العرب وحلف شمال الأطلسي   
الخميس 1426/3/20 هـ - الموافق 28/4/2005 م (آخر تحديث) الساعة 16:39 (مكة المكرمة)، 13:39 (غرينتش)

- تطور اهتمام الناتو بالوطن العربي
- أسباب تقارب الناتو مع العالم العربي
- أهمية الشراكة العربية الأطلسية
- دور الناتو في دمقرطة الشرق الأوسط

أحمد كامل: أهلا بكم إلى حلقة جديدة من برنامج من أوروبا نستعرض فيها التطلعات العربية لحلف شمالي الأطلسي الناتو، منذ نشأته وطوال خمسين عاما من وجوده لم يكن لحلف الناتو أي شكل من أشكال العلاقة مع أيٍ من الدول العربية، فجأة بعد سقوط جدار برلين وبعد الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر بدأ الحلف يمد عينيه إلى جنوبي المتوسط، حوار ثم مناورات ثم تواجد في العراق وحديث عن التواجد في فلسطين ما بعد السلام وفي لبنان ما بعد الانسحاب السوري، التحقيق التالي يستعرض تطور اهتمام الحلف الأطلسي بالوطن العربي.

تطور اهتمام الناتو بالوطن العربي

[تقرير مسجل]

- تحدٍ جديد يواجه الحلف الأطلسي بعد أن تمكن من استيعاب أعداء الأمس وضمهم إلى صفوف أشد المدافعين عن استراتيجيته الجديدة، تحدٍ عنوانه العريض ترويض الدول العربية عبر اقتراح خطط تدعو إلى الحوار في أفق إقامة شراكة من نوع جديد معها إذ يعتبر الناتو أن هذه المنطقة من العالم تشكل تهديدا حقيقيا لمصالح الغرب فهي لا تزخر فقط بآبار النفط الضرورية للاقتصاد الغربي ولكن أيضا بخزان لا ينضب من الناقمين على السياسات الغربية على استعداد لتصدير غضبهم سواءً إلى الضفة الأخرى من المتوسط أو الأطلسي، الحوار بين الحلف الأطلسي والدول العربية انطلق عام 1994 واتسمت أهدافه بالغموض خلال الفترة التي سبقت هجمات نيويورك وواشنطن إذ اقتصرت هذه المرحلة على لقاءات على مستوى غير عالٍ بين مسؤولي الحلف ونظرائهم من الدول العربية تهدف أساسا إلى دمج إسرائيل في محيطها الطبيعي عبر إشراكها في الحوار.

رشيد خشانة – محلل سياسي: في البداية لم يكن هدف الشراكة واضحا كان يُسمى مجرد حوار يلتقون فيه لكي يناقشوا قضايا سياسية مشتركة، الآن بعد عشر سنوات اكتشفنا أن المقصود هو الارتفاع من هذا الحوار كما سُمي آنذاك إلى شراكة والشراكة تفترض علاقة جديدة بين الطرفين تكون فيها البلدان العربية تلعب دور مُسطَّر لها محدد لها مُسبقا من قِبل الحلف الأطلسي هذه الأولى، الثانية هي إدماج إسرائيل في إطار من جملة الأُطر الإقليمية والدولية التي يسعى من خلالها الغرب بشكل عام إلى جعل إسرائيل طرفا عاديا وطبيعيا في المنظومة العربية.

- لا يبدو أن الناتو قد غيَّر استراتيجيته حول هذه النقطة في مبادرة استنبول للتعاون التي تبنتها قمة الحلف الأطلسي المنعقدة بتركيا خلال العام المنصرم فالذكرى العاشرة لانطلاق الحوار الأطلسي العربي كانت مناسبة لعرض الحلف لمبادرة على الدول العربية تستجيب لعقيدته الجديدة التي تركز على التدخل لصد الأخطار في أي مكان من العالم بما فيه العالم العربي.

ياب دوب هوب سخيفر – أمين عام الحلف الأطلسي: الشراكة الحقيقية تقوم على الثقة، الثقة هي الكلمة التي استُخدمت أكثر من مرة بالأمس ولأننا نمتلك صيغا للتعاون العملي الشراكة تعني الثقة وهي التي يجب أن تكون بيننا.

رشيد خشانة: هذه الخطة كما قلت تركز بالدرجة الأولى على الهواجس الأمنية، هي تتخذ رداءً أو ثوبا سياسيا وتتحدث عن حقوق الإنسان وعن تطوير الديمقراطية وعن مسارات مختلفة في هذا المجال ولكننا عندما نبحث عن حقيقتها نجد أنها كل هذا يصُب في خانة واحدة هي السعي إلى تأمين سلامة وأمن البلدان الغربية من العالم الإسلامي الذي يعتبر فضاءً مُصدِرا للإرهاب مصدرا لرؤية يعتبرونها متطرفة ومتزمتة للدين الإسلامي.

"
 الناتو يعتبر أن المنطقة العربية تشكل تهديدا حقيقيا لمصالح الغرب فهي لا تزخر فقط بآبار النفط الضرورية للاقتصاد الغربي ولكن أيضا بخزان لا ينضب من الناقمين على السياسات الغربية
"
تقرير مسجل
- نص مبادرة استنبول للتعاون يركز على أن الهدف البعيد المدى للحوار بين الحلف الأطلسي والدول العربية هو إقامة شراكة حقيقية بين الطرفين شراكة تعني بحسب المعايير الدولية ليس فقط مجرد عقد لقاءات لتبادل الآراء والمواقف حول الشؤون العسكرية والدفاعية وحتى السياسية بل تحديد المهام والأدوار الملقاة على عاتق كل طرف فالناتو لا يُخفي سعيه لعب دور في الإصلاح السياسي داخل هذه الدول وهو ما كانت كوندوليزا رايس قد أشارت إليه قبل عامين عندما دعت الحلف إلى فتح مكاتب في الدول العربية لمراقبة الإصلاحات المطلوبة من هذه الدول إضافة إلى دور الناتو التقليدي كجزء من القوة العسكرية الغربية المساهمة في الحرب على ما يطلق عليه بالإرهاب.

محمد شعبان – مستشار وزير الخارجية المصري: فوجئنا بأنه يقرر أن له دورا في العملية السياسية وفي عملية الإصلاح الديمقراطي ورسالتنا أن هذه ليست مهمة الناتو كحلف عسكري والرسالة التي نقلناها أنه انتقل من كونه حلف دفاعي إلى كونه حلف هجومي.

سعد جبار – مركز دراسات شمال إفريقيا في جامعة كمبريدج: بإمكانها أن تلعب كمنظمة دورا فعالا وإيجابيا إن أقنعت الأنظمة العسكرية عن طريق العسكريين الذين تلتقي معهم بأنه من مصلحة دولهم وشعوبهم أن يؤسسوا للديمقراطية مثل ما حدث في دول أوروبا الشرقية.

- أهداف لم تمنع الدول العربية من السباق نحو شراكة قد لا تخلو من ضغوط لعدم التوازن الكبير بين الطرفين سواءً تعلق الأمر بالإمكانيات الاقتصادية أو العسكرية فإدراكها بعدم وجود خيار أمامها يدفع الدول العربية إلى اختيار النظر إلى هذا التعاون فقط من زاوية الاستفادة من القدرات العسكرية للحلف لتعزيز أمنها، أمن لم يعد يهمُ هذه الدول فقط ولكن أيضا الدول الغربية.

رشيد خشانة: أعتقد أن كل بلد عربي من هذه البلدان الرئيسية يسعى أن يكون هو مفتاح العلاقات بين البلدان الغربية بشكل عام والولايات المتحدة بشكل خاص وبين باقي المنطقة، أن يكون هو الواسطة أو الجسر بينهما فعلى الصعيد العسكري أيضا كل بلد لديه بنية أساسية عسكرية متطورة يطمح إلى أن يكون أولا هو مستفيد أكثر من غيره من الشراكة مع الحلف الأطلسي ثم أن يكون هو وسيطا بين أشقائه وبين الحلف فأعتقد أن هذا هو ما يدفع هذه البلدان إلى التسابق وإن كان هذا السباق في رأيي يؤدي إلى التنازل عن كثير من الأساسيات في المواقف العربية ومن القواسم المشتركة والثوابت العربية المشتركة من أجل الحصول على هذه الميزة أو هذه الأفضلية في التعاون مع الحلف الأطلسي.

ياب دوب هوب سخيفر: الحلف الأطلسي لن يعيد ما يفعله الاتحاد الأوروبي أو أي مؤسسة عالمية أخرى فنحن نفعل ذلك على أساس الشراكة بين الجميع ولن يكون هناك ضغط على أي دولة أن تقول نعم ثم تأتي بمقترحات بحوار مع الحلف الأطلسي.

- اللقاءات الفعلية لمجموعة التعاون المتوسطي بين الناتو وسبع دول هي مصر والمغرب والجزائر وتونس وموريتانيا والأردن إضافة إلى إسرائيل في نهاية السنة الماضية في بروكسل وانطلاق تحركات عملية في اتجاه التعاون الثنائي مع بعض الدول المتوسطية كالمغرب والجزائر شكلت الانطلاقة الفعلية لتطبيق الحلف لاستراتيجيته في المنطقة وتتراوح بين اقتراح قواتٍ لحفظ السلام وأكاديمية للتدريب العسكري والتعاون العسكري المباشر الذي يتضمن استقبال قوات وقواعد عسكرية ودعم العمليات العسكرية في حالات عاجلة لم يتم تحديدها بدقة.

ياب دوب هوب سخيفر: لن نتدخل في الشرق الأوسط، لقد قلت من قبل وأعيد أمام كاميرا الجزيرة إذا كانت هناك اتفاقية للسلام بين إسرائيل والفلسطينيين ووُجِد حل عادل ودائم بين الجانبين على أساس دولتين وإذا طلب الجانبان من الحلف الأطلسي أن يلعب دورا تحت مظلة الأمم المتحدة فإن ذلك وهو مجرد احتمال سيكون أمرا آخر.

- احتياطات موجهة بالأساس إلى المواطنين العرب الذين يدرك الحلف أنهم لا يثقون في تحركاته داخل حدود بلادهم وعلاقاته مع سلطات يعتبرونها خانعة لمطالب الغرب الأمنية.

محمد شعبان: هناك صورة سلبية للحلف في دول المنطقة والصورة السلبية أستطيع أن أقول إن الحلف هو الذي خلقها وليست دولنا وكان أحد النقاط الأساسية التي أشرت إليها هو أن الحلف قام بعمليات عسكرية دون أن يكون هناك قرار من مجلس الأمن الدولي وهذا منافٍ للمواد الخاصة بالميثاق.

توري مونتي – المعهد الملكي للدراسات الدفاعية والأمنية بلندن: أعتقد أن ذلك إعراب عن بعض المخاوف الكبرى من جانب العالم العربي الذي رأى الناتو يدخل من الباب الخلفي ومن خلال الإصلاح الأمني والدفاعي يدفع الإصلاحات التي جاءت من الولايات المتحدة وذلك هو الخوف الذي تم التعبير عنه.

- ويُجمع المراقبون على أن الدول العربية في حاجة إلى بلورة طريقة جديدة للتعامل مع حلف لم يعد الذراع العسكرية للغرب ولكن تحوَّل إلى طليعة للتغيير السياسي في المناطق الحساسة في العالم.

سعد جبار: الحلف الأطلسي يتحدث عن الحوار وعن إقناع الطرف الآخر فنحن نطالبه بالعمل على إقناع الطرف الآخر بدلا من الحديث فقط عن الحصول لما يخدم مصالحهم مكافحة الإرهاب أو إنهاء خطر أسلحة الدمار الشامل بدلا من الحديث كذلك عن خطر أسلحة الدمار الشامل متمثل في الدول والأنظمة الشمولية العسكرية بالذات.

- ويبدو أن بناء نظام أمني إقليمي في المنطقة العربية وحده الكافي بمواجهة التكتلات الغربية عسكريةً كانت أو سياسية غير أن ذلك يحتاج إلى توافق عربي قد لا يكون من السهل الحصول عليه في وقت تسعى فيه كل دولة على حده إلى إرضاء الغرب.


أسباب تقارب الناتو مع العالم العربي

أحمد كامل: ولمعرفة المزيد حول هذا الموضوع أستضيف كلا من السيدة كارولين باي من مجموعة أبحاث الأمن والسلام، مؤلفة كتاب أوروبا والعالم الإسلامي والسيد جيمس أباتوراي الناطق باسم حلف شمالي الأطلسي، أهلا بضيفيّ وأبدأ مع السيدة كارولين باي، سؤالي الأول لماذا يهتم الناتو بالعالم العربي؟

كارولين باي – مجموعة الأمن والسلام: في الحقيقة إن رغبة حلف الناتو في إقامة علاقات مع الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط يجب أن توضع في سياق ما بعد الحرب الباردة، صحيح أن الناتو فقدَ بعضا من مبررات وجوده عام 1989 مع انهيار جدار برلين وكذلك في عام 1991 مع حرب الخليج الأولى وصحيح أن هناك تحركا نحو الجنوب بسبب الشعور بوجود تهديد واضح يتمثل في انتشار أسلحة الدمار الشامل وخطر الهجرة غير القانونية ومن هنا نشأت سياسة كاملة للتعاون في المجالين الأمني والعسكري مع بلدان الضفة الجنوبية وهو ما كنا نسميه حوار الناتو في البحر الأبيض المتوسط.

أحمد كامل: ألم تُسرِّع أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر توجه الناتو نحو الجنوب؟

كارولين باي: بالطبع لقد ساعد هذا في تسريع الشعور بالتهديد لكن من الواضح أن هناك سلسلة كاملة من الأخطار التي أُخذت في الاعتبار وأعتقد أن حرب الخليج عام 1991 كانت الشرارة الأولى لهذا الشعور فقد اكتُشف أن هناك تبعية للغرب في مجال الطاقة نحو هذه المنطقة، لقد كانت هذه المنطقة غير مستقرة وبها قطيعة اقتصادية وبالتالي كان يجب إيجاد سياسة حقيقية تجاه الجيران الأقرب وهم بالنهاية بلدان الضفة الجنوبية للمتوسط.

أحمد كامل: السيد أباتوراي الناطق باسم الناتو، سؤالي الأول لكم لماذا يهتم الناتو بالوطن العربي؟

"
الناتو والعالم العربي جاران يواجهان تحديات مشتركة متمثلة في الإرهاب وانتشار أسحلة الدمار الشامل لذا فالطرفان بحاجة للتعاون فيما بينهما
"
جيمس أباتوراي
جيمس أباتوراي – الناطق باسم حلف شمال الأطلسي: بالتأكيد العالم العربي هو عالم الناتو إذا جاز التعبير فنحن جيران منذ زمن بعيد، الطرفان يواجهان التحديات ذاتها ومنذ عام 1994 أقرت دول الناتو ودول الحوار المتوسطي وأقصد الدول السبع التي هي طرف في الحوار معنا وهي ست دول عربية إضافة إلى إسرائيل، كل هذه الدول أقرت بوجود تحديَّات مشتركة الإرهاب وانتشار أسلحة الدمار الشامل ودعنا أن أقول إنها تأثيرات الدول المنهارة، نحن بحاجة للتعاون فيما بيننا لمواجهة هذه التحديات وأنه لأمر صحيح وذو أهمية متزايدة أننا بحاجة للتعرف على بعضنا البعض بشكل أفضل وأن نتحاور ونتجنب أن تكون هناك أوهام سلبية بين المناطق لهذا فإن العلاقة أصبحت ذات أهمية متزايدة سياسيا وبالتأكيد في المجال الأمني وهنا بالذات تبرز أهمية الناتو بالنظر إلى الخبرة التي يتمتع بها ولكوننا نواجه التحديات نفسها.

أحمد كامل: تحدث الناتو عدة مرات عن شراكة حقيقية مع دول المتوسط ما المقصود بذلك؟

جيمس أباتوراي: إن الشراكة الحقيقية والتي أعتقد أننا نقترب من تحقيقها تعني بالنسبة لنا شراكة تتأسس فعليا على تفاهم وثقة بالنفس وفي شركائنا وهذه هي عناصر تعاون ملموس يصلح لتحقيق شيء وليس مجرد نظريات، لدينا تعاون حقيقي في المجالات التي ذكرتها سابقا أي في محاربة الإرهاب ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل وبالتالي فإنني أتحدث عن حوار حقيقي ومفتوح ومبني على الثقة بالنفس بين أصدقاء وتعاون ملموس دون تفرقة ودون فرض أشياء على الآخر، تعاون يخدم الطرفين وهما من جهة دول الحوار ودول الخليج المهتمة بهذا الشأن والناتو من جهة أخرى.

أحمد كامل: شكرا للسيد جيمس أباتوراي المتحدث باسم حلف الناتو، أعزائي المشاهدين نعود إليكم بعد فاصل قصير، ابقوا معنا.


[فاصل إعلاني]

أهمية الشراكة العربية الأطلسية

أحمد كامل: أهلا بكم من جديد في هذه الحلقة من برنامج من أوروبا والتي نخصصها للحديث عن حلف الناتو والعرب وأعود بالسؤال إلى السيدة كارولين باي، بالنسبة للمواضيع التي تهم طرفي هذه الشراكة العربية الأطلسية بماذا تفيد هذه الشراكة حلف الناتو؟

كارولين باي: بالنسبة للناتو دعني أقول إنها طريقة لإيجاد سياسة أكثر تطوعية باتجاه دول الجنوب وليس ببساطة الإبقاء على الخلافات التي من شأنها أن تُبقي على هذه القطيعة المتوسطية، هذه القطيعة التي أسميها متعددة الأبعاد اقتصادية وثقافية وأيضا عسكرية وأمنية وكما قلت فإنه مع انهيار جدار برلين أُعيد توجه الناتو نحو الجنوب وربما أعيدت أيضا صياغة مفهوم جديد مع بروز إمكانية إجراء عمليات خارج حدود الحلف، إن إعادة التوجه هذه نحو البحر الأبيض المتوسط مكَّنت الناتو بشكل كامل من إعادة صياغة مبرر وجوده.

أحمد كامل: أيهما أكثر أهمية في هذه الشراكة هل هو السياسي أم الأمني والعسكري؟

كارولين باي: بكل تأكيد سأقول أولا الأمني لأن الناتو هو في أساسه منظمة أمنية ومع أنه ليس بمقدورنا دائما أن نفصل المسائل الأمنية والعسكرية عن السياسة إلا أن التعاون هو حقيقةً في المجالين الأمني والعسكري وهو تعاون موجود من خلال بعثات الشراكة.

أحمد كامل: هل الطرف الآخر من المتوسط قد تكون الأولويات ليست هي نفسها؟

"
دول جنوب المتوسط تنظر في الغالب إلى دول الشمال بشيء من الريبة على أساس أنها تخشى منهجا تدخُّليا في عملها السياسي وفي ترتيب مسائل الأمن الداخلي
"
كارولين باي
كارولين باي: الأولويات ليست دائما هي ذاتها في الجهتين وأُقر هنا بأننا نشهد في معظم الأوقات سوء تفاهم بين الجانبين وأعتقد أن دول جنوب المتوسط بعيدا عن الدوائر العسكرية تنظر في الغالب إلى الشمال بشيء من الريبة على أساس أنه يتوخَّى منهجا تدخُّليا في عمله السياسي وفي ترتيب مسائل الأمن داخل أراضي هذه الدول وبالفعل فإن سوء الفهم هذا والتصور الضيق من هذا الطرف وذاك يمثلان عنصرا هاما وجب على السياسيين أخذه في الاعتبار.

أحمد كامل: السيد أباتوراي يقول البعض بأن الشراكة تولي اهتماما لمخاوف الناتو أكثر بكثير مما توليه لمشاغل واهتمامات الدول المتوسطية هل هذا حقيقي؟

جيمس أباتوراي: لا أبدا لحلف الناتو برنامج كامل وخبرات متعددة وفرناها لشركائنا في أوروبا الشرقية منذ سقوط جدار برلين ونحن نعرض الآن بشكل غير إلزامي ودون تمييز قائمة خبراتنا على شركائنا بمن فيهم العرب وإسرائيل، لكن إذا كانت دول الحوار المتوسطية أو تلك المنضوية تحت مظلة مبادرة استنبول للتعاون أو البلدان الخليجية إذا كانت هذه الدول راغبة في الحصول على خبراتنا فليس عليها إلا أن تأتي إلينا لنتناقش ولنضع على ذمتها هذه الخبرات دون أن نفرض عليها شيئا، إذاً على شركائنا العرب أن يحددوا احتياجاتهم في الإطار السياسي والأمني للناتو وأن يأتوا لبحث ذلك معنا وكل ما نقوم به في إطار الشراكة مع العالم العربي يتم في نطاق شراكة حقيقية بيننا ويقع تحديده بالاتفاق مع شركائنا العرب.

أحمد كامل: أنا وأنتم استخدمنا تعبير الشراكة مع العالم العربي وفي الواقع يوجد شراكة مع الدول المتوسطية وحوار مع دول الخليج، لماذا لا تقوم شراكة مع كل الدول العربية فهناك دول عربية ليست بالمتوسطية ولا الخليجية كالعراق مثلا؟

جيمس أباتوراي: توجد بالفعل بعثة لحلف الناتو في العراق تعمل على مساعدة الحكومة الجديدة، أمَّا بالنسبة لدخول العراق كشريك أو محاور للناتو فإن الأمر سيتوضح في المستقبل وليس الآن إذ أن الأمر مختلف تماما بالنسبة لهذا الملف، الحقيقة أن الحوار المتوسطي عمره الآن عشر سنوات وهو مختلف عن الاتفاق الحالي في العهد الذي توصلنا إليه مع عدد من دول الخليج منذ شهور قليلة في قمة استنبول، الأمر لم يبلغ حدا من النضج في الشراكة على غرار تلك التي تحققت في الحوار المتوسطي والذي يتمتع بعناصر أكتر عمقا سياسيا وعسكريا ولكن إذا ما رغبت دول خليجية أخرى في الانضمام إلى مبادرة استنبول للتعاون فنحن مستعدون لذلك أيضا.

أحمد كامل: بما إننا تحدثنا عن العراق، دور الناتو في العراق هو أقرب إلى الرمزية، هل يمكن لهذا الدور أن يصبح أكثر أهمية في المستقبل؟

جيمس أباتوراي: لا أنكر أن ما نحن بصدد فعله الآن قليل لكن مع هذا هناك مُعطىً مهم لابد من ذكره فالناتو سيقوم بتدريب وتكوين ألف ضابط كل سنة داخل العراق وخمسمائة من كبار الضباط خارجه كما نوفر الكثير من المعدات وعشرات الآلاف من الأسلحة الصغيرة وغير ذلك ونعتقد أن هذه البداية مذهلة لكن الأهم في كل هذا أن ما نفعله تحدده الحكومة العراقية ذات السيادة وبطلب منها ولن نفعل أبدا أكثر مما تطلبه هذه الحكومة.

أحمد كامل: في حالة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، هل يحتاج تدخل الناتو إلى موافقة طرفي الصراع أم موافقة الرباعية أم مَن؟

جيمس أباتوراي: في الوقت الحاضر ليس هناك أي نقاش رسمي داخل الناتو حول الاطلاع بدور ما في مسيرة السلام في الشرق الأوسط، الناتو لا يريد إطلاقا التدخل في هذا المسار الذي تديره الآن اللجنة الرباعية وبالطبع إسرائيل والفلسطينيين وفي حال حصول اتفاق سلام شامل بين الطرفين وإذا ما طلب هذان الطرفان من الناتو القيام بدور مساند مع توفر قرار من الأمم المتحدة، في هذه الحالة فقط يمكن للناتو أن يبحث الأمر بشكل معمق بين أعضائه وسيكون من مصلحة المجموعة الدولية بأكملها أن تساند مثل هذا الاتفاق لكننا لم نبلغ هذه المرحلة بعد.

أحمد كامل: أعرف أن جوابكم سيكون مشابها بشأن لبنان لكن مسؤولا عربيا تحدث عن دور لحلف الناتو في لبنان من حيث المبدأ، هل تعارضون لعب دور في لبنان؟

جيمس أباتوراي: وهذا نقاش يجب أن يشارك فيه السفراء والدول هنا في حلف الناتو في حال تقديم طلب بذلك من أيٍ كان وحسب علمي فإن الحلف لم يتلق أي طلب من أي جهة للعب دور في لبنان، إذاً هذا نقاش لم يبدأ أبدا في هذه المنظمة.

أحمد كامل: أعود إلى السيدة باي لأسألها، الجمهور الواسع في العالم العربي متحفز جدا تجاه أي دور للناتو تلك المنظمة العسكرية المخيفة كيف يمكن إقناع الجمهور بأن الحلف اليوم مختلف عنه أيام الحرب الباردة؟

كارولين باي: في الواقع إن حلف الناتو اليوم ليس هو حلف الناتو أثناء الحرب الباردة وهذا لم يغير كثيرا من طبيعة الحلف حيث ظل منظمة أمن وبناءً عليه يمكننا فهم إلى أي حدٍ تظل صورة الحلف من الخارج مشكوكٌ فيها بالرغم من ذلك وبالعودة إلى بعض العمليات في العالم العربي بشكل خاص أعتقد إنه في الواقع لا يجب أن ننسى أن الناتو منظمة تضم بلدانا من ضفتي المحيط الأطلسي ولذلك فإن الولايات المتحدة هي اللاعب الرئيسي بالتأكيد، هناك أيضا الدول الأوروبية لكنها ميَّالة برأيي إلى تفضيل مهمات تقوم بها الأمم المتحدة ويتم تنفيذها من خلال التزام حلف الناتو، أولا على الصعيد السياسي فإن القرار يأتي فعلا من الأمم المتحدة ولا أعتقد أنه بمقدور الحلف من تلقاء نفسه أو حتى بتأييد من البلد المُطالب بالتدخل أن يبعث بقوات في مهمات حفظ الأمن بدون إشراكه بطريقة أو بأخرى في القرار، أعتقد أن الناتو يظل حليفا مهما للدول الأوروبية وللولايات المتحدة ومن المحتمل أن يميل الأوروبيون في الأعوام المقبلة إلى تفضيل إطار متعدد الأقطاب يضم الولايات المتحدة.

أحمد كامل: أو أن يكون لهم قواتهم الخاصة.

كارولين باي: نعم هذا السؤال مطروح ولذلك فإننا نرى أن كل هذه المنظمات الأمنية والسياسية أصبحت بالتأكيد في حراك مستمر وفي تفاعل مع مختلف العلاقات الدولية التي يتم تشكيلها، في الحقيقة فإن مبدأ الدفاع الأوروبي نفسه يعوض أحيانا الهياكل الموجودة داخل الناتو وهذا ما يجب ربما أن يتحدد في الأعوام المقبلة.

أحمد كامل: السيد جيمس أباتوراي، هل الشراكة الأوروبية المتوسطية هو منافسكم؟

جيمس أباتوراي: إنها مُكمِّل لنا كما قالت السيدة الضيفة، الاتحاد الأوروبي يشدد على الجوانب الاقتصادية والاجتماعية أكثر من سواها.


دور الناتو في دمقرطة الشرق الأوسط

أحمد كامل: كثُر الحديث مؤخرا حول المشروع الأميركي للشرق الأوسط الكبير ودمقرطة الشرق الأوسط، ما هو دور الناتو في هذا المشروع؟

"
المشروع الأميركي والمشروع الأوروبي لدمقرطة الشرق الأوسط متكاملان ولا تعارض بينهما
"
جيمس أباتوراي
جيمس أباتوراي: لا على الإطلاق أبدا، يوجد الكثير من الأشياء من الواجب القيام بها والكثير من التكامل بين المنظمتين، نحن ندعم بعضنا البعض، نحن شركاء في البلقان، حجم واجباتنا أكبر من أن يسمح لنا بالتنافس، نحن بحاجة للتعاون وهذا ما يحصل.

أحمد كامل: ما معنى دمقرطة القوات المسلحة؟

جيمس أباتوراي: معناها على سبيل المثال أن دول أوروبا الشرقية التي كانت جزءا من حلف وارسو كان لديها وزير دفاع جنرال لا يتمتع بأي شفافية فيما يتعلق بالموازنة العسكرية أو فيما يتعلق بالأولويات الدفاعية، لم تكن هذه الأمور تُعرض على برلمان ذو سلطات حقيقية ليحدد بوضوح الأهداف والنفقات العسكرية، لدينا خبرة لمساعدة الدول التي ترغب بالتحول إلى الديمقراطية، هذا يعني وجود مدني كوزير للدفاع ووجود شفافية حقيقية في تحديد الموازنات العسكرية والحصول على موافقة البرلمان عليها، إنها خبرة يمتلكها الناتو ويضعها بتصرف شركائه الأوروبيين وكذلك شركائه العرب إذا كان الأمر يهمهم.

أحمد كامل: هل يمكن أن نتخيل قوات مسلحة ديمقراطية في بلد غير ديمقراطي مثل الغالبية من شركائكم المتوسطيين؟

جيمس أباتوراي: يمكننا تخيل ذلك وهذا أمر جيد والناتو يدعمه، بالنسبة لنا إنها فكرة جيدة وبالنسبة لشركائنا في شرق أوروبا فإنهم يعملون بجد للوصول إلى ذلك، إذاً نحن نضع هذه الخبرة بتصرف شركائنا العرب إذا شاؤوا ودون أن تُفرَض عليهم.

أحمد كامل: السيدة باي هل تعتقدين أن المشروع الأميركي للشرق الأوسط الكبير غائب عن هذه الشراكة أو إنه مكمل لها؟

كارولين باي: على كل حال إذا نظرنا إلى إرادة الولايات المتحدة في البداية فسنلاحظ أنه وإن كان مشروع الشرق الأوسط الكبير قد قَدِم أولا عن طريق مجموعة الثماني فإن الولايات المتحدة كانت تنوي عرض هذا المشروع على قمة الناتو في استنبول وكان الانتقاد الأساسي الموجه إلى هذا المشروع هو طابعه الأمني رغم وجود مشكلة نشر الديمقراطية في الدول المطلة على البحر المتوسط فالاعتبار الأمني إذاً كان مهيمنا على هذا المشروع والإرادة الأميركية لعرضه على قمة الناتو كانت تعكس هاجس فرض الأمن في هذه المنطقة من العالم التي تُشكل الآن مصدر خوف بالنسبة للغرب.

أحمد كامل: هل يمكن للناتو أن يلعب دورا في دمقرطه الوطن العربي وكيف؟

كارولين باي: نعم هناك خبرة في جميع الأحوال كما أشار إلى ذلك السيد أباتوراي فيما يخص تكوين الجيش والشرطة ومن المؤسف ألا نستفيد من هذه الخبرة والآن أعود إلى تعريف الأساس الذي أؤكد بمقتضاه أن الناتو هي قبل كل شيء منظمة أمنية وقد لا تكون بعيدة من السياسة لكن هناك منظمات خاصة بالسياسة كالاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وهي أكثر قدرة على دعم التوجهات الديمقراطية وبإمكان مثل هذه المنظمات السياسية أن تضغط وتقدم الدعم للمجتمع المدني داخل البلدان التي تحتاج إلى إرساء الديمقراطية فيها.

أحمد كامل: هل ترون إمكانية لتكامل المشاريع الثلاثة الشراكة الأوروبية المتوسطية والشراكة العربية الأطلسية ومشروع الشرق الأوسط الكبير الأميركي؟

كارولين باي: بخصوص المشروع الأميركي الخاص بالشرق الأوسط الكبير، أرى أن الاتحاد الأوروبي والناتو لهما مقاربات متكاملة حول المشروع وفي كل الحالات يجب ألا يهمل أي من الطرفين الخبرات الأمنية والعملية الموجودة داخل الناتو وأن يركز الاتحاد الأوروبي في الجانب الاقتصادي على الأبعاد الإنسانية.

أحمد كامل: بالنسبة للشراكة مع المتوسطيين أو الحوار مع الخليجيين هل هناك سياسة أطلسية واحدة لكل هذه الدول أم أن هناك سياسات مختلفة لكل بلد؟

جيمس أباتوراي: إن الرغبة في حوار سياسي مفتوح وتعاون عملي مفيد للجميع أمر مفتوح أمام الكل، إنه نفس المبدأ لكن المشروعين مختلفان أحدهما يستهدف بلدان البحر الأبيض المتوسط والآخر بلدان الخليج ولهما مستويات مختلفة فالحوار المتوسطي له مظهر متعدد الجوانب، يقال إن العلاقات مع بلدان الخليج هي ثنائية لكن هناك اختلافات وهذا أمر واضح فكل بلد له أولوياته ومصالحه وبيئاته المختلفة وبالطبع لا يمكن أن يكون لدينا إطار موحد لكل بلد دون احترام الحاجيات الفردية لهذه البلدان كما يحددونها هم بأنفسهم، مبدئيا الحوار والمشاركة والتعاون العملي للجميع لكن يجب تحديد ما إذا كان الأمر ضروريا أو ممكنا من أجل تأثير أفضل.

أحمد كامل: السيد جيمس أباتوراي المتحدث باسم حلف الناتو شكرا لك، السيدة كارولين باي من مجموعة أبحاث الأمن والسلام مؤلفة كتاب أوروبا والعالم الإسلامي شكرا لكِ، شكرا لضيفيّ أعزائي المشاهدين نلتقي في الأسبوع المقبل.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة