دوافع إنشاء قاعدة عسكرية فرنسية في الإمارات   
الثلاثاء 1429/1/21 هـ - الموافق 29/1/2008 م (آخر تحديث) الساعة 13:39 (مكة المكرمة)، 10:39 (غرينتش)

- دوافع الدولتين لإنشاء القاعدة
- الدلالات الدولية والإقليمية للسياسة في المنطقة

جمانة نمور
: أهلاً بكم. نحاول في هذه الحلقة التعرف على ما وراء اتفاق أبو ظبي وباريس على إنشاء قاعدة عسكرية فرنسية في الإمارات العربية المتحدة ستكون القاعدة العسكرية الرئيسية الأولى لفرنسا في منطقة الخليج. نطرح في الحلقة تساؤلين: ما الذي تريد باريس وأبو ظبي تحقيقه بإنشاء هذه القاعدة العسكرية وفي هذا التوقيت بالذات؟ وما هي الدلالات الإقليمية والدولية للخطوة الفرنسية الجديدة في ضوء خريطة تحرك باريس في المنطقة؟... الحكومة الفرنسية اعتبرتها مجرد ترجمة لشراكة إستراتيجية من شأنها أن تسهم في استقرار منطقة الشرق الأوسط، أما المعارضة فقد رأت فيها قراراً خطيراً يكرس تغييراً سياسيا من قبل فرنسا في المنطقة وبدون أي نقاش مسبق في البرلمان. هذا ملخص جدل فرنسي تبع قرار باريس عقب زيارة الرئيس نيكولا ساركوزي إلى المنطقة وإعلان إنشاء قاعدة عسكرية في الإمارات ستكون الأولى لفرنسا في الخليج.

[تقرير مسجل]

نبيل الريحاني: لم يكن بوش وحده في الخليج، ساركوزي كان هناك أيضاً. جولة فضل رجل الأليزيه انفاق أيامها في اصطياد الصفقات الاقتصادية والعسكرية دون الأهداف السياسية المباشرة، بيت القصيد في حصاد الزيارة التي شملت السعودية أيضاً صفقة غير مسبوقة في السياق الخليجي، مفاعل نووي إماراتي وقاعدة فرنسية دائمة على أرض دولة الإمارات العربية المتحدة، موطئ قدم على أرض بدت بسبب تزامن الجولتين الأميركية والفرنسية مسرحاً جديداً للتنافس أو ربما التنسيق بين واشنطن وباريس، سيكون لفرنسا في غضون السنة المقبلة قاعدة إستراتيجية متعددة الأركان على سواحل الخليج تطل من خلالها على منطقة إقليمية ساخنة أضحت باريس قريبة من تقلباتها أكثر من أي وقت مضى. تعد الخطوة بنظر البعض امتداداً لمراجعات في الخارجية الفرنسية شهدها عهد ساركوزي جعلتها أقرب من الرؤية الأميركية دون التفريط في مصالحها المعنية بتأمين تدفق 40% من امدادات النفط العالمي تمر عبر مضيق هرمز، غاية حيوية لم تقنع المعارضة الفرنسية التي اعتبرت قرار الحكومة الفرنسية خطيراً، منتقدة اتخاذه بعيداً عن مناقشات البرلمان. في الجانب الخليجي حسمت الصفقة تردد الدول الخليجية حيال فكرة استثمار الطاقة النووية سلمياً لتجعل من الإمارات أول من يدخل غمار التجربة بالرغم من حساسية الموقف. يُذكر أن فرنسا تحتفظ بعدد محدود من القواعد العسكرية الدائمة لعل أقربها إلى الخليج قاعدة جيبوتي المشرفة على خليج عدن للأهمية الإستراتيجية. الإمارات اليوم، ترى من سيكون غدا؟ وهل من قواعد عسكرية أخرى لفرنسا أو لغيرها التي عرض رئيسها بضاعته قائلاً إن الإستعمال السلمي للطاقة النووية حق للعربي لا مرية فيه.


[نهاية التقرير المسجل]

دوافع الدولتين لإنشاء القاعدة

جمانة نمور: ومعنا في هذه الحلقة من باريس كريستيان شينو الصحفي المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، ومن القاهرة الدكتور مصطفى اللباد الخبير في الشؤون الجيوبوليتيكية، وعبر الهاتف من دبي الدكتور محمد عبد الله الركن أستاذ القانون العام بجامعة الإمارات، أهلاً بكم. سيد كريستيان، وزير الدفاع الفرنسي قال بعد هذه القاعدة بأنها تعبر عن سياسة تقول بأن فرنسا يجب أن تكون حاضرة. حاضرة بأي معنى؟

كريستيان شينو: حاضرة من الناحية الإستراتيجية وخاصة بالنسبة للرئيس ساركوزي يعتبر أن الخليج ذو مصلحة أساسية، فـ 40% من النفط العالمي يمر به عن طريق مضيق هرمز، وإذا ما حصلت أزمة مع إيران فإن ساركوزي يعتبر أن منطقة الخليج مهمة جداً له في مثل هذه الحالة، وقد بدأت فرنسا بعلاقات جيدة جداً مع قطر وثم مع الإمارات منذ فترة من الزمن. إذاً بالنسبة لفرنسا هذا مؤشر على التزام قوي في منطقة إستراتيجية ولا يمكن لباريس أن تكون غائبة عن هذه المنطقة بعد اليوم.

جمانة نمور: إذاً لماذا أخذ هذا القرار كل هذا الأخذ والرد داخل فرنسا وردود الفعل المتناقضة بين المرحبة به وتلك المستاءة منه؟

"
الوجود الفرنسي في الخليج مهم وساركوزي مهتم بالموضوع الإيراني لحد الهوس، لذلك فهو يعتبر منطقة الخليج ذات أهمية كبرى حيث إن 40% من النفط العالي يأتي منه عبر مضيق هرمز
"
كريستيان شينو
كريستيان شينو: إن هذا صحيح، ففي فرنسا هناك نقاشات وكانت هناك انتقادات وخاصة من قبل المعارضة الإشتراكية من السيد بيرو والمرشح للرئاسة، وكما إنه من جانب آخر هناك اتفاق حول الموضوع لأنه بالنسبة لفرنسا الوجود الإستراتيجي في الخليج مهم، أما بالنسبة لنيكولاس ساركوزي فهذا أمر ذو أولوية كبرى إذ أن لديه طموحات واضحة في الشرق الأوسط فهو يريد أن يكون له علاقات جيدة مع المغرب ومع الخليج حيث يوجد النفط، وهناك أموال كثيرة ومصالح فرنسية كثيرة، وكما تعلمون أن الرئيس الفرنسي مهتم جداً لحد الهوس في القضية الإيرانية ولديه موقف ربما أشد من الموقف الأميركي، وقد تكون هذه الإشارة السياسية مهمة لكل الأطراف المعنية في المنطقة سواء إيران أو دول الخليج.

جمانة نمور: دكتور محمد عبد الله الركن، إذاً هذه هي الأجواء في باريس، ماذا عن الإمارات، كيف استقبل الإماراتيون هذا القرار؟

محمد عبد الله الركن: نعم.. بالنسبة لموضوع إنشاء القاعدة طبعا هو تم الإتفاق عليه وتوقيعه في يوم الثلاثاء الماضي وما زالت الأمور غير واضحة بشأن الترتيبات، سواء كانت اللوجستية والمالية، لكن الإمارات منذ اليوم الأول لسياستها الخارجية هي تؤكد على موضوع الحلول السلمية وعدم الاعتداء على الجيران، لعل هذا الخيار مع ساركوزي كما ذكرت الواشنطن بوست على لسان مسؤول رسمي فرنسي فهي قد تكون جزء من نوايا ساركوزي بأن تكون تحذير لإيران ضد اتخاذ أي خطوات عدوانية في اتجاه جيرانها. نحن كما تعلمين دولة الإمارات العربية المتحدة لدينا جزر ثلاث محتلة من قبل إيران لكن لم نقدم على أي تحالفات عسكرية ضد الدولة الجارة، وهذا يمكن أن يكون هو تطوير لعلاقات التعاون الدفاعية القائمة بين الدولتين منذ سنة 1995 خاصة في مجال التدريب والمناورات المشتركة أو تزويد القطع البحرية باحتياجاتها، والعلاقة مع فرنسا ليست جديدة خاصة دولة الإمارات نحن نحاول أن ننوع الاعتماد في المجال العسكري فهي تعتبر من أكبر موردي السلاح للقوات المسلحة في الإمارات سواء كان في الطائرات أو الدبابات، وهذه مسألة معروفة منذ فترة ليست بالقصيرة. الإشكالية هنا التي قد ندخل فيها هي ما ذكرته الـ (بي. بي. سي) من أن هذا الوجود الفرنسي في منطقة خارج نفوذها وفي ظل وجود زعيم فرنسي قريب جداً من سياسات...

جمانة نمور (مقاطعة): واشنطن.

محمد عبد الله الركن (متابعاً): الولايات المتحدة الأميركية أزعج البريطانيين، ذكرت الـ (بي. بي. سي) بشكل صريح، وذكرت أن يبدو أن العلاقات ليست على وئام لأسباب لا يعلمها البريطانيون حتى الآن.

جمانة نمور: إذاً دكتور مصطفى اللباد ما هو تعليقك؟ هل ما جرى من اتفاق على إنشاء هذه القاعدة هو تقاطع مصالح فرنسية إماراتية ولكنها قد تزعج أيضا مصالح بريطانية مثلاً كما قال الدكتور محمد؟

مصطفى اللباد: من الواضح أن لكل طرف حساباته في هذا الموضوع، دولة الإمارات العربية المتحدة تقيّم الأخطار على أمنها الوطني على اعتبار أنها قادمة من الضفة الأخرى من الخليج، ولذلك هناك اختلال في التوازن وفي القدرات في القوة الصلبة يعني أو الـ hard Power، بمعنى أن الاختلال السكاني بين سكان دولة الإمارات العربية المتحدة والهند وباكستان وإيران أي منها هو لغير مصلحة الإمارات بوضوح، أيضاً القوة العسكرية الشاملة، ولذلك تريد دولة الإمارات العربية المتحدة تحييد هذا الاختلال بسقف دولي، منطقة الخليج لها سقف دولي أميركي حتى الآن ودولة الإمارات العربية المتحدة تريد تنويع هذا السقف بسقف إضافي بمعنى أن هناك خط أحمر أميركي إذا كان المستهدف بإنشاء القاعدة هو روسيا أو الصين مثلاً ولذلك تأتي فرنسا كشريك مناسب من المنظور الإماراتي لتعديل جزئي في موازين القوة لحفظ مصالحها. أما فرنسا من ناحية أخرى فهي هذه القاعدة هي الأولى لها في التاريخ، منطقة الخليج كانت دائماً مسرحا لنفوذ قوة غربية، يعني كانت البرتغال قبل 500 عام ثم إنجلترا ثم الولايات المتحدة الأميركية والآن فرنسا تتخذ لها موطئ قدم في هذه المنطقة الهامة من العالم، ولذلك أيضاً المستهدف بإنشاء المفاعلين النوويين اللذين يعملان بالماء المضغوط من الطراز الأوروبي (إي. بي. آر) هما شركة أريفا النووية الفرنسية الكبرى وشركة توتل النفطية الأكبر في فرنسا، وهاتان الشركتان تمثلان النواة الصلبة للرأسمالية الصناعية الفرنسية ولذلك يغازل ساركوزي المصالح الوطنية الفرنسية والمحرك لهذه المصالح أي الرأسمالية الصناعية الفرنسية، ولذلك ساركوزي لا ينبطح أمام واشنطن ولكنه يحقق ويقتنص مصالح فرنسية في منطقة الخليج من داخل العباءة الأميركية وليس من خارجها. ساركوزي يطبق هنا نموذج قانون الوحدة والصراع الديالكتيكي الجدلي الذي صاغه هيغل، الوحدة والصراع، بمعنى أن فرنسا تتحالف كوكبيا مع الولايات المتحدة الأميركية ولكنها جزئيا لها مصالح مغايرة وهذه المصالح يطبقها الآن ساركوزي بإنشاء قاعدة عسكرية، لا يهم عدد القوات الفرنسية 400 أو 500 جندي ولكن المغزى والدلالات في السياق الجيوبوليتيكي والإستراتيجي العام. ولذلك بالطبع إنجلترا يعني تعلم جيداً لماذا تتحسس وليس فقط.. يعني هي تعلم أن فرنسا تزاحمها على المركز الثاني في القوة في العالم الغربي، المركز الأول مكفول للولايات المتحدة الأميركية ولذلك خطوة ساركوزي تدفع إنجلترا خطوات إلى الوراء لتحل فرنسا محلها كشريك الأكثر اعتماداً لواشنطن، هذا هو إنجاز ساركوزي الأساس حتى الآن.

جمانة نمور: يعني كما ذكرت دكتور ربما جملة مهمة وهي موطئ قدم في المنطقة. هل فعلا يمكن أن يكون هذا هو الاتجاه الذي تود باريس اتخاذه بانتشارها العسكري في المنطقة والعالم، أيضاً ما الذي تريده من وراء ذلك؟ نتابع المسألة بعد وقفة قصيرة كونوا معنا.


[فاصل إعلاني]

الدلالات الدولية والإقليمية للسياسة في المنطقة

جمانة نمور: أهلاً بكم من جديد، وحلقتنا تناقش دوافع ودلالات إنشاء قاعدة عسكرية فرنسية في دولة الإمارات العربية المتحدة. سيد كريستيان شينو، تابعنا في السنوات الماضية محاولات أوروبية فرنسية خاصة للعودة إلى المنطقة بشكل أو بآخر، كان يقال بأن حتى الحديث عن الشراكة المتوسطية مقدمة لعودة الناتو إلى المنطقة وأن تكون بالطبع الآن فرنسا جزء منه بعد قرار ساركوزي إلغاء قرار ديغول عام 1966، هل فعلاً هذه القاعدة مؤشر على عودة من هذا النوع لفرنسا؟

كريستيان شينو: فرنسا فعلا لها حضور جيد في المنطقة ولكن أعتقد أن هذه القاعدة العسكرية سببها شيئين والتقاء حاجتين، بالنسبة لدول الخليج يمكن أن نتذكر بأنها تشعر بحالة صدمة بمسألة غزو الكويت عام 1990 والآن يعتقدون أن الخطر الرئيسي يأتي من إيران وبالتالي تحاول دول الخليج أن تحصل على أكبر قدر ممكن من الأمن وأن فرنسا يمكن أن تحمل هذا الأمن لهم إضافة إلى الأميركان فالأميركان هم الذين يؤمنون أمن الخليج، بالنسبة للجانب الفرنسي صحيح أن الرئيس ساركوزي لديه هنا ديناميكية وحيوية قوية ويود أن تكون له علاقات قوية مع دول الخليج فعلى سبيل المثال في قطر طلبت من فرنسا أيضا أن تنشئ لها قاعدة في قطر ولكن فرنسا رفضت ذلك، وأيضا يجب أن نضع ذلك ضمن هذه العلاقات الجديدة بين فرنسا والولايات المتحدة فتعلمون أن لفرنسا قاعدة في جيبوتي والأميركان لا بد لهم وجود هناك أيضاً وبالتالي هناك نوع من شراكة في الأدوار وتقاسم الأدوار ضمن سياسة جيوبوليتيكية. وفي الشرق الأوسط يُنظر إلى إيران على أنها الخطر الرئيس من قبل دول الخليج ومن الدول الغربية وخاصة فرنسا كما قلت قبل قليل إن الرئيس ساركوزي لديه هوس بهذا الخطر الإيراني والتهديد الإيراني وهذا كله يأتي ضمن هذا الطريق. ثم هناك الجانب الآخر من السياسة الفرنسية وهو الحصول على عقود مالية وعقود تجارية لفرنسا التي لديها صورة جيدة في الشرق الأوسط والخليج فهذه مناسبة رائعة لكي تستفيد من الوضع في الخليج.

جمانة نمور: دكتور محمد لماذا إذاً الإمارات، تحديدا أبو ظبي، هي ما أرادت باريس أو فرنسا ساركوزي أن تكون القاعدة هناك؟ هل هو لضمان موقع إستراتيجي على مضيق هرمز، هل الجغرافيا كانت السبب؟

"
دول الخليج لا تشاطر ساركوزي موقفه من إيران وخير دليل على ذلك دعوة أحمدي نجاد إلى قمة الخليج الأخيرة بالدوحة. وبالنسبة للإمارات سياستها قائمة على تنوع الخيارات الإستراتيجية
"
محمد عبد الله الركن
محمد عبد الله الركن: نعم.. أولاً أحببت أن أذكر نقطة تعليقاً على الزميل الفرنسي كريستيان، أن الهوس الذي يجتاح عقل ساركوزي بخصوص إيران كونها الخطر الأكبر للأمن في الخليج لا تشاطره دول مجلس التعاون الخليجي ولا قادتها، وخير دليل على ذلك استضافة القمة الأخيرة التي عقدت في الدوحة الرئيس الإيراني والاستماع لرأيه والزيارات المتكررة والمتبادلة، فاستضافة هذه القاعدة من وجهة النظر الخليجية أو الإماراتية بصفة خاصة وأساسية ليست هي للتهديد أو للحرب مع أي طرف خليجي آخر، أما بالنسبة لماذا الإمارات بالذات؟ فنذكر أن السياسة الخارجية لدولة الإمارات منذ أن أسست على يد المرحوم الشيخ زايد حاولت أن تكون حيادية وأن لا تجعل نفسها حليفاً لجهة واحدة ولو كانت قوة عظمى، ولذلك وجدنا منذ السبعينات والثمانينات كان هناك محاولة للتنويع في الخيارات لدى دولة الإمارات العربية المتحدة، وكما يذكر شهرام شوبين وهو خبير في مركز جنيف لسياسات الأمن في مقابلة أخيرة له، إن أغلب دول الخليج ليست سعيدة بالولايات المتحدة الأميركية لكن ليس لها خيار آخر تعتمد عليه. وهذه القاعدة قد تمنح نوع مذاق من التنويع. النقطة الأخرى أيضاً بالنسبة للعلاقة مع فرنسا يعني هناك بعض التوجهات الموجودة خاصة في إمارة أبو ظبي بالتنوع الثقافي والتواصل مع هذه الدولة، ولو كان الذاكرة الجماعية في المنطقة الخليجية والعربية لديها نوع من الرفض لأي تحالف عسكري أو قواعد لما لها من ذكريات تاريخية سلبية في منطقة الخليج. النقطة الأخيرة أن هذه القاعدة سوف تنتهي في نهاية عام 2009 فبالتالي هي لا ترتبط بسياسات آنية أو خطر آني كما يحاول أن يروج له جورش بوش أو ساركوزي.

جمانة نمور: دكتور مصطفى، الرئاسة الفرنسية نفسها تحدثت عن النفط كعامل مهم في موضوع هذه القاعدة، والجغرافيا تحديداً. كيف نفسر ونشرح هذه النقطة تحديدا؟ وما هي أهمية النفط وممراته أيضا بالنسبة لفرنسا في أماكن أخرى من العالم؟

مصطفى اللباد: أشكرك على هذا السؤال، الواقع أن القاعدة الفرنسية يُزمع إقامتها على مضيق هرمز، ومضيق هرمز بالإضافة إلى معانيه العميقة من الناحية الإستراتيجية والجيوبوليتيكية فهو بداية سلسلة متصلة، ولذلك موضوع هذه القاعدة لا يطال فقط الإمارات العربية المتحدة ومضيق هرمز ولكن كل السلسلة البحرية التي تشهد تدفق النفط، مضيق هرمز يفضي من الخليج العربي إلى بحر العرب ومنه إلى المحيط الهندي ومن هناك يأتي باب المندب التي تشرف عليه اليمن وسقف تحالفها الدولي هو الولايات المتحدة الأميركية، يمر النفط عبر البحر الأحمر إلى قناة السويس الذي تشرف عليه مصر وسقف تحالفاتها الدولية الولايات المتحدة الأميركية أيضا، ومن هناك إلى البحر المتوسط إلى المحيط الأطلنطي عبر جبل طارق، إذا نظرنا إلى هذه السلسلة المترابطة جيوبوليتيكيا في الواقع نجد أن الآن فرنسا تتواجد عند مضيق هرمز ولذلك هي شريك ثانوي للولايات المتحدة الأميركية في هذا المضيق الهام وهي لها قاعدة في جيبوتي وهي بالتالي هي شريك ثانوي آخر للولايات المتحدة الأميركية عند باب المندب والباقي قناة السويس وجبل طارق فالسيادة عليه غير فرنسية ولا تتشارك فرنسا فيها، فإذا نظرنا الآن أن هناك مشاركة فرنسية في هرمز ومشاركة فرنسية غير مباشرة في باب المندب ومشاركة إنجليزية واحدة فقط في جبل طارق، لأمكننا أن نستنبط الدلالات العميقة التي يعنيها إنشاء هذه القاعدة في هذا التوقيت بالذات وفي الإمارات العربية المتحدة بالذات بالقرب من المضيق وليس في أي دولة خليجية أخرى، من هنا يكتسب هذا المعنى الكبير الذي يريد ساركوزي في الواقع التأكيد عليه. فرنسا خسرت في سباقها مع إنجلترا طوال القرنين الماضيين بسبب أن إنجلترا كانت القوة البحرية الأعظم في العالم ولذلك دشنت إمبراطوريتها، ولكن بعد الحرب العالمية الثانية واختلال موازين القوى أصبحت الولايات المتحدة الأميركية هي القوة البحرية الأولى في العالم بفضل سيطرتها على هذه المضائق وعلى السلسلة الهامة لتدفق النفط إلى نصف الكرة الغربي، الآن فرنسا تأتي كلاعب لأول مرة في هذه المنطقة لتكون لاعبا تيلوغراسيا، بمعنى أن التيلوغراسيا أو القوة البحرية التي تمثلها الولايات المتحدة الأميركية تفسح مكاناً الآن لفرنسا لكي تشاركها فيها على حساب إنجلترا، ولذلك تتعدى معاني إنشاء القاعدة في الإمارات الآن مجرد القاعدة أو عدد القوات أو حتى الصفقات التجارية على أهميتها التي تطال النسق العام للتوازن الجيوبوليتيكي الدولي. نحن نشهد اليوم ليس انقلاباً جذرياً لأن الولايات المتحدة الأميركية منذ الحرب العالمية الثانية هي القوة الأعظم والقوة البحرية الأعظم ولكن فرنسا تزيح إنجلترا الآن لتحتل أو بصدد إزاحة إنجلترا لتحتل المركز الثاني، ولذلك مضيق هرمز على أهميته هو جزء في سلسلة تمتد فيها فرنسا بالفعل، وسوف نشهد في الفترة القادمة تنافسا على هذه المضائق الهامة على هذه السلسلة الهامة في تدفق النفط وفي تثبيت مواقع القوة البحرية في العالم. هكذا أفهم أنا هذا الاتفاق ومضامينه التي تتجاوز هرمز ودولة الإمارات ومنطقة الخليج لتطال النسق العام للتوازن الجيوبوليتيكي في العالم.

جمانة نمور: سيد كريستيان شينو، هل تفهم أيضاً الموضوع بهذه الطريقة؟ بكلام آخر هل هو مؤشر على مزيد من التنسيق ما بين واشنطن وباريس، وهل هو بالفعل تغيير أم أنه يكمل ما بدأ حتى أيام شيراك حينما لاحظنا تنسيقا أكبر ربما في منطقة أفريقيا بالنسبة للوجود الفرنسي والأميركي، هل هذا ينسحب الآن على بقية مناطق العالم؟

كريستيان شينو: إن الرئيس ساركوزي في الحقيقة زاد من تقاربه مع دول الخليج ولكن أود العودة إلى ما قاله المتحدث الآخر، إذا ما كانت دول الخليج تسعى إلى أن تحصل على حلفاء جدد والحصول على معدات عسكرية فسبب ذلك هو وجود المشكلة الإيرانية. فلو كانوا مطمئنين أمام إيران لما بحثوا ولما حاولوا أن يعقدوا مثل هذه التحالفات وهم يعرفون جيداً أنه إذا ما حصلت حرب، وهذا غير مؤكد، فإنهم سيكونون على الخطوط الأولى في النزاع في أي نزاع بين الولايات المتحدة وإيران والدول الأخرى، وهم بالتالي يحاولون حماية أنفسهم وبالتالي بدؤوا يضعون سياسات مع القادة الإيرانيين وهذا يبين سبب...

جمانة نمور (مقاطعة): عفوا سيد كريستيان، يعني أيضا المنطقة كما ذكر الدكتور محمد قبل قليل وأيضاً الدكتور مصطفى وكما الكل يعلم، الوجود الأميركي أصلا واضح وبقوة فيها، إذا كان هذا الهدف الوحيد فعلا يعني، لم الحاجة إلى الفرنسيين؟

كريستيان شينو: نعم هذا صحيح أعتقد أن دول الخليج تسعى أيضا إلى تنويع إستراتيجياتها الدفاعية فهي تعلم أن الأميركان يلاقون صعوبات كبيرة في العراق وأنهم قد ينسحبون منها وبالتالي إذا كان العراق تحت النفوذ الإيراني فإن ذلك بالنتيجة يعني أن هناك تأثير كبير على الدفاع ذو القوة الدفاعية في الخليج أو على المستوى السياسي، ولكن في داخل أنفسهم دول الخليج وقادة الخليج يعلمون جيدا أن الأميركان ربما قد يتعرضون لهزيمة أو قد يصبحوا ضعفاء وبالتالي...

جمانة نمور (مقاطعة): إذا كان الأمر كذلك، لو سمحت لي إذاً أن نستمع إلى كلمة أخيرة من الخليج من الدكتور محمد.

محمد عبد الله الركن: أنا أتصور إضافة 400 شخص أو 500 إلى 40 ألف أميركي في منطقة الخليج لن يغير الحقائق على الأرض كثيراً، وكما ذكرت سابقاً يعني هذا هو نوع من الجائزة التي تقدم لساركوزي بسبب تحالفه مع الولايات المتحدة الأميركية وهذا ما أكده كثير من المراقبين في هذا المجال.

جمانة نمور: شكراً لك دكتور محمد عبد الله الركن وشكرا للدكتور مصطفى اللباد والسيد كريستيان شينو وشكرا لكم مشاهدينا على متابعة حلقة هذه الليلة من ما وراء الخبر بإشراف نزار ضو النعيم، بإمكانكم إرسال اقتراحاتكم على الموقع الإلكتروني:indepth@aljazeera.net أشكر متابعتكم وإلى اللقاء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة