الذكرى الثلاثين لزيارة السادات إلى القدس   
الأحد 1429/2/11 هـ - الموافق 17/2/2008 م (آخر تحديث) الساعة 16:13 (مكة المكرمة)، 13:13 (غرينتش)

- بين السلام والاستسلام
- الزيارة في ميزان الربح والخسارة
- حصاد المبادرة بعد ثلاثة عقود

خديجة بن قنة
: لحظات تاريخية فارقة. قبل ثلاثة عقود، يوم زار الرئيس المصري الراحل أنور السادات القدس في التاسع عشر من نوفمبر عام 1977 ، خطوة لم يسبقه إليها أحد من الزعماء العرب شكلت انعطافة حادة في تاريخ الصراع العربي مع إسرائيل وأثارت جدلاً لم يتوقف حتى اليوم. في حلقة اليوم نطرح تساؤلاً رئيسياً: في الذكر ى الثلاثين لزيارة السادات إلى القدس، كيف يبدو مشروع حصاد السادات للسلام مع إسرائيل، سواء في الساحة المصرية أو العربية؟... كانت زيارة مفاجئة للعرب بل ولإسرائيل نفسها وربما للعالم برمته. في رأي خصوم السادات زيارته تلك لحظة فاصلة أدخلت العرب في تيهٍ لم يخرجوا منه، وفي إثرها تتابعت عليهم مصائب عديدة فتمزّق صفهم وانفردت إسرائيل بهم دولةً دولة، أما مؤيدوه فيرون أن الرجل كان صاحب رؤية ثاقبة لم يسبقه إليها أحد، فاختصر مسيرة الصراع مع إسرائيل بصلحٍ أعاد إلى مصر كامل أراضيها وكفاها حروباً لم يكن لها قِبلٌ بها.

[تقرير مسجل]

نبيل الريحاني: طائرة الرئيس المصري الراحل أنور السادات تحط في مطار بن غوريون في تل أبيب مُئذنة بنهاية حالة الحرب بين مصر وإسرائيل، زيارة غيّرت وجه الشرق الأوسط لتصنع منعرجاً أساسيا ًفي مسار أزمته المزمنة. هزّ الحدث العالم وصدم العرب، الذين أعادت لهم حرب أكتوبر عام 1973، الأمل في إلحاق الهزيمة بالدولة العبرية. الرجل الذي تلا على أسماع المصريين البيان الأول لثورة يوليو 1952 وشغل منصب نائب للرئيس عبد الناصر ثم خلفه بعد وفاته في سبتمبر سنة 1970، نفس الرجل يقف خطيباً في الكنيست داعياً أعداء الأمس إلى سلام الشجعان، سلامٌ جسده توقيع اتفاقية كامب ديفيد في مارس آذار سنة 1979، تحت رعاية أمريكية. منحت الخطوة المدويّة السادات جائزة نويل للسلام مناصفةً مع بيغن، وكثيراً من الدعم الغربي، ولكنها، وفي المقابل، صبّت عليه غضب الشارعين العربي والإسلامي. قاطع العرب مصر وعلقوا عضويتها في جامعة دولهم، التي نقلوا مقرها من القاهرة إلى تونس بقرار من قمة بغداد، شابَ ما كان يُعرف بالتضامن العربي تحدياً خطيراً وهو يرى سلاماً مصرياً إسرائيلياً منفرداً، وجد فيه البعض قفزاً على القضية الأم، القضية الفلسطينية. عرضت الدول العربية على السادات دعماً اقتصادياً سخياً لقاء التراجع عن المعاهدة غير أنه رفض العرض مولّياً وجهه شطر السلام. لم تمض سوى سنوات قليلة حتى دفع السادات حياته ثمناً للخطوة التي أقدم عليها، فقُتل على يد أحد الناقمين على نهجه، لكن مصر التي تسلم حكمها الرئيس الحالي حسني مبارك، بعد حادثة المنصة في أكتوبر سنة 1981، بقيت على نفس ذلك النهج. يرى البعض أن السادات خلّف من بعده بصيرة سياسية واقعية حجّمت بالسلام المشروع الصهيوني وأعادت به سيناء إلى المصريين، وفتحت أمامهم أفقاً للانفتاح والتطور الاقتصادي، من خلال عشرات المشاريع المشتركة وتبادل الخبرات مع إسرائيل، التي استوعبت شيئاً من العمالة المصرية. في الجهة المقابلة، يرى المناهضون لإرث السادات أنه باع لاءات الخرطوم الثلاث بثمن بخس، وعزل مصر عن محيطها العربي، ورمى بها في متاهة التبعية للغرب جرياً خلف رضاء تل أبيب وواشنطن. يذكر هؤلاء أن إسرائيل احتضنت السادات بيد وضربت باليد الأخرى مفاعل تموز العراقي، واجتاحت لبنان لتصفي الوجود الفلسطيني فيه. جدل لم يتوقف إلى اليوم بين معسكرين، سمى أحدهما السادات شهيد السلام، فيما وصمه الآخر بالخيانة، بينما يقف التاريخ محجماً عن إصدار حكمه فيمن وقع اتفاقية كان يراد لها أن تُنهي صراعاً ما يزال بعد ثلاثة عقود مستمراً بشكل أو بآخر.

[نهاية التقرير المسجل]

بين السلام والاستسلام

خديجة بن قنة: ومعنا في هذه الحلقة من القاهرة السفير حسن عيسى مدير إدارة إسرائيل السابق بوزارة الخارجية وسفير مصر السابق في تل أبيب، ومعنا من لندن عبد الباري عطوان رئيس تحرير صحيفة القدس العربي، أهلاً بكما، السيد السفير حسن عيسى، حصاد ثلاثين عاماً هل كان سلاماً؟

حسن عيسى: لاشك أنه كان سلاماً بدليل أنه لا يوجد حرب. أن تسميه إسرائيل سلاماً بارداً أو سلاماً ساخناً فليس هذا هو محور الكلام، لم يكن هناك اقتتال منذ أن وقعنا اتفاقية السلام، كان هناك حفاظ على أرواح المقاتلين وهو ما حققناه إلى الآن، أنا في رأيي أن هذا سلام.

خديجة بن قنة: عبد الباري عطوان سلام برأيك؟

عبد الباري عطوان: لا بالعكس. استسلام، هزيمة، يعني تحويل الانتصار الرائع في حرب أكتوبر إلى هزيمة كبرى، تفتيت الصف العربي، تقزيم دور مصر، مصر التي كانت قوة عظمى إقليمية في المنطقة لها عمق أفريقي، لها عمق عربي، لها عمق عالم ثالثي، تقزّمت وأصبحت ليس لها دور حتى في دارفور التي بجوارها. الرئيس السادات، على ما أذكر، في ذلك الوقت وعد بأن حرب أكتوبر ستكون آخر الحروب. شاهدنا حرباً في لبنان، واجتياحاً، وحرباً أخرى. شاهدنا حرباً في العراق، شاهدنا حروب داخل مصر، حيث تصدى بعض الشباب للحكومة في ذلك الوقت وحصلت مجازر، الرئيس السادات وعد الشعب المصري بالاستقرار والرخاء الاقتصادي، يعني قال للشعب المصري بأن مصر ستكون أكثر رخاء من سويسرا في ذلك الوقت، يعني نرى الشعب المصري يعاني ويتضور جوعاً، البطالة مستفحلة، أزمة سكن، لا وظائف، لا خدمات صحية، لا تعليم، لاشيء على الإطلاق، معاناة الشعب المصري تزداد بينما كانت أقل من ذلك بكثير في زمن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. يعني أنا شخصياً كنت في مصر في تلك الفترة، كانت الجمعيات مليئة بالمواد الغذائية وبأسعار رخيصة جداً، كانت المواصلات أفضل، كانت الصحة أفضل، كانت الكرامة المصرية أفضل..

خديجة بن قنة(مقاطعةً): ولكن كانت سيناء محتلة، يعني لو لم يفعل السادات ما فعله هل كان سيستعيد سيناء؟

"
سيناء عُرضت على الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وبدون أي شروط لكنه رفض أن يتفرّد بالحل ورفض أن يسترد الحقّ المصري على حساب الحق العربي
"
     عبد الباري عطوان

عبد الباري عطوان:
يا سيدتي، أولاً الرئيس السادات دخل حرب 1973 بدعم من الدول العربية وبمشاركة سورية، فقد تفرد في الحل وذهب من أجل أن يستعيد سيناء، سيناء عُرضت على الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وبدون أي شروط ولكنه رفض أن يتفرّد بالحل، رفض أن يسترد الحقّ المصري على حساب الحق العربي. وبعدين من قال أن سيناء ليست مُحتلّة؟ يعني الرئيس حسني مبارك يريد أن يرسل خمسمائة جندي لتأمين الحدود مع معبر رفح أو على معبر ما يُسمى بصلاح الدين، وحتى هذه اللحظة لم تسمح له إٍسرائيل بإرسال خمسمائة جندي رغم التوسلات في هذا الإطار، لا يستطيع أن يحرك دبابة واحدة في سيناء، يعني سيناء عادت ولكن بلا سيادة حقيقية. فالثمن الذي دفعته مصر باهظ جداً، الثمن الذي يدفعه العرب بسبب ذلك باهظ جداً. حالة الانهيار التي تعيشها الأمة حالياً بدأت منذ تلك اللحظة التي تفرد فيها الرئيس السادات وذهب إلى إسرائيل وعقد سلاماً منفرداً وتوالت الكوارث علينا.

خديجة بن قنة: طيب السفير حسن عيسى ما رأيك بهذا الكلام؟

حسن عيسى: لا يا أستاذ عبد الباري، يعني هذا كلام فيه تزايد شديد، وفيه مغالطة شديدة. نحن نعيش في مصر، وحضرتك مصوّر مصر على أنها خربت وأن ما فيها لا تعليم ولا صحة، يعني نحن عايشين في خرابة؟ الموضوع الثاني، موضوع السيادة على سيناء، حضرتك عارف أن هناك اتفاقية واللي بتقوله حضرتك فيه مغالطة شديدة، سيناء مقسّمة أو، بموجب الاتفاقية، توجد أربع مناطق، منطقة (أ)هناك وجود عسكري كامل فيها وجود عسكري مصري كامل، المنطقة (ب) هناك وجود عسكري ولكن دون أسلحة بعيدة المدى، المنطقة (ج) هناك وجود للشرطة المصرية، المنطقة (د) منزوعة السلاح، داخل إسرائيل هناك سبعة كيلو مترات داخل إسرائيل منزوعة السلاح. أما أنك تقول حضرتك أنه مش قادرين نحرك خمسمائة جندي، هذه هي المنطقة (ج) اللي نحن متفقين فيها على أن لا يكون هناك وجود إلا وجود للشرطة المصرية، والشرطة المصرية موجودة. تريد إسرائيل إحكام السيطرة على هذه الحدود، حسبما تدّعي، حيث يوجد تهريب، أردنا أن نقول لها أنه يوجد شرطة مصرية، عايزين نعزز الحراسة، يبقى نغير طبيعة الشرطي الموجود، فوافقنا سوياً على أن يكون اللي موجودين حرس حدود، وموجود الآن حرس حدود وسبعمائة جندي وهناك آليات مدرعة وهناك طائرات هوليكوبتر. يعني أنا ما عرفش الحقيقة المعلومات اللي أنت جايبها دي منين؟


الزيارة في ميزان الربح والخسارة

خديجة بن قنة: طيب، السفير حسن عيسى، أولمرت اليوم قال عن الذكرى الثلاثين في شرم الشيخ هي نقطة تاريخية غيّرت وجه المنطقة، كنت حينئذ عضو كنيست صغير، أما اليوم فإن زيارتي للرئيس المصري أصبحت أمراً عادياً، ربما هذا هو الإنجاز الأكبر والأهم لزيارة السادات. هكذا قال أولمرت، ما رأيك بهذا الكلام ؟

حسن عيسى: حضرتك توجهي لي أنا الخطاب؟

خديجة بن قنة: نعم تفضل

حسن عيسى: لأ.. شوفي حضرتك، أنا ما بحسبها إسرائيل كسبت، إيه أنا أحسبها نحن يا مصريين ونحن يا عرب عموماً، ماذا كسبنا من هذه الاتفاقية؟ وماذا كسبنا من هذا السلام؟

خديجة بن قنة(مقاطعةً): طيب قسها على ميزان الربح والخسارة ماذا ربحت وماذا خسرت مصر؟

حسن عيسى: ماذا ربحت مصر؟ ربحت مصر السلام، ربحت مصر التركيز على تنمية مصر، وتنمية اقتصادها، ربحت مصر صحّة وجهة نظر السادات عندما أبرم هذا الاتفاق، اتفاق السلام. لأنه واضح أيضاً، وأنا إذا سمح لي الأخ الأستاذ عبد الباري، كلامهم ما كان صحيح، مصر عندما عقدت هذا الاتفاق عقدت هذا الاتفاق ليكون اتفاقاً عربياً إسرائيلياً، وأن تكون مصر هي البادئة، فقد بدأت لأنها حققت ما حققته في حرب أكتوبر، ولم ننس أي دولة عربية ولم ننس أي دولة عربية أصيبت في الـ67. أن يكونوا هم تراجعوا، وأن يكونوا هم امتنعوا، فهذه هي مشكلتهم، الآن يريدون ركوب عربة السلام ولا يستطيعون. كلام السادات كان صحيح، موقف السادات ووجهة نظره وبُعد نظره هو الذي أثبتت صحته.

خديجة بن قنة: طيب عبد الباري عطوان، يعني كلامك عن حال مصر يعيدنا إلى الذين خوّنوا السادات، الذين خونوه في السابق اعترفوا اليوم له بحنكته وبفراسته السياسية، وقالوا أن الرجل كان على صواب. يعني ألا يصحح التاريخ هذه الأمور؟

عبد الباري عطوان: لا يا سيدتي لم يعترف له أحد بأنه كان محنكاً أو كان على صواب، بالعكس، يعني مثلما قلت، كل الكوارث في المنطقة حالياً بسبب تلك الخطوة، لأنه خرجت مصر التي هي أكبر رافعة، أكبر قوة عظمى في الوطن العربي والعالم الثالث، خرجت من الصراع العربي الإسرائيلي وتركت العرب، حقيقةً، لوحدهم. يعني عندما يترك الأخ الكبير القوي الأخوة الصغار، ويقول لهم واجهوا أنتم هذا الديناصور المفترس، يعني هذه ليست حنكة على الإطلاق. يعني لو يسمح لي الأستاذ حسن عيسى أن أرد عليه بنقطة واحدة مهمة، طيب إذا كانت هذه الاتفاقية اتفاقية للعرب، لماذا هناك نصف مليون مستوطن إسرائيلي في الضفة الغربية وفي القدس المحتلة على وجه التحديد؟ لماذا هذا الوضع الفلسطيني المزري، حيث مليون ونصف مليون فلسطيني يتضورون جوعاً في غزة، التي هي مسؤولية مصرية؟ هذه غزة كانت تابعة للحكم المصري وللإدارة المصرية، تخلت عنها مصر،مصر السادات، وأعادت هي سيناء، أو بعض الأجزاء من سيناء المقطعة، وتركت غزة. مليون ونصف الآن يموتون جوعاً، ثمانية عشر طفلاً ومريضاً ماتوا لأن المعبر في رفح مغلق وممنوع عليهم المغادرة، ثلاثمائة مصري موجودين في قطاع غزة ممنوع عليهم المغادرة، ومصر لا تستطيع أن تخرجهم من القطاع خوفاً من أن تُغضب إسرائيل، وتغضب أمريكا. فأي سيادة لمصر على معبر صغير بينها وبين قطاع غزة؟ يعني لنكن صريحين هنا، يعني أنا أعتقد أن هذا السلام سلام مسموم، سلام موبوء أضرّ مصر وكرامتها وسيادتها قبل أن يضر بالعرب. ونحن نرى الموقف العربي متشرذم بسبب هذه السياسات، يعني ماذا تتوقع من الأردن أو تتوقع من الفلسطينيين أو تتوقع.. إذا كانت الدولة الكبرى والعظمى تركتهم في اليمّ لوحدهم وتخلّت عنهم، هذه هي المأساة. نحن نحب مصر، نريد لمصر دورها، نريد لمصر كرامتها نريد لمصر أن تقودنا لا أن تُقاد من قِبل إسرائيل ومن قبل الولايات المتحدة الأمريكية. يعني لو كان عبد الناصر موجوداً أو لو كانت مصر تقوم بدورها، هل تجرؤ تسيبى ليفني وزيرة خارجية إسرائيل أن تطالب الفلسطينيين بالتوقيع على إسرائيل دولة يهودية؟ وتقول أن المليون ومائتي ألف عربي أن يذهبوا إلى الدولة الفلسطينية، تطردهم من إسرائيل إلى الدولة الفلسطينية، التي لم تُقم ولن تقام، ربما، يعني فهذه المأساة.. نريد مصر لأننا نحبها، نريد مصر لأننا نريد أن تقودنا لا أن تُقاد من قبل ليفني أو من قبل أولمرت..

خديجة بن قنة(مقاطعةً): السفير حسن عيسى يريد أن يرد عليك، أعطيك المجال، سعادة السفير، بعد وقفة قصيرة، نبحث اليوم، بعدها، الذكرى الثلاثين لزيارة السادات إلى القدس. لا تذهبوا بعيداً.


[فاصل إعلاني]

حصاد المبادرة بعد ثلاثة عقود

خديجة بن قنة: أهلا بكم من جديد. حلقتنا تبحث إذاً في حصاد مبادرة السادات للسلام مع إسرائيل. بعد ثلاثة عقود من زيارته للقدس، سفير حسن عيسى، دعنا نتحدث بالملموس عن ما حققته مصر في هذه العقود الثلاثة؟ الرخاء الاقتصادي الذي وُعِدت به مصر أيام كامب ديفيد، الاتفاقيات التجارية، والوعود الاقتصادية، كل ما وُعدت به مصر، هل تحقق منه شيء؟

"
الرئيس السادات عندما عقد اتفاقية السلام كان يريدها اتفاقية عربية وليست اتفاقية مصرية لكن إخواننا العرب تراجعوا
"
          حسن عيسى

حسن عيسى:
تحقق إلى أبعد حد، يا أختي العزيزة، وأنا أكرر مرة أخرى، من عانى من الحرب يعلم ويلاتها وبالتالي يقدّر ميزة السلام. ومصر تحارب، مصر تحارب في هذه المنطقة منذ أن وعينا، ونحن نقدّر روح البني آدم، قيمة روح البني آدم، حافظنا على أرواح أبنائنا وعلى أرواح إخواننا من الدول العربية. وأكرر، أنه عندما قام الرئيس السادات بعقد هذه الاتفاقية، اتفاقية السلام، كان يريدها اتفاقية عربية وليست اتفاقية مصرية، وإخواننا العرب تراجعوا بل أنهم، كما ذكرت حضرتك، تخلوا عنّا في البداية وقاطعونا إلى أن عادوا مرة أخرى. أما بقى ما أشار إليه الأخ عبد الباري بشأن غزة، غزة عمرها ما كانت ضمن مصر، عمرها ما كانت أرض مصرية. كانت لنا إدارة هناك، كان لها وضع خاص، وكان هناك حاكم عام، إلى 1967 عندما أحتُلت وبعد ذلك أصبح وضعها.. مأساة غزة الآن لايد لنا فيها، مأساة غزة يعلمها الأخ عبد الباري...

خديجة بن قنة(مقاطعةً): نعم، لكن سعادة السفير، هي كانت قضية حاضرة، لنكن واقعيين، هي كانت قضية حاضرة دوماً في المفاوضات الإسرائيلية المصرية. وهذه المرة أيضاً في شرم الشيخ، ووعِدت إسرائيل بتعاون مصري فيما يتعلق بمنع تشديد الحراسة لمنع تهريب الأسلحة إلى غزة.

حسن عيسى: نحن نسعى إلى إحكام السيطرة على الحدود، لمنع التهريب عبر الحدود، سواء من غزة إلى الأراضي المصرية أو العكس، لا نريد هذا الانفلات على الحدود. عبّرنا أكثر من مرة أن هذا يجب أن يترتب عليه وجود أكثر كثافة، ولكن، مازلت أكرر أن غزة عمرها ما كانت.. نحن نتعامل مع غزة على أنها قلب الدولة الفلسطينية القادمة، لذلك نرفض أي كلام في شأن غزة يبعدها عن هذا المعنى، وأكرر مرة أخرى، المعابر ليست مسؤولية مصر، المعابر تحكمها اتفاقية بين السلطة الفلسطينية والإتحاد الأوربي ولا شأن لمصر بهذا. أن يكون هناك محتجزون من الناحية المصرية، فلا ذنب لنا في هذا، السلطة سحبت موظفيها..

خديجة بن قنة(مقاطعةً): طيب عبد الباري، مارأيك بهذا الكلام.

عبد الباري عطوان: لا، أولاً، يعني دعيني أعلّق على نقطة بأن لا حرب الآن ونحن حفظنا أرواح الجنود المصريين، لاشك هؤلاء إخواننا وأشقاؤنا، لا نريد أي مصري واحد أن يستشهد، ولا نريد أن تكون هناك حروب، لكن يعني الدول، عندما تكون عظمى، لها دور، لها تاريخ، يعني الحجم الجغرافي والحجم السياسي يحتم عليها أن تصنع سلاماً وأن تخوض حروباً. إذا كان السلام، وثمن السلام ملائم. طيب هاهي الولايات المتحدة الأمريكية تحارب في العراق ويموت جنود أمريكيين، أربعة آلاف جندي أمريكي قُتلوا في العراق. ماذا يفعل أربعة آلاف جندي أمريكي..

خديجة بن قنة(مقاطعةً): لكن لماذا لا تعترف للرجل بأنه لم يكذب على شعبه وكان صادقاً في ما قال، ولم يكذب على الأمة، ولم يقل أنني سأعيد أمجاد الأمة، وأنني رجل ثوري وما إلى ذلك، كان يعني على قدر الوعود التي قدمها لشعبه.

عبد الباري عطوان: نعم يا سيدتي ماهوّ الرجل خاض الحرب، خاض حرب 1973 مع الدول العربية، والدول العربية كانت تدعم مصر وتدعم المجهود العسكري المصري، هذا شيء مؤكد وموثّق. لا تستطيع أن تدير ظهرك للعرب وتقول أنا فقط أريد أن أستعيد سيناء، وكفى الله المؤمنين شر القتال. هذه نقطة، النقطة الثانية، وعد الشعب المصري، كذب على الشعب المصري، وعده بالرخاء. خلينا نرجع ثلاثين سنة، يعني لما كانت مصر أهم من تركيا وأكثر رخاء من تركيا، وأكثر رخاء من إيران وأكثر قوة من إيران، وأكثر قوة من الباكستان، طيب الآن نقارن مصر بتركيا من الناحية الاقتصادية، نقارن مصر بباكستان من الناحية العسكرية، نقارن مصر مع إيران من الناحية العسكرية، والأسلحة والبرنامج النووي وما شابه ذلك، أين مصر من هذه الدول؟ يعني لو كانت.. والله السلام حقق لمصر الرخاء...

خديجة بن قنة(مقاطعةً): لكن ربما يرد عليك، عبد الباري، أحد الكتاب المصريين، قال اليوم في مقالته، انتهى الأمر إلى صلح منفرد، نلومه أو نعارضه، لكن لا حافظ الأسد، ولا الملك حسين، ولا معمر القذافي، ولا ياسر عرفات، ولا صدام حسين، ولا علي عبد الله صالح، كان يمكن أن يعيد سيناء أو فلسطين. هذا كلام سليم مائة بالمائة.

عبد الباري عطوان: لا يا سيدتي. يعني كانت سيناء ممكن أن تعود من خلال سلام عادل، كانت ممكن أن تعود من خلال سلام شامل، أن تعود.. الجولان أيضاً، يعني علينا أن نتذكر بأن سوريا خسرت الجولان في حروبها مع مصر، يعني حاربوا سوياً، سيناء ليست أقل أهمية من القدس مثلاً، ليست أقل أهمية من هضبة الجولان، ليست أقل أهمية من الضفة الغربية، ليست أقل أهمية من مزارع شبعا كمان، يعني كلها هذه أراضي عربية يجب أن ننظر إليها نظرة متساوية، لأن العرب خاضوا حروبهم مجتمعين، يعني علينا أن نتذكر ذلك، فهذا الكلام مردود على أصحابه. لو كانت هناك تسوية شاملة كنا دائماً نتحدث عن السلام الشامل والعادل، ولكن حصل انحراف عن هذه المقولة، يعني سهل جداً أن الواحد يخرج عن المجموعة أو عن السرب ويعقد صفقات مع العدو ويقبض ثمناً مقابل ذلك، هذا ما فعله الرئيس السادات، هذه ليست سياسية، وليست استراتيجية، وليس إنجازاً، هذا مجرد خذلان الآخرين وخداعهم، وخداع الشعب المصري نفسه. الشعب المصري شعب عربي، شعب مسلم، شعب مؤمن، شعب مقاتل، قدّم آلاف الشهداء في سبيل قضايا الأمة كلها، حتى قضايا العالم الإسلامي، والقدس مدينة إسلامية وهي مسؤولية الشعب المصري مثلما هي مسؤولية جميع الشعوب الإسلامية الأخرى. فليس من الحكمة، و لا من العقل، ولا من الإنجاز أن نقول بأن توقيع اتفاق مثل هذا، أو الذهاب لإسرائيل، حلّ مشكلة الشعب المصري.

خديجة بن قنة: السفير حسن عيسى، في بداية البرنامج كان عبد الباري عطوان يقول إن السادات أقدم على ما لم يُقدم عليه من قبل جمال عبد الناصر، هل شخصية السادات كانت مؤهلة أوبها مواصفات ساهمت على عقد هذه الصفقة؟ لو قسناها اليوم بمبارك، هل لو كان الرئيس مبارك هو من كان يحكم مصر في تلك الفترة كان أقدم على ما أقدم عليه السادات برأيك؟

حسن عيسى: يا أختي العزيزة عندما نتكلم عن جمال عبد الناصر يجب أن لا أنزع جمال عبد الناصر عن الحقبة التاريخية التي عاشها، والظروف الإقليمية والدولية التي كان يعيشها، عندما نحكم على الرئيس السادات أحكم عليه في هذه الحقبة التاريخية، التي عاشها وفي ظروفه الإقليمية والدولية، مثلما عندما نقيّم موقف الرئيس مبارك، أقيمه في هذه الحقبة بالذات، وهذه الظروف الدولية والإقليمية. اختلفت الثلاث ظروف، اختلف وضع الثلاثة تماماً، الرئيس السادات، وأكرر، عندما عقد هذا الاتفاق لم يكن اتفاقاً مصرياً إسرائيلياً، عرض هذا الاتفاق على جميع الدول العربية، وأنا أعلم أنه قبل أن يذهب لإسرائيل كان في دمشق لمقابلة الرئيس الأسد، وذهب لمقابلته وعرض عليه ما كان. فإذاً عرض الاتفاق مع إسرائيل، وعرض المفاوضات مع إسرائيل، كان معروضاً على جميع الدول العربية مثلما كان معروضاً عليهم خيار الحرب، نحن لم نتخلى عن أحد، لم ولن نتخلى عن أحد، وعمر مصر ما تخلّت عن دورها ولا عن نضالها من أجل الأمة العربية، ولا من أجل القضية الفلسطينية.

خديجة بن قنة: شكراً جزيلاً لك السفير حسن عيسى مدير إدارة إسرائيل السابق بوزارة الخارجية وسفير مصر السابق في تل أبيب شكراً لك كنت معنا من القاهرة، وأشكر أيضاً ضيفي في لندن عبد الباري عطوان رئيس تحرير صحيفة القدس العربي شكراً لكما، بهذا نأتي مشاهدينا إلى نهاية هذه الحلقة من برنامج ما وراء الخبر بإشراف نزار ضوّ النعيم، بإمكانكم كالعادة المساهمة في اختيار مواضيع الحلقات القادمة بإرسالها على عنواننا الإلكتروني:indepth@aljazeera.net غداً قراءة جديدة في ما وراء خبر جديد. أطيب المنى والسلام عليكم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة