الإيمان والأخلاق   
الأحد 1433/4/24 هـ - الموافق 18/3/2012 م (آخر تحديث) الساعة 9:28 (مكة المكرمة)، 6:28 (غرينتش)
 عثمان عثمان
يوسف القرضاوي

عثمان عثمان: السلام عليكم مشاهدينا الكرام وأهلا ومرحبا بكم على الهواء مباشرة في هذه الحلقة الجديدة من برنامج الشريعة والحياة، يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز{ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177] كيف يتجلى التعبير الأخلاقي للإيمان؟ وما العلاقة بين الشرك والظلم؟ وكيف تتحول الرذائل الأخلاقية إلى مهلكات للنفس والمجتمع والحكم؟ الإيمان والأخلاق موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة، مع فضيلة الشيخ العلامة يوسف القرضاوي، مرحبا بكم سيدي.

يوسف القرضاوي: مرحبا بكم أخ عثمان.

عثمان عثمان: البعض ربما يظن ويتصور أن الإيمان مسألة غيبية داخلية فقط، لا يتعداها إلى الفعل والعمل، بداية ما الإيمان؟

يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا ومعلمنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه وبعد، فقبل أن أجيب على سؤالك يا أخ عثمان، لا بد لي من كلمات، كلمة أعزي فيها إخواننا في غزة على ما أصابهم من سقوط عدة شهداء من إخواننا الأحبة في غزة بظلم وحيف أولئك الذين لا يخشون خالقا ولا يرحمون مخلوقا، الصهاينة الذين لا يأبهون بما يسفكون من دماء وما يزهقون من أرواح، فعزائي لإخواننا في غزة، والشهداء لهم عند الله رزقهم وجنتهم، وقد قال تعالى { وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ ضِلَّ أَعْمَالَهُمْ يَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ}[محمد: 4-6] فعزاؤنا لإخوتنا، وعزاء آخر لإخواننا في أفغانستان، فقد قتل منهم جندي أميركي ستة عشر شخصا مرة واحدة، قام الرجل من معسكره في الليل، وذهب إلى القرية وإلى هؤلاء الناس المدنيين وقتل منهم من قتل من أطفال ومن رجال ومن شيوخ، ومن نساء، ستة عشر رجلا، فهؤلاء الغربيون يظلون أناسا معتدين، العدوان في رؤوسهم والمسلمون هم المستهدفون دائما، عزائي لإخواننا في أفغانستان، وسينتقم الله لهم ويثأر لهم من هؤلاء الظالمين، وكلمة ثالثة لإخواننا في سوريا فإخواننا في سوريا سيحتفلون بعد عدة أيام بمرور سنة كاملة على انطلاقة ثورتهم، يوم الخامس عشر من مارس هذا سيحتفل الإخوة خصوصا في مصر بالذات سيحتفلون حتى دعوني لأحضر حفلهم وأرجو أن يهيئ الله لي هذا إن شاء الله، نحن نقول لهؤلاء الإخوة كان بشار الأسد وجماعته يظنون أن هذه الثورة لن تنتظر أكثر من أسابيع أو شهر أو شهرين أو ثلاثة ولكن مرت الأسابيع، مرت الأيام ومرت الأسابيع ومرت الشهور ومرت سنة كاملة وهذه الثورة باقية، تقوى ولا تضعف، تكثر ولا تقل، تتحدى وتتصدى، ولا تتعدى على أحد، ولكنها تصر على أن تبقى معبرة عن هذا الشعب العظيم حتى تحقق أهدافه، وأهدافه هي أن تتحرر سوريا من الطغيان، من الطواغيت، من الذين حكموا هذا البلد بغير قانون ولا أخلاق، سينتصر الشعب السوري إن شاء الله، ونعود أخيرا إلى.

عثمان عثمان: السؤال.

يوسف القرضاوي: سؤالك.

معنى الإيمان وحقيقته

عثمان عثمان: نعم، البعض يقول الإيمان في القلب وليس هناك تعدي لهذا المعنى إلى الفعل، حقيقة ما الإيمان؟

يوسف القرضاوي: الإيمان واضح كما نراه في القرآن، وكما نراه في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، هناك أصل للإيمان، هناك الإيمان بكل ما يحويه، أصل الإيمان الاعتقاد في القلب، يقر عنه اللسان لكي نعرف أن الإنسان مؤمن لازم يقر بلسانه ولذلك الإيمان هو هذا الاعتقاد القلبي{أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ} [المجادلة:22]{ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ}[النحل:106] الإيمان أساسا في القلب، يقر به اللسان وتعمل به الجوارح، تكمل هذا الإيمان، فالأصل هو الإيمان القلبي ولكن ليس هناك أصلا بلا فرع، ليس هناك شجرة بلا ثمرة، إذا كان الإسلام شجرة حية لا بد أن يكون لها ثمرها، لا بد أن يكون لها فروعها، لا بد أن تكون لها أوراقها وأزهارها، لا بد أن تكون لها ثمارها، ولهذا الإيمان الحقيقي في القرآن إيمان بأعمال،{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ الَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ والَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ}[المؤمنون: 1-11] يذكر لنا القرآن في عبادة، في صلاتهم خاشعون، في أخلاقيات، والذين هم عن اللغو معرضون، والذين هم لفروجهم حافظون، أحيانا الأخلاق عمل وأحيانا سلب، إن يبتعد عن محرمات، الذين هم لفروجهم حافظون، والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون، فتجد الإيمان يستند على هذه الأشياء، فنحن عندنا الإيمان، اعتقاد في القلب، وعبادة كالصلاة، في صلاتهم خاشعون، والزكاة والصيام والحج، هذه كلها عبادات، وهناك أخلاق، أخلاق هي الصفات التي يتحلى بها الإنسان بعد الإيمان، في أخلاق حسنة وأخلاق سيئة، الأخلاق الحسنة تسمى الفضائل، الأخلاق السيئة تسمى الرذائل.

عثمان عثمان: لو نفصل في هذا الموضوع مولانا في سياق الحلقة إن شاء الله، ولكن قبل ذلك.

يوسف القرضاوي: بس نتكلم عن.

عثمان عثمان: تفضل.

يوسف القرضاوي: إن الإيمان، يشمل هذا كله ويشمل حلقة أخيرة التشريعات، لا بد من التشريع الذي يشمل الحياة كلها، حياة الفرد وحياة الأسرة، وحياة المجتمع، حياة الأمة، حياة الدولة، حياة العلاقات الإنسانية، كل هذا يشمله الإيمان.

عثمان عثمان: الآية القرآنية تقول{وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ }[الأنفال: 2]

يوسف القرضاوي: نعم.

عثمان عثمان: هل معنى ذلك أن هذا الإيمان يزيد وينقص؟ وكيف تتجلى هذه الزيادة أو هذا النقصان؟

يوسف القرضاوي: نعم، القرآن واضح أن الإيمان يزيد وينقص، كما ذكرت هذه الآية{{إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا}[الأنفال:2-3] إذن هذا هو الإيمان الحقيقي، الإيمان الصادق، الإيمان الكامل الذي يهتم به القرآن، مش بس أصل الإيمان لا، إنما الإيمان الذي يؤتي أكله ويحقق أهدافه ويجعل من الإنسان شخصية غير عادية، شخصية مؤثرة في الحياة، ليست متأثرة بغيره بل هو دائما مؤثر فهذا الإسلام في الأصل، أصل الاعتقاد، بما يطلع عليه من أشياء تكمل الإيمان وتقويه كما إن الشجرة ممكن تسقيها ماءا فيقوى عودها، يقوى جذعها وممكن تخضر وتزداد أوراقها وتزداد ثمارها ويتفرع ظلالها، فممكن الإيمان يزداد، في أصله في الاعتقاد نفسه يزداد قوة، الواحد يقرأ مثلا مما يقوي الإيمان، تقرأ كتاب الله يتجلى في عصر العلم، العلم يدعو إلى الإيمان، الله في العلم الحديث، المسلمون والعلم الحديث، كتب من يقرؤها يزداد يقينه بما جاء به الإسلام وما جاء به القرآن، ثم الطاعات نفسها تقوي الإيمان، المعاصي تضعف الإيمان، حتى جاء في الحديث يعني الإنسان يعني إذا سرق السارق أو شرب الخمر الشارب، أو زنى الزاني يعني الإيمان كأنه يصرخ بما أصابه، ولا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين، ينافي هذه الكبائر تنافي الإيمان، تضغط عليه .

عثمان عثمان: هل يخرج المؤمن هنا من دائرة الإيمان إلى دائرة الكفر أو النفاق؟

يوسف القرضاوي: لأ الإيمان الكامل طبعا ينقص ويخدش، ويصاب، إنما أصل الإيمان لأ، لا يزول بمجرد كبيرة، قد يزول إذا كثرت الكبائر واتسعت، وأصبحت يعني الإنسان عن يمينه وعن شماله، وعن أمامه ومن خلفه، ومن فوقه ومن تحته، مصاب هذا والعياذ بالله يذهب أصل الإيمان نهائيا، إنما أصل الإيمان الاعتقاد هو الأساس، فيمكن أن يرتكب بعض هذه الكبائر وهو باق على أصل الإيمان، الخوارج هم الذين جاءوا بهذا الخلاف الأول في الأمة وقالوا إن صاحب الكبيرة خارج من الإيمان، وقفت الأمة، ووقف الصحابة ضد هؤلاء لأن الأصل، القرآن يقول:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ}[الحجرات:10]{وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحجرات: 9] فهم يعني اعتبرهم مؤمنين وهم متقاتلين، والقتال ده، الرسول عليه الصلاة والسلام يقول ((لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، سباب المسلمين فسوق وقتالهم كفر)) يعني يقرب من الكفر وليس كفرا حقيقيا فهذا يعني أول خلاف للأمة خلاف في مسألة الكبيرة، وبعدين بقى جاؤوا المعتزلة وقالوا منزلة بين المنزلتين يعني من ارتكب كبيرة أصبح في منزلة بين، لا هو مؤمن خالص ولا كافر خالص، بين بين، وهو في النار، يدخل في النار ويخلد فيها والعياذ بالله فدي كلها خارجة عن جمهور الأمة، جمهور الصحابة والتابعين ومذهب أهل السنة والجماعة وهو أخذ المذهب الذي كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقنوه وسلموه لتلاميذهم من التابعين عباس وابن مسعود، وابن عمر وأمي بن كعب، هؤلاء الصحابة والخلفاء الراشدون وغيرهم سلموا التابعين، سعيد بن نسيب والفقهاء السبعة في المدينة وفقهاء ابن عباس، عطاء وسعيد بن جبير وطاووس وكل الفقهاء في الكوفة، يعني أيضا مجموعة الأسود بن يزيد ومسروق وأبو إبراهيم النخعي وكل بلد كان فيها تابعون، الصحابة سلموا هذا الإيمان كما تعلموه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى هؤلاء فهم ورثة أصحاب رسول الله ومن بعدهم ورثوا عنهم وهكذا.

عثمان عثمان: ذكرتم مولانا الإيمان يزيد بالعلم والمعرفة، بفعل الطاعات وينقص بفعل المعاصي، ما أهمية..

يوسف القرضاوي: لأ، ينقص وينقص بإيه؟ بالمعاصي.

عثمان عثمان: نعم.

يوسف القرضاوي: وخصوصا الكبائر، تذهب ببعض الإيمان كما رأينا في الحديث.

عثمان عثمان: ما أهمية أن نتعهد الإيمان هنا وأن نتابعه باستمرار؟

يوسف القرضاوي: آه طبعا، الإيمان لا بد له من عناية، ورعاية، الصحابة رضوان الله عليهم والمسلمون لم يعتبروا الإيمان يعني شيء لأ، لا بد أن يغذى الإيمان، الإمام البيهقي، حافظ أبو بكر البيهقي، ألف كتابا سماه الجامع لشعب الإيمان هذا الكتاب سبعة عشر مجلدا، يذكر فيه جوامع الإيمان، شعب الإيمان، النبي عليه الصلاة والسلام يقول ((الإيمان بضع وستون وبضع وسبعون شعبة كلها من الإيمان، أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان)) الحياء شعبة من الإيمان وهي شعب تتفاوت في قيمتها أعلاها لا إله إلا الله، لأنها بتأصل الأصل الأول، أن يعتقد الإنسان بقلبه، هذا يعني أصل الإيمان وبعدين في الفروع والثمار الأخرى منها إماطة الأذى عن الطريق، لذلك لا يجوز إن إحنا نعكس نجعل الأول في الآخر والآخر في الأول، لأ لا بد أن نحافظ على، وهذا نسميه فقه الإيمان، أن تفقه الإيمان بحيث تضع كل مرتبة في مكانها، ولا تخلط بين الأشياء بعضها وبعض، هذا هو حقيقة الإيمان.

الأخلاق في القرآن الكريم

عثمان عثمان: كما ذكرتم الأخلاق هي جزء من الإيمان، كيف يصور القرآن الكريم الحياة الأخلاقية أو العناصر الأخلاقية في الحياة؟

يوسف القرضاوي: القرآن الكريم يذكر لنا تفاصيل الحياة الأخلاقية كما ذكر في الآية التي بدأت بها الحديث، آية ليس البر، اليهود عملوا مشكلة حول انتقال القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، وأقاموا الدنيا ولم يقعدوها من أجل هذه القضية، القرآن قال لهم {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ۚ قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}[البقرة:142] كل الجهات لله عز وجل، {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ}[البقرة:115] المسألة مش مسألة أنك تتجه إلى جهة أي جهة أي جهة ربنا يأمرك بها هي المطلوبة، ولكن البر هو بر العقيدة وبر العمل، وبر العبادة وبر الأخلاق، وذكر بر الإيمان{ نْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ}[البقرة:177] يعني تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والأعمال والتشريعات، ذكر منها إيتاء المال على حبه الفقراء واليتامى هذا يمثل التشريع، والأخلاق {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}[البقرة: 177] هذا هو الصدق، الإيمان الصادق هو هذا، أولئك هم المتقون، فلا بد أن ترعى كل جوانب الأخلاق، أخلاقك مع نفسك، في أخلاق تتعلق بالنفس، في أخلاق تتعلق بالأسرة، في أخلاق تتعلق بالمجتمع، في أخلاق تتعلق بالأمة، لأن الإسلام يريد أن يكون أمة، مش بس مجتمعات منفصلة بعضها عن بعض لأ يريد أمة واحدة، أمة وسط، أمة مسؤولة، وبعدين يريد أن يكون علاقات دولية متوازنة، يسالم الناس بعضهم بعضا، ويعدل بعضهم مع بعض، ويبر بعضهم بعضا، لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8] فهذا ما جاء به القرآن ويفصل ذلك في سور كثيرة مكية ومدنية أحيانا يذكر الفضائل ويدعو إليها، ويقوي من شأنها ويمدح القائمين بها، وأحيانا يذكر الرذائل وينهى عنها ويحرمها، ويسوء من شأنها، أحيانا يذكر هذا.

الأخلاق فطرية أم كسبية؟

عثمان عثمان: هذه الأفعال، أفعال البر والأخلاق ربما هي ترجمة عملية للإيمان، هذه الأخلاق مولانا هل طبعت في النفس البشرية؟ هل هي فطرية أم أنها كسبية؟

يوسف القرضاوي: الأصل من هذه الأخلاق فطرة في النفس، ولكنها تحتاج إلى رعاية، الله تعالى يقول{وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَاْ}[الشمس:87] هذا إلهام من الله، يعني شيء أساسي ربنا صنعه، مش أنت جايبه من الخارج في أساس للفضائل والرذائل عند الإنسان، فألهمها فجورها وتقواها، في فجور وفي تقوى ليست تقوى فقط، أصل التقوى في أصل الإنسان وأصل الفجور في نفس الإنسان حتى ربنا قدم الفجور على التقوى ليبين لنا أن الشر أعلق بالإنسان من الخير ولذلك{إنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب: 72]{وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا} [الإسراء:11]

{وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً}[الكهف: 54] {خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ}الأنبياء:37] فليدل على أن الإنسان في حاجة إلى رقابة، وإلى تعويد وإلى تربية، لا بد على الإنسان أن يكون حريصا على هذا ويقظا لنفسه، ويقظا لدوافعه النفسية هذه الأشياء التي تسمى الغرائز وتسمى الدوافع، نفسيا الإنسان يتهيأ لها ولا يتركها،{قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس:9-10]هي موجودة ولكنها تحتاج إلى تزكية، إنك تأخذها وتربيها وتنميها وتحافظ عليها كما يحافظ الإنسان على الزرع الذي يزرعه، من يزرع زرعا ويحب لهذا الزرع أن يتم نضجه، ويؤتي أكله لا بد أن يحافظ عليه، الفلاحين في عندهم شيء اسمه العزق، يعزقه يعني إيه؟ يحذف ما فيها من أشياء نجيل وحشائش وأشياء يعني ممكن تأكل البذرة في صغرها أو تضيعها، فلا بد أن يحافظ عليها، يسقيها في مواعيد معينة بقدر معين، يخلصها من الآفات فإذا أصيب بآفة يحاول يستخرج هذه الآفة إذا في دودة يحاول يخرجها، يحاول يأخذ البتاعة بدل ما تضيع الثمرات الأخرى وهكذا.

عثمان عثمان: وذلك يتم بفعل الطاعات بأداء الصلاة في أوقاتها بصيام رمضان بأداء العبادات بشكل في مواقيتها..

يوسف القرضاوي: لا بد أداء هذه العبادات شيء أساسي للأخلاق بل هي أساس الأخلاق مع الله، إذا كنت وفيا لله لا بد أنه من تمام هذا الوفاء أن تؤدي إليه العبادة التي أمرك بها، أمرك بالصلاة فلا بد أن تؤدي الصلاة أمرك بأداء الزكاة من مالك إذا بلغ قدرا معينا نصابا معينا لا بد أن تؤدي هذا الزكاة لا تأكل مال الله وحدك وتترك إخوانك ممن يحتاجون إلى القدر البسيط من المال وأنت تحجزه عنه وتعيش وحدك لا، ففرض عليك الصيام أيضا من الوفاء لله عز وجل أن تصوم رمضان تشكر الله عز وجل وكذلك الحج كل العبادات المطلوبة ومنها الذكر والدعاء والاستغفار والصلاة على النبي وتلاوة القرآن وهذه الأشياء كلها عبادات لله عز وجل مطلوبة كلها حتى يتحقق الكامل الخلقي، الكامل الخلقي بالصبر على البلاء وبالشكر على النعماء، بالرجاء والخوف ترجو رحمة الله وتخاف من عذاب الله بالإخلاص لله تبارك وتعالى، الإمام الغزالي اعتبر الأخلاق هي المهلكات والمنجيات يعني الأخلاق السيئة هي سماها المهلكات كتابه الضخم العظيم الذي خرج فيه على الأمة بعدما اعتزل الناس وترك الفلسفة وترك المشيخة وترك الدنيا دي كلها وقعد سنين وطلع في هذا الكتاب.

عثمان عثمان: الإحياء.

يوسف القرضاوي: الإحياء، إحياء علوم الدين، إحياء علوم الدين هو عبارة عن إيه أربعين كتابا ليس كتابا واحدا هو في الحقيقة فصلوا أربعة أباع ربع للعبادات وربع للعادات وربع للمهلكات وربع للمنجيات، المهلكات هي إيه الأخلاق السيئة، الأخلاق الرديئة، الرذائل التي نهى الله عنها وحرمها في كتابه وعلى لسان رسوله، أخذ الإمام الغزالي هذا من حديث النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (( ثلاثة مهلكات شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه)) أو برأيه فاخذ منها إن هذه مهلكات، فمهلكات هو أخذها من الإسلام واعتبر الأخلاق السيئة مهلكة تهلك الفرد وتهلك الأسرة وتهلك المجتمع وتهلك الأمة، تهلك الإنسانية يعني كلها وهي منجيات أيضا، هي مهلكات للفرد أهم حاجة أنها تهلكه وتوديه في النار، أشد ما يكون الهلاك حينما يلقى الإنسان في جهنم، لئن كل ما ينال الإنسان في الدنيا لو انتهى أمره يعوض إنما الذي لا يعوض الدخول في النار والعياذ بالله، فلذلك المهلكات أخلاقية والمنجيات أخلاقية لأنه لما تقول حب الدنيا عايزين حب الآخرة بدل الرياء نقول الإخلاص بدال الغضب نقول الرضا، بدال حب المال نقول الزهد في المال وهكذا، والصبر والشكر والرجاء والخوف إلى آخره.

عثمان عثمان: أنقل لكم عن صفحة الفيسبوك سؤال محمد ياسر عرنوس الذي يقول فيه ما أهمية النقد الذاتي وأثره في إعلاء مستوى الأخلاق عند الأفراد والجماعات اسمع الإجابة ولكن بعد أن أذهب إلى فاصل قصير، فابقوا معنا مشاهدينا الكرام نعود إليكم بإذن الله بعد الفاصل.

[فاصل إعلاني]

عثمان عثمان: أهلا وسهلا بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة والتي نتحدث فيها عن الإيمان والأخلاق مع فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي سيدي الأخ محمد ياسر عرنوس يسأل عن أهمية النقد الذاتي وأثره في إعلاء مستوى الأخلاق عند الأفراد والجماعات، يتحدث هنا عن المحاسبة ما أهميتها؟

يوسف القرضاوي: نعم، المحاسبة، أنا لي كتاب اسمه المراقبة والمحاسبة، لسه ما راحش المطبعة هو خلص إن شاء الله ولكن المحاسبة أساس من أسس السلوك، الإنسان يحاسب نفسه، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، ولا بد من حساب النفس، النفس اللوامة، في النفس الأولى الأمارة بالسوء، النفس اللي بعدها النفس اللوامة التي تلوم صاحبها على فعل الخير، على فعل الشر وترك الخير، إذا ترك فريضة أو ترك فضيلة وترك شيء طيب النفس تلومه، إذا فعل شر النفس تلومه، وهذه النفس اللوامة..

عثمان عثمان: أقسم الله بها في القرآن الكريم.

يوسف القرضاوي: آه أقسم الله بها، يعني قال: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ}[القيامة:1-2] لا يقسم بها لأن الأمر واضح يعني لا يحتاج إلى إيه إلى قسم، فهذه إحنا نسميه إحنا الآن الضمير، الضمير الديني، الضمير الأخلاقي، هذا الضمير هو النفس اللوامة وما يسميه القرآن النفس اللوامة يسميه الناس الضمير الحي، فلا بد للإنسان أن يلوم نفسه وأن ينقد نفسه هو اللي يتولى نقد نفسه لأنه يعمل لنفسه شروطا ماذا عليّ في هذا اليوم؟ عليّ أن أصوم، بعض الناس مثلا يقول لك أنا بصوم يوم الاثنين والخميس ولازم أشوف هل صيامي صحيح ولا لأ؟ عليّ أن أصلي الصلوات المفروضة الخمس صلوات، وعليّ أن أصلي صلوات السنة، السنة المؤكدة، وبعدين في سنن غير مؤكدة، هل أقوم الليل أو لأ؟ عليّ أن أبر والديّ، إذا كان والديّ حيين عليّ أن أبرهما، عليّ أن أصل رحمي، عليّ أن أحسن إلى جيراني، عليّ أن أحسن إلى الفقراء والمساكين من حولي، عليّ أن لا أغضب إذا استفزني أحد، ليغضبني، (( لا تغضب، لا تغضب، لا تغضب)) وهكذا يقعد يعمل لنفسه ويحاسبها، بعضهم كان يحاسب نفسه يعمل جدول للمحاسبة.

عثمان عثمان: ورد المحاسبة.

يوسف القرضاوي: ورد يعني يكتبه يعني أعمل كذا وأترك كذا وأعمل كذا ويمسك هو يعمل يدي لنفسه، أنا عملت هذه المسألة الصلاة أخذت كام النهاردة يقول مثلا 7 على عشرة لأنني ما صليتش في الليل، ما أديتش الضحى تركت بعض السنن، عملت كذا، يدي، يدي لنفسه، وده يقول لأ دي أنا آخذ 9 على عشرة، هو ده يقول خمسة على عشرة، واحد يدي لنفسه صفر، وبعدين بالآخر يجمع، هو اللي يحاسب نفسه هو ناقد ذاتي، النقد الذاتي هو النقد الأساسي، الإنسان ينقد ذاته، بصريح العبارة لا يدخل أحد بينه وبين نفسه، هو مكشوف، نفسه مكشوفة له، هو مش هيكذب على نفسه ولا هيكذب على الله، فسيصرح هذا مع نفسه تصريحا طيبا.

عثمان عثمان: أخ جمال حبذا لو تسمعنا، أخ جمال اسمعنا من الهاتف وليس من التلفزيون لو سمحت، وارفع صوتك قليلا بارك الله فيكز

جمال الطواب: إذا كان مقتضيات الإيمان تتغاير حسب الظروف والأحوال التي يمر بها الإيمان..

يوسف القرضاوي: الصوت بعيد عنده.

جمال الطواب: أو رخاء وهزيمة أو نصر فهل يمكن التسليم بمقولة نسبية الأخلاق وليس بطلاقتها والتي سادت في تسعينات القرن الماضي، وشكرا وبارك الله فيكم.

عثمان عثمان: شكرا جزيلا الأخ جمال الطواب، الإيمان يزيد وينقص هل ينعكس ذلك على الأخلاق ويمكن القول إن الأخلاق نسبية وليست مطلقة؟

يوسف القرضاوي: الإيمان يزيد وينقص وهذا له أثره في الأخلاق سواء كانت أخلاقا حسنة أم أخلاقا سيئة، الأخلاق السيئة تنقص من الإيمان من غير شك، والأخلاق الحسنة تزيد الإيمان والله تعالى ذكر هذا في القرآن في آيات كثيرة يعني الإيمان ينقص بالمعصية والله تعالى يقول عن المنافقين{فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ}[التوبة:124-125] فمن ارتكب المعاصي وسار بهذا الطريق نقض عهد الله من بعد ميثاقه، قطع الصلات في الأرض قطع رحمه ودع اليتيم لم يحض على طعام المسكين وعاش وحده هو لا يسأل عن الآخرين هذا كله يؤثر في الإيمان وهذه كلها أخلاق سيئة تنقص من الإيمان حتى يخشى عليه في النهاية أن ينقطع إذا كثرت هذه الموبقات والتفت حوله تكاد تخنقه أو تقتله، وتكاد تفقده الإيمان.

عثمان عثمان: نعم، مولانا هل يمكن أن تكون هناك أخلاق دون إيمان، دون عقيدة، خاصة وأننا نعلم أن العمل الصالح يكون ثمرة من ثمرات الإيمان؟

يوسف القرضاوي: هناك طبعا يوجد بعض الناس غير المؤمنين ويكون عندهم شيء من الأخلاق متوارث مثلا واحد يكون أبوه راجل طيب ورث عنه خلق من أبيه أو من أمه أو من خاله أو من جاره أو من كذا، أو عنده فلسفة معينة يعني أخذ منها هذا ولكنه يظل أخلاق ضعيفة، في شاعر ألماني معروف اسمه فيخت قال: الأخلاق من غير دين عبث، الدين هو الأساس والإيمان هو الأساس للأخلاق ليعلم الناس، أولا من شأن الدين عام وله خواص وللعوام للمتعلمين والأميين للرجال والنساء للشباب والشيوخ لكل الفئات ولكل الجهات فهو الأصل هو الإيمان إنما الأخلاق من غير إيمان غير مأمونة وغير مستقرة وأدنى شيء ممكن يضيعها.

عثمان عثمان: البعض يسميها أخلاق علمانية، من يلتزم بالأخلاق عند الغربيين يسمى هذه الأخلاق أخلاق علمانية.

يوسف القرضاوي: الأخلاق العلمانية ليس لها قيمة كبيرة وليس لها ثبات والأخلاق الحقيقية، الأخلاق التي تنبع من إيمان، الإيمان هو الذي يثبت جذورها ويقوي فروعها ويجعل لها قدرة على توجيه الشخص إلى الخير وإبعاده عن الشر.

عثمان عثمان: وهو يترقب الجزاء الأوفى يوم القيامة من ممارسة هذه الأخلاق.

يوسف القرضاوي: آه إذا كان يؤمن بالدين وإذا لم يؤمن بالدين أوفي ممن، من لا يؤمن بدين كيف يترقب جزءا أوفى ليس هناك من يجزيه الجزء الأوفى إلا الله، خصوصا أحيانا بعض الناس اللي يقول لك مثلا أنت يكفيك إنك الضمير، تريح ضميرك.

عثمان عثمان: يكون قلبك طيب.

يوسف القرضاوي: لو واحد قتل حيث لا يحضر إيه، حتى لو قتل أقول له لأ هذا لم يضع سيحييه الله ويرزقه وحتى لو أنه لم يمت تماما، هم أحياء عند ربهم يرزقون، يتخذ منكم شهداء فالدين هو الذي يملأ هذه القضية ويريح النفس الإنسانية بإجابته عن كل الأسئلة في هذا الموضوع.

العلاقة بين الشرك والظلم

عثمان عثمان: مولانا العدل قيمة أخلاقية عليا ما أهمية استحضار الإيمان واستحضار العلاقة بين الشرك والظلم أمام ما نراه من قتل وظلم وقمع سياسي في بعض البلدان؟

يوسف القرضاوي: شوف الإسلام اعتبر التوحيد عدلا واعتبر الشرك ظلما بل ظلم عظيم كما قال لقمان لابنه وهو يعظه{ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}[لقمان: 13] ولذلك الصحابة لما كان يكلم بعضهم بعضا في قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ}[الأنعام: 82] كان بعضهم يقولون وأينا لم يظلم نفسه، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال لهم: لأ ليس للظلم ما هو المعصية، الظلم في هذه الآية هو الشرك، أما قرأتم قوله تعالى: {إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}[لقمان: 13] الذين آمنوا، عندما تتأمل الآية تجد هذا معناها فعلا، الذين آمنوا يعني وحدوا الله ولم يشركوا به ولم يلبسوا إيمانهم بظلم يعني لم يخلطوا توحيدهم بشرك أولئك لهم الأمن وهم مهتدون، الأمن الحقيقي، أمن التوحيد، الله تعالى قال على المشركين { سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا}[آل عمران: 151] الشرك بالله جعله يخاف من كل شيء يخاف حتى من ساعات الظلمة، ساعات الظلمة لها إله، ما هو الشرك فيخاف من الظلام لأنه إله الظلام يقوم يدخل عليه يعمل منه كذا يخاف من الفقر يخاف من الشيخوخة يخاف من المرض يخاف من الموت يخاف مما بعد الموت ولكن المؤمن لا يخاف من شيء من هذا حتى الموت يرى إن هو الذي يقرب الحبيب من الحبيب { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ }[فصلت:30] فلا يخاف أكثر من الموت.

النية شرط لصحة الأخلاق

عثمان عثمان: مولانا هل النية شرط لصحة الأخلاق؟

يوسف القرضاوي: طبعا النية شيء أساسي في الإسلام ولذلك الإمام البخاري جعل أول حديث في كتابه حديث(( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه)) جعل هذا الحديث أول الكتاب، إنما الأعمال لا قيام لها إلا بالنية ولا وجود لها إلا بالنية، النية التي تنشأ العمل، العمل دون نية لا قيمة له، ولذلك هذا مسألة النية ولذلك العلماء قالوا أن هذا يدخل في سبعين بابا من أبواب، بل يدخل في كل باب من أبواب العلم في كل العبادات في كل الأعمال الصالحة، فكل الأخلاق النية، النية أساس والنية شرط لا بد منه فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، اللي عايز يهاجر من أجل الدنيا خذ الدنيا فلست مهاجرا في سبيل الله، فكل واحد يهاجر من أجل شيء هذه النية التي تعرفنا وليس مجرد العمل الظاهر.

عثمان عثمان: إذن فساد العمل أو صلاحه أو الأخلاق يترتب على فساد النية أو صلاحها.

يوسف القرضاوي: نعم، النية هي الأساس أصلح نيتك لله، ولذلك سئل أبو علي الفضيل بن عياض عن قوله تعالى عن العمل الحسن {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}[الملك: 2] إيه أحسن العمل فقال: ((أحسن العمل أصلحه وأصوبه، لا يصلح العمل ولا يقبل إلا إذا كان خالصا صوابا وخلوصه أن يكون لله، وصوابه أن يكون على السنة)) لازم يكون لله، ومن ناحية الصواب أن يكون عامله على السنة مش مبتدع أنت عامل من عندك، مقلد لأحد غيرك وتقول هذا عملي لازم يكون على السنة فبهذا تصل إلى أحسن العمل.

عثمان عثمان: إذن أتباع ونية صادقة في ختام هذه الحلقة أشكركم مولانا فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب والمخرج منصور الطلافيح وسائر فريق العمل، وهذا عثمان عثمان يترككم في أمان الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة