البيانات الأميركية والبريطانية عن أسلحة الدمار العراقية   
الاثنين 1425/11/29 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:15 (مكة المكرمة)، 14:15 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

محمد كريشان

ضيوف الحلقة:

ريتشارد أرميتاج: مساعد وزير الخارجية الأميركي
د. أحمد إبراهيم محمود: مدير تحرير التقرير الاستراتيجي العربي

تاريخ الحلقة:

06/02/2003

- بيان كولن باول بين كشف الحقيقة والبحث عن الذريعة
- ردود الفعل العراقية واحتمالات الحرب والسلام

محمد كريشان: الأدلة الأميركية عن أسلحة التدمير الشامل العراقية من التسريبات إلى استعراض باول، مزاعم لم تثبت الأيام صدقها، تساؤلات عن مصداقية متآكلة بين فشل أجهزة الاستخبارات واستعجال الحرب والتضليل الإعلامي.

السلام عليكم. العرض الذي قدمه وزير الخارجية الأميركي (كولن باول) أمام مجلس الأمن الدولي لا يبدو أنه غيَّر قناعات أو مواقف، فالذين يقفون مع واشنطن واصلوا قرع طبول الحرب على العراق، فيما لا يزال المعارضون والمتحفظون على مواقفهم المؤكدة على أن الأمم المتحدة -عبر المفتشين الدوليين- هي وحدها المؤهلة لتقييم المعلومات التي قدمها باول، وتقدير مدى صدقيتها.

العراق من جهته استخف بالعرض الأميركي، معتبراً ما سرده باول تكراراً لاتهامات سابقة ثبت زيفها، ولكنها أُخرجت هذه المرة بالمؤثرات الصوتية والبصرية، فبدت كأغنية قديمة بإخراج جديد.

زياد بركات يستعرض بعض عناصر الاستعراضات الأميركية في التقرير التالي الذي تقرأه رفاه صبح.

بيان كولن باول بين كشف الحقيقة والبحث عن الذريعة

تقرير/ زياد بركات - قراءة/ رفاه صبح: كرصاصة دبلوماسية أخيرة في جعبة الولايات المتحدة، جاء بيان وزير الخارجية الأميركي كولن باول أمام مجلس الأمن الدولي، وإذا نحينا جانباً التسجيلات الصوتية وصور الأقمار الاصطناعية التي استخدمها باول، فإن بيانه لم يخرج في خطوطه العامة عن مضمون ملف الحكومة البريطانية الصادر في الرابع والعشرين من سبتمبر الماضي، فـ (بلير) تحدث آنذاك عن قدرة العراق على نشر أسلحة بيولوجية وكيمياوية خلال 45 دقيقة من إصدار أمر بذلك، وأنه حصل على كمية كبيرة من اليورانيوم من أفريقيا، كما أنه قادر على إنتاج أسلحة نووية في غضون عام وأن العراق طوَّر أساليب جديدة للمراوغة، ولتجنب وقوع أسلحته المحظورة في أيدي المفتشين.

وبعد أكثر من أربعة أشهر على صدور ملف بلير تحدث باول مستنداً إلى تسجيلات صوتية، لا يمكن القطع في صحتها تحدث عن قيام العراق بتضليل مفتشي الأمم المتحدة وإتلاف وثائق تؤكد ضلوعه في تطوير أسلحة تدمير شامل، ومتقدماً خطوة على بلير تحدث باول عن لجنة لتضليل المفتشين يرأسها طه ياسين رمضان (نائب الرئيس العراقي)، ولتأكيد ما ذهب إليه استخدم باول صوراً ملتقطة عبر الأقمار الاصطناعية، لإثبات أن العراق أخلى بعض منشآته لتطوير الصواريخ، كما تحدث عن قيام بغداد بإخفاء العلماء عن المفتشين بشكل منهجي، واستبدال بعضهم بضباط في الاستخبارات العراقية.

وفي خصوص الأسلحة البيولوجية قال باول: إن بغداد لم تقدم أي دليل على تدمير مخزونها من هذه الأسلحة مؤكداً وجود مختبرات متنقلة لإنتاج هذه الأسلحة بكميات ضخمة، كما قدم باول صوراً قال إن الأقمار الاصطناعية التقطتها تظهر طائرة تطلق مواد شبيهة بالجمرة الخبيثة، وعلى خلاف بلير الذي ذكر إفريقيا كمصدر للعراق للتزود باليورانيوم، للمضي قدماً في برنامجه النووي المزعوم، تحدث باول عن الهند ودول أخرى لم يسمها، إضافة إلى حديثه عن محاولات عراقية سرية بدأت عام 98، لشراء أنابيب الألومنيوم، لاستخدامها في تخصيب اليورانيوم.

وإذا كانت هذه هي الصورة لدى باول ومن قبله بلير، فإنها تبدو مختلفة تماماً لدى العراق.

الفريق/ عامر السعدي (مستشار الرئيس العراقي): كان هذا عرضاً أميركياً نموذجياً مليئاً بالمؤثرات الخاصة والبهلوانيات، ولكن على أية حال العرض بأكمله كان خرقاً لقرار مجلس الأمن 1441.

رفاه صبح: ويبدو موقف (هانز بليكس) رئيس اللجنة الدولية للمراقبة والتحقق والتفتيش بعيداً إلى حدود كبيرة عن الموقفين الأميركي والبريطاني، فبليكس نفى في حديث لصحيفة "نيويورك تايمز" الشهر الماضي قيام بغداد بإخفاء أو إخلاء أي منشآت محظورة لتجنب تفتيشها، نافياً في الوقت نفسه علمه بأن يكون ضباط في الاستخبارات العراقية قد ادعوا أنهم علماء، والأهم من ذلك تأكيده أن العينات التي أُخذت من مواقع مختلفة في العراق خلال شهرين من التفتيش براً وجواً لم تحتوِ على أي أثار لمواد كيمياوية أو بيولوجية، ما يعني أن ما قدَّمه باول أمام مجلس الأمن يمكن اعتباره مجرد مزاعم، ما لم تُقدم أدلة مادية ملموسة للمفتشين -لا غيرهم- للتأكد من صحته.

وفي خصوص العلاقة المفترضة بين العراق وشبكة القاعدة التي يتزعمها أسامة بن لادن جاء حديث كولن باول مُتوقعاً، وذلك لتهويل خطر الأسلحة العراقية المزعومة في حال انتقالها إلى أيدي مقاتلي القاعدة، وهذه ليست المرة الأولى التي تربط فيها واشنطن ولندن بين بغداد والقاعدة فعقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر تردد حديث عن لقاء مزعوم جمع محمد عطا -قائد تلك الهجمات- مع ضابط عراقي في العاصمة التشيكية براج قبل الهجمات بنحو خمسة أشهر.

غير أن نفي الرئيس التشيكي السابق لذلك اللقاء دفن هذه المزاعم في مهدها، كما ترددت مزاعم أخرى عن لقاء جمع مروان الشيحي وزياد الجراح -وهما من منفذي الهجمات- مع ضابط عراقي في الإمارات قبل هجمات سبتمبر بنحو عام.

ولم تكن أدلة باول الأخيرة أكثر تماسكاً ومصداقية من سابقاتها، بل إن رد زعيم جماعة الإسلام المتهمة الملا (كريكار) يبدو أكثر إقناعاً، فهل تريد واشنطن فعلاً كشف الحقيقة أم مجرد البحث عن ذريعة تبرر حربها المحتملة؟

محمد كريشان: إذن هل تريد واشنطن فعلاً كشف الحقيقة، أم إنها تبحث عن مجرد ذريعة لحربها المحتملة على العراق، خاصة في سياق تصاعد المعارضة عالمياً لمثل هذه الحرب؟ معنا من واشنطن ريتشارد أرميتاج (مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا).

سيد أرميتاج، الأدلة التي قدمها السيد كولن باول يبدو أنها لم تقنع في النهاية إلا من كان مقتنعاً منذ البداية مع واشنطن ولم تكسب مقتنعين جدد؟

ريتشارد أرميتاج: لا أعتقد أنني أتفق معك بالرأي، فإذا كنت تشير للتعليقات التي كانت في مجلس الأمن، أعتقد أن معظم هذه التعليقات كانت مكتوبة قبل أن يقدم وزير الخارجية باول هذه البيانات، ولكن عندما التقى باول بكل الأعضاء والأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن، فحصلنا على آراء مختلفة وكانت مؤيدة أكثر مما بدا في السابق.

محمد كريشان: يعني ربما هذا الكلام صحيح، ولكن لا أحد أعلنه أمام الرأي العام الدولي، وبالتالي فنحن نلتزم بما قاله الناس، وطالما أنهم أعدوا ورقاتهم قبل أن يتحدث باول، فهذا دليل أنهم متأكدون أنه لن يقول شيئاً جديداً.

ريتشارد أرميتاج: نعم، أعتقد أن عليكم أن تتابعوا التقارير من مختلف عواصم العالم من الـ 15 دول الأعضاء في مجلس الأمن، وأعتقد أننا سنسمع الرأي العام في هذه الدول، وهذا سيؤثر على الحكومات وقد بدأ بالفعل.

محمد كريشان: ما رأيكم فيما قاله الفريق عامر السعدي من أن كولن باول كان انتقائياً في اختيار الاستشهادات من تقرير بليكس والبرادعي، وبالتالي كان هناك توظيف لما قالوه؟

ريتشارد أرميتاج: كلا، كان واضحاً.. وزير الخارجية باول واضحاً فيما قاله وأكَّد يوم أمس: أننا نضع في الاعتبار أننا نعرض على الملأ أهم شيء في المعلومات، فمعظم المعلومات التي عُرضت كانت من أعضاء مجلس الأمن أنفسهم، هذه المعلومات الاستخبارية كانت ليس فقط من الاستخبارات الأميركية فقط.

محمد كريشان: ولكن -تحديداً- المعلومات الاستخبارية سيد أرميتاج، عموماً لا يمكن التأكد من مدى مصداقيتها ونزاهتها، وبالتالي فالفبركة تبقى واردة في النهاية نظرياً على الأقل؟

ريتشارد أرميتاج: لن أتحدث نظرياً بل أتحدث عملياً، من الجانب العملي فلدينا هنا قائد، وهو صدام حسين ونظام عراقي أُثبت أنه مذنب، وحتى في القرار.. قرار الأمم المتحدة (1441) فهنالك انتهاكات لهذا القرار بشكل مستمر والقرارات الأخرى، فإذا كان هنالك أزمة في المصداقية، فهي في بغداد وليس في مجلس الأمن وتقارير المفتشين.

محمد كريشان: هناك من يقول أن حتى داخل المؤسسة الحاكمة في الولايات المتحدة، هناك حتى خلافات على مستوى أجهزة الأمن، يعني أجهزة الأمن والاستخبارات لا تؤيد بالضرورة كل الآراء السياسية المبنية على المعلومات الاستخبارية الأميركية؟

ريتشارد أرميتاج: نعم، أعتقد أن استعراضاً دقيقاً وحذراً للأشرطة التي عرضها وزير الخارجية باول وتبين أن.. وزير الدفاع.. (تينت) كان يجلس خلف باول وكان يؤيده، هذا مؤشر على التأييد وأن جميع المؤسسة الأمنية والاستخبارية تقف مع هذا الموقف.

محمد كريشان: سيد أرميتاج، اسمح لي في اعتبار أن بعض المعلومات التي قالها السيد باول بدت للبعض مضحكة، اسمح لي بهذه العبارة، يعني عندما يتم تسجيل لمكالمة بين ضابطي جيش في الجيش العراقي ويتحدثون بشكل صريح على أسلحة محظورة، هذا التعبير لا يمكن استعماله من قبل ضابط جيش بإمكانه أن يستعمل شفرة، هناك معلومة أخرى، مثلاً عندما يتم الحديث عن أن بعض العلماء وقعوا على تعهدات بأنهم إذا ما باحوا بشيء، فسيتم قتلهم من يعرف العراق يعرف أن مثل هذه الأمور لا تحتاج إلى.. إلى توقيع يعني؟

ريتشارد أرميتاج: بداية إذا وقَّع العلماء هذه الأوراق، ولدينا معلومات عن ذلك، فهذا.. لم يكن لديهم خيار في ذلك، ونحن نعرف عن النظام العراقي أنه لا يكفل، للجميع الخيار في أي شيء، وأيضاً بالنسبة للتسجيلات.. تسجيلات المكالمات الهاتفية، ولدينا عمل استخباراتي، وأنا بوسعي أن أتحدث عن الغباء الذي يمكن أن يتحدث به بعض الضباط في مكالماتهم الهاتفية.

محمد كريشان: هانز بليكس اليوم في.. في حديث نشرته صحيفة "الحياة" الصادرة في لندن، يلوم الولايات المتحدة لأنه كان يفترض -حسب الفقرة العاشرة من قرار مجلس الأمن 1441- أن تعطي واشنطن هذه المعلومات لفرق التفتيش ولا تعلنها بشكل مسرحي للرأي العام الدولي هكذا.

ريتشارد أرميتاج: لا لم أَرَ هذا.. هذه المقابلة التي أُجريت مع صحيفة "الحياة" لكن بشكل عام هانز بليكس حتى هذه المرحلة عبَّر عن رضا كبير بالمعلومات الاستخبارية التي زودناه بها، ونحن.. ولاحظنا أنه في البيان الذي قدمه وزير الخارجية باول كان هنالك أيضاً تقرير بالنسبة للمفتشين ووجود.. ووصول المفتشين وأيضاً أشار وزير الخارجية باول إلى أمور أخرى، فلا أدري إذا كانوا غير مسرورين بالمعلومات التي زودناهم بها حتى الآن.

محمد كريشان: إذا افترضنا أن المعلومات التي ذكرها السيد باول كانت صحيحة يعني إذا تم مد لجان التفتيش بمثل هذه المعلومات، كان يمكن ضبط العراق بالجرم المشهود -كما يقال- من الناحية القانونية، يعني أنكم في النهاية أضعتم فرصة بالنسبة للحقيقة إذا كانت هذه المعطيات صحيحة بالطبع؟

ريتشارد أرميتاج: نعم، إن العراق مُتهم ومُدان فعلاً إذا ما قرأنا القرار 1441، فـ 15 عضواً في مجلس الأمن -وحتى سوريا- اعترفوا أن العراق مُذنب، فهذه المسألة الآن ليس للمفتشين أن يبحثوا عن الأدلة، بل هم يريدون أن يتحققوا من مسألة نزع السلاح العراقي ويتأكدوا أن العراق قام بنزع السلاح، وبالتالي على النظام العراقي أن يكون شفافاً ومنفتحاً للجميع، لم يتخذ هذا القرار والوقت بدأ ينفذ، حتى السيد بليكس قال هذا -قبل يومين- أن الوقت ينفذ أمام العراق.

محمد كريشان: سيد أرميتاج، هناك معلومات ذكرها مسؤولون أميركيون من قبل، وجاء السيد هانز بليكس في "نيويورك تايمز" بتاريخ 30 يناير الماضي وكذَّبها، ثم يأتي السيد كولن باول ويعيدها، رغم.. رغم نفي السيد بليكس، ما تفسير ذلك وأستعرض هنا بسرعة مسألة التنصت على المفتشين غير صحيحة -حسب السيد بليكس- نقل معدات أمر غير دقيق أيضاً، ثم التمويه بالنسبة للعلماء وتقديم بعض عناصر الأمن العراقي على أنهم علماء، هذه معلومات كذَّبها السيد بليكس، ويعيدها السيد باول، كيف نفسر ذلك؟

ريتشارد أرميتاج: سأقول أن الدكتور بليكس الذي أجرينا معه الكثير من المحادثات، وبالتأكيد ليس لديه أي قلق بالنسبة للمعلومات التي عُرضت يوم أمس، وفي المقالة التي أشرت إليها في "الحياة" وغيرها، لكن أعتقد أنني سأكون متفاجئاً إذا كان الأمر كما وصفته.

محمد كريشان: نعم، على كل يعني الأمور تبدو واضحة مبدئياً، السيد بليكس والبرادعي سيذهبان إلى بغداد في الثامن والتاسع من هذا الشهر، وهناك جلسة في الرابع عشر من فبراير في مجلس الأمن، هل يمكن أن نعتبر هذه الجلسة -بنظر واشنطن- جلسة بداية العد التنازلي للحرب؟ كيف تفسرها؟ كيف تنظر إليها واشنطن؟

ريتشارد أرميتاج: قبل البيان الأخير من السيد بليكس، فكثير من الناس في العالم العربي قالوا: أن هذا التقرير سيعتبر عبارة عن العد التنازلي للحرب، فلا يوجد ساعة سحرية أو عداد سحري للحرب، نحن مهتمين في أن نسمع ما لدى الدكتور بليكس والدكتور برادعي، وعلى مجلس الأمن أن يتخذ القرار، ونحن نمضي مع ذلك.

محمد كريشان: يعني لنفترض أن بليكس والبرادعي عادا من بغداد ولديهم تقييم مختلف للنظرة الأميركية، ولما قاله باول -على الأقل- في جزء مهم منه، هل واشنطن مستعدة لمراجعة موقفها وسياستها تجاه بغداد؟

ريتشارد أرميتاج: أنا دائماً أقول أن علينا أن نرى ما لديهم، وأن ننتظر النتائج ولن أفترض شيئاً مسبقاً قبل أن نرى تقاريرهم.

محمد كريشان: ولكن يعني كيف يمكن لواشنطن أن.. أن تقنع جزء كبير من الرأي العام الدولي بأن واشنطن تريد ضرب العراق مهما كانت النتيجة بدليل أنها مستعدة لضربه حتى خارج قرار مجلس الأمن وقرار ثاني؟

ريتشارد أرميتاج: لا أدري إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على إقناع العالم بأي شيء، لكن لاحظت أن كثير من الناس قالوا أن الرئيس بوش لن يذهب إلى الأمم المتحدة ولن يلجأ إلى الأمم المتحدة، بل فعل ذلك، وهو ملتزم في أن يتابع هذه المسألة ويحاول الوصول إلى حل قالوا أنه لن يسمح للمفتشين بالوقت أن يفعلوا عملهم، لكنه ترك لهم الوقت الكافي، وقالوا: أنه لن يسمح لهانز بليكس أن يقدم تقريره، وأن يقول أن العراق لا يتعاون دون الدعوة للقيام بعمل عسكري، لكن الرئيس بوش فعل ذلك، لقد أظهر الرئيس بوش صبراً طويلاً، لكن هذا الصبر بدأ ينفد، والآن حان الوقت لصدام حسين والعراق أن يتخذوا قرارهم في تجنب الحرب، وهذا القرار يعود لهم.

محمد كريشان: ولكن سيد أرميتاج، من الذي يحدد أن الصبر نفد، وبأن الوقت نفد السيد بوش أم مجلس الأمن؟

ريتشارد أرميتاج: نعم، لقد قلنا أننا نفضل العمل من خلال مجلس الأمن وأن رئيسنا لن ينتظر للأبد، ونحن نشعر بأننا ملزمون بهذا العمل تجاه التخلص من أسلحة الدمار الشامل، وأن السيد بليكس أشار.. إذا أشار أن العراق لديه هذه الأسلحة، فنحن مستعدين للعمل في هذا الصدد.

محمد كريشان: إذا.. إذا ما لم يذهب مجلس الأمن في اتجاه إقرار قرار ثاني لتوجيه ضربة للعراق وقمتم أنتم بأنفسكم بذلك، كما يكرر السيد بوش باستمرار، ألا تبدو هناك مفارقة بين الحرص على تطبيق الشرعية الدولية والقرارات الدولية -كما تقول واشنطن- عن طريق أسلوب يخرق قرارات مجلس الأمن والشرعية الدولية؟

ريتشارد أرميتاج: هذا الأمر أعتقد إنه ادعاء خطير جداً، ولا أعرف أنهم كيف يكون ممكن إذا كان لدينا قرارات لمجلس الأمن، فهو من حد ذاته، فهو شرعي دولياً، وما قلناه فيه إجابة مباشرة على سؤالك نحن لسنا بحاجة إلى قرار آخر من الأمم المتحدة، هذا نفضله، لكن القرار الواضح، إذا وجدنا العراق لديه اختراق مادي، فهناك إجراءات وتوابع جادة وخطيرة بالنسبة للعراق، وقد وضحنا أن مجلس الأمن لديه عبارات واضحة تحذر باستخدام الوسائل الممكنة واللازمة لفرض الالتزام على العراق، فالقانون الدولي بالفعل موجود ويجب الالتزام به.

محمد كريشان: سيد ريتشارد أرميتاج (مساعد وزير الخارجية الأميركي) من واشنطن، شكراً جزيلاً لك.

مرافعة باول أمام مجلس الأمن لم تقنع المرتابين في ضرورة الحرب أو جدواها، ومع ذلك فالعراق مُطالب بإثبات براءته.

بعد الفاصل: تساؤلات عن ردود الفعل العراقية واحتمالات الحرب والسلام.

[فاصل إعلاني]

ردود الفعل العراقية واحتمالات الحرب والسلام

محمد كريشان: من الواضح أن العرض الذي قدمه باول كان يهدف إلى تأكيد موقف واشنطن المعروف، ومفاده أن العراق متهم بانتهاكات مادية واضحة للقرار 1441، وهو ما يبرر مواجهته، ومع ذلك فأمام العراق بعض الوقت للرد على الاتهامات، لكن كيف؟ وما الذي عليه القيام به لإثبات براءته إن كان فعلاً بريئاً؟ معنا من القاهرة الدكتور أحمد إبراهيم محمود (مدير تحرير التقرير الاستراتيجي العربي وخبير الشؤون العسكرية في مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية في الأهرام) دكتور، كيف يمكن للعراق أن يتصرف الآن بشكل مُجْدي بعد تقرير باول؟

د. أحمد إبراهيم محمود: في تقديري إنه تقرير باول بالأمس يعتبر مؤشر على أن الإدارة الأميركية قد حسمت أمرها ببدء الهجوم على العراق، وربما لا يعلم الكثيرون أن مجرد تقديم الأدلة التي قدمها باول بالأمس وبالذات فيما يتعلق بالمكالمات الهاتفية كان يعني أن إدارة بوش قد حسمت أمرها، لأن الكشف عن هذه الأدلة، بصرف النظر عن مدى قوتها أو ضعفها، وما إذا كانت حقيقية أم ملفقة، هذا الكشف عن الأدلة بيكشف مصادر استخباراتية هامة جداً من وجهة نظر الإدارة الأميركية، وكان هناك قدر كبير من الجدل في داخل أجهزة الأمن القومي الأميركية بشأن ما إذا كان يتم الإعلان عن هذه الأدلة أم لا، وبالذات -كما قلت- بالنسبة للمكالمات الهاتفية، لأن هذه المكالمات تم تسجيلها وبمعرفة وكالة الأمن القومي الأميركية السرية، وكان هناك خوف من أن الكشف عنها سوف يحرم الولايات المتحدة مستقبلاً من هذه المصادر، لأن العراقيون.. لأن العراقيين سوف يتحسبون بالضرورة لمثل هذه المسائل مستقبلاً، وبالتالي فإنه الكشف عن هذه الأدلة -بالذات في المكالمات الهاتفية- يعني أن الإدارة الأميركية قد حسمت أمرها، فيما يتعلق بباقي الأدلة، فإن باول لم يقدم جديداً وأعاد تكرار الكثير من الأدلة، التي كان قد سبق الرد عليها، سواء من جانب العراقيين أو من جانب بليكس والبرادعي، وبالتالي فأنه بالنسبة للجانب العراقي في الوقت الحالي، فأن المطلوب هو تكثيف الجهود الدبلوماسية من أجل الرد على الإدعاءات الأميركية، وهذا مفيد ليس من حيث تعديل الموقف الأميركي لأن الموقف الأميركي يبدو قد حسم أمره، ولكن بالذات من أجل مخاطبة القوى الدولية الأخرى، وبالذات الدول الأوروبية والعديد من دول العالم الأخرى التي لم تقتنع إطلاقاً بالأدلة الأميركية، وترى أن الموقف الأميركي شديد التعنت بالنسبة للموقف من العراق.

محمد كريشان: نعم، سيد أرميتاج كان معنا في البرنامج، كيف ترى تفاعل واشنطن مع الردود الأولية على أدلة باول بين قوسين؟

د. أحمد إبراهيم محمود: الحقيقة أنه كل طرف بينظر إلى ردود الفعل حسب مصالحه. الأميركيون يرون أن ردود الفعل الدولية مواتية للموقف الأميركي وبشكل عام، فأن هذه المسألة تصب في إطار الموقف الإجمالي للولايات المتحدة، لأنه إدارة بوش ترى أن حدة الرفض الدولي لموقفها الحالي والمظاهرات التي تندلع في معظم العواصم العالمية، هذا الرفض سوف تخف حدته في حالة ما إذا بدأ الهجوم، ويستحضر الأميركيون في هذا المجال ما حدث أثناء حرب الخليج الأولى في عام 1991، لأن الأميركيين يرون أنه عندما بدأت الحرب في تلك الفترة فأن حدة الرفض الدولي، وحتى الداخلي في الولايات المتحدة خفت كثيراً مع بدء العمليات العسكرية، على الرغم من أن الموقف وقتذاك كان أكثر وضوحاً بكثير، لأن الغزو العراقي للكويت كان مُداناً بكل تأكيد، وكانت المسألة أوضح بكثير، وكان الموقف وقتذاك ينصب على إعطاء فرصة أكبر للجهود الدبلوماسية، لإخراج العراق من الكويت، في الوقت الحالي فأن الإدارة الأميركية ترى أنه إذا بدأت العمليات بالفعل، فإن حدة الرفض الدولي للموقف الأميركي سوف تخف كثيراً.

نقطة أخرى يعول عليها الأميركيون كثيراً وهي: أن القوى الدولية والإقليمية المعارضة للموقف الأميركي لن تتشبث بموقفها كثيراً إذا أدركت أن الإدارة الأميركية حسمت أمرها، لأن المسألة ببساطة أن الدول الأخرى سوف تعادي وتعارض الإدارة الأميركية من أجل مَنْ؟ من أجل صدام حسين؟! بالتالي فأن الإدارة الأميركية ترى أن هذه المواقف الدولية سوف تخف حدتها كثيراً في حالة ما إذا بدأت عملية الحرب بالفعل خلال الفترة القصيرة القادمة، حسب المؤشرات الأولية الصادرة عن الولايات المتحدة وبالذات فيما يتعلق بقرب استكمال الحشد العسكري الذي يمكن أن يبدأ الحرب ضد العراق.

محمد كريشان: دكتور في النهاية، أقتبس هذا الرأي للصحفي عبد الوهاب بدرخان اليوم يقول: قوة الحجة الأميركية -يقصد- ليس في أنها دامغة، بل في أنها أميركية، هل هذا هو واقع الحال في نهاية المطاف يعني؟

د. أحمد إبراهيم محمود: الحقيقة إنه الحجج الأميركية هنا -كما قلت-هي مكررة وليست جديدة، وليست قوية وليست مقنعة بأي حال من الأحوال، ولكن المسألة هنا: أن الإدارة الأميركية لم تأخذ مسألة التفتيش بجدية منذ البداية، هي كانت تعوِّل على كسب المزيد من الوقت، لاستكمال الحشد العسكري، وكانت تسعى إلى إثبات أنها استنفذت كافة الطرق السلمية والدبلوماسية لإزالة أسلحة الدمار الشامل المزعومة في العراق، وبالتالي حتى يبدو، عندما تلجأ إلى الخيار العسكري أنها قد استنفذت الطرق الأخرى، بالتالي فأن ما قدمه باول بالأمس ليس أكثر من اختلاق الذرائع لبدء الحرب الفعلية ضد العراق، ويبدو أن الإدارة الأميركية -كما قلت- قد حسمت أمرها في هذا الاتجاه.

محمد كريشان: دكتور أحمد إبراهيم محمود شكراً جزيلاً لك.

وبهذا نصل إلى نهاية هذه الحلقة من (قضايا الساعة) في نهايتها أعتذر عن بحة الصوت من المصدر هذه المرة، وإلى أن نلتقي في حلقة قادمة بإذن الله، تحية طيبة وفي أمان الله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة