الاستنساخ البشري، ديمقراطية إسرائيل، الاقتصاد والعولمة   
الجمعة 15/4/1425 هـ - الموافق 4/6/2004 م (آخر تحديث) الساعة 2:32 (مكة المكرمة)، 23:32 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

جميل عازر

تاريخ الحلقة:

04/01/2003

- تداعيات استنساخ أول طفلة على مستقبل البشرية
- ديمقراطية إسرائيل في ظل منعها الطيبي وبشارة من الترشح للانتخابات

- حصاد 2002 في أفريقيا كنموذج لمعاناة شعوب العالم الثالث

- الاقتصاد والعولمة بعد الحادي عشر من سبتمبر

- ازدواجية المعايير الأميركية تجاه كوريا الشمالية والعراق

جميل عازر: مشاهدينا الكرام، أهلاً بكم إلى جولة جديدة في (الملف الأسبوعي)، وفيه:

حواء المستنسخة خيال علمي يتحول إلى واقع، ولكن ما هي التداعيات؟

إسرائيل منع الطيبي وبشارة من الترشح للانتخابات، فأين الديمقراطية التي تتبجح بها تل أبيب؟

وإفريقيا في عام 2002 نموذج لما تعانيه شعوب العالم الثالث، فهل من أمل للتحسن في العام الجديد؟

تداعيات استنساخ أول طفلة على مستقبل البشرية

ربما يسجل التاريخ لعام 2002 أنه عام أعظم ثورة في علم الإحياء وأعظم إنجاز سيؤثر على حياة الناس ومجتمعاتهم بل وسيغير على مدى عقود قادمة من نظرة الإنسان إلى نفسه، فإذا تأكد أن الطفلة Eve أو حواء هي بالفعل نسخة طبق الأصل عن أمها ستكون البشرية قد دخلت مجالاً فيه إمكانية لتغيير البشر لم تتحقق منذ بدأ الإنسان الأول يدب على وجه البسيطة، وبما أن الاستنساخ ظل مرتبطاً بقصص الخيال العلمي، فلا غرابة أن يساء فهمه، وأن يثير مخاوف وتساؤلات خاصة وأنه لا يزال فرعاً وليداً لم تصل الأبحاث فيه إلى حد الإتقان.

ندى حكيم
تقرير/ حسن إبراهيم: إعلان الرائيليين في لوس أنجلوس لم يكن فقط فتحاً علمياً، بل ثورة على أكثر من صعيد بكل المقاييس، مولد الطفلة حواء تيمناً بأم البشرية من خلية مستنسخة، حواء هذه لا أب لها، فهي مفتاح عالم جديد قد يكون مرعب الاحتمالات أو مثيراً إلى حد الهذيان في الخيال العلمي، وما تصور عالم المستقبل مرضى الفشل الكلوي تُستنسخ لهم كلى جديدة ومن أنسجة أبدانهم، ووداعاً للقلوب الصناعية، فيمكن لمرضى القلب التخلص من القلوب المريضة واستقبال قلب مستنسخ لا مجال لرفضه، وقس على ذلك مختلف أعضاء الجسد المعطوبة، وقد يكون في هذا بذور مستقبل واعد، ولكن تخيل جيشاً كاملاً مستنسخاً من خلايا ديكتاتورٍ غليظ القلب متعطش لسفك الدماء، جيل يموت وآخر مستنسخ يحل محله ليخلد الديكتاتور إلى ما لا نهاية، وماذا عن النسيج العائلي لو أراد الزوج أو الزوجة استنساخ أحدهما أو الآخر أو الاثنين معاً طلباً لكمال مفترض في نسقها أو نسقه الجيني، بحيث ينتفي دور عملية التناسل الطبيعية التي فُطر عليها الإنسان، وواضح أن في هذه الإنجازات العلمية تكمن تحديات لمجتمعات بشرية في أكثر من اتجاه، لأنها غير مستعدة بعد للتعامل مع تبعات هذه الثورة في علم الجينات، وهناك تساؤلات مشروعة عن مكانة المستنسخين الاجتماعية والقانونية، ولا تزال الطفلة المستنسخة Eve غير مسجلة في سجل المواليد في الولايات المتحدة، فماذا سيكتب في خانة اسم الأب مثلاً، ولو استنسخ زوج أمها، هل تنتفي بين الوليد الجديد وبينها صلة الدم؟

هذه المحاذير وغيرها تثير الفزع في أوساط السياسيين ورجال الدين والقانون، وفي ظل هذا الالتماس سارع الفاتيكان والأزهر إلى تحريم استنساخ البشر، وكان الحجة في المؤسستين الدينيتين أن الاستنساخ تغيير لخلق الله، وخوض في مجال قد يقود البشرية إلى هلاك أو فوضى، ولكن كما ثبت في تاريخ الإنسانية لا يمكن وقف عجلة التطور العلمي، وعلى هذا الأساس يتحتم سن القوانين التي تنظم هذا العلم بحيث يسخر لفائدة المجتمعات بشكل لا يحرم الإنسان من إنسانيته، ولا يجرده من تنوعه الجيني، ولا يقود إلى هيمنة جنس بعينه على الأجناس قاطبة، وفي هذا الإطار يمكن النظر إلى ما أعلنه الرئيس (جورج بوش) ومن قبله (جاك شيراك) الرئيس الفرنسي و(توني بلير) رئيس الوزراء البريطاني من منع لاستنساخ أفراد والتركيز على استنساخ الأعضاء، ومهما تكن محصلة البحث العلمي في هذا المجال فلابد من إيجاد إطار جديد للتعامل مع وضع جديد بالغ التعقيد والحساسية، لأن الاستنساخ مسألة تمس وجدان الإنسان والأسس التي تقوم عليها علاقته مع أخيه الإنسان بل ومع خالقه.

جميل عازر: ومتابعة لهذا الموضوع ينضم إلينا من لندن الدكتور ندي حكيم (المتخصص في أبحاث الهندسة الجينية).

دكتور ندي، أولاً: كيف تعرف الاستنساخ؟

د. ندي حكيم (أخصائي استنساخ): الاستنساخ عبارة عن زرع جينيات شخص بخلية أخرى، واللي بيحصل مفروض إنه يخلق جنين أو شخص يشبه الشخص اللي إنأخذ منه الجينات، مثل photocopy، مثل نسخة تامة على الشخص اللي نأخذ منه الجينات، هذه عبارة عن شو هو الاستنساخ، بس بأعتقد شخصياً أنا إنه عدم وجود دليل علمي إنه الاستنساخ مأمون، مضمون، مقبول علمياً واجتماعياً بيخلينا نلتزم وندفع كل شخص.. كل جمعية بالعالم إنه تعمل اللي عم تعمل بها العمل.. ها الشغل اللي عم بينعمل، إنه تعلن على كل الطرق اللي عم بتستعملها في البحوث العلمية واللي جرى فيها لنتأكد من صحتها، لأنه أنا بأعتقد شخصياً إنه..

جميل عازر: دكتور ندي.. دكتور ندي، لماذا الاستنساخ؟ ما هو الهدف من مثل هذه العملية؟

د. ندي حكيم: الهدف بأعتقد إنه فيه أشخاص فيه هدفها جنون، لأنه مثل ما سمعنا إنه الرائيليين هم أول أشخاص عملوا زرع مثل ما تحدثت عن الاستنساخ، والرائيليين بيعتبروا إن نحن خُلقنا من 25 ألف سنة من فضائيين نزلوا على وجه الأرض وخلقونا يعني ما بيعتبروا إن إحنا خلقة الله، معناتها بأعتبر أنا شخصياً هايدا شغلة إذا الواحد كان يظن إنه الاستنساخ غلط مفروض هلا يتأكد إنه بالفعل غلط، ولازم ينمنع، وإلا إذا ما منعنا ها الجان اللي طلع من القنينة مش راح نقدر نرجع نحطه بالقنينة، وأنا بأعتقد إنه هايدا مفروض يكون محرم، لأنه جنوني.. لأنه شيطاني، لأنه كل اللي بيشتغلوا بها الأشيا الـ Scientific اللي عم نحكي عنها بيعتبروا إنه الصحة الإنجابية مش مفروض تنعمل بها الطريقة.

جميل عازر: طيب إذا كان.. كان الإنسان قد وصل في أبحاثه العلمية إلى هذا الحد .. إلى حد لا أريد أن أقول خلق، وإنما أقول إلى حد اختراع إنسان أو نسخة طبق الأصل عن الإنسان الموجود في تقديرك دكتور ندي، ما هي.. إلى أين سيصل الحد وراء هذه الأبحاث؟ ماذا بعد الاستنساخ؟

د. ندي حكيم: بأعتقد إنه ما.. ما.. إذا.. إذا كملنا على ها.. ها الطريقة هاي وخلقوا عدة أشخاص بها الطريقة المشكلة الكبيرة إنه بده يصير فيه خلل بها الأشخاص اللي راح تخلق، لأنه مثل ما سمعنا إنه دوللي أول حيوان انخلق سنة الـ97 فيه عندها خللات كتيرة ومضرورة كتير، معناتها إنه ها الولد اللي سمعنا عنه خلق من.. من كام يوم، واليوم سمعنا إنه بنت هولندية راح تخلق بعد يومين معقول يكون فيه كتير خلل فيها، معناتها إنه فيه شيء جهنمي راح بيحصل، وراح نخلق نحن مش أطفال، راح نخلق (monsters) على وجه الأرض، وهذا اللي بيخيف، من شان هيك أنا كدكتور بأعتبر إنه هذا لازم إن إحنا نعمل جهدنا نوقفه، من شان هيك -مثل ما قلتم قبل شوي- حكام العالم من (شيراك) لـ (كلينتون) قبل و(بوش) هلا مانعين الاستنساخ، وأنا مؤيد لها الفكرة.

جميل عازر: طيب إذا كان.. إذا نظرنا إلى تاريخ أو ماضي معظم الاختراعات ومعظم الأبحاث نجد أن لها ارتباطات عسكرية، في هذا المجال بالضبط يعني بالنسبة للاستنساخ هل هناك من احتمال استخدامه لأغراض عسكرية؟

د. ندي حكيم: من المعقول، بس اللي الواحد لازم يعرفه إذا انخلق مستنسخ لشخص مش عم بيطلع هو الشخص نفسه، راح بيطلع بيشبهه بالوجه، بس بده يخلق بتاريخ غير التاريخ الأولاني، مثل ما.. مثل عم بتحكي بالنسبة للعسكر اللي قرروا بالفيلم تبع الـ (children of Brazil) أطفال البرازيل إنه يخلقوا 100 هتلر، ها الهتلر مش عم بيطلع بيشبه هتلر اللي كان سنة الـ 40 وعمل الحرب العالمية الثانية، الهتلر بيطلع بس وجهياً بيشبهه، بس راح بيخلق بعصر كتير مختلف عن العصر اللي خلق فيه هتلر قبل، معقول كتير يطلع قديس، يعني ما بنقدر نقول إنه لأنه خلق بيشبهه وجهياً راح بيطلع عنده الفكر نفسه، لأنه الفكر مش راح بيطلع نفسه، مثل هيك عندك أشخاص توأم صبيين أو بنتين بيشبهوا بعضهم كتير، بس مختلفين، إذا واحد خلق بأستراليا.. ودا خلق بأستراليا وواحد عايش بلندن، وافترقوا كل حياتهم بيطلعوا بيشبهوا بعضهم بس بالوجه، بس مش بالعقلية.

جميل عازر: دكتور ندي حكيم، في لندن شكراً جزيلاً لك.

ديمقراطية إسرائيل في ظل منعها الطيبي وبشارة من الترشح للانتخابات

كان قرار لجنة الانتخابات في إسرائيل برفض ترشح النائب العربي الإسرائيلي أحمد الطيبي، وكذلك منع ترشيح النائب العربي الإسرائيلي عزمي بشارة، ولائحة حزبه التجمع الوطني الديمقراطي للانتخابات بمثابة إسقاط القناع عن العنصرية التي تمارسها المؤسسة الإسرائيلية. وواضح أن هناك قطاعاً عريضاً من الإسرائيليين ينظرون إلى العرب الإسرائيليين وكأنهم طابورٌ خامس في وسطهم، فمحاولة اليمين الإسرائيلي لإسقاط الشرعية عن عرب 48 تُعرِّي تبجح الإسرائيليين بأنهم سكان واحة ديمقراطية وسط صحراء عربية مقفرة ديمقراطياً، وحتى لو كان لهذه الرؤية مبرر إلى حدٍ ما فإن حرمان هؤلاء العرب من بعضٍ من ممثليهم في الكنيست لا يمكن أن يصب في صالح الديمقراطية عربياً أو إسرائيلياً.

عزمي بشارة
تقرير/ أسامة راضي: (باروخ مارتسيل)، الزعيم السابق لحركة (كاخ) العنصرية الموقوف نشاطها، يخوض الانتخابات القادمة على قائمة حزب (حيروت) القومي المتشدد، بينما يمنع ترشح النائب العربي عزمي بشارة وأعضاء قائمة التجمع الوطني الديمقراطي الذي يرأسه، ويمنع أيضاً ترشح أحمد الطيبي (رئيس الحركة العربية للتغيير) هذه هي أهم قرارات اللجنة المركزية للانتخابات في إسرائيل، والتي تعكس دون مواربة المزاج السائد في الشارع الإسرائيلي، ولدى النخب الحاكمة هناك، فاللجنة مكونةٌ من زعماء وممثلي الكتل الممثلة في الكنيست، والتي يغلب على أعضائها المزاج اليميني المتشدد والمتنامي في إسرائيل، بما ينطوي عليه من نزعة عنصرية وحتى مخالفة للقانون، ويبدو أن مساعي التيار اليميني لم تقتصر فقط على الطيبي أو بشارة وحزبه، ولكنه سعى كذلك من خلال طلبات قدمت إلى لجنة الانتخابات لحظر ترشح عبد الملك دهامشة (رئيس القائمة العربية الموحدة، ممثل الحركة الإسلامية) ومحمد بركة (رئيس الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة) أما الذريعة التي سيقت لمنع هؤلاء وأولئك فلم تخرج في إطارها العام عن تأييدهم للمقاومة الفلسطينية المشروعة في مواجهة الاحتلال وممارساته، وعدم الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية، ويتخذون مبرراً لهذا الموقف قانوناً إسرائيلياً يمنع ترشح من يتنكر للطابع اليهودي والديمقراطي لها، أو من يدافع عن نظريات عنصرية.

قرارات المنع التي جاءت قبل أقل من شهر من الانتخابات لم تفاجئ المراقبين، فقد جرت محاولات سابقة لإقصاء عرب إسرائيليين عن المشهد السياسي، ومنها تقديم عزمي بشارة للمحاكمة قبل أشهر لتصريحاتٍ أدلى بها وحيَّا فيها المقاومة الشعبية خلال مشاركته في مهرجان خطابي في سوريا، في الذكرى الأولى لرحيل رئيسها السابق حافظ الأسد، وإن كان محاموه يؤكدون أن الأقوال المنسوبة إليه مجتزأة ومشوهة، ويرى بعض المحللين في إسرائيل أن استبعاد الطيبي وبشارة قد يكون تكتيكاً من جانب اليمين الذي لا تصب أصوات الناخبين العرب لصالحه، وتمثل نحو 18% من مجموع الأصوات، إلا أن هناك من يرجح أنها بداية مرحلة عدم تقبل وجود عرب في برلمان دولة يهودية، وأنها محاولة للفصل أو (الترانسفير) السياسي، ويتوقعون خطوة مشابهة تستهدف الحركة الإسلامية التي تسيطر على معظم بلديات عرب 48، والتي أخضع رئيسها ونائبه للتحقيق، كما أنهم لا يستبعدون أن تطول يهوداً أيضاً من خارج اليمين، هذه التوجهات تعزز الاعتقاد بأن ديمقراطية إسرائيل هي لليهود فقط، أما عرب 48 الذين يخضعون لعمليات تضييق الخناق سياسياً واقتصادياً واجتماعياً فلا ينتظر منهم إلا المزيد من الاحتقان والتوتر، وهذا وضعٌ لا يُستبعد معه قيام انتفاضة أخرى لعرب إسرائيل الذين قتل منهم 13 عشر حين تحركوا لمساندة انتفاضة الأقصى.

جميل عازر: ومن قناة (الجزيرة) في قطر نواصل وإياكم هذه الجولة في (الملف الأسبوعي) وفيها أيضاً بعد فاصل:

ازدواجية الموقف الأميركي من كوريا الشمالية والعراق، الأولى تتسلح والثاني نزع السلاح فهل من مبررات.

[فاصل إعلاني]

حصاد 2002 في إفريقيا كنموذج لمعاناة شعوب العالم الثالث

جميل عازر: وكل عامٍ وأنتم بخير فما أن ينتهي عام ويبدأ عام جديد حتى تنبري الأقلام في محاولاتها لاستشراف المستقبل والخوض في الحديث عن التوقعات هنا وهناك على الأقل الشهور الاثنتي عشرة القادمة وفي هذا ضربٌ من التنجيم والعرافة ويصعب في هذا الصدد التكهن مع أي قدر من الدقة بتطورات هذه القضية أو تلك، وقد ينسى البعض أن المستقبل وليد الماضي وأن التواصل الزمني مستمر لا فاصلة فيه إلا في الذهن، ومع ذلك وتوخياً للدقة سنلقي نظرة على ما فات في قارة ربما تكون مآسيها وتجاربها خلال العالم المنصرم نموذجاً للكثير مما تُعرف بدول العالم الثالث، فإلى إفريقيا.

تقرير/جيان اليعقوبي : طوى عام 2002 شِرَاعَه عن قارة لم يلتمع في سواد ليلها الطويل سوى القليل من الشهب، كان أبرزها ما جاء في اللحظات الأخيرة من العام المنصرم حين احتكم الشعب الكيني إلى صندوق الاقتراع بدلاً من الدبابة والرشاشات في انتقال مدني وسلمي للسلطة بعد أن حكمها (دانيال آراب موي) نحو ربع قرن من الزمن، هذه هي من الأخبار الجيدة النادرة.

أما السيئة وتوقعاتها لعام 2003 فلائحتها طويلة وتبدأ من الإيدز الذي يواصل حصاد الأرواح في شرقي القارة وغربها وجنوبها في ظل صمت ولا مبالاة شركات الأدوية العالمية التي ترفض تسويق عقار رخيص لمكافحة هذا المرض الفتاك رغم كل المناشدات الإنسانية ولكن رأس المال عادة لا يعترف بشيء اسمه إنسانية ولا يعرف في النهاية سوى لغة الأرقام، أما الجفاف فيتوقعه خبراء منظمة الزراعة والأغذية أن يُعرِّض نحو ثمانية ملايين إثيوبي لشبح المجاعة التي بدأت نذرها تلوح في الأفق في أجزاء واسعة من القارة الإفريقية.

بعيداً عن الأمراض والجفاف يأتي دور أنظمة الحكم التي يبدو بعضها أسوأ حتى من الإيدز والطاعون، فالقادة متمسكون بالجلوس على كرسي السلطة ويقومون بصياغة أنظمة حكم وتسخيرها لخدمة هذه الغاية فقط، فالرئيس (آياديما) الملقب بديناصور إفريقيا -على سبيل لا مثال لا الحصر- استصدر قبل أيام قراراً من البرلمان يُبقيه في السلطة طالما بقي حياً بعد أن كان من المفروض أن يُحال على التقاعد عام 2003 وقد حكم توجو منذ أن استولى على السلطة في انقلاب عسكري عام 1967.

أما نيجيريا فلا أحد يتوقع لها أن تشهد أي تقدم نحو الرخاء أو الاستقرار رغم أن إنتاجها من النفط سيصل إلى ثلاثة بلايين برميل يومياً بنهاية هذا العام، ولكن كل المؤشرات توحي بأن الرئيس (أوباسنجو) لن يتخلَّى عن مدة رئاسية جديدة حتى لو دخل في صراعٍ مع البرلمان وباقي المناوئين لتمديد ولايته في شهر أبريل القادم، ناهيك عن التشاحن الطائفي والديني الذي يهدد ببقاء هذا البلد الغني في نفس دوامة اللا استقرار التي تدور فيها منذ نحو أربعة عقود.

أما الكوت ديفوار فستشهد عاماً حاسماً إذ سيقرر المتمردون على الرئيس (لوران باكبو) وسط كل التعقيدات القبلية والإثنية مصير هذا البلد الغني بثروات نفطية ومعدنية هائلة يبدو أنه سيدخل في دوامة من العنف ستؤثر على الاستقرار في الغرب الإفريقي بأكمله.

أما إفريقيا العربية فتتراوح أوضاعها بين انتخابات في المغرب أحدثت الكثير من الصدى لأنها سمحت لقوى إسلامية توصف بالاعتدال في الوصول إلى البرلمان بنسبة قاربت أحزاباً عريقة في وجودها على الساحة السياسية، وبين السودان الذي مازال يبحث في إحدى ضواحي العاصمة الكينية عن سلام منشود يتوقع له المحللون أن يبصر النور أخيراً، ليس بسبب النوايا الحسنة في الطرفين المتفاوضين، بل لضغوط الأسد الأميركي الذي أصبح زئيره يخترق مسامع من به صممٌ منذ الحادي عشر من يوم الثلاثاء الشهير سيلقي بظلاله على العالم أجمع اليوم والآتي من السنين.

الاقتصاد والعولمة بعد الحادي عشر من سبتمبر

جميل عازر: ومنذ ذلك التاريخ اختلط الحابل بالنابل واختلطت القضايا وتنوعت سُبل معالجتها وبينما احتلت مكافحة الإرهاب مكان الصدارة في الأجندات العالمية خلال العام الفائت ولم ينقضِ يومٌ إلا وسمعنا خبراً في هذا الشأن شهد المسرح قضايا اقتصادية هزت أعصاب العالم الصناعي وعلى رأسه الولايات المتحدة لأنها لم تكن أقل خطورة من الأعمال الإرهابية وربما لم يُسلط الضوء على هذه المشاكل بقدر يتناسب مع حجمها ومدلولاتها ربما كان الإطناب في الحديث عن الإرهاب والإرهابيين وسيلة للتستر عليها، ولكنها أظهرت مع ذلك مدى انكشاف العالم الثالث لمؤثرات لا دور له في ظهورها.

الهجوم على أميركا وتداعياته
تقرير/سمير خضر : بدأ العام الثالث من الألفية الثالثة ولم تتغير الألفاظ الاستهلاكية بذخ وطرف في النصف الشمالي من الكرة الأرضية وفقر ومعاناة في نصفها الجنوبي، عجلة الاقتصاد العالمي لم تتأثر كثيراً بما سُمي بصدمة أحداث الحادي عشر من سبتمبر، فقد استمرت هذه العجلة بالدوران حتى أصيبت بالدوار من جراء الفضائح التي هزت أكبر اقتصاد في العالم واكتشف الجميع حجم الكارثة وما حدث مع إفلاس شركات عملاقة مثل (إنرون) و(وورلد كوم) ليس سوى مثال بسيط على ما يمكن للرأسمالية أن تولده إن هي أصبحت خارج نطاق السيطرة، ولئن شعر الاقتصاد الأميركي بالارتجاج بعد اكتشاف حجم الخسائر الناجمة عن التلاعب بالحسابات وعن الغش والخداع فإن العالم الثالث بقي يدور في حلقة مغلقة، فلا هو بقادر على اللحاق بركب النماء والرخاء ولا هو بقادر على الانعتاق من التبعية الاقتصادية وما ينجم عنها من سلوكيات استهلاكية وتغييرات في القيم والأعراف تكاد تقضي على تماسك النسيج الاجتماعي، دول الجنوب لا تشكل فقط سوقاً استهلاكية للصناعات الغربية بل تغذي أيضاً عجلة اقتصاد العالم الأول أميركياً كان أم أوروبياً، فقد شهد العالم المنصرم استمرار تدفق الاستثمارات الغربية على دول الجنوب رغم الأزمات الاقتصادية في الشمال، والسبب في ذلك الاستفادة من الأيدي العاملة الرخيصة وفي الوقت نفسه التهرب من دفع الضرائب الباهظة ونفقات الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية، ولا يهم هنا الشعارات والمبادئ والمثل التي ينادي بها الغرب كالعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان ونظافة البيئة، فالبيئة أضحت اليوم حصان طراودة للصناعات الغربية تحاول فرضها على دول الجنوب دون أن تتقيد هي بها، أما عمالة الأطفال فيكفي أن يتم التنديد بها في المحافل الدولية وتحميل حكومات الدول الفقيرة كامل المسؤولية شريطة عدم التطرق إلى حقيقة أن المنتج النهائي لهذه العمالة البريئة يصب في الأسواق الغربية، وإذا حاول بعض ممن حُرموا حقهم في الإنسانية البحث عنها في الشمال تقوم الدنيا ولا تقعد، ويبدأ الحديث عن هجرة جنوبية تمهد لغزو ثقافي وديني يهدد أسس الحضارة الغربية فالذين ابتدعوا فكرة العولمة لم يكونوا يقصدون ضم العالم الثالث إليهم، على الأقل اقتصادياً، بل جعل اقتصاد العالم كله يدور في فلك الشركات الدولية الكبرى وقد نجحوا في جعل المبدأ مقبولاً، بل ومفروضاً على الجميع، ولكن وفقاً للمنظور الغربي أي أن تكون في صالح الأغنياء وقد يترك للآخرين بعض الفتات لتستفيد منه النخبة.

ازدواجية المعايير الأميركية تجاه كوريا الشمالية والعراق

جميل عازر: لم يتغير الوضع كثيراً عما كان عليه قبل أسبوع في الشأن الكوري الشمالي وفي الشأن العراقي أيضاً، فبيونج يانج ماضية في تحديها للولايات المتحدة، ناهيك عن كوريا الجنوبية واليابان، وهذا الثلاثي يلتمس الأعذار ويسعى إلى حل دبلوماسي لمشكلة امتلاك الكوريين الشماليين أسلحة نووية، والعراق ماضٍ في فتح أبواب مصانعه ومختبراته وشركاته على مصاريعها مرحبةً بمفتشي الأسلحة الدوليين والولايات المتحدة وبريطانيا تواصلان حشودهما العسكرية بحراً وجواً وبراً استعداداً لشن حرب على العراق كمكافأة لقاء هذا التعاون المنقطع النظير، وإذ يحار المرء من موقفي الولايات المتحدة المختلفين إزاء كوريا الشمالية وإزاء العراق لابد من التساءل إن كانت لغة التهديد التي تستعملها واشنطن هي اللغة الوحيدة التي تفهمها أيضاً.

تقرير/ حسن إبراهيم: ربما تكون ازدواجية المعايير في تعامل الولايات المتحدة مع امتلاك كوريا الشمالية أسلحة دمار شامل واتهام العراق بامتلاك مثل تلك الأسلحة سبباً لغضب كثيرين في العالم العربي، لكن انتظار توافق في الموقفين الأميركيين غير واقعيٍّ في الظروف الراهنة، ويبدو أنه لا أحد في واشنطن يبدي اهتماماً يذكر لتبرير تلك الازدواجية، لاشك في أن المراقبين للموقف الأميركي في العالم العربي والغربي المتحالف مع الولايات المتحدة يرون في ذلك الموقف ما يبعث على الحيرة، لكن هل في ظروف الدولتين المعنيتين مبررات؟

كوريا الشمالية أعلنت أن لديها برنامجاً نووياً سرياً، بينما كان يُفترض أن تكون قد جمدت مثل ذلك البرنامج وأعادت تشغيل بعض مفاعلاتها النووية، وأمرت بمغادرة جميع مراقبي الوكالة الدولية للطاقة الذرية من أراضيها وإمعاناً منها في تحدي واشنطن قصاصاً لوقف إمدادها بالوقود قامت بتزويد أحد المفاعلات بقضبان اليورانيوم المخصب الذي سيتحول إلى البلوتونيوم المادة الأساسية لصنع السلاح النووي، وفي هذه الأثناء دعا الرئيس الكوري الشمالي (كيم جونج إل) مواطنيه إلى التحول لقنابل بشرية ترعب الأعداء على حد تعبيره، ومع هذا الوضع يبدو وكأن كوريا الجنوبية واليابان -وهما حليفتا واشنطن في تلك المنطقة- تقفان إلى جانب كوريا الشمالية رغم الخلافات الشديدة معها، فكوريا الجنوبية تنادي بفتح حوار مع بيونج يانج لحل المشكلة، ربما لأنها ستكون المتضررة الأولى في أي مواجهة عسكرية مع جارتها الشمالية وربما بسبب وجود مشاعر معادية للأميركيين في الجنوب الكوري بعد تبرئة محكمة عسكرية أميركية لجنديين أميركيين دهسا فتاتين في سول بسيارتهما المسرعة، وتنادي طوكيو أيضاً بفتح حوار وتقوم هي وسول باتصالات دبلوماسية للضغط على كوريا الشمالية للتخلي عن برنامجها النووي، وربما تدرك اليابان أيضاً أن صواريخ (نودونج 3) بإمكانها ضرب العمق الياباني.

لكن العراق يعلن أنه خالٍ من أسلحة الدمار الشامل حتى قبل قبوله بقرار مجلس الأمن الدولي 1441، وعاد المفتشون إلى بغداد للبحث عن أسلحة مزعومة ولتفتيش مواقع بما فيها مصانع أسمدة أو حليب أطفال، واستجوب هؤلاء بعض العلماء العراقيين إضافة إلى مسؤولين في المواقع التي فتشوها، كما أن العراق لا يجد عزاءً في القواعد الأميركية في أراضي ومياه جيرانه الخليجيين التي تعج بالأسلحة والجنود والبوارج وحاملات الطائرات ولا في مواقف الدول العربية الأخرى التي لم يصدر عنها ما قد يحمل واشنطن على تغيير نبرة خطابها إزاء العراق باستثناء مظاهرات متفرقة في بعض العواصم، ولا في وجود أوروبيين وأميركيين من مناهضي الحرب في بغداد ليجعلوا من أنفسهم دروعاً بشرية لمحاولة منع وقوع حرب، فهل كان ينبغي على بغداد أن تعلن أن لديها أسلحة دمار شامل ووسائط إيصالها لضرب المصالح الأميركية، لكي تتخذ واشنطن من المسألة العراقية موقفاً مغايراً؟!

جميل عازر: وبهذا نختتم جولتنا في (الملف الأسبوعي)، ونذكر حضراتكم بأن بإمكانكم الوصول إلى مضمون هذه الحلقة بالنص والصورة والصوت في موقع (الجزيرة نت)، في الشبكة المعلوماتية الإنترنت أو الكتابة إلى عنوان البرنامج الإلكتروني، وسنعود في مثل هذا الموعد بعد سبعة أيام لنفتح ملفاً جديداً لأهم أحداث الأسبوع القادم من قناة (الجزيرة) في قطر، فتحية لكم من فريق البرنامج، وهذا جميل عازر يستودعكم الله. فإلى اللقاء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة