ناصر شيرازي .. موقف العلماء من الهجوم على أفغانستان   
الجمعة 15/4/1425 هـ - الموافق 4/6/2004 م (آخر تحديث) الساعة 6:08 (مكة المكرمة)، 3:08 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

غسان بن جدو

ضيف الحلقة:

ناصر مكارم شيرازي: أحد كبار مراجع التقليد في قم

تاريخ الحلقة:

01/10/2001

- موقف العلماء من التصعيد الأميركي للهجوم على أفغانستان
- مفهوم الإرهاب عند علماء قم

- موقف علماء قم من انفتاح دولة إيران على الغرب

- مدى وجود حلقة وصل بين علماء قم ومسؤولي الدولة

مكارم شيرازي
غسان بن جدو
غسان بن حدو: مشاهدينا المحترمين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

في خضم التطورات الأخيرة، ولا سيما ما يتعلق بالتصعيد الأميركي المحتمل على أفغانستان والمنطقة، عقب التشهيرات التي وُصِّفت بالإرهابية، واستهدفت أماكن عامة في نيويورك وواشنطن كان لابد لنا أن ننتقل إلى قم ونسمع رأي كبار العلماء، وخاصة منهم من يعتبرون مراجع تقليد.

في قم نستضيف اليوم آية الله العظمى ناصر مكارم الشيرازي هو أحد كبار مراجع التقليد في العالم الشيعي، ولعله كبير مراجع التقليد الآن في قم وفي إيران، مرحباً بكم سماحة آية الله.

آية الله العظمى ناصر مكارم شيرازي: أهلاً وشكراً لكم.

موقف العلماء من التصعيد الأميركي للهجوم على أفغانستان

غسان بن جدو: سيدي الفاضل، ننطلق مباشرة من هذه التطورات الأخيرة، ما هو موقف العلماء بشكل واضح وصريح من هذا التصعيد الأميركي المحتمل عقب -كما قلت- التغييرات الإرهابية التي استهدفت نيويورك وواشنطن؟

آية الله العظمى ناصر مكارم شيرازي: بسم الله الرحمن الرحيم. أتصور أن هذه القضية حساسة ومهمة جداً، فكل العالم يعاني منها بشكل من الأشكال، وإذا ما جرت مواجهتها بعقلانية، فقد تكون هذه بداية لتغيير إيجابي للبشرية، بمعنى أنه لن تكون لدينا مشكلة في المستقبل اسمها الإرهاب، ولكن إذا جرى التعامل معها بشكل سيئ فستكون كارثة كبرى لكل العالم، وبالنسبة للعالم الإسلامي فإنه في هذه القضية سيواجه الإرهاب بشكل أكثر، لأن أعداء الإسلام يصرون على اتهام المسلمين بهذا الأمر، والانتقام من العالم الإسلامي، ولهذا السبب يتعين على المسلمين أن يتحلوا بأقصى درجات اليقظة، وأن يقفوا متحدين بوجه هذا الشكل من الاستغلال السيئ، وألا يسمحوا بأن تنسب إليهم أعمال مجموعة إرهابية سيكون ذلك ذريعة لتهديد بلد إسلامي أيَّا كان هذا البلد، وتراق دماء الأبرياء في هذا الطريق.

غسان بن جدو: لكن بحسب ما نراقب خلال السنوات الأخيرة علاقاتكم أنتم مع أفغانستان حركة طالبان هي علاقات سيئة، بل أكثر من ذلك، يعني لم نسمع كلمة إيجابية واحدة هنا في إيران حتى من كبار المسؤولين، حتى بما فيها المرشد آية الله علي خامنئي الذي وصف هذه الحركة بأنها حركة رجعية، فلماذا الآن يبدو وكأنكم ترفضون بشكل واضح أي تهديد أميركي لأفغانستان طالبان؟

آية الله العظمى ناصر مكارم شيرازي: ليست القضية قضية طالبان، ونحن بطبيعة الحال ليس لدينا انطباع طيب عن طالبان، لكن القضية هي شعب أفغانستان الذي يجب أن يبقى، وأفغانستان بلد إسلامي يجب أن يبقى، وعليه فإن الموقف الذي نتبناه هو في الحقيقة موقف من شعب أفغانستان ودولة أفغانستان، ومن وجهة نظرنا لا صلة لذلك بموضوع طالبان.

غسان بن جدو: لكن تعلمون جيداً سماحة الشيخ شيرازي بأن في باكستان كانت هناك مظاهرات رُفعت فيها شعارات واضحة تهدِّد بإيران في موقفها المعلن من أنها مستعدة للتعاون مع المجتمع الدولي على مكافحة الإرهاب، وفُهم أن هذا الأمر هو مناقض لأفغانستان، بل أقول أكثر من ذلك، هناك رأي يعتبر بأن هذه فرصة تاريخية لإيران الشيعية -بين قوسين- من أجل تصفية حسابات مع أفغانستان الإسلامية السنية بين قوسين.

آية الله العظمى ناصر مكارم شيرازي: هذا خطأ تماماً، ما ألمسه في بلدنا هو عدم وجود أي استعداد للتعاون مع أميركا لضرب أفغانستان، ولا يوجد حتى من يفكر بهذا الأمر، كذلك ليس من الصحيح أن نقلل من مستوى تفكيرنا من أجل الانتقام من طالبان، ونرضى بتدمير شعب أفغانستان وبلد مسلم، يجب أن نرتقي بتفكيرنا في هذا الموضوع، وأن نخرج من دائرة التفكير الضيق، وإذا كان الطالبان قد ارتكبوا أخطاءً -وهم كذلك بالتأكيد- فعلينا العمل بالشكل الذي نغض الطرف في الوقت الحاضر عن ذلك، ونتوجه لإنقاذ شعب ودولة أفغانستان.

غسان بن جدو: طيب ما هو موقفكم من إعلان الحكومة الإيرانية هناك بأنها مستعدة بالفعل بالتعاون مع المجتمع الدولي -بما فيها طبعاً الولايات المتحدة الأميركية- على مكافحة الإرهاب؟

آية الله العظمى ناصر مكارم شيرازي: إيران مستعدة لمكافحة الإرهاب، لكن شريطة أن يتم ذلك عن طريق مجلس الأمن والأمم المتحدة، بيد أنه لا يُوجد أي استعداد لدينا إطلاقاً بأن يبيدوا شعب أفغانستان، أو أن تراق دماء الأبرياء، لا علماؤنا ولا مسؤولوا الدولة ليس مطروحاً هذا الموضوع لديهم إطلاقاً بحسب علمي، قد يكون هناك أشخاص يتصورون بأن الفرصة مواتية لدفع المسألة في هذا الاتجاه، لكن مسؤولي الدولة أكثر يقظة من أن يقعوا في هذا الفخ.

مفهوم الإرهاب عند علماء قم

غسان بن جدو: ما هو مفهومكم للإرهاب سماحة الشيخ؟

آية الله العظمى ناصر مكارم شيرازي: ما نعتقده هو أن جريمة قد حصلت، ودماء أبرياء أُريقت، وهؤلاء كانوا أشخاصاً لم يقتلوا في ساحة حرب، ولم يكن لهم دخل في الأمور الحربية، نحن نقول: إن ما حصل كان جريمة لا يمكن الرد عليها بجريمة أخرى.

غسان بن جدو: التفجيرات التي استهدفت أماكن عامة في نيويورك وواشنطن، هل تعتبرونها إرهابية؟

آية الله العظمى ناصر مكارم شيرازي: نعم التفجيرات التي حصلت كانت بالتأكيد ذات طابع إرهابي، طبعاً هذه التفجيرات لها جذورها، ويجب تحديدها والتصدي لهذه المسائل بصورة جدية والمواجهة الانفعالية والانتقامية لها والاستغلال المتسرَّع لها عمل غير عقلاني.

غسان بن جدو: هل تعتقدون بأن بالفعل بن لادن وجماعته وراء تفجيرات.. تفجيرات نيويورك وواشنطن؟ هل تعتقدون أو تصدقون هذه.. هذا الإعلان الأميركي الآن وإذا كان كذلك، أي أن بن لادن كان وراء هذه التفجيرات، هل تعتقد بأن بن لادن أخطأ في هذا الأمر، أم دفاعاً عن النفس؟

آية الله العظمى ناصر مكارم شيرازي: بلا شك إذا كان بن لادن هو الذي قام بهذا العمل فهذا خطأ، فنحن لا نقبل باستهداف أبرياء حتى وإن كانت هذه العمليات رداً على ما ترتكبه أميركا أو إسرائيل من جرائم ضد الآخرين، وعليه فإن هذا العمل كان خطأ، بيد أننا لا نصدق أن هذا العمل كان عمل أمثال بن لادن، قد يكون عمله أو قد لا يكون كذلك، والجزم بهذا الشكل المتسرع والذي ربما يسجل سابقة في القرن الحالي غير صحيح، ولو ثبت أن أشخاصاً ما قد قاموا بهذا العمل، فينبغي ملاحقتهم ومحاكمتهم وفقاً للمعايير الدولية، وتحت إشراف الأمم المتحدة لينالوا عقابهم.

غسان بن جدو: لكن يبدو حتى الآن أن القضية.. صحيح أن ربما الأمم المتحدة -هي نفسها مثل كل التجمعات في العالم- أعلنت عن تنديدها لما حصل، ولكن يبدو أن القاطرة الآن تسير بربان واحد هو الربان الأميركي، وإلى حد أن الرئيس الأميركي (بوش) الابن قال: من ليس معنا في عملية مكافحة الإرهاب فهو ضدنا، أي بمعنى آخر إما نكون مع الولايات المتحدة الأميركية أو ضدها في هذا الأمر بشكل أساسي، كيف ترون هذا.. هذا القول الحاسم؟

آية الله العظمى ناصر مكارم شيرازي: برأيي إن هذا خطأ تاريخي كبير لرجل سياسة معروف في العالم، وهو رئيس دولة عظمى، ولم يكن مرجواً إطلاقاً من رئيس لديه مستشارون، وامتهن السياسة أن يطلق مثل هذا الكلام غير المنطقي وبهذه الصورة فيقول: إن كل من ليس معنا فهو ضدنا، أنا لا أنسى أنه إبان حرب فيتنام طُرح مثل هذا الشعار من قبل أحد رجال السياسة الأميركان، الذي قال: إن كل من لا يكون معنا في فيتنام فهو ضدنا، أو أن كل من لا يقف بوجه الشيوعيين فهو مناوئ لنا، هذه الشعارات مخربة وغير منطقية تماماً، وكم هو جيد أن يعتذروا عن مثل هذه المواقف والتصريحات، لأن من يقول هذا الكلام يعني أن من لديه القدرة على البطش يمكنه فرض آرائه على الآخرين وإلا فإنه سيعتبرهم ضده ويواجههم، هذا كلام غير معقول وغير منطقي.

غسان بن جدو: لكن ألا تعتقدون -سماحة الشيخ- بأن هول الفاجعة التي أصابت أميركا بهذا الشكل، الآلاف من القتلى، الآلاف من الجرحى، خسائر بمليارات الدولارات بشكل غير طبيعي، ألا تعتقدون بأن هذه الفاجعة قد تضطر الولايات المتحدة الأميركية بما فيها رئيسها -بطبيعة الحال- أن يتحدث بهذا المنطق وحتى أحياناً يزل لسانه -لو صح التعبير- كما ذكر عن أن هذه الحرب هي حرب صليبية، ولكنه في الوقت نفسه يعني زار الأماكن الإسلامية إلى آخره، ولكن ألا تعتقدون بأن للولايات المتحدة الأميركية أيضاً مبررات وأعذار سواء بهذا التصرف أو بهذا الكلام؟

آية الله العظمى ناصر مكارم شيرازي: طبعاً نحن نرجو أن يكون كذلك، وأن ذلك كان خطأ وهفوة حصلت بفعل فداحة الفاجعة، وكانت سبباً في زلة لسان، لكننا نخشى أن تكون هذه هي استراتيجية وسياسة، وإذا كانت كذلك فإنها كارثة، طبعاً إذا كانت بمستوى هفوة، فإن رجال السياسة -وخاصة في الأزمات- قد يقعون في خطأ، لكننا نخشى أن يأتي اليوم الذي تتحول فيه هذه إلى استراتيجية يعمل ويخطط أحدهم على أساسها.

غسان بن جدو: سماحة آية الله الشيرازي، كنتم تقريباً أول مرجع تقليد هنا في إيران أصدر موقفاً وبياناً واضحاً من التطورات الأخيرة، و.. وما لفت انتباهنا في موقفكم هو بأنكم قلتم إن العالم الإسلامي -ونفهم أن من بينه إيران.. من ضمنه إيران- لن يقف مكتوف الأيدي إذا هوجم بلد إسلامي، ما الذي يمكن أن تفعلوه؟ لن تقفوا مكتوفي الأيدي، ولكن ما الذي يمكن أن تفعلوه عملياً؟

آية الله العظمى ناصر مكارم الشيرازي: طبعاً الأحداث هي التي ستحدد طبيعة المواقف المستقبلية، ولا يمكن تحديد ذلك الآن، هناك بند في دستورنا ينص على أنه إذا تعرض بلد إسلامي لهجوم، فإننا سنقف إلى جانب الدول الإسلامية، وحتى الدول غير الإسلامية، فالدستور ينص على أنه إذا كان هناك شعب مظلوم في العالم علينا مساعدته، فكيف بك إذا كانوا مسلمين؟ ولهذا السبب فإن إيران من أكثر الدول فاعلية في قضية فلسطين، والإسرائيليون يصرحون بأن أكبر أعدائنا هي إيران، ولقد برهنت إيران دائماً على ثبات موقفها بخصوص قضية فلسطين وفي القضايا الأخرى كذلك.

غسان بن جدو: لنفترض بأن هناك شرطاً أمام.. على إيران من قبل قوى عظمى من أجل أن تتخلى عن دعمها لحزب الله، ما هو موقف علماء الدين الكبار في إيران من هذا الأمر؟

آية الله العظمى ناصر مكارم شيرازي: كونوا واثقين بأن إيران لن تتخلى عن دعم حزب الله، وهو دعم سياسي ومعنوي وليس دعماً عسكرياً، ولقد أثبتت إيران لحد الآن أنها لا يمكن أن تتخلى عن حزب الله، لأن حزب الله أصبح يمثل شرف المسلمين وكرامتهم، وكان السبب في انسحاب وتقهقر العدو من لبنان، وبرأيي فإن على كافة الدول الإسلامية أن تدعم حزب الله لاسترداد الحقوق المشروعة في قضية فلسطين، هؤلاء هم أصحاب الأرض، والغاصبون هم الذين جاءوا واحتلوا أراضيهم، ومن حق هؤلاء أن يدافعوا عن أرضهم، الإسلام والقرآن والعقل والمنطق منحهم الحق في الدفاع عن بلدهم، وكونوا واثقين أن علماء الإسلام سيؤيدونهم في نيل حقوقهم.

موقف علماء قم من انفتاح دولة إيران على الغرب

غسان بن جدو: ما هو موقفكم كعلماء -بطبيعة الحال- من المسيرة الواضحة الآن للدولة الإيرانية بالانفراج المتزايد على الغرب، والذي قد يفضي بعد إذٍ إلى انفراج حتى مع الولايات المتحدة الأميركية؟

آية الله العظمى ناصر مكارم شيرازي: لا أعتقد أن إيران ستتعاون مع الغرب، أما التعاون مع أميركا فهو غير مطروح إطلاقاً في الوقت الحاضر، لأننا نعتقد أن مثل هذا التعاون سيلحق الضرر بأحد البلدان الإسلامية، الوضع القائم هو أن لأغلب الدول الإسلامية علاقات مع الغرب، ولنفترض أن إيران في عزلة، فأقصى ما تقوم به هو أن تعمل للخروج من هذه العزلة، لكن ليس بإلحاق الضرر بأحد البلدان الإسلامية، فهذا يتناقض مع دستورنا.

غسان بن جدو: هل هناك مانع شرعي بالنسبة لكم كعلماء من تطبيع العلاقة في يوم ما بين إيران وأميركا؟

آية الله العظمى ناصر مكارملشيرازي: بالنسبة لأميركا -كما تعلمون- فإن وجهة نظرنا التي يتفق معها مسؤولو الدولة تقريباً هي أن الظرف القائم بيننا وبين أميركا لا يتيح لنا إقامة مثل هذه العلاقات، لكن إذا ما تغيرت الظروف، وأعادوا لنا حقوقنا، واعترفوا بمطالبنا ومطالب العالم الإسلامي، وبصورة إجمالية إذا ما حصل تغير كلي في موقفهم، فقد يحصل تغيير أيضاً في الموقف الإيراني، بيد أننا لا نعتقد بوجوب استعداد لمثل ذلك في الوقت الحاضر، لا لدى شعبنا وعلمائنا ومسؤولي دولتنا، ولا حتى من جانب الأميركان أيضاً.

غسان بن جدو: يعني ما شاء الله عليك، واضح أن رغم أنني أتحدث إلى مرجعية دينية وشيعية، ولكن في بعض الأحيان تجيبون بمنطق السياسي تماماً، وحتى منطق الدولة الإيرانية، ومع ذلك أعاود التركيز على هذا السؤال، هل أن ما يتعلق بمستقبل العلاقة بين إيران وأميركا المصلحة هي التي تحددها.. تتحدد هذه العلاقة، أم الشرع هو الذي يحددها؟

آية الله العظمى ناصر مكارم شيرازي: أقول لك بلغتنا الفقهية كي أريح بالكم، ولكي لا يكون لكلامي صبغة سياسية، ليس لدينا عداء ذاتي مع أي بلد أو أي شعب، والذي يؤدي إلى القطيعة بين الدول هو هجوم وظلم وإجحاف دولة على دولة أو شعب آخر، على مر التاريخ، وطيلة عقود من الزمن تُمتهن مصالح ذلك الشعب، هذا هو الذي يؤدي إلى القطيعة بين الشعوب والدول، وإذا ما تغير هذا الوضع وافترضنا أن أميركا أصبحت مثل دولة أوروبية كسويسرا أو حتى مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا التي تربطنا معها علاقات ودية، فلا يوجد سبب لألا نقيم علاقات معها، من الناحية الشرعية يجب أن تكون لدينا علاقات طيبة مع كل العالم، إلا إذا عمدوا إلى فرض أمور علينا لا تتفق مع مصالح شعبنا ودولتنا.

غسان بن جدو: طالما نتحدث عن هذه الجوانب الدينية والشرعية سماحة آية الله، أنا لاحظت في أن في.. في موقفكم من التصعيد أو الحملة العسكرية الأميركية على أفغانستان تحدثتم بمنطق الرفض، وبلغتم مرحلة التحذير، لكن هذا التحذير لم يرقَ إلى مستوى الفتوى، أود أن أسأل وأفهم: هل أنكم تحللون أم تحرمون التعاون دول إسلامية مع القوات الأميركية لضرب أفغانستان أو دولة أخرى إسلامية؟

آية الله العظمى ناصر مكارم شيرازي: من حيث الفتوى في هذه القضية ليس لدينا شك، إذا أرادت دولة ضرب شعب أو دولة أفغانستان أو أن تتحرش بهما، فإن التعاون مع هذه الدولة حرام بالتأكيد، ولقد نص القرآن الكريم بالقول (وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ).

إن إبادة الشعوب والبلدان مصداق الإثم والعدوان، والقرآن لا يسمح لنا بذلك، وعليه فمن حيث الفتوى فإن فتوانا واضحة وصريحة، فهذا عمل محَّرم، ويجب عدم القيام به.

غسان بن جدو: في إجابتكم الأولى ذكرتم مسألتين أن علينا أن نكون يقظين، وأيضاً أن نكون موحدين، لكن هل تعتبر أن ما يحصل الآن ليس خطيراً في المنطقة ولا يهدد الأمة بشكل يستدعي أن يلتقي كبار علماء الأمة الإسلامية من الشيعة والسنة لاتخاذ موقف واضح ومحدد من هذا الأمر؟

آية الله العظمى ناصر مكارم شيرازي: إنني على اعتقاد كامل بأن هذه القضية قد يتسع نطاقها بشكل كبير، وعلينا التأهب لمواجهة الأحداث في المستقبل، نحن نأمل ألا تفضي هذه الحادثة إلى وقوع أحداث مريرة أخرى في المستقبل، لكن في الوقت نفسه تبقى أهمية هذا الموضوع، وهذا ما يستدعي من علماء الإسلام الاجتماع للتدبر، كما ينبغي لرؤساء الدول أن يجتمعوا ويتدبروا الأمر، وأن يكونوا على اتصال مستمر فيما بينهم، ومتابعة الأمور يوماً بيوم وتحليلها بدقة، كذلك على علماء الإسلام أن يكون لهم الموقف ذاته، اليوم هو اليوم الذي ينبغي لعلماء إيران ومصر والدول الأخرى أن يقفوا فيه جنباً إلى جنب، ويتبنوا موقفاً موحداً، لأن الخطر يتهدد العالم الإسلامي كله، فقد لا يكون طرح الحرب الصليبية مجرد زلة لسان، بل ربما يكون تعبيراً عن حقيقة كامنة في ذاتهم، وعلى أقل تقدير يجب أن ننظر إلى ذلك كاحتمال وأن نفكر له كاحتمال أيضاً، نحن لا ندري فالحدث بمثابة سابقة لا مثيل لها، وتستدعي مزيداً من اليقظة والتأهب..

مدى وجود حلقة وصل بين علماء قم ومسؤولي الدولة

غسان بن جدو: كل هذه المواقف التي تفضلتم بذكرها الآن التي تعبر عن.. عن رأي المرجعية الشيعية هنا، هل أن هذه المواقف تبلغونها للحكومة وللدولة وتأخذ بها أم لا؟ أنتم في واد والدولة في واد آخر

آية الله العظمى ناصر مكارم شيرازي: نحن هنا لسنا بمعزل عن مسؤولي الدولة، لو رأينا ضرورة لبحث مسألة ما فإننا ندعو شخصاً على الفور يمثلهم لنحمله نداءنا، ولنبلغهم ما نراه مناسباً، ولنقول له موقفنا، علماء إيران ومراجع الدين يعملون بشكل مستقل، وإذا ما حصلت لهم تصورات عن أمور معينة فإنهم يبلغونها للدولة، وإذا كنت لا تلاحظ نشر ذلك في الصحف، فلأن الأمر يقتضي أحياناً طرح الأمور على نطاق خاص كي لا يسيء الآخرون استغلالها.

غسان بن جدو: سماحة آية الله، لعلكم تلاحظون في.. في هذه الأجواء أن الغضب الأميركي -لو صح التعبير- والذي يعتبره البعض بأنه غضب مشروع، انعكس للأسف سلباً على العرب والمسلمين المقيمين هناك في الولايات المتحدة الأميركية، بل أيضاً حتى في عدد من دول أخرى غربية، في أستراليا، وفي أوروبا إلى آخره، يعني هل تعتقدون بأن ما يحصل هو مجرد ثورة غضب ستنتهي بعدئذٍ، أم لأ هذا قد يعبر عن خطر حقيقي يستهدف المسلمين والعرب هناك في الغرب؟

آية الله العظمى ناصر مكارم شيرازي: نحن نأسف كثيراً بهذا الوضع، ونرى أنه ليس لصالح أي شخص فليس المسلمون فقط من يتعرضون لضغوط في الغرب، بل أن الغربيين أيضاً سيتضررون من ذلك، هذا الوضع يعقد مشكلات العالم، إننا إذا أردنا حل مشكلة الإرهاب فعلينا اقتلاع جذوره، مثل هذا تعامل الغربيين مع المسلمين يُولد عُقداً جديدة في العالم، ويدفع نحو ردود أفعال لا سمح الله، وهذا ليس من مصلحتهم ولا من مصلحتنا، وهذا العمل أشبه ما يكون بسكب البنزين على النار وتأجيجها لتحرق الجميع، أما كون هذا العمل انفعالي، فإننا لا نستبعد أنه كذلك وبدافع عاطفي، لكننا نخشى وجود سياسات وأيادي خفية، وخاصة من قبل الصهاينة تحرِّض عليه لتحوله إلى مخطط مبيت، وإذا ما حصل ذلك، فإنه سيكون بمثابة خسارة فادحة للدول الغربية والشرقية أيضاً، ويبدو أن كثيراً من المسؤولين الغربيين التفتوا إلى أنه إذا ما حصل هذا الأمر فسيؤدي إلى مضاعفات ومشكلات عدة في العالم.

نحن نعلم أن هناك أقليات مسلمة قوية في الدول الغربية، وجرح مشاعر هؤلاء وإيذاؤهم مع كونهم أناساً مسالمين، ويقدمون خدماتهم كل من موقعه، هذا العمل ليس في مصلحة أي طرف، وآمل -إن شاء الله- عن طريق الإعلام الصحيح والمتواصل أن يحدوا من هذا العمل.

غسان بن جدو: شكراً لكم سماحة آية الله العظمى ناصر مكارم شيرازي على هذا اللقاء.

شكراً لكم مشاهديَّ المحترمين على حسن المتابعة، وإلى لقاء آخر بإذن الله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة