أليغ ميرونيف .. انتهاك حقوق الإنسان في الشيشان   
الجمعة 1425/4/15 هـ - الموافق 4/6/2004 م (آخر تحديث) الساعة 5:36 (مكة المكرمة)، 2:36 (غرينتش)
مقدم الحلقة أكرم خزام
ضيف الحلقة أليغ ميرونيف، مفوض حقوق الإنسان في روسيا
تاريخ الحلقة 08/04/2000

أليغ ميرونيف
أكرم خزام
أكرم خزام:

أعزائي المشاهدين أهلاً وسهلاً بكم في هذه الحلقة الجديدة من برنامج (لقاء اليوم) التي أجريناها مع (أليغ ميرونيف) مفوض حقوق الإنسان في روسيا الذي تفضل مشكوراً بالإجابة عن أسئلتنا.

السيد ميرونيف.. القضية الشيشانية في الآونة الأخيرة تدرج في سلم أولويات المنظمات الإنسانية والإسلامية، وتكثر الأحاديث حول انتهاكات حقوق الإنسان في الشيشان بصورة خاصة، والقوقاز بصورة عامة؛ من قبل القوات الفيدرالية، نريد الاستماع إلى وجهة نظركم بهذا الشأن.

أليغ ميرونيف:

إنني أتفهم قلق الأسرة الدولية وقلق الشعب الروسي، وطبيعي أن سؤالكم كممثل لتلفزيون دولة عربية في مكانه تماماً، خاصة وأن المسلمين ينظرون بعين الأسى إلى ما يحدث في الشيشان.. نعم إن حقوق الإنسان تنتهك هناك بفضاضة وبصورة وحشية، وقد بدأت هذه الانتهاكات للأسف عندما وصل (جوهر دوداييف) إلى السلطة في الشيشان، آنذاك تم إلغاء التشريعات الروسية في جمهورية الشيشان، وبدأت محاولة إنشاء دولة إسلامية مكان الدولة العلمانية، وتم الشروع بإنشاء المحاكم الشرعية.

وقد رأينا بأم أعيننا كيف انهالت الآلام على رؤوس الناس، ابتداءً من اختطاف الرهائن ومروراً بالاستعباد وشن الهجمات على القطارات والسيارات، ومع ذلك أعتقد أن مسؤولية ما حدث في الشيشان تقع على عاتق السلطة الفدرالية الروسية، إذ لم يكن ليحق لها أن تسمح بتشكيل نظام ينتهك حقوق الإنسان بأحد كياناتها.

أتذكر وكنت آنذاك نائبا في مجلس الدوما عندما دخلت قوات الجيش إلى الشيشان عام 1994م، وكنت مع العديد من النواب أعتبر ذلك خطأ سيؤدي بروسيا إلى طريق مسدود، وقمت آنذاك مع عدد من نواب مجلس الدوما بجولة في عدة دول آسيوية من بينها إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة، وبدا لنا أن ماليزيا وسنغافورة مثلاً تعيشان بنعيم، ولكننا لاحظنا مدى استنكار المسلمين هناك لدخول القوات الروسية إلى جمهورية الشيشان، لكن الحملة الحالية في الشيشان تختلف عن حملة 1994م، إذ شن المقاتلون الشيشان هجوماً على مدن وقرى (الداغستان) الآمنة، وقد قاوم ذلك مسلمو الداغستان دفاعاً عن حقوقهم ومصالحهم، آنذاك اضطرت السلطات الروسية لاستخدام الجيش ودخول الشيشان، ولذا فإن أفعال (مسخادوف) وقادة التشكيلات الشيشانية المسلحة مخالفة للشرعية والدستور، لأنهم يخوضون حرباً مع الفدرالية التي يدخلون في قوامها، أما القوات الروسية فتتصرف ضمن إطار الدستور والتشريعات، ومع ذلك يؤدي التصرف حتى ضمن إطار التشريعات إلى انتهاك حقوق السكان المدنيين.

نحن نتذكر أحداث البلقان ونعرف أنه بالرغم من وعود جنرالات الناتو في تسديد ضربات دقيقة، تم ارتكاب أخطاء، وعلى الأغلب أن يكون حدث مثل هذا في الشيشان، حيثُ قصفت القرى الآمنة وحتى في انعدام القصف المدفعي المباشر أو القصف بالطيران فإن ذلك كان يؤدي إلى معاناة السكان المدنيين.

لقد وصلتني –للأسف- معلومات من التلفزيون الروسي عن بدء انتشار أمراض وأوبئة، وفي ظل ظروف التلوث وفقدان الإمكانيات الوقائية تزداد أوضاع الناس تعقيداً، وعندما تحتشد أعداد كبيرة من الرجال المسلحين تزداد الجرائم من قبل أفراد الجيش، لكن هذه الجرائم لا تحمل طابع الشمولية ولا تندرج في إطار النضال ضد الشعب الشيشاني، ولا تعني الرغبة بقمع السكان وتدميرهم، فأعمال الجيش هي نضال ضد الإرهاب بل الإرهاب الدولي، لكن السكان المدنيين يعانون ويعيشون ظروفاً صعبة للغاية.

وجودهم في المخيمات يؤمن لهم الحصول على المساعدات الإنسانية، والعديد منهم يريدون العودة حتى إلى مدينة (غروزني)، لكنهم سيضطرون في هذه الحالة إلى التخلي عن المساعدات الإنسانية والبقاء بدون مواد غذائية، لكنني أعتقد أن السلطات الفدرالية يجب لفت انتباهها إلى هذه الحالة، حتى تقوم بتأمين المواد الغذائية ليس في المخيمات فقط، بل وفي المدن والبلدات الأخرى في الشيشان، لكي يستطيع اللاجئون العودة إلى بيوتهم.

باختصار فإن انتهاك حقوق الإنسان يتم بطابع جماعي، حتى أن مجرد وجود السكان بالمخيمات في ظل تهدم وخراب منازلهم، وفقدان أملاكهم، إضافة إلى القتلى والجرحى وانتشار الأمراض وقلة التغذية، كل ذلك يمثل مشكلة حقيقية.

أكرم خزام:

السيد ميرونيف قلتم أن القوات الفدرالية تنفذ الأوامر وتلتزم بالدستور والقوانين الروسية، لقد قمت بزيارة أنغوشيا و الشيشان أكثر من مرة، ولدي العديد من المشاهد التي تثبت أن الانتهاكات تكتسب طابعاً منهجياً، إذ يتم قتل السكان المدنيين، وتمارس أعمال السرقة والاغتصاب، كيف تنظر مؤسستكم إلى هذه الانتهاكات علماً أنني لاحظتُ ميولكم إلى تبريرها؟ ماذا تفعل مؤسساتكم حيال هذه الانتهاكات؟

أليغ ميرونيف:

حقيقة أنا لا أحاول تبرير الأعمال الإجرامية للسلطات أو أفراد الجيش، بل أعتبر نفسي من أنصار الموضوعية، وأنا أيضاً سمعت الكثير من الحكايات المرعبة على لسان اللاجئين الشيشانيين، لكنني كحقوقي أعتقد أنه يجب الوقوف على حقيقة الأحداث، ومؤسستنا مخولة حسب القانون باعتبارها وسيلة حكومية إضافية للدفاع عن حقوق الإنسان، علماً أن حماية حقوق الإنسان والمواطن تتم من خلال المحكمة والنيابة العامة في حال وجود ارتكاب جرائم ضد السكان المدنيين، يجب أن يتم رفع دعوى جنائية من قبل الادعاء العام، ولا يجب التستر على الحقائق.

حتى أن التستر لم يعد وارداً لأن وسائل الإعلام تمارس نشاطاً عارماً لا يتيح حتى الفرصة للتستر، بل على العكس يجب الإعلان والقول مثلاً إن المقاتل الشيشاني في حالة ارتكابه جريمة يجب أن يعاقب حسب التشريعات الروسية، أما إذا كان جندي أو مدني روسي ممن خول بالسلطة بحكم وجوده هناك، لو قام بانتهاك الحقوق وارتكاب الجرائم، فيجب أن يعاقب أيضاً حسب هذه القوانين نفسها، لذلك فإن موقفي لا يشبه منصب من يحاول التستر على انتهاك حقوق الإنسان.

أكرم خزام:

هل خاطبتم وزراتي الدفاع والداخلية حول انتهاكات حقوق الإنسان في الشيشان؟ وهل وجهتم نداءً بضرورة وقف العمليات العكسرية؟ ماذا فعلت مؤسستكم؟

أليغ ميرونيف:

وجهنا حتى الآن عشرات النداءات والبيانات بهذا الصدد، بما في ذلك ما يتعلق بأشخاص محددين، وبصدد مشاكل محددة أيضاً، ولدي ملف كامل حتى أن (ماري روبنسون) طلبت مني عندما التقيتها بـ(جنيف) بأن أرسل لها ما لدينا من وثائق متعلقة بشمال القوقاز، وكنت قد توجهت إلى مجلس الفدرالية وإلى مجلس الدوما بآرائي حول عدم قدرة جمهورية (الأنغوش) على استيعاب هذا الكم من اللاجئين، خاصة وأن ذلك بدا واضحاً منذ خريف العام الماضي. وخاطبت عدداً من قادة الأقاليم الروسيين الأخرى، وطالبتهم بإمكانية توزيع اللاجئين في الأقاليم الغربية المجاورة، وتوجهت بطلب إلى قيادة هيئة الصليب الأحمر بصدد قلة الأدوية التي لا تكفي لعلاج المرضى، وتوجهت إلى الشعب الروسي طالباً تجنيد حملة مساعدات إنسانية واسعة لدعم ومساعدة الشعب الشيشاني.

فمنذ فترة التقيت بمكتبي مع ممثل المثقفين الشيشان، ومع قادة وممثلي مراكز دولية مختصة بالحفاظ على الثقافات، وخرجنا ببيانات عن ضرورة البعث الروحي والثقافي للشيشان، نحن بحاجة إلى برنامج اقتصادي واجتماعي لبعث الشيشان، لكننا في حاجة أيضا إلى برنامج أخلاقي ومعنوي، وقد قلت للممثل الخاص للرئيس المكلف بشؤون حقوق الإنسان في الشيشان (كلامنوف): إنه لمن الجيد الانتباه إلى أوضاع الفتيان والشبان الكثيرين بين اللاجئين، والتفكير بتحديد منح دراسية لهم في المؤسسات التعليمية، وتنسيبهم لها بدون مسابقات لكي يشعر الجميع أن روسيا ليس طاغوتاً لتدمير جمهورية الشيشان، وأن القوات الروسية تخوض حرباً ضد الإرهابيين، أما ما يخص المدنيين فيجب أن تقدم لهم شتى المساعدات.

ما تقوله لي الآن سمعته كثيراً، لكنني أؤيد التحري والإثبات، لذلك توجهت إلى نواب مجلس الدوما مقترحاً تشكيل لجنة برلمانية لتقصي حقائق ووقائع انتهاكات حقوق الإنسان، بهدف التمكن من تكليف النيابة العامة والحصول على المعلومات من وزارة الداخلية ووزارة الدفاع، ومن ثم الاجتماع بضحايا هذه الانتهاكات والجرائم والاستماع إلى الشهود.. مثلاً: قابلت رجلاً حدثني أنه تم قتل ثمانية أشخاص ودفنهم بالقرب من بيته، فقلت له: يجب رفع دعوى للنيابة العامة لتسمح بالتعرف على الجثث وإجراء كشوفات طبية ومخبرية عليها، وأن ذلك سيغدو مفهوماً ما إذا كان ما حدث واقعياً، أو بمعنى آخر لا يجوز ألا نصغي إلى شكاوى الناس وألا نثق بهم، ومع ذلك يجب تقصي الوقائع والوقوف على حقيقتها، أما أنه يتم خرق حقوق الإنسان في الشيشان فهذا واقع ولا معنى لرفضه وهو موقف خاطئ.

أكرم خزام:

لاحظت في الآونة الأخيرة انتشار ظاهرة في الدوائر العليا للسلطة الروسية مفادها أنه من لا يؤيد العالم فهو ضده، والمثال على ذلك ما يروجه البعض عن أن (ماري روبنسون) تبدو في أقوالها منحازة إلى الغرب، لمجرد الانتقادات التي وجهتها، حتى أن (الكرملين) رفض استقبالها، ولاحظت أيضاً أن السلطة لا تستمع حتى إلى نصائحكم، ما سبب هذه الظاهرة برأيكم؟

أليغ ميرونيف:

مؤسسة حقوق الإنسان هي مؤسسة جديدة بالنسبة لروسيا، ويبدو أن الكثير لم يدركوا بعدُ المغزى من تأسيسها، أولاً: أنا لا أعتبر أن الهدف من إنشاء هذه المؤسسة هو لتأجيج المشاعر ووضع العراقيل الإضافية فيما يخص العلاقة بين السلطات والمجتمع المدني، بل أعتقد أن هذه المؤسسة هي حلقة وصل بين السلطة والمجتمع المدني. وعندما ننظر في شكاوي الناس نلاحظ الأخطاء التي ترتكبها السلطة، ونحن نساعد السلطات باتجاه تغيير أسلوب عملها بما يخص معاملة الناس، مشيرين إلى أن هذا يدخل في صلب وظيفة السلطة، يبدو أننا نحتاج إلى وقت لتثبيت أقدام مؤسستنا، وأنتم على اطلاع بأن هذه المؤسسة ظهرت في (سويسرا) منذ (190) سنة، أما (فنلندا) فقد احتفلت بذكرى مرور ثمانين عاماً على تأسيس معهد حقوق الإنسان، وهم لا يزالون يفكرون في كيفية تحسين عملهم، أما نحن فقد ظهرت منذ حوالي سنتين، وأعتقد أننا نستطيع إثبات وجودنا من خلال الضغط على السلطة ومن خلال نشاطنا، آنذاك سننال احترام المواطنين، ونجبر السلطة على أن تأخذنا في الحسبان.

أكرم خزام:

لم تجب عن سؤالي، أنا قلت أن السلطة لا تستمتع إلى ملاحظاتكم أو ملاحظات (ماري روبنسون) أو غيرها، ما الذي يمكن أن يدفع السلطة إلى الإصغاء لكم ولملاحظاتكم، علماً أن السلطة لا تعترف حتى الآن بانتهاك حقوق الإنسان؟

أليغ ميرونيف:

مسألة عدم إصغاء السلطة لنا ليست على الإطلاق الذي ذكرته، ولدينا ما يكفي من الأمثلة الإيجابية التي قمنا بها حتى بمساعدة السلطات، وأنا لا أستطيع أن آمر وزيراً ما، بل أستطيع أن أثبت قانونياً أن وزارته تنتهك حقوق شخص ما أو مجموعة أشخاص، وأن أسعى إلى استعادة هذه الحقوق، ولدينا أمثلة كثيرة تمكنا خلالها من استعادة حقوق مهدورة، مما يعني أن السلطات باتت تصغي لنا، ونحن ننشر تقريراً سنوياً.

إنه لشيء آخر أن يكون الحديث عن قوة أو ضعف فاعلية نشاطنا، أو عن مدى دعم نشاطنا من قبل السلطات، والحقيقة أن التساؤلات هنا في مكانها، وما يخص موقف (ماري روبنسون) فأنا أعتقد أن العتاب الذي وجه لها من قبل بعض المسؤولين في روسيا، حتى قبل أن تنشر تقريرها هو عتاب غير مبرر وغير دقيق، فهي تشغل أعلى منصب في العالم في ميدان حقوق الإنسان، وهي رئيس سابق لجمهورية (إيرلندا) وشخصية سياسية سامية، وأعتقد أنها ستقدر الوضع في جمهورية الشيشان.

حقيقةً من الصعب التوصل إلى استنتاجات عميقة من خلال يوم واحد أو جولة واحدة، لكنني أعتقد أن نظراتها لن تكون وحيدة الجانب، وهي تفهم الأمور بصوره ممتازة، وتفهم أن الأحاديث التي استقتها من الشوارع والأسواق عن الأعمال الوحشية للأجهزة الروسية المتخصصة يجب أن تحظى بأذن صاغية من قبلها، كما يجب أن تصدق أحاديث من حدثوها، لكن يجب التحري ومدى صحة هذه الأحاديث.

ولاشك أنك تلاحظ من تواضع المبنى الذي نعمل به أن السلطات تستطيع أن تولي اهتماماً أكبر بتشكّل مؤسسة المفوض لحقوق الإنسان في روسيا، وبالتالي منح هذه المؤسسة مبنى مستقل على غرار ما يجدي في الكثير من دول العالم.

ولذا فإنني لا أطرح سؤالكم بنفس اللهجة القطعية التي طرح بها حول عدم إصغاء السلطات لنا، لكننا نريد بنفس الوقت أن يكون صوتنا مسموعاً، وأن يتم اتخاذ الإجراءات المناسبة إثر سماعه، ومغزى وجودي هو تذكير السلطات دائماً بما يجري من انتهاكات وليس تبرير تصرفات السلطة أبداً، ولو كان الأمر كذلك لكان من الأفضل إلغاء هذا المنصب.

وأنا لا أزعم تنفيذ دور واجهة للديمقراطية، بمعنى أن وجود مؤسستنا وجود تظاهر استعراضي أمام الغرب، يجب العمل وبنشاط وكل يوم، وما قلتموه حول انتهاك حقوق الإنسان في الشيشان صحيح، نعم صحيح!! وانتهاك حقوق الإنسان يتم بصورة منهجية وقاسية، وخلال سنوات كثيرة من جانب، ومن جانب آخر يتم هذا الانتهاك، لكنه ليس هدفاً وليس استراتيجية أو مهمة تستهدف قمع الشعب الشيشاني، وإنما عبارة عن أخطاء أو هيجان مشاعر أو ببساطة جرائم.

أكرم خزام:

كثرت الأحاديث في الفترة الأخيرة حول إمكانية تجميد عضوية روسيا في مجلس أوروبا، فيما لو تم ذلك هل يملك المجلس هذا الحق من الناحية القانونية؟

أليغ ميرونيف:

مجلس أوروبا يستطيع طرح السؤال بهذه الصيغة وتنفيذه، لكنني أعتقد أن اتخاذ هذا القرار سيكون خطأ، لأن مجلس أوروبا بحد ذاته سيضع حاجزاً يعزل روسيا عن أوربا وهذا غير معقول، وآنذاك لن يستطيع المراقبون الدوليون أو لجان مجلس أوروبا المختلفة أن تزور أراضي روسيا من الناحية القانونية، ومغزى وجود مجلس أوروبا يتمثل بالذات في الإشراف على الأوضاع المتعلقة بحقوق الإنسان في هذا البلد أو ذاك، وبالتالي تخاطب الحكومات التي يتوجب عليها الإصغاء إلى رأي مجلس أوروبا، وتفعل كل ما بوسعيها لكي لا يتم انتهاك حقوق الإنسان، وفي حال انتهاكها يجب استعادة هذه الحقوق. وكانت روسيا على سبيل المثال أبرمت الاتفاقية الخاصة بدرء وسائل التعذيب، مما يعني منح الحق للجنة مجلس أوربا الخاصة بدرء التعذيب بأن تقوم في أي وقت وبدون سابق إنذار بالقدوم إلى روسيا وزيارة أي سجن أو أي معسكر اعتقال أو أي مخفر شرطة.

والحقيقة جرت مثل هذه الزيارات لروسيا، وقد التقيت مع أحد الوفود، ولكن أعضاء الوفد لم يكشفوا لي عن مسار رحلتهم، وكنت أريد أن أذهب معهم لزيارة أي سجن أو معسكر اعتقال، وقلت لهم: لتكن رحلتكم مفاجئة، يمكن ألا تخبروني إلى أين سنذهب، بل أريد أن أرافقكم لأنكم تعرفون على ما يجب التركيز، ولديكم خبرة كبيرة يمكن الاستفادة منها، لكنهم يفضلون العمل بنظام مغلق وسري، والأرجح أن يقدم مجلس أوربا على حرمان نفسه من حقه في إمكانية الإشراف على أوضاع حقوق الإنسان في روسيا، ومثل هذا الموقف لا يتمتع –حسب رأيي- ببعد النظر.

أكرم خزام:

فما هي برأيكم آفاق حل القضية الشيشانية؟

أليغ ميرونيف:

للآسف أنا لا أشاطر بعض العسكريين والمدنيين الروس تفاؤلهم، بل ينتابني شعور بقلق عميق، وأخشى أن الزمن الممتد حتى إحلال السلام والنظام في الشيشان يتطلب جهوداً ذكية وضخمة وطويلة الأمد، وأنا لا أرى بعد نهاية لذلك الكابوس الذي حل بالشيشان، فقد بدا لنا أن فترة شهر أو شهرين في ظل رئيس نشيط قوي الإرادة قد تكفي لحل المشكلة، لكننا نرى أن العملية تطول وتطول، وقريباً ستكتسي الغابات الشيشانية بالأوراق الخضراء، وسيصبح من السهل على المقاتلين والتشكيلات المسلحة الاختفاء والتسلل إلى القرى والبلدات، وهذا يقلقني جداً.. سيصبح من السهولة بمكان قطع المعابر والوديان والجبال، ومن ثم الانتقال إلى جورجيا عبر سلسلة جبال القوقاز، صحيح أن جورجيا على علاقة طبيعية مع روسيا، لكنها غير قادرة على السيطرة على تحركات المقاتلين الشيشان، وقد تكون لديهم هناك قواعد مجمدة تنتظر ذوبان الثلوج، أنا لست خبيراً عسكرياً لكنني كنت في الجبال مراراً وأعرف أن هذا ممكن، لذلك –وللأسف العميق- لستُ متفائلا، ولا أرى متى ستنتهي الحرب.

بل نرى بالمقابل أن ازدياد نشاط المقاتلين ومقاومتهم، وكيف يُقتل الجنود الروس، ويجب أن ندافع عنهم أيضاً، ونحن ندافع عنهم، وعندما أخبرتني لجنة أمهات الجنود أنه يتم دعوة المجندين الجدد إلى الشيشان كانت إجابتي سريعة، ولدي في جهاز مؤسستنا قسم خاص بشكاوي الجنود، ومنذ فترة تسلمت معلومات تقول بوجود محاولات بإرسال المجندين الجدد إلى الشيشان، لذلك سنراقب هذه الحالة ونعارض الأمر.

نعم سندافع عنهم، لقد كنت في المستشفى العسكري في موسكو ورأيت بأم عيني شبانا يافعين جرحى بلا أيدي أو بلا أرجل أحياناً!! إنها لوحة مخيفة، ولدي نفس الشعور تجاه معاناة الشعب الشيشاني، وقد رأيت هناك فتياناً جرحى فقدوا أيديهم وأرجلهم نتيجة القصف، ورأيت بينهم شيوخاً وأطفالاً!! إنها لوحة مرعبة حقاً، يجب التحلي بالموضوعية ويجب الانتباه إلى ما يجري من كلا الجانبين.

أكرم خزام:

لندع الشيشان جانباً ولننتقل إلى سؤال آخر، إلى أي مدى برأيكم تتم مراعاة حقوق الإنسان في روسيا عموماً؟

أليغ ميرونيف:

للأسف وصلنا في تقريرنا عن أوضاع حقوق الإنسان في روسيا عام 1999م إلى استنتاجات تستدعي القلق، واعترفنا بأن أوضاع حقوق الإنسان في روسيا غير مرضية، ويتم انتهاك حقوق الإنسان في روسيا في المجالات الاقتصادية والاجتماعية، ولا يتسلم العاملون أجورهم، وحتى إذا ما حصلوا عليها فإنها قليلة جداً بحيث لا تفي للعيش الطبيعي، صحيح أن جهود الحكومة أفضت إلى تسديد متأخرات المعاشات التقاعدية، لكن هذه المعاشات قليلة بحيث لا تكفي للعيش، ويقدر المعاش التقاعدي بـ 72% فقط من الحد الأدنى للعيش.

وعندما يقولون إنه تم تسديد أجور الموظفين فإنني أتسأل دائماً من هو الموظف؟ لنأخذ مثلاً بلدة أو قرية فمن هو الموظف فيها؟ إنه في مثل هذه الحالة حوالي خمسة من الأطباء ومساعديهم، وما عداهم فهم ليسوا من الموظفين، لأنهم كانوا من العاملين في المزارع التعاونية ومزارع الدولة، ثم تُرِكوا لعبث الأقدار بعد أن تحولت المزارع إلى جمعيات مساهمة، وتدنى مستوى الإنتاج والعمل فيها، وبقوا حتى بدون أجور.

لذلك فإن تعبير موظف قد يبدو طناناً، لكن الموظفين لا يشكلون أكثرية في الشعب الروسي، وعدا عن ذلك يتم انتهاك الحقوق الشخصية للمدنيين، إذ يجري توقيفهم وتفتيشهم وأحياناً توقيفهم بدون مصوّغ، ويقوم رجال الشرطة أحياناً بالتعدي بالضرب على الموقوفين وإجبارهم على إعطاء إفادات لغايات غير مفهومة، وحتى في حال وجود مبررات للتوقيف والاعتقال فإن المعتقلين يوضعون في ظروف مزرية.

وهذه اللوحة تعتبر لوحة نموذجية للسجون والمعتقلات في روسيا، إذ تم بناؤها منذ مائة وأحياناً منذ مائتي عام، فقد قمت مؤخراً بزيارة سجن (بوتيركا) الذي بني منذ عهد المملكة (كاترين الثانية)، وهناك عملياً يستحيل التنفس تقريباً، وما يزيد الطين بلة هو كثرة عدد السجناء، مما يضطرهم إلى النوم بالمناوبة إذ لا تكفي الأماكن للنوم.. إنه انتهاك فظيع لحقوق الإنسان!!

وعدا عن ذلك ينتظر المعتقلون شهورا عديدة حتى يتم النظر بقضاياهم في المحاكم لكي يبت في أمر أحدهم، حتى إن بعضهم يحاول الإسراع بالوصول إلى السجون في المناطق البعيدة لأن ظروف العيش فيها قد تكون أسهل. وأعتقد أنه تم انتهاك حقوق المواطنين الانتخابية أو على الأقل سمعت أن اللاجئين في الشيشان أنهم لم يشاركوا في الانتخاب، إذ لم تكن توجد صناديق اقتراع في أماكن تواجدهم، وكان عليهم أن يتنقلوا لممارسة حقهم الانتخابي في ظل ظروف صعبة، وهذا انتهاك لحقوق المواطن السياسية والانتخابية.

أكرم خزام:

أعزائي المشاهدين إلى اللقاء في حلقة قادمة من برنامج (لقاء اليوم)، ها هو أكرم خزام يحييكم من العاصمة الروسية موسكو، ويتمنى لكم أطيب المنى.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة