الذكرى الستون لهيروشيما وناكازاكي   
الخميس 1426/7/7 هـ - الموافق 11/8/2005 م (آخر تحديث) الساعة 15:04 (مكة المكرمة)، 12:04 (غرينتش)

 هيروشيما.. ذكريات عصيبة وعواقب وخيمة
الأسباب والضرورات الإستراتيجية وراء إسقاط القنبلة
تبريرات ضرب ناكازاكي وموقف اليابانيين





حافظ المرازي: مرحباً بكم معنا في هذه الحلقة من برنامج مِن واشنطن, نناقش هذا الأسبوع وفي ذكرى مرور ستين عاماً على القصف الذري الأميركي لهيروشيما وناغازاكي في اليابان, هل انتهى الجدل بشأن ضروريات وأخلاقيات استعمال القنبلة الذرية ضد مدن لإرغام اليابان على الاستسلام؟ لماذا لا يقبل أغلب اليابانيين التبرير الأميركي بأن القنبلة أنقذت أرواح مئات الآلاف الآخرين بل ربما مليون بتعجيلها إنهاء الحرب وتفادي غزو اليابان؟ ولماذا لا يهتم أغلب الأميركيين حتى الآن بإحصاء ضحايا سلاحهم الذري وهناك اختلاف على الأرقام؟ هل من دروس مستفادة؟ سنتحدث في هذه الحلقة مع إحدى الناجيات من هيروشيما ومع مؤرخَيْن ومؤلَفَيْن لكل منهما كتاب يروي القصة برؤية مختلفة, في السادس من أغسطس آب عام 1945 توقف الحياة في مدينة هيروشيما اليابانية بإلقاء الطائرة الحربية الأميركية من طراز بي- 29 المسماة أنولاجاي لأول قنبلة ذرية تستخدم في تاريخ البشرية وذلك بعد ثلاثة أسابيع فقط من امتلاك الولايات المتحدة لهذا السلاح حيث تمت تجربة السلاح الذري في صحراء نيوميكسكو في السادس عشر من يوليو تموز عام 1945 وبعد تطويره سراً بمختبرات لوس ألموس والتي يسعى للوصول إليها سيراً على الأقدام في رحلة بدأت في السادس عشر من الشهر الماضي بمدينة سان فرنسيسكو مجموعة من الرهبان البوذيين ودعاة السلام الذين حملوا معهم شعلة حقيقية مستمدة من اللهب الذي خلفته قنبلة هيروشيما على أمل إطفاءها في رمال المنطقة ذاتها التي شهدت مهد القنبلة الذرية ولِطَيِ صفحة ودورة تاريخية مدتها ستون عاما في يوم تفجير القنبلة الثانية التاسع من أغسطس آب, كانت القنبلة الثانية من حظ مدينة ناغازاكي وبعد ثلاثة أيام فقط من القنبلة الأولى وتركت بالمثل دمار كبير وقتلى قد يصل عددهم إلى مئة ألف نسمة منهم نحو خمسة وسبعين ألف على قُتِلَ الفور, أما هيروشيما فيقدر عدد من قتل فوراً بثمانين ألف ومجموع القتلى جميعاً يقدرون بنحو مائة وأربعين ألف حسب تقديرات بلدية المدينة وبعد خمسة أيام من قصف ناغازاكي أعلن الرئيس الأميركي هاري ترومان في الرابع عشر من أغسطس/آب عام 1945 استسلام اليابان بدون شروط ووقع بعد ذلك القادة العسكريون اليابانيون وثيقة الاستسلام أمام الجنرال الأميركي دوجلاس ماك آرثر في الثاني من سبتمبر أيلول لتنتهي الحرب العالمية الثانية ويحتفل الأميركيون بانتصارهم ولكن ألم تسمح أميركا لليابان ببقاء إمبراطورها وهو الشرط الوحيد الذي كانوا يريدونه قبل إلقاء القنابل الذرية للاستسلام, فلِمَ كان إذاً استخدام هذا السلاح الرهيب؟ هل لإخافة الاتحاد السوفيتي كقوة صاعدة ومنافسة؟ وهل من منطلق عدم الاكتراث العنصري بضحايا اللون الأصفر كما يقول أحد المؤخرين من ضيوفنا في هذه الحلقة؟ أم أن العسكريين اليابانيين لم يرتدعوا إلا برؤيتهم هول السلاح الذري؟ هذا ما سنناقشه اليوم مع ضيفينا المؤرخين لكننا نبدأ أولاً مع شاهدة عيان وناجية من هول هيروشيما, السيدة شيغيكو ساساموري وتنضم إلينا من لوس أنجلوس في كاليفورنيا, مرحباً بكِ معنا. ولو بدأنا أولاً عن ماذا تعني هذه الذكرى بالنسبة لكي، ستين عاماً على رؤيتك وتعرضك لإشعاعات وتفجيرات هيروشيما حين كنتِ في الثالثة عشر من العمر في تلك المدينة؟

هيروشيما.. ذكريات عصيبة وعواقب وخيمة

"
ما قامت به أميركا كان جرما لا يغتفر، ولذلك أدعو الناس بشدة أن يفتحوا قلوبهم وأعينهم ليطلعوا على ما يجري من حولهم اليوم ويعملوا سويا لوضع حد للحرب النووية
"
شيغيكو ساساموري
شيغيكو ساساموري– من المصابات في قنبلة هيروشيما: مرت كل هذه السنين على سقوط القنبلة ستون سنة انقضت ولم يتعلم الناس بعد من هذا الحدث لاسيما الأميركيين الذين واصلوا إلى يومنا هذا صنع القنابل النووية هذا أمر مقيت, لقد تمكنتُ من النجاة كنت من الذين حالفهم الحظ خاصة وأن ثلثا جسمي قد تعرض للاحتراق, لقد كنت محظوظة للنجاة لذلك أشعر بالواجب لناحية وصف ما جرى في هيروشيما من أمور مروعة كذلك حيال موت عدد هائل من المدنين والأبرياء مرة واحدة, ما قامت به أميركا كان جرماً لا يغتفر لذلك أشعر بقوة وأدعو الناس بشدة أن يفتحوا قلوبهم وأعينهم ليطلعوا على ما يجرى من حولهم اليوم, الحرب شيء مريع وعلينا أن نتعلم من الماضي بل أكثر من ذلك علينا أن نحمد الرب لأجل معارضة الكثير من الأميركيين والناس الطيبين للحرب والأسلحة النووية, لقد التقيت بنشطاء السلام وآخرين كلهم ناهضوا هذه الأمور وكل هذا يفعمني بالأمل فتراني أتوسل للناس أينما التقيتهم بأن يحاولوا جهدهم وأن يعملوا سوية لوضع حد للحرب النووية.

حافظ المرازي: سيدة ساساموري لو أخذتينا ستين عاماً إلى الوراء إلى يوم السادس من أغسطس آب 1945, هل يمكن أن تصفي لنا أو تضعينا في الصورة التي مرت عليكِ في ذلك الصباح ماذا شاهدتِ وماذا حدث؟

شيغيكو ساساموري: كان صباح ذلك اليوم مشرقاً وكانت السماء صافية وكنت برفقة أحد زملائي وهو طالب ندرس سوية في الشارع وفي ذلك الصباح تطلعت إلى السماء فرأيت طائرة تشق الأجواء فطلبت من رفيق الفصل الجالس بجواري أن ينظر إلى السماء وأن يتطلع إلى جمالها فجأة رأيت شيئاً, قنبلة تسقط من الطائرة وشعرت بموجة قوية من الهواء تجرفني إلى الأسفل فسقطت فاقدة الوعي, لا أستطيع القول كم من الوقت ظللت على تلك الحال وبعد أن استعدت وعيي نظرت حولي فرأيت السواد يُخَيِمُ على كل شيء والموت يلتف بنا وغدى المكان خالياً من الحياة, لم أكن أسمع لم أكن أرى, فقدت إحساسي بالأشياء حولي, شيئاً فشيئاً بدأت أستعيد بصري, كانت لحظة مغايرة تماماً لتلك التي عشناها قُبيل سقوط القنبلة, للوهلة الأولى اعتقدت أننا أسقطنا القنبلة على أنفسنا ويعجز لسان حالي عن وصف ما جرى, كان الناس في حالة غير طبيعية, كان الوضع مهولاً كنت ترى الشعر يتطاير أينما ذهب بصرك والرماد يعم المكان وترى الناس وجلودهم تتدلى من عليهم وثيابهم ممزقة يشبهون الأشباح, لم أسمع صوتاً ولا نفساً, كانوا الناس يتحركون ببطء وكأن بالجحيم يفتح أبوابه, بحياتي لم أرى الجحيم لكن ما رأيت كان بشاعة تفوق الإدراك كنت مذهولة تماماً ربما لذلك لم أكن أسمع, لهنيهة فقدت حتى مجرد الإحساس بذاتي, لم ألحظ إصابتي بحروق لقد شللت عن كل إحساس يا للهول.

حافظ المرازي: سيدة ساساموري أعلم أن الإصابة أيضاً لمست يديك وهناك عمليات جراحية عديدة أجريت عليك في الولايات المتحدة حين حضرتِ بعد عشر سنوات من هيروشيما في عام 1955 وأعتقد أنك بقيت منذ ذلك الحين واستقريت الآن في أميركا وتعملين كممرضة وأعتقد أيضاً أن هناك تشخيص لك كان ربما سرطان في الأمعاء وربما هناك مشاكل صحية أخرى, مازلت تعاني منها؟

شيغيكو ساساموري: نعم أصيب عدد كبير من ضحايا القنبلة بمرض السرطان منذ ثلاث سنوات خلت أجريت لي عملية كنت مصابة بسرطان الأمعاء وكان هناك شك بأنني أعاني حتى من سرطان الغدة الدرقية, إذ يعاني عدد كبير من ناجي هيروشيما من أمراض مختلفة.

حافظ المرازي: ماذا عن الرأي الذي يقول إن اليابانيين هم الذين بدؤوا؟ على الأقل أميركا كانت في الحرب مع اليابان حين استخدمت القنابل في هيروشيما وناغازاكي بينما لم تكن في حرب حين ضربت اليابان بيرل هاربر.. ميناء بيرل هاربر العسكري والأميركيون لم يكونوا يتوقعون الضربة.

"
بعد نجاح أميركا في اختبار القنبلة عام 1945 في ولاية نيومكسيكو، عمد الأميركيون إلى تجربة القنبلة على البشر في هيروشيما
"
شيغيكو
شيغيكو ساساموري: لا أعتقد ذلك، لا أعتقد ذلك على الإطلاق أنا لا أشاطرهم الرأي بسبب شيء واحد, كان بإمكانهم أن يسقطوا القنبلة على المحيط أو جزيرة خالية من السكان, الوقوف عند ذلك الحد كان سيكون كافياً كي يثبتوا أنهم يمتلكون قنبلة مدمرة, لِمَ الحاجة لقصف الناس لاسيما المدنيين منهم؟ لقد شعرنا بأننا حيوانات مختبر فبعد نجاحهم في اختبار القنبلة.. في عرض القنبلة في السادس عشر من تموز عام 1945 هناك تم عرضها للمرة الأولى في ولاية نيوميكسكو في سانتا فاي كانت ناجحة فأرادوا أن يجربوها في هيروشيما أرادوا اختبار القنبلة على البشر وهذا إثم كبير تسببوا في قتل الأبرياء في اليابان, كانوا على يقين بعدم امتلاك اليابان لأسلحة كثيرة وعلموا أن اليابان كانت على وشك الاستسلام ولكنهم تجاهلوا كل ذلك.

حافظ المرازي: سيدة إذاً هل أنتِ تلقي اللوم على واشنطن وحدها، على الحكومة الأميركية وحدها أو يمكن أن يلقى اللوم على الحكومتين الأميركية واليابانية في رأيكِ؟

شيغيكو ساساموري: نعم يجوز إلقاء اللوم على الحكومة في الحقيقة يعني لا يجدي توجيه اللوم الآن لأن الذي مات لا يعود, كل ما أدعو إليه هو الكف عن استخدام الأسلحة المميتة وإنهاء الحرب في كل مكان وأنا أعبر عن مناهضتي للحرب بكل أشكالها وأينما كانت هذه الحروب الطاحنة التي طالما خلفت وراءها ضحايا أمر حزين، أمر حزين لأن يتعرض الإنسان لأمور مقيتة كالتي شاهدت.

حافظ المرازي: هل تطالبين باعتذار رسمي من أميركا ودفع تعويضات للضحايا؟

شيغيكو ساساموري: أنا لا أطالب باعتذار كل ما في الأمر أنني أنادي بالكف عن تصنيع الأسلحة النووية وكل الأسلحة الأخرى وأدعو إلى وقف الحرب بكل أشكالها.

حافظ المرازي: نعم لعل الأسئلة التي سألتها لكِ سيدة ساساموري تنطبق على أسئلة في استطلاع آراء لـ 13 ألف من اليابانيين مثلكِ الذين تعرضوا لآثار القصف في هيروشيما وناغازاكي في الذكرى الستين في يوليو/تموز الماضي سُئِلوا مثل هذه الأسئلة وصحيفة أساهي نقلت النتائج كما يلي, الذين طالبوا باعتذار رسمي من أميركا أو أن أميركا تطلب الصفح والعفو من الضحايا وتدفع تعويضات لهم حوالي الثلثين 65%, الغاضبون من المقولة الأميركية بأن القنبلة أنقذت حياة الآلاف بتعجيلها إنهاء الحرب حوالي 50%, الذين يلقون اللوم على واشنطن وحدها 28%, الذين يلقون اللوم على الحكوميتين الأميركية واليابانية في كل ما حدث في تلك الحرب حوالي 50%, يبقى فقط أن أسألكِ أنتِ ذهبتِ إلى المتحف القريب في نيوميكسكو من تفجير القنبلة الذرية لأول مرة في السادس عشر من يوليو تموز في ذكرى ستين عاماً عليه, الصحافة نقلت أن هناك شيء أغضبكِ جداً خصوصاً تذكرة الدخول بمائة خمسة وعشرين دولاراً وتصوير الأمر كأنه لعبة أو تسلية يمكن أن تحدثينا عن ما الذي ضايقكِ في هذه الذكرى أو في أسلوب الاحتفال بها؟

شيغيكو ساساموري: حسناً لم أذهب نيوميكسكو لغرض التعبير عن الحنق, بل ذهبت لأطلب من العلماء الذين كانوا وراء إنشاء الموقع هناك بأن يفككوه ويدمروه حتى لا يُستخدم كمخزن للأسلحة النووية فهم يمتلكون الآن ما يناهز الألفي قنبلة ولازالوا يصنعون المزيد, ذهبت هناك أتوسلهم كي يتوقفوا عن صنع القنابل وأقول لهم إن كانوا يمتلكون هكذا أسلحة فليدمروها, من أجل كل ذلك ذهبت إلى هناك لقد شعرت باستياء عندما سمعتهم يقولون بأنهم كانوا على حق عندما قصفوا هيروشيما لقد شعرت بحنق شديد لذلك الكلام.

حافظ المرازي: نعم السيدة شيغيكو ساساموري من الذين نجوا من تفجير قنبلة هيروشيما حين كانت في الثالثة عشر من العمر قبل ستين عاماً من الآن وهي تقدم أو قدمت لنا مذكراتها أو ما شعرت به وما تتمنى أن يحدث بأن يكون ما حدث هو الاستخدام الأول والأخير في تاريخ البشرية للسلاح الذري الرهيب, أشكرك في هذه الذكرى سيدة ساساموري. وننتقل إلى الجزء الثاني من برنامج من واشنطن, هل ينتهي الجدل رغم مرور ستين عاماً بشأن أخلاقيات ومدى الضرورة الاستراتيجية لقرار الرئيس الأميركي هاري ترومان قبل ستين عاماً باستخدام السلاح الذري ضد اليابان؟ حوار مع مُؤرخَيْن برؤيتين مختلفين وكتابين عن وصف هيروشيما وناغازاكي بعد هذا الفاصل في برنامج من واشنطن.

[فاصل إعلاني]

الأسباب والضرورات الإستراتيجية وراء إسقاط القنبلة


حافظ المرازي: مرحباً بكم مرة أخرى معنا في الجزء الثاني من برنامج من واشنطن وفي الذكرى السنوية الستين لقنبلتي هيروشيما وناغازاكي واستخدام السلاح الذري لأول مرة في تاريخ البشرية وربما الأخيرة أو نتمنى أن تكون الأخيرة, ناقشنا في الجزء الأول مع السيدة شيغيكو ساساموري ذكريات شاهدة عيان فيما حدث في هيروشيما وفي الجزء الثاني نناقش الجدل المستمر في الولايات المتحدة والذي لم ينتهي بعد حول هل كان تلك القنبلة أو كان استخدامها ضرورياً؟ هل فعلاً كانت لإنقاذ حياة الآلاف وربما مليون أميركي كما قال البعض لو اضطرت الولايات المتحدة لغزو اليابان لإنهاء الحرب؟ أم أنه هذا الاستخدام كان لأغراض تتعلق بالاستراتيجية الدولية برغبة الولايات المتحدة في تخويف الاتحاد السوفيتي كقوة صاعدة, هذا ما نناقشه في برنامج من واشنطن مع ضيفي في هذه الحلقة أرحب بهما, معي في الاستديو في واشنطن الدكتور سامويل واكر وهو مؤرخ لشؤون الطاقة النووية ومؤلف كتاب بعنوان التدمير الفوري والكلي ترومان واستخدام القنابل الذرية ضد اليابان ويسعدنا أن ينضم إلينا من لوس أنجلوس في كاليفورنيا الدكتور رونالد تكاكي وهو أستاذ الدراسات العرقية والتاريخ بجامعة كاليفورنيا فرع بركلي وهو مؤلف لكتاب شهير أيضاً بعنوان هيروشيما لماذا أسقطت أميركا القنبلة الذرية؟ بروفيسور تكاكي لو بدأت معك أولاً عن إجابتك على هذا السؤال لماذا أسقطت أميركا القنبلة الذرية وهل كانت ضرورة استراتيجية؟

رونالد تكاكي- أستاذ الدراسات العرقية والتاريخ بجامعة كاليفورنيا فرع بركلي: أي حديث عن القصف الذري لهيروشيما يجب أن ينطلق من حقيقة أكدتها تصريحات الجنرال دوجلاس ماك آرثر التي تلت القصف وهي أن اليابان كانت على حافة الهزيمة قبيل الهجوم مما يجعل أي هجوم ذري أمر غير ضروري أو على الأقل من منظار عسكري وهذا يجرنا إلى السؤال التالي لماذا أمر الرئيس ترومان آنذاك بإسقاط القنبلة الذرية على هيروشيما؟

حافظ المرازي: والإجابة.

"
الحديث عن القصف الذري لهيروشيما يجب أن ينطلق من حقيقة أكدتها تصريحات الجنرال دوغلاس آرثر التي تلت القصف وهي أن اليابان كانت على حافة الهزيمة قبيل الهجوم، مما يجعل أي هجوم ذري غير مبرر
"
رونالد تكاكي
رونالد تكاكي: حقيقة أن المسألة شديدة التعقيد علينا أن نتذكر أن الرئيس ترومان كان جديداً على الرئاسة ووصوله إلى السلطة جاء بمحض الصدفة, لو جاز التعبير بعد وفاة الرئيس روسفيلت الثاني عشر من نيسان عام 1945 اعترف ترومان لزوجته بقلة خبرته في السياسة الخارجية وقد شعر بالقلق إزاء توليه منصب كبيراً كذلك الذي شغله رئيس بعظمة روسفيلت لطالما كان ترومان محل السخرية, كان يلقب بالرجل الصغير في البيت الأبيض وكان الناس يتهكمون بالقول هاري مَن؟ (Harry Who?), خبأ ترومان قلقه وقلة ثقته بنفسه وراء قناع من الحزم وصور نفسه على أنه رجل الحدود المعروف بالجدية والصرامة, كان شعاره المفضل بالآخر أنا صاحب القرار الأخير وكل هذه الأمور لعبت دور في اتخاذ ترومان لذلك القرار المحتوم وحتى ترومان انجرف وراء غضب الشعب الأميركي المطالب بالانتقام, الانتقام لهجوم اليابان على بيرل هاربر وأخذت الرغبة في الانتقام أبعاد خطيرة كان الهجوم في الباسيفيك ذات طبيعة مختلفة عن سواها من حرب أوروبا لقد اتخذت الحرب شكل سباق بين الولايات المتحدة واليابان وقد عَرَف ترومان العدو في المحيط الهادي بوصف عنصري في إشارة منه إلى الشعب الياباني بينما كانت كلمة عدو في معرض الحديث عن الحرب في أوروبا تشير فقط إلى النازيين وأتباعهم وليس للشعب الألماني ككل, أضف إلى ذلك إدراك ترومان بنجاح التجربة الذرية في نيوميكسكو, إنه بذلك السلاح يمكنه إجبار اليابان على الاستسلام الغير شروط ولذلك أصدر ترومان بيان شديد اللهجة مطالب فيه اليابان بالاستسلام اللامشروط أو مواجهة الدمار الشامل على أرضه ويجدر الذكر بأن هيئة الأركان المشتركة أوسط في دخول ترومان في مفاوضات لأجل استسلام اليابان الذي شارف على الهزيمة وأصبح جاهز لذلك بشرط الاحتفاظ بنظامه الإمبراطوري, لكن ترومان أصر على الاستسلام اللامشروط ورفض اليابان الرضوخ فأمر ترومان بإسقاط القنبلة الذرية على هيروشيما ومن بعدها ناجازاكي ويجدر التذكير بأنه وحتى بعد إلحاق الدمار الشامل بناغازاكي واصلت الحكومة اليابانية رفضها للاستسلام إلا بشرط واحد, أصر ترومان لأحد الوزراء قائلا تثير فيه فكرة قتل مئة ألف آخرين شعوراً بالفظاعة لا تروقني فكرة قتل كل هؤلاء الأطفال, لذلك قرر ترومان السماح لليابان بالاحتفاظ بنظامه الإمبراطوري فكانت نهاية الحرب, لو عرض ترومان على اليابان الاستسلام المشروط في حزيران قبل حتى اختبار القنبلة لكان أفلح في إنهاء الحرب قبل الاختبار ودون الحاجة لقصف هيروشيما.

حافظ المرازي: لكن بروفيسور تكاكي ألم يقتل نحو مئة ألف في طوكيو من القنابل الحارقة الأميركية ولم يؤثر هذا؟ ألم يكن تخويف بسلاح غريب ورهيب هو الذي جعل أي شيء تطرحه أميركا يُقبل من ناحية اليابان؟ بل حتى عرض إبقاء الإمبراطور كان عرضاً كريماً من الأميركيين هم الذي تطوعوا به وليس مسألة أنه شرط ياباني إن الاستسلام كان بدون شروط.

رونالد تكاكي: نفذت الولايات المتحدة هجومها الذي كانت أثاره مدمرة برغم ذلك لم تقبل الحكومة اليابانية بالاستسلام اللامشروط وشكل هذا صلب الخلاف, بالأخير توصل إلى وقف للحرب عندما عرض على اليابان الاستسلام المشروط ويصح القول بأن قرار ترومان قصف هيروشيما لم يحظ بالدعم الكامل للشعب الأميركي وقد أبرز استطلاع للرأي نشرته مجلة (Forgen) بأن 54% من الشعب الأميركي ساند قرار استخدام السلاح الذري بينما شكك الصحف الرئيسية New York Times)) في جدول الهجوم النووي.

حافظ المرازي: نعم إذاً هناك أيضاً استطلاعات أخرى للرأي أعتقد أنها وردت لدى الدكتور واكر في كتابه وسنتناقش معه, غالوب (Gallup) في السادس والعشرين من أغسطس آب 1945 سألت الأميركيين عن رأيهم في استخدامهم السلاح الذري, المؤيدون لاستخدام القنابل الذرية 85%, مِنَ الأميركيين المعارضون 10% فقط, بدون رأي 5% فقط استطلاع آخر..

رونالد تكاكي [مقاطعاً]: تباينت مختلف استطلاعات الرأي في نتائجها وبالأخير لولا تعنت ترومان ورغبته في أن يبدو صلباً لكان أفلح في وضع حد للحرب بدون اللجوء للقنبلة الذرية كان بإمكانه أن يحصل على استسلام مشروط.

حافظ المرازي: نعم أرجو أن تبقى معنا بروفيسور تكاكي من لوس أنجلوس كاليفورنيا منضم إلينا وأتحول إلى ضيفي في الاستديو الدكتور سامويل واكر وكتاب الدمار الفوري أو التدمير الفوري والكلي وقرار ترومان استخدام السلاح الذري, هل يمكن أن تكون هناك فعلاً ضرورات لاستخدام السلاح الذري ويمكن أن نقول بأنها ليست مسألة ترومان يريد أن يثبت أنه رجل وأنه قوي للآخرين أو أن هؤلاء اليابانيين هناك نظرة عنصرية لهم أو غيرها, ما الضرورة في رأيك الاستراتيجية والأخلاقية لاستخدامها؟

"
الدلائل تشير إلى أن استخدام القنبلة الذرية في المرة الأولى والاجتياح السوفياتي كانا أمرين ضروريين لإقناع الإمبراطور وبعض مستشاريه الكبار بتغيير موقفهم من إنهاء الحرب
"
سامويل واكر
سامويل واكر- مؤرخ لشؤون الطاقة النووية: بدون شك تضمنت الحرب في خفاياها جانب من العنصرية والأستاذ تكاكي محقاً تماماً في قوله, هناك نقطة مازالت موضع شك وهي مدى اقتناع القادة الأميركيين بوشك استسلام اليابان وقد شاطرني الرأي حديثاً عدد من الأكاديميين الذين بحثوا الموضوع من منظار ياباني كما أشارت معلومات جديدة إلى أنه حتى في حال أعلن ترومان في بيان بوتسدام بقبوله بالإمبراطور كالحاكم الدستوري فإن هذا وحده لم يكن ليقنع اليابانيين بالاستسلام وبرأيي والذي شاطره الكثير من الناس كان إقناع اليابانيين بوضعهم اليائس وبضرورة الاستسلام ووضع حد للحرب يتطلب صدمة كتلك التي أحدثتها القنبلة الذرية واجتياح السوفييت لإقليم منشوريا أيام بعد الهجوم النووي, كلنا يعلم أن اليابانيين أدركوا مع حلول صيف 1944 أنهم على وشك الانهيار لم يكن الأمر يخفى على أحد في الولايات المتحدة ويبقى السؤال ما الذي كان يتوجب فعله لإقناع اليابانيين بالاستسلام؟ على الأقل فيما يخصني فإن الدلائل تشير إلى أن استخدام القنبلة الذرية في المرة الأولى على الأقل والاجتياح السوفيتي كانا أمرين ضروريين لإقناع الإمبراطور والبعض من مستشاريه الكبار بتغيير موقفهم من إنهاء الحرب بعد أن توصلوا إلى أن بقاء الإمبراطور في الحكم مرتبط بوضع حد للحرب.

حافظ المرازي: لكن هل بالفعل جنرال ماك آرثر وهناك آخرون رأوا منذ البداية بأنه لا حاجة تاريخياً لأن تستخدم هذه القنبلة وأن ترومان اعتز برأيه أو كان له حساباته الأخرى؟ وهل من هذه الحسابات في رأيك هو صراع القوة القادم مع الاتحاد السوفيتي كقوة صاعدة يريد ترومان أن يبقيها في محلها وأن يخيفها باستخدام السلاح على اليابانيين؟

سامويل واكر: بدون شك إدخال الرهبة إلى صدور السوفيت سبباً آخر لاستخدام القنبلة, أما فيما يخص مستشاري ترومان وقبل القصف فلا أعتقد أن أحد منهم اعترف بعدم الحاجة لاستخدام القنبلة وقد صرح عدد من الشخصيات الأميركية بعد الحرب بأن اليابان كانت على حافة الاستسلام وبأن الهجوم الذري لم يكن ضروري ولم يصل أي كلام من هذا القبيل أسماع ترومان قبل شن الهجوم على هيروشيما وناغازاكي كذلك يجدر التذكير بأن ماك آرثر لم يكن أبدا مستشاراً مقرباً من ترومان ولم يكن يحظى بقبوله, في واشنطن كان كلاً من الجنرال مارشال ووزير الخارجية بيرينز ووزير الحرب ستمبسون وآخرين من المقربين من ترومان ومن ذوي الكلمة المسموعة يتساءلون عما يجب فعله لإيقاف الحرب, كانوا عاكفين على إيجاد طريقة لإيقاف الحرب كانوا يتوجسون من أن يصبح اجتياح اليابان أمراً ضرورياً وكانوا يسعون جاهدين لإنهاء الحرب بأسرع ما يمكن لتجنيب الأميركيين الخسائر في الأرواح, كان هذا دافعهم الرئيسي كانت هناك دوافع أخرى ولكن حتمت عليهم رغبتهم في إنهاء الحرب بأسرع ما يمكن اتخاذ قرار من ذلك النوع.

تبريرات ضرب ناكازاكي وموقف اليابانيين


حافظ المرازي: إذاً دكتور واكر هذا عن هيروشيما القنبلة الأولى 6 أغسطس/آب, لكن القنبلة الثانية لماذا؟ أولاً الأنباء لم تصل حتى لطوكيو عن كم الدمار الذي حصل في هيروشيما حتى تستوعب الصدمة وتفكر وتفعل شيء إلا بعد فترة, لماذا بسرعة ثلاثة أيام فقط وتضرب ناغازاكي؟ نعلم تاريخياً أن ناغازاكي لم تكن هي المستهدفة لكن الطقس والجو حول المنطقة المستهدفة كان سيئاً فاختيرت ناغازاكي وعُجِلَ بها, لكن لماذا بسرعة؟ لماذا لا ننتظر أسبوع أسبوعين؟ إن كنت أنا أهتم بالبشر وضرب مدن هل كانت الثانية مبررة؟

سامويل واكر: هو السبب المقبول والوحيد الذي جعل الولايات المتحدة تفضل عدم التريث وتمضى بإسقاط قنبلة ثانية, صدر قرار يوم الخامس والعشرين من تموز يوليو يقول اِستخدِمُوا القنابل إنها جاهزة وحُدِد يوم الحادي عشر من آب أغسطس عوضاً عن التاسع كتاريخ لإسقاط القنبلة وكان من المتوقع أن يسود طقس رديء في ذلك اليوم لذلك أسرعوا بتجهيز القنبلة الثانية التي استهدفت ناغازاكي, لم يفكروا ملياً وكانت الأوامر قد صدرت بينما لم تبدر أي إشارة من اليابانيين بقرب استسلامهم ولذلك ومن منظور سياسي بحث لم يكن هناك من سبب يمنع استخدام القنبلة الثانية.

حافظ المرازي: بروفيسور رونالد تكاكي والدكتور سامويل واكر معنا في هذا البرنامج من واشنطن في الذكرى الستين لإلقاء قنبلتي هيروشيما وناغازاكي, بروفيسور تكاكي إلا يمكن أن.. هل لك أي تحفظات أو أريد أن أسمع وجهة نظرك؟

رونالد تكاكي: دعوني أرد على كلام الدكتور واكر من المهم الإشارة إلى أن قائد قوات الحلفاء في الباسيفيك الجنرال ماك آرثر كان على إطلاع بقرب استسلام اليابان, لقد عثرنا على رسائل مشفرة بين طوكيو وموسكو يطلب فيها اليابان من روسيا التوسط لاتفاق سلام ولماذا لم يسعى ترومان إلى التشاور مع ماك آرثر؟ لماذا لم يتشاور الرئيس مع قائد القوات؟ حتى أنه لم يأخذ بنصح القيادات العسكرية بواشنطن, لم يكن الأميرال ليهي رئيس هيئة الأركان المشتركة يؤمن بضرورة استخدام القنبلة وقد صرح بأن اليابان محاصر من كل ناحية وأنه سينهار من تلقاء نفسه فلنتريث, ليهي الذي كان يمثل هيئة أركان أشار على ترومان قبل توجهه إلى بوتسدام بأن يترك اليابانيين يحتفظون بنظامهم الإمبراطوري وكذلك نصح وزير الحرب هنري ستمبسون وأدرج ترومان في مسودة إعلان بوتسدام بنداً يخول لليابان الاحتفاظ بنظامه ولكنه وبيرنز قررا حذف البند من النسخة النهائية.

حافظ المرازي: دكتور واكر.

سامويل واكر: ردي هو أنه كان هناك مستشارون سندوا احتفاظ الإمبراطور بالحكم وكما أشار الأستاذ تكاكي عدد منهم أشار إلى ذلك فعلاً وقد عبرت عن رأيك بوضوح, صحيح أن الاستجابة لمطالب إعلان بوتسدام كانت ستأتي بثمن حدد شروطه الوزير بيرنز, بقى أن نجيب على السؤال التالي, وفق أي شروط كان سيقبل اليابان بالاستسلام؟ حسب علمنا المسألة لم تكن منحصرة في شرط واحد وهو بقاء الإمبراطور كالحاكم الدستوري للبلاد هذه المسألة لم تكن الشاغل الوحيد للقادة اليابانيين حتى بعد أحداث هيروشيما وفي الواقع ولفترة طويلة كان اهتمامهم مركزاً على تقديم أربع شروط وأثارت المداولات المتعثرة جدلاً حول قبول أو رفض الاستسلام بعد هيروشيما وعقب الغزو السوفيتي لمنشوريا.

حافظ المرازي: بروفيسور تكاكي ألم يوجد نقاش داخل اليابان أيضاً وكانت هناك عناصر متشددة ومتطرفة لولا القنبلة الذرية التي جعلت الإمبراطور يتدخل بالفعل؟

رونالد تكاكي: محاولة فهم الأسباب التي أحاطت بقرار استخدام القنبلة لا يستدعى فقط درس الأمور من المنظار الأميركي بل كذلك فهم الدوافع الجانب الياباني, لماذا قرر هذا البلد أن يمضى في استخدام السلاح الذري؟ وأعيد كلامي تقريباً كل المستشارين العسكريين لترومان أوصوا بعدم استخدام القنبلة, حتى الجنرال مارشال نفسه قال لنجرى اختباراً للقنبلة الذرية في مكان من الباسفيك ولندعوَ مشاهدين وجنرالات يابانيين لحضور الاختبار كي يدركوا تماماً أي نوعية من الأسلحة نمتلك, كذلك لم يكن الرئيس ترومان من النوع الذي يُعِير اهتماماً لم يقوله مستشاروه باستثناء ما يقوله جيمس بيرنز ويوجد سبب لهذا الاستثناء كان ترومان يعتقد أن بيرنز كان أجدر بمنصب نائب الرئيس في عهد روزفلت وأنه كان ينبغي أن يتولى الرئاسة بعد موت روزفلت بدلاً منه.

حافظ المرازي: لكن هناك البعد الاستراتيجي, وزير الخارجية أيضاً له رؤية سياسية ربما ليست عند العسكريين وهو الاتحاد السوفيتي وخطورته وسياسة الاحتواء للسوفيت في مكانهم كقوة إلا ترى ذلك؟

رونالد تكاكي: كانت لبيرنز أسبابه الخاصة وفي الواقع نُقِل عن بيرنز قوله لعالم الذرة ليوسلار بأنه لم يكن يريد أن تتوقف الحرب في اليابان وأنه كان على علم بهزيمة اليابان وقد أصر نرغب في تمديد الحرب كي نتمكن من اختبار السلاح ومن استعماله ضد اليابان وشعبه واستغرب سلار لتصريحات بيرنز والتي اعتبرها عنصرية لا سيما ما يخص منها تجريب السلاح على اليابانيين بهدف ترهيب ستالين.

"
أفند بشدة قول البروفيسور تكاكي بأن مستشاري ترومان أوصوا بعدم استخدام القنبلة, إذ لم يوص أي منهم بعدم استخدامها، وإنما كانت لديهم تحفظات بشأن إسقاطها على مدنيين
"
واكر
سامويل واكر: أود أن أرد على هذه النقطة وهي نقطة بغاية الأهمية تلك التي أثارها الأستاذ تكاكي والتي تناقش أسباب القصف ومرةً أخرى أشدد على أن قرار المضي في الهجوم جاء في ظل غياب مؤشر من اليابانيين بشكل استسلامهم, كل ما كان عليهم فعله إذا ما كانوا فعلاً جادين بشأن الاستسلام هو الاتصال بوزارة الخارجية أو بالبيت الأبيض لتقصي ما إذا كانت الولايات المتحدة تقبل بترك اليابان يحتفظ بإمبراطوره مقابل الاستسلام ومن ثم وقف الحرب وأنا أفند بشدة قول البروفيسور تكاكي بأن مستشاري ترومان أوصوا بعدم استخدام القنبلة, في الواقع لم يوصي أي من مستشاريه سواء المقربين منهم أو غيرهم بعدم استخدام القنبلة البعض منهم كمرشال وستبسون شكك في جدوى استخدامها فقد كانت لديهم تحفظات بشأن إسقاطها على مدنيين ولكن عندما أخذت الأمور منحاً خطيراً أصبح هاجسهم الأول والأخير إنهاء الحرب بسرعة وعندها تبين لهم أن القنبلة الذرية هي الوسيلة الأنسب لفعل ذلك.

رونالد تكاكي: كانا مستشاري ترومان يضعوا وضعاً للحرب بأسرع ما يمكن وكانوا يشيرون عليه بترك اليابان يستسلم مع تلبية شرطه.

سامويل واكر: فقط بشرط معين وبحسب التوقيت المناسب ولم يتوفر أي من الشرطين قبل استخدام القنبلة.

رونالد تكاكي: لست واثقاً تماماً من اقتناع أصحاب القرار والقيادات العسكرية بذلك, كانوا يعتقدون بأن اليابان كان على حافة الاستسلام بشرط واحد وفي النهاية حُسِم الأمر بذلك الشرط ولم يكن هناك أربع شروط بل شرط واحد فقط الملكية الدستورية وهو مصطلح استعمل لاحقاً.

سامويل واكر: أنا أقصد بكلامي المفهوم وليس المصطلح والبروفيسور هزاكاو أقر بوضوح في كتابه الجديد أن تفكير اليابانيين في اليوم الثاني أو الثالث في هيروشيما لم يكن مركزاً على النظام الملكي, لم يتصورها نظاماً ملكياً ذا سلطات محدودة بل كان شاغلهم الأكبر محافظة الإمبراطور على ذات الصلاحيات التي تمتع بها منذ اعتلائه العرش وهو تحديداً الأمر الذي أصر الأميركيون على ألا يتم, أما فيما يتعلق بمستشاري ترومان فليس واضحا ما إذا كانوا آنذاك مقتنعين تماماً بوشك استسلام اليابان.

حافظ المرازي: يعني اسمحا لي كلاكما لأنه لم يبق في البرنامج إلا وقت قليل.. دقيقتين, أريد أن آخذ رأيكما فيها لماذا بعد ستين عاماً حتى بعد أربعين بعد خمسين سنة كان هناك جدل كبير في مؤسسة متاحف سمثونية الأميركية حين أقيم معرض عن نيولاجاي الطائرة التي أسقطت القنبلة الذرية على هيروشيما؟ كان هناك جدل حول ذكر ما حدث والنقاش الذي نناقشه في البرنامج وفي كل الأدبيات الأميركية, لماذا مازال هناك مشكلة لدى الرأي العام الأميركي في قبول مناقشة ما حدث قبل ستين عاماً؟ أسمع الأول وجهة نظر الدكتور سامويل واكر.

سامويل واكر: هذا سؤال وجيه وليس له جواب محدد ويمس قضيةً تلعب العواطف فيها دوراً كبيراً قضية تعني الكثير بالنسبة للشعب الأميركي ولقدماء الحرب وعلى مدى ثلاثين أو أربعين سنةً نشأت أسطورة وبدأت تتوسع لتفوق نطاق الرئيس ترومان وستمثون وآخرين بعد انتهاء الحرب بأن الخيار الوحيد المتاح آنذاك عدى الهجوم الذري هو اجتياح اليابان واليوم نعلم أنه من الخطأ تصوير الاجتياح على أنه محتوم لأن الاجتياح لم يكن مقرراً قبل الأول من تشرين الثاني نوفمبر سنة 1945 وبرأيي كانت ستنتهي الحرب قبل حصول الاجتياح ولكن الأسطورة ترسخت في أذهان الشعب الأميركي بأن ترومان واجه خيارين متناقضين استخدام القنبلة أو اجتياحاً كان سيكلف الأميركيين مئات الآلاف من الأرواح وهو كلام من باب الخيال.

حافظ المرازي: بروفيسور تكاكي الدقيقة الأخيرة أسمعها منك أيضاً.

رونالد تكاكي: لقد ساهم ترومان نفسه في تكريس الأسطورة لأنه كتب في مذكراته لقد اتخذت القرار الصواب ألقيت القنبلة الذرية على هيروشيما وأنقذت بذلك حياة نصف مليون من قواتنا العسكرية, لكن هذا الرقم مخالف لتقديرات هيئة الأركان كذلك واكر كان على صواب لقد كان ماك آرثر يعتقد بان الاجتياح لم يكن حتى ضرورياً.

حافظ المرازي: لماذا في رأيك هل هناك حساسية لمناقشة الموضوع على المستوى الأميركي وخصوصاً في متحف أو حين يحدث أي نقاش؟ هل هي قوة المحاربين القدامى أو المشاعر الوطنية؟ هل هي أشبه بمشكلة اليابان في الاعتراف بما فعلته أثناء تلك الفترة مع الصين وعدم القدرة على الاعتذار بشكل واضح؟

رونالد تكاكي: صحيح أننا نرفض الاعتذار ونتهرب من مواجهة الحقيقة, لقد قال وليام ليهي لا شك أن القنبلة الذرية سلاح غير تقليدي, يُسبب الموت بالتسمم الإشعاعي ومن هنا يجوز القول بان ما جرى هو عمل إجرامي ارتكبته أمة وعلينا أن نقر في النهاية بان الولايات المتحدة ربما ارتكبت جرماً عندما أوقفت الحرب بتلك الطريقة حسب ما يقول الأميرال وليام ليهي.

حافظ المرازي: دكتور واكر.. نعم دكتور واكر الكلمة الأخيرة لك هل كانت هذا العمل جريمة حرب كبيرة تاريخية من أميركا؟

سامويل واكر: كما ترى هذا حديث شائك وبدون شك فهو يحرك مشاعر قوية, أُعرب عن امتناني لدعوتكم لي في هذا البرنامج وليس لدي ما أضيفه أكثر من التعبير عن اقتناعي بأن ترومان استخدم القنبلة لاعتقاده بأنها أفضل وسيلة للتعجيل بإنهاء الحرب.

حافظ المرازي: جدل بالطبع كما لاحظنا حتى في البرنامج وبعد ستين عاماً من هيروشيما وناجازاكي لم ينتهي وقضية تاريخية ترى من عدة أوجه ستون عاماً على إسقاط القنابل الذرية على هيروشيما وناجازاكي, أشكر ضيفيا في الجزء الثاني من البرنامج بروفيسور رونالد تكاكي لوس أنجلوس كاليفورنيا وهنا في الأستوديو دكتور سامويل واكر المؤرخ والمؤلف وأشكركم وإلى اللقاء في حلقة أخرى في برنامج من واشنطن, مع تحيات فريق البرنامج في الدوحة وهنا في واشنطن وتحياتي حافظ المرازي.


جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة