علاقة المنطقة العربية مع الولايات المتحدة، بأي شكل من الأشكال تعتقد أنه ممكن أن يؤثر عليك أنت كفنان وعلى فنك؟ 

مارسيل خليفة: أنا برأيي الفن هو دائماً خارج، فوق كل الحواجز، يعني أنا لا أنتظر أي تبدل أو تغيير في سياسة ما كي أحقق هدفي الفني وإلا ما بحقق شيء لأنه بالسياسة غير بالفن، السياسة هي مصالح ولكن الفن هو تعبير حسي جمالي مفتوح على احتمالات كبيرة، الموسيقى أو الأغنية أو القصيدة دائماً تؤسس لهذا المشروع ومنذ زمن يعني أنا منذ البداية من أول الأعمال كنت عم أنادي بهذا الشيء، وإذا بتشوف اليوم بكل ما حصل في هذه المنطقة كانت الموسيقى وكانت الأغنيات موجودة مع الناس يعني كانت إلهم مثل خبز يومي وبالطبع هذا الشيء بيفرحني لأنه الذي قلناه حقق شيء من الأشياء التي كانت لازم يحققها، إنما السياسة يعني هو أكثر شيء الله ما وفقنا بالسياسة يعني الوضع صعب كثير، أنت عم تحكيني عن أميركا الولايات المتحدة الأميركية، الولايات المتحدة الأميركية عندها اليوم اللي عم أشوفه أنا في هذه المنطقة العربية ما عم أشوف إنه هي علاقتها مع هذا الحراك الشعبي علاقة سليمة عم تأخذ أحياناً فيه تكويع معين، بمحل معين بتأخذ الاتجاهات اللي هي أحياناً بحط عصي في الدولاب يعني عشان ما يبرم الدولاب، وعشان تأخذه لمحل لازم تأخذه في، وهكذا حصل في البداية كان هناك تردد كبير عندما حصلت الثورة التونسية كان فيه تردد كبير بالبداية إنه شو عم بصير ما كانوا عارفين، بعدين لحقوا حالهم لحقوا حالهم بطريقة بس أنا ما بيهمني هذا الموضوع ما بدي إياه وما بعول عليك كثير على إنه يوديني لمحل لازم إحنا نعرف تماماً إنه نحنا شو بدنا شو بده منا الآخر أو لوين بده يأخذنا؟ أنا دائماً بشعر حالي حر حتى لو كنت موجود بالسجن بأي بلد فيها سجون ونحن مسجونين فيها، ولكن دائماً كنت أشعر حالي حر لأنه فيك بهذا الخيال أو بهذا الحلم تبحث عن هذه الحرية في النص، في الموسيقى، هلأ الفن العربي أو الفنان العربي عنده دورين هو الدور الفني أو الدور الجمالي والدور الأخلاقي يعني إذا بتسأل فنان بأميركا شو دورك أنت؟ بيقول لك أنا مهمتي إنه أعمل فن، أطور أدواتي الفنية بس ما عنده هم أخلاقي، لا الفنان العربي دائماً مطالب أو الشاعر أو الأديب بدور أخلاقي إنساني ودور فني واثنان هما صعبين يعني الدور الفني بيأخذ كثير وقت والدور الفني كمان بيأخذ كثير وقت فبدك تحاول إنك دائماً تكون تعطي ما تريد أن تعطيه في تطوير أدواتك وفي تطوير مشروعك يعني شفت بالحفلة إنه فيه أغنيات أو فيه موسيقى ما عندها ما فيها تصريح مباشر بمضمون سياسي، هل إنه بوقت الحرب أو وقت الانتفاضة أو بوقت الثورة بيوقف الحب؟ لازم الحب يزيد أنا برأيي ، فهذا كمان هذا مشروع ومضمون للأغنية وللموسيقى، إذن لا ينتظر الفنان دور سياسي بمعنى أنه ينتظر إنه يشوف السياسة شو بدها تعمل وهو يشوف شو بده يعمل إنه مثلما ذكرت لك في البداية أنا أريد أن  بدي أبوح عندي شيء بدي أبوح فيه مش الجمهور بيخليني أنا أقول أو بالطبع الشيء الذي بشوفه مصادر مشروعي أو مصادر إلهامي ليست من الموسيقى، موجودة بالحياة، موجودة بالطفل، موجودة بالفرح، موجودة بالاشتعال، موجودة بالثورة، موجودة في المقاومة، موجودة بكثير أشياء، موجودة بالطبيعة. 

[مقطع غنائي]

 شدوا الهمة الهمة قوية مركب ينده عَ البحرية

يا بحرية هيلا هيلا هيلا هيلا

شدوا الهمة الهمة قوية جرح بينده للحرية

 يا بحرية هيلا هيلا هيلا هيلا 

عبد الرحيم فقرا: الآن عندما تزور المتحدة بالنسبة لهذه الجولة في الظرف التاريخي الذي جاءت فيه هذه الجولة وهو ظرف ما يسمى بالربيع العربي، كيف تشعر وقد تواصلت مع العرب في الولايات المتحدة في هذا الوقت بالذات؟

مارسيل خليفة: الحقيقة هناك ارتباط جدي من المهاجرين أو من الجالية العربية اللي أجت على الاحتفالات طبعاً إحنا شفنا ناس كثير أجوا على الحفلات، فيه شيء جوا عم يتحرك وتغير، نتمنى إنه ما نتعب، إنه ما نتعب من الربيع العربي، أن نذهب بهذا الربيع العربي إلى شروق الشمس إلى آفاق بعيدة وأن لا نكتفي بما صنعناه وحققناه لأنه مش بس هذا المطلب أن نذهب بعيداً في هذا الربيع كي يبقَى ربيع منور ومزهر، بده شغل كثير؟ نعم بده شغل كثير، بده تعب كثير؟ نعم تعب كثير، بده تضحية كثير؟ نعم تضحية كثير، الربيع العربي لم يتحقق حتى الآن إنما هو بداية مشروع لحياة ولأوطان جديدة بدنا كلنا نعمل كي نحقق هذا الوطن، هذه الأوطان وكي يبقَ الربيع ربيع ولا يتحول إلى خريف. 

عبد الرحيم فقرا: انتهت الحلقة يمكنكم التواصل معنا كالمعتاد على عنواننا الإلكتروني وفيس بوك وتوتير، أودعكم على أنغام في البال أغنية التي يقول مارسيل أنها كانت محبوبة جداً لدى صديقه الراحل محمود درويش إلى اللقاء. 

[مقطع غنائي]

في البال أغنية يا أخت عن بلدي نامي لأكتبها

نامي لأكتبها رأيت في جسمك محمولاً على السند

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة