حقوق الإنسان بعد عام من الحرب ضد الإرهاب   
الاثنين 1425/11/29 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:15 (مكة المكرمة)، 14:15 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

مالك التريكي

ضيوف الحلقة:

كيت غايدج: رئيسة تحالف الدفاع عن الحريات السياسية
كمال السماري: المتحدث باسم منظمة العفو الدولية

تاريخ الحلقة:

08/09/2002

- أوضاع الحريات في أميركا في ظل الحملة ضد الإرهاب
- انعكاسات الحملة ضد الإرهاب على أوضع حقوق الإنسان في العالم

مالك التريكي: بدأت حرباً أميركية من أجل الحرية فتحولت حرباً عالمية ضد الحريات المدنية، تساؤلات حول أوضاع حقوق الإنسان بعد عام من تكريس أيديولوجيا مكافحة الإرهاب.

أهلاً بكم، قبل حوالي عام أعلن الرئيس بوش أن هجمات الحادي عشر من سبتمبر إنما كانت ترمي لنسف الحرية أهم قيم الحضارة الغربية، ولهذا فإنه قد وصف حربه ضد ما يسمى بالإرهاب بأنها حرب من أجل الحرية إلا أنه سرعان ما تبين أنه إذا كانت الحقيقة هي أولى ضحايا الحرب، فإن الحرية هي أولى ضحايا هذه الحرب الأميركية، إذ إن إدارة الرئيس بوش قد استولت على سلطات هي في الأصل من صلاحيات السلطتين التشريعية والقضائية وذلك في شبه انقلاب دائم على الدستور حسب العبارة.. العبارة الفرنسية الشهير، كما ارتجلت من التدابير القانونية الزجرية والحيل الإدارية القمعية، خاصة ضد الأجانب، وفي مقدمهم العرب والمسلمون ما لا يمكن بعده أن يظل المجتمع السياسي الأميركي ينعت بالديمقراطية الليبرالية، ذلك أن الإدارة الحالية قد أكدت بهذه الإجراءات القمعية صحة نظرية جريئة في الفكر السياسي الغربي تقول بأن من الخصائص الكامنة في الديمقراطية الغربية أن في إمكانها الافتراق عن الليبرالية بحيث تصير الديمقراطية تسلطية أو حتى استبدادية، لا لمجرد انطوائها على خطر طغيان الأغلبية حسب قولة (جون ستيورات مل) الشهيرة ضد الأقلية وفي في هذه الحالة الأقلية العربية والمسلمة، بل لأن الديمقراطية يمكن أن تنزلق خاصة أثناء الأزمات إلى مهاوي المفاضلة بين الحرية والأمن المطلق إلى حد التضحية بالحرية في محاولة للتحكم في احتمالات المستقبل الاجتماعي، وذلك على النحو الذي بينه (جيه إل تالموت) في عز الحملة المكارثية في كتاب بعنوان أصول ديمقراطية التسخير الكلي.

إلا أن الأخطر من انتهاك الولايات المتحدة لمبادئها وقوانينها عبر حملة اعتقالات تعسفية ضد الأجانب أدت إلى وضع مئات منهم رهن الحبس السري دون تهمة أو محاكمة هو أنها فرضت على جميع الدول الانخراط في حملتها ولو أن هذه الدول لم تمتنع لأنها راغبة في الأساس ولهذا فإن كل دولة منها قد اغتنمت الحملة لتحقيق مآربها الخاصة حيث اتخذت الحملة في أوروبا شكل إجراءات عنصرية ضد الأجانب وطالبي اللجوء، أما في العالم الثالث فقد استخدمت هذه الحملة لتصعيد القمع ضد أبناء البلد من المعارضين وذوي الرأي المستقل، وهكذا فإن حرب أميركا ضد الإرهاب قد بدأت بشعار الحرب من أجل الحرية ولكنها لم تكن في الواقع سوى حرب ضد الحريات المدنية والحقوق الإنسانية مثلما يبين ياسر أبو النصر في التقرير التالي.

تقرير/ ياسر أبو النصر: أجراس الخطر تدق بعنف في مجتمع الانفتاح والديمقراطية الأميركي، الصديق والجار وزميل العمل بل ورفيق الطريق يمكن أن يتحول في ظل ترسانة الإجراءات والقوانين الأميركية المضادة للإرهاب إلى جاسوس يحصي عليك أنفاسك، ذلك ما تخوف منه اتحاد الحريات المدنية الأميركي في سياق انتقاده برنامجاً أمنياً وقائياً جديداً يستخدم العنصر البشري بكثافة كعين تلتقط كل ما هو مثير للريبة.

هي آخر صراعات هوس أمني أميركي تتابعت حلقاته بعد صاعقة الحادي عشر من سبتمبر بدءًا من قانون مكافحة الإرهاب الذي صدر بعد التفجيرات بأيام وانتهاءً باستحداث وزارة للأمن إلى جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي ووكالة الاستخبارات FBI مروراً بتوقيع بوش بصفته الدستورية ومن دون غطاء تشريعي أو قضائي، قراراً يخول له إجراء محاكمات عسكرية للأجانب.

أما المؤشر الأكثر دلالة وشمولاً على ما اعتبر انقلاباً في النظام السياسي الأميركي تهيمن بمقتضاه السلطة التنفيذية على بقية السلطات، فهو قانون الأمن الوطني المعروف Partout والذي صادق عليه الكونجرس في السادس والعشرين من أكتوبر الماضي بكل ما أتاحه للإدارة الأميركية من مجال واسع لإصدار مراسيم وقرارات مخالفة للدستور من دون الرجوع إلى السلطتين التشريعية والقضائية، فهو يسمح باعتقال وسجن غير الأميركيين لمدد مفتوحة بدون توجيه تهم، على أن تراجع ملفاتهم كل ستة شهور.

وهو يخفف من القيود القضائية على مراقبة الهواتف والبريد الإلكتروني.

وهو يوسع من صلاحيات الأجهزة الأمنية للقيام بعمليات تفتيش من دون مذكرة رسمية ومعرفة صاحب العلاقة.

وهو يعطي المدعي العام ووزير الخارجية صلاحية تنصيف أي مجموعة في البلاد كجماعة إرهابية.

ثم هو يجعل دفع رسوم العضوية للمنظمات السياسية المغضوب عليها دليلاً إجرامياً يعاقب عليه القانون بالإبعاد من البلاد.

وأخيرا يمنح الـ FBI صلاحيات الحصول على السجلات المالية والطبية والتعليمية لأي شخص من دون أمر قضائي.

لكن سياق التحول من المجتمع المفتوح إلى الدولة البوليسية بلغ ذروته على حد وصف "النيويورك تايمز" بمشروع قانون أعد في كواليس الإدارة الأميركية يسمح بإبقاء وثائق الرئيس ونائبه سرية بعد تنحيتهما عن الحكم، ولو رأى الرئيس اللاحق غير ذلك وهو القرار الذي وجد تفسيراً له من وجهة نظر البعض فيما نشرته "الواشنطن بوست" في أواخر العام الماضي من تقرير مطول يتحدث عن تفويض من بوش للـ CIA لتنفيذ اغتيالات فردية حول العالم في هذه الأجواء التي عدت ردة ديمقراطية وحقوقية لم يعد غريباً أن يطفو نقاش في مجتمع العدالة والحريات عبر وسائل الإعلام حول مدى مشروعية استخدام التعذيب لانتزاع الاعترافات في الظروف الراهنة، وأن تداهم السلطات منزل هذه السيدة الأميركية المسلمة وتضع الأصفاد في يديها هي وابنتها ضمن حملة واسعة على منازل ومكاتب شخصيات فكرية وبحثية مسلمة مبتوتة الصلة بالإرهاب وأن يظل نحو 500 من أصل 1200 معظمهم من العرب والمسلمين قيد الاعتقال بمعرفة الـ FBI دون توجيه تهم محددة.

كان هذا هو الصوت أما الصدى فهو تلك العدوى التي اجتاحت دول العالم شرقه و غربة لاتخاذ خطوات مماثلة راحت تستنسخ الإجراءات الأميركية ومعها ارتسمت صورة كئيبة لواقع الحريات المدنية الآخذ في التآكل المشهد رصدته منظمات حقوق الإنسان مثل (Human Right Watch) والعفو الدولية التي تحدثت عن تجاوزات تفصيلية في 40 دولة، منها 20 دولة استحدثت قوانين مضادة للإرهاب أو شددت من قوانين قائمة استناداً إلى تعريف فضفاض للإرهاب يسمح بتجريم أنشطة الاحتجاج السلمي.

15 من هذه القوانين على الأقل تسمح بالاحتجاز والاعتقال لمدد متفاوته من دون توجيه تهم.

7 من الدول الغربية التي كانت مرفأ للباحثين عن الأمان من بطش الديكتاتوريات أغلقت هذا الباب أو ضيقتة وسلمت عشر دول على الأقل ناشطين لجؤوا إليها بغض النظر عما ينظرهم من مصير.

بموازاة هذه الإحصاءات غير النهائية لم يعد هناك من يتحدث عن حقوق الإنسان في الشيشان أو إقليم (جنيانج) الصيني أو غيرهما من بؤر الاضطهاد في العالم، اختفى الصوت الإنساني في الخطاب الرسمي الغربي، بل وتلاشى ومن خطاب مجلس الأمن ذاته الذي أصدر قراره رقم 1373 فألزم دول العالم أجمع بإجراءات محددة لمحاربة الإرهاب من دون أن يكلف نفسه عناء ربط ذلك بمراعاة ضوابط حقوق الإنسان كما جرت العادة، ففي ظل الحرب الكونية ضد ما يسمى بالإرهاب أصبحت بيوت الجميع من زجاج.

أوضاع الحريات في أميركا في ظل الحملة ضد الإرهاب

مالك التريكي: الحملة ضد ما يسمى بالإرهاب أدت إذن إلى تدهور عام في أوضاع الحريات المدنية في الولايات المتحدة لم يسبق له مثيل ربما منذ فترة المكارثية في الخمسينات، حيث عملت السلطات الأميركية على الالتفاف على القوانين وعلى اتخاذ الإجراءات القمعية في إطار السرية وعلى استهداف فئات اجتماعية لا لسبب سوى انتمائها العرقي أو الديني.

معنا من واشنطن لبحث أوضاع الحريات في أميركا السيدة كيت غايدج (رئيسة التحالف الوطني لحماية الحريات السياسية في أميركا)، السيدة غايدج، بعض التعليقات حول الإجراءات الكثيرة التي اتخذتها السلطات الأميركية لمكافحة ما يسمى بالإرهاب وصلت إلى حد القول بأن أميركا تحولت إلى دولة شبه بوليسية، هل هذا وصف دقيق؟

كيت غايدج: أعتقد إننا بحاجة إلى نرجع إلى الوراء خطوة أولاً لنرى لماذا كل هذا القلق والاهتمام في الولايات المتحدة حول الحقوق المدنية، لأننا في الولايات المتحدة وعلى خلاف الكثير من البلاد نعترف بحق المعارضة والخلاف مع الدولة حول سياساتها ومواقفها والمواطن العادي ورجل الشارع لديه الحق والشجاعة في أن يغير الحكومة بالوسائل السلمية ولأنها نملك كل هذه المبادئ وعندما تكون هناك تغيرات جوهرية تقوم بها الحكومة فإن لاعتقادها بأن ذلك مهم في حربها ضد الإرهاب، فالكثير منا بدأ يقول إننا لدينا دستور يجب أن يجعل الحكومة تسعى من أجل مكافحة الجريمة وليس هذه.. التصرف بهذه الطريقة ويجب أن تلاحق من تملك أدلة ضدهم ولا تتصرف بهذا الشكل العام هذا هو الذي يجعلنا منذ أن تأسس هذا البلد منذ أكثر من قرنين يجعلنا ننظر إلى ما يسبب القلق بتعريض حريات وحقوق الأميركيين وكما حدث أيضاً في حالة اعتقال يابانيين في الحرب العالمية وهناك أيضاً درجة من الرخص وربما أكثر من ذي قبل، ولكنه ليس جديداً بالحقيقة، ولكن أمر تستمر منذ فترة في تاريخنا.

مالك التريكي: هنالك على الأقل ثلاثة أصناف من الانتهاكات القوانين الأميركية في أعقاب الحادي عشر من سبتمبر، منها الالتفاف على الإجراءات القانونية مثل المحاكمة العادلة وعلانية الجلسات وهنالك سرية الإجراءات خاصة ضد.. ضد الأجانب، وهنالك استهداف فئات معينة مثل العرب والمسلمين، ما هي أخطر الانتهاكات في تقدير منظمتكم؟

كيت غايدج: أعتقد أن التغيرات التي هي أوضح للعيان أكثر من غيرها والتي تثير قلقاً دستورياً كما سماه البعض وهو ما نسميه نحن بالحق الذي يفرضه التعديل الأول على الدستور، وذلك الذي يتعلق باحتجاز الناس واعتقالهم من دون توجيه تهمة إليهم ومن دون السماح لهم برؤية من ينوب عنهم قانوناً، وهذا مثار قلق لأي.. لكل الناس في الولايات المتحدة، فعندما تحاول الحكومة أو الإدارة أو الإدارة اخذ القوى والصلاحيات من الكونجرس ومن الجهاز القضائي فإن ذلك يعتبر مثار قلق كبير أكثر من غير من الأمور.

مالك التريكي: معظم الإجراءات التي اتخذت في الأشهر الاثني عشر الماضية كانت ضد الأجانب وخاصة ضد العرب والمسلمين، هنالك منظمات تدافع عنهم وأظن حتى منظمتكم تدخل في هذا النشاط، لكن أليس هنالك تخوف لدى الرأي العام الأميركي من أن تستهدف هذه الإجراءات يوماً ما المواطنين الأميركيين خاصة أن الرئيس بوش وصف مواطنين أميركيين منهم.. منها (خوزية باديَّا) عبد الله المهاجر بأنه من الأعداء المقاتلين Enemy Combatants .

كيت غايدج: هذا بالضبط الوضع الذي كنت أحاول وصفه وهو ما يخص السيد باديا والسيد غامدي، لأن ذلك يعني مثار قلق للجميع يتجاوز من هم من أصول إثنية معينة، فالخطوات التي اتخذتها الحكومة تعتبر وبشكل واضح انتهاكاً للحقوق المدنية ومن المملكة جداً أن تكون لها أثار عسكرية وسلبية ويجعل من حرب معقدة جداً أصلاً ضد الإرهاب أكثر تعقيداً عندما لا تستطيع الحكومة التمييز بين جميع الأميركيين أو العرب والمسلمين وتعتبرهم جميعاً ينتمون إلى من هو.. من هم مشتبه بهم بدون من أن تتوجه نحو من تملك أدلة ضدهم، فهذا بحد ذاته يشكل تهديداً بدلاً من أن تتجه أنظار الحكومة إلى أناس توجد أدلة ضدهم وتلجأ إلى أساليب مثل المحاكمات السرية وحجب الأدلة وما شاكل ذلك، لأن ذلك كله يفرض على الحكومة أن تسعى وراء الأدلة في مكافحة الجرائم وكل المعلومات الإضافية والمعلومات التي تطلع من مصادر استخبارية في.. من خارج الولايات المتحدة، ربما يجعل الحكومة في موقف صعب لتقرر من هو الذي سيطلع بأعمال إرهاب في المستقبل.

مالك التريكي: من التشريعات التي سنت أخيراً تشريع يجيز للشرطة الوصول إلى معلومات لدى الشركات والمؤسسات عن الأشخاص الذين يتعاطون معها حتى السجلات التعليمية في الجامعات وحتى سجلات مرتادي المكتبات أذواقهم في.. في المطالعة، ثم هنالك نظام جديد تريده الإدارة العمل به اسمه (TEPS) وهو يهدف إلى تشجيع المواطنين على التجسس على بعضهم بعضاً، أليس هذا نوعاً ما مقتبس مباشرة من.. من رواية (جورج أورويل) 1994؟

كيت غايدج: أعتقد أن في الحقيقة إن هذه كلها تنضوي تحت مجموعة من العوامل المشتركة التي أشرت إلى بعضها وهو عدم قدرة الحكومة على التمييز بين الجريمة والمجرمين وبين النظر إلى من يعتبرون نوعاً ما غرباء عنها ومحاولة استقصاء معلومات من سجلات صحية وتعليمية وما شاكل ذلك، إن كل ذلك في رأيي لن يساعد الحكومة في حربها ضد الإرهاب، بل على العكس من ذلك سيخلق وضعاً وجواً من الخوف عند السكان، ويجعلهم أقل احتمالاً، وخاصة العرب المسلمين أقل احتمال للتعاون مع الحكومة، بل على الحكومة أن تسعى إلى كسب تأييدهم ومشورتهم، وأيضاً أن تدرب المزيد منهم لتساعد الحكومة في حربها المعقدة، وليس توجه بالسؤال إلى رجل الشارع العادي أو لملاحقة من يبدو إنه نوعاً غريباً أو يتحدث بلغة أجنبية، كل هذه لها آثار سلبية وعكسية، ولا تساعد في الحرب ضد الإرهاب، وتعتبر انتهاكاً للحقوق المدنية.

مالك التريكي: السيدة كيت غايدج (رئيسة التحالف الوطني للدفاع عن الحريات السياسية في أميركا) من واشنطن لك جزيل الشكر.

في ديسمبر الماضي قال الرئيس المصري حسني مبارك إن الإجراءات الأميركية الجديدة لمكافحة الإرهاب تثبت أن مصر كانت على حق منذ البداية في استخدام جميع الوسائل بما فيها المحاكم العسكرية.

وفي يناير الماضي حث الرئيس السوري بشار الأسد الولايات المتحدة على الاستفادة مما سماه تجارب سوريا الناجحة في مجال مكافحة الإرهاب.

بعد الفاصل: نظرة في أثر الحملة ضد الإرهاب على أوضاع حقوق الإنسان في العالم.

[فاصل إعلاني]

انعكاسات الحملة ضد الإرهاب على أوضاع حقوق الإنسان في العالم

مالك التريكي: فيما أسمته منظمات حقوق الإنسان بالانتهازية في وجه المأساة، سارعت دول كثيرة في أعقاب الحادي عشر من سبتمبر إلى سن تشريعات واتخاذ تدابير للتضييق من الحريات باسم الحفاظ على الأمن، بل إن بعض الدول مثل مصر وسوريا أعلنت أن ما فرضته الإدارة الأميركية من قيود على الحريات يثبت أن هذه الدول كانت على حق منذ أمد طويل في تعاطيها الأمني مع معارضيها بينما كانت الدول الغربية ومنظمات حقوق الإنسان على خطأ في دعوتها إلى احترام حقوق هؤلاء المعارضين ومن هذه المنظمات طبعاً منظمة العفو الدولية التي سارعت فور هجمات الحادي عشر من سبتمبر إلى التحذير من مغبة انتهاز الحكومات الفرصة لقمع الحريات باسم الحفاظ على الأمن.

معنا من لندن لبحث أوضاع حقوق الإنسان خلال العام المنقضي الأستاذ كمال السماري (المتحدث باسم منظمة العفو الدولية).

أستاذ السماري، لقد سارعت منظمة العفو الدولية فور هجمات الحادي عشر من سبتمبر إلى تحذيز أميركا أولاً وجميع الحكومات الأخرى ثانياً من مغبة انتهاز الفرصة لقمع الحريات أخذاً بمبدأ الثأر بدل مبدأ العدالة، حسب توثيقكم لتصرفات الحكومات في الـ12 عشر شهراً الماضية ماذا غلب الثأر أم العدالة؟

كمال السماري: غلب الثأر وغلب أكثر من ذلك غلب إضفاء الشرعية على جميع التشريعات، القمعية والسياسات القمعية، حيث انقلب العالم رأساً على عقب، يعني أميركا ضربت عرض الحائط بتاريخ عريق في الدفاع وحماية الحريات على مدار قرنين من الزمن، وهزت أسس الإنجازات والركائز التي بُني عليها المجتمع والمجموعة الدولية خلال الخمسين العام الماضية، وأصبحت هناك معايير جديدة لا علاقة لها بحقوق الإنسان، بل هناك تأويلات وتقويض ومحاولة نسف لتلك الأسس مثلاً الاتفاقيات الدولية أصبحت محل تأويل وتفسير، واتفاقية جنيف هي الأخرى أصبحت محل تفسير وتأويل واطلعت عليه.. وطلعوا علينا ببضعة المقاتلين الأعداء والمقاتلين غير الشرعيين، كل ذلك لعدم اعتبار الذين تم اعتقالهم خلال اشتباكات أفغانستان أسرى حرب، بل تم يعني إضفاء الشرعية على التمييز على التمييز بين الأجنبي وبالخصوص العربي والمسلم والشرق أوسطي بينه وبين المواطن للدول الغربية أمام العدالة، أي هناك صنف ثاني من البشر وبالتالي لهم.. وينطبق عليهم صنف ثاني من ما يُسمى بالعدالة، الاعتقالات التعسفية أصبحت هي القاعدة، الاستثناء الوحيد في هذا المجال هو عندما تقوم بعض المنظمات غير الحكومية وبعض القضاة بـ.. يعني مناهضة وما أقرته السلطات القضائية أو السياسية، ولكن هذه يعني نادرة، فالاستثناء مثلما يقول علماء النحو والصرف هنا لا يؤكد القاعدة، القاعدة هو أن الولايات المتحدة أعطت.. سمحت لنفسها، وأعطت الضوء الأخضر لتفرغ مضامين وقواعد حقوق الإنسان، وتسن.. وتسن قواعد جديدة للتعامل مع قضايا حقوق الإنسان.

مالك التريكي: دكتور.. دكتور سماري.

كمال السماري: نعم.

مالك التريكي: أستاذ سماري، هل توافقون أن أميركا ما كان لها أن تعطي هذا الضوء الأخضر، وقد سبق لمنظمة العفو الدولية أن قالت أن أميركا أعطت ضوءاً أخضر لتشريع قمع الحريات باسم.. باسم مكافحة الإرهاب، ما كان لأميركا أن.. أن تفعل ذلك لولا أن الرغبة مشتركة بينها وبين كثير من الدول في تضييق ميثاق الحريات، مثلاً في بريطانيا القانون الذي حكمت المحكمة أخيراً بأنه غير.. غير دستوري كان مشرَّعاً منذ عامين، ولكن بريطانيا لم.. الحكومة لم تكن تتجرأ على إدخاله حيز التنفيذ، الآن أصبح المجال أسهل، أي أن هنالك رغبة بين كثير من الدول للتضييق على الحريات، وهذه فرصة، ليست أميركا بالضبط هي المسؤولة عن ذلك مباشرةً.

كمال السماري: والله في واقع الأمر كبيرهم هو الذي علمهم بهذا المجال، يعني تعرضت الولايات المتحدة إلى عمليات إرهابية في ما قبل، يعني إن كان في الصومال أو في.. في.. في كينيا، ولم نسمع –آنذاك- هذه الإجراءات، بريطانيا هي الأخرى على مدار ثلاثة عقود من الزمن كانت هي كذلك في نزاع في أيرلندا الشمالية، ولم تتجرأ بريطانيا على تنفيذ تلك القوانين، واقع الأمر هو أن هناك خلط متعمد بين ما يُسمى بحماية أمن المواطن وتقديمه على أنه مناهض لحقوق الإنسان، هذه هو.. هذا هو هذه المفاضلة بين الأمن وحقوق الإنسان، هو في واقع الأمر مثلما تعلمون هي ليست مفاضلة جديدة، لقد سبق وأن أعلن ذلك في الستينات والسبعينات، في تشيلي، في الأرجنتين وفي البرازيل، في دول عربية أخرى في حالة الطوارئ، ولكن لم.. لم نصل إلى هذا الحد الذي يُضرب به عرض الحائط، لماذا؟ لأنه تم خلق مناخ يُشجِّع على العنصرية، يشجع على القمع، يشجع الحكومات القمعية والأنظمة العسكرية في أن تستمر في غيها، أعطيك مثلاً في غضون تسعين يوماً من صدور قرار مجلس الأمن هرعت 119 دولة لتقديم إجراءاته تقديم الإجراءات لمكافحة الإرهاب التي مطالبة بها من مجلس الأمن، وبعض هذه الإجراءات مازالت الآن تكتنفها السرية، علماً أن لجان الأمم المتحدة تترقب من الدول تقاريرها حول انتهاكات حقوق الإنسان هناك 1337 تقرير، مطالبة به تلك الدول أن تقدمها في مجالات انتهاكات حقوق إنسان عدة، ولكن هذا لم يحدث، فما يحدث الآن في واقع الأمر هو محاولة خلط وتقديم حقوق الإنسان والمدافعين على حقوق الإنسان على أنهم يقفون حجرة عثرة أمام مكافحة ما يسمى بالإرهاب، هذا غير صحيح لماذا؟

مالك التريكي: أستاذ سماري.. أستاذ سماري..

كمال السماري: نعم.

مالك التريكي: هنالك طبعاً قواسم مشتركة بين الدول الأوروبية، خاصة الاتفاق بين ألمانيا وبريطانيا وفرنسا على الوصول إلى المعلومات ورسائل البريد الإلكتروني وانتهاك الحرمة الشخصية، بالنسبة لدول العالم الثالث هنالك تصعيد في حملات القمع ضد المعارضين، مثلاً في الصين، وفي الشيشان، وفي الدول العربية.

وزير الخارجية الأميركي بعد الحادي عشر من سبتمبر بقليل قال إن لأميركا ما تتعلمه من أسلوب مصر في التعاطي مع الظاهرة الإرهابية، في نفس الوقت الآن وزارة الخارجية وعلى رأسها (كولن باول) تتحدث عن برنامج لنشر الديمقراطية في العالم العربي، ألا يجدر بمنظمات حقوق الإنسان تذكير الحكومة الأميركية بأن من واجبها التشجيع على وقف انتهاكات حقوق الإنسان أولاً قبل الحديث عن الديمقراطية أو غير ذلك؟

كمال السماري: نحن في واقع الآن مثلما تعلمون يعني نتابع ما يجري من انتهاكات في الولايات المتحدة قبل أحداث سبتمبر، ومنذ أحداث سبتمبر، ونحن نرسل الرسائل ونطالب الاستفسارات، ونندد بما تقوم به الولايات المتحدة، ونحضر في مجلس الأمن وفي دهاليز الأمم المتحدة لتذكير الولايات المتحدة بواجباتها والتزاماتها، ولكن الولايات المتحدة مثلما تعلمون عندما نرى ما كانت تقوم به من تدريب عسكري مثلاً في كولومبيا وأميركا اللاتينية، الآن عادت لتشجيع الدول التي ركبت موجة ما يسمى بمكافحة الإرهاب بتسليم.. بمد المساعدات العسكرية والتدريب، أي أن الآن الدول مجبورة.. مجبورة على أن تقتفي خُطى الولايات المتحدة، وبالطبع بريطانيا مثلاً طلبت من.. هي الدولة الوحيدة في المجموعة الأوروبية التي طلبت استثناء من المعاهدة الأوروبية لقطاع حقوق الإنسان، لم تقم بذلك دول أوروبية أخرى، فهناك يعني دول هي رائدة اللي.. في محاولة نسف الأسس.. أسس حريات حقوق الإنسان المكفولة، وبالطبع هناك دول هي عريقة في حالات الطوارئ من مصر إلى سوريا، إلى دولٍ أخرى، هي الأخرى منذ عقود من الزمن، هي تمارس مثل هذا الأمور، وفي.. في كل.. في السرية، الآن الازدواجية والانتقائية التي كانت سائدة فيما قبل أصبحت الآن في عهد ما يسمى بمكافحة الإرهاب هي القاعدة، فالدموع التي أزرفت على نساء.. على الأفغانيات في عهد الطالبان لم نسمع أنها أُزرفت أمام ما يجري للمرأة السعودية، أو ما يجري مثلاً في الصين أو ما تقوم به الولايات….

مالك التريكي [مقاطعاً]: الأستاذ كمال السماري.. الأستاذ كمال السماري (المتحدث باسم منظمة العفو الدولية من لندن) لك جزيل الشكر.

وبهذا -سيداتي سادتي- تبلغ حلقة اليوم من (قضايا الساعة) تمامها، دمتم في أمان الله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة