التحكم في شبكة المعلومات العالمية الإنترنت   
السبت 1426/10/18 هـ - الموافق 19/11/2005 م (آخر تحديث) الساعة 12:21 (مكة المكرمة)، 9:21 (غرينتش)

- آثار الاحتكار الأميركي لشبكة الإنترنت
- قمة تونس وحرية الإبحار في الشبكة الدولية

محمد كريشان: أهلا بكم، في هذه الحلقة نتناول قضية التحكم في شبكة المعلومات العالمية الإنترنت وقدرة قمة تونس على معالجتها ونطرح فيها تساؤلين اثنين، مَن الذي يتحكم في شبكة المعلومات الدولية الإنترنت ومسارها المعرفي؟ ما الذي يمكن أن تقدمه قمة تونس على صعيد ضمان حرية الإبحار في الشبكة الدولية؟ تتجه الولايات المتحدة نحو مواجهة مع معظم دول العالم الأخرى بشأن السيطرة على شبكة الإنترنت إلا أن قلة تتوقع الوصول إلى إجماع في قمة الأمم المتحدة التي تُعقد في تونس الأربعاء.

[تقرير مسجل]

آثار الاحتكار الأميركي لشبكة الإنترنت

مكي هلال: من جنيف إلى تونس تتنقل قمة مجتمع المعلومات مثقلة بقضايا مهمة مثل حرية انسياب المعلومات ومستقبل التحكم بالإنترنت وما يسمى بالفجوة الرقمية بين الشعوب، إلا أن القضية التي يُنتظر أن تشغل جلسات المشاركين في قمة تونس هي التحكم في الإنترنت وأحقية الولايات المتحدة باحتكاره، ولدت الإنترنت في الولايات المتحدة كمشروع نفذه البنتاغون في الستينات بالتعاون مع عدد من الجامعات الأميركية وبوصفها بلد المنشأ لهذه الشبكة تُصر الولايات المتحدة على احتكار السيطرة على النظام الذي يوفّق بين أسماء المواقع والعناوين الرقمية التي تعمل على أساسها أجهزة الكومبيوتر وتسمى المؤسسة التي تشرف على الإنترنت مجلس إدارة شبكة الإنترنت وتعرف اختصارا بـ (ICANN) ومقرها بلوس أنجلوس وهي مؤسسة خاصة بغايات غير ربحية ويُسيّر المجلس الشبكة من خلال ثلاثة عشر موزِعا هي عبارة عن كمبيوترات ضخمة يوجد عشرة منها في الولايات المتحدة وثلاثة بأوروبا وواحدا باليابان ويرتبط المجلس بعقد عمل مع وزارة التجارة الأميركية ينتهي بنهاية 2006 وهو ما دفع بعض الأصوات إلى المطالبة برفع القبضة الأميركية عن الشبكة، فدوّل مثل جنوب أفريقيا والصين وإيران والبرازيل تطالب بنقل هذه السيطرة من الولايات المتحدة إلى الأمم المتحدة أو بعض المنظمات الدولية الأخرى، أصوات دعمتها انتقادات بعض الدول الأوروبية مؤخرا للسيطرة الأميركية، بل إن البعض هدد بخلق مؤسساته الخاصة لتسيير الشبكة والتحكم بها وهو ما يهدد بتشظي الشبكة العالمية وقلة فاعليتها، التكتل المعارض للتفرد الأميركي بخيوط الشبكة العالمية بدأ يظهر مع قمة جنيف الأولى منذ سنتين ويُرجح أن يدفع هذا التكتل بموضوع تسجيل المواقع الإلكترونية وسيطرة شركات خاصة أميركية عليها إلى الواجهة في قمة تونس.

محمد كريشان: ومعنا في هذه الحلقة من القاهرة الدكتور عبد المنعم سعيد مدير مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية وفي الأستوديو محمد تكريتي خبير أنظمة الكومبيوتر، سيد تكريتي الولايات المتحدة تعتقد بأنها شرطي الإنترنت في العالم هو الذي يتحكم في هذه الشبكة ويديرها تقريبا منفردا، هل هذه هي أكبر إشكالية الآن تواجه عالم الإنترنت؟

محمد تكريتي- خبير أنظمة الكمبيوتر: بعض الدول ترى ذلك، بعض الدول التي تنزعج من تحكم أميركا الكامل في البنية التحتية للإنترنت ترى أن هذا الأمر يجب أن يعطى أولوية في قمة تونس وأن يتم حسم الموضوع لصالح أن تسحب.. يسحب أكبر قدر ممكن من هذا التحكم بالإنترنت ويعطي لنوع من الكيان الدولي بدل من أن تنفرد به أميركا.

محمد كريشان: يعني ربما قلة من الناس تعرف أن كل هذا العالم الغريب.. شبكة الإنترنت تتحكم فيه الولايات المتحدة، ما الذي يجعل ذلك محل النقد إذا كانت الولايات المتحدة تُسيير هذا الأمر بشكل طبيعي وسلس يعني؟

"
تاريخيا الولايات المتحدة هي التي طورت شبكة الإنترنت ولهذا السبب التاريخي بقيت سيطرة أميركا على الإنترنت قائمة حتى اليوم، لكن البعض يرى بأنه يجب أن لا ننظر إلى الماضي بل يجب أن ننظر إلى المستقبل، يجب أن لا تبقى دولة واحدة في العالم تتحكم في الإنترنت
"
محمد تكريتي
محمد تكريتي: تاريخيا الولايات المتحدة هي التي طورت شبكة الإنترنت ولهذا السبب التاريخي بقيت سيطرة أميركا على الإنترنت قائمة حتى اليوم، لكن البعض يرى بأننا يجب أن لا ننظر إلى الماضي بل يجب أن ننظر إلى المستقبل، يجب أن لا تبقى دولة واحدة في العالم تتحكم في الإنترنت لأن هذا يعني بأن ما يسمى بحكومة الإنترنت أو الإنترنت (Governments) يتم إبقاءه في يد سلطة منفردة وهذا خطير لأن الإنترنت أصبحت ليس شيئا كماليا بل شيئا حياتيا ضروريا لك الشعوب.

محمد كريشان: ولكن عفوا عندما نقول واشنطن تتحكم في الإنترنت، ما الذي يعنيه ذلك بالضبط؟

محمد تكريتي: هذا يعني مجموعة من الأشياء معظمها تقنية، يعني التحكم الأميركي في الإنترنت هو تحكم تقني أكثر منه تحكم سياسي، ما نقصد بذلك هو أن هناك مجموعة من الأمور التي يمكن أن نعتبرها هي جوهر الإنترنت، مثل ما يسمى بالخادمات الجذرية (Root Servers) هي الخادمات التي يمر عن طريقها كل مستخدم من مستخدمي الإنترنت، ليصل إلى أي موقع من المواقع في أي مكان في العالم يمر عن طريق الخادمات الجذرية، هذه الخادمات تتحكم فيها الولايات المتحدة، قضية تسجيل أسماء ما يسمى بالنطاقات أو (Domain names) (www.) كذا (.com) أو (.net) هذه تتحكم فيها أيضا الحكومة الأميركية.

محمد كريشان: هي التي تقول هذا مسجل أو غير مسجل (Ok) أو غير (Ok)؟

محمد تكريتي: نعم وتقوم بهذا عن طريق بعض المؤسسات غير الربحية داخل أميركا مثل الـ(ICANN) التي ذُكرت في التقرير، هي ليست منظمة حكومية لكن هي منظمة مقرها في أميركا وتخضع للقانون الأميركي فبالتالي هذا تحكّم غير مباشر في تسمية أسماء النطاقات، أيضا وضع بروتوكولات الإنترنت، تسيير إدارة هذه البروتوكولات.. يعني كل إدارة البنية التحتية للإنترنت يتم حاليا عن طريق الولايات المتحدة الأميركية.

محمد كريشان: نعم، دكتور عبد المنعم سعيد في القاهرة عندما نتحدث عن هذه السيطرة الأميركية على شبكة الإنترنت هل الموضوع مُسيّس أم فعلا على الصعيد التقني والعلمي هناك إشكال في أن تسيطر دولة واحدة على كل هذه الشبكة العالمية؟

عبد المنعم سعيد- مدير مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية: يعني الموضوع له جانبه الاقتصادي وجانبه السياسي وجانبه أيضا التقني بلا شك، التقني تم عرضه بالفعل من حيث النشأة ويضاف إليه التجهيزات العالمية المرتبطة بالشبكة مثل شبكة الأقمار الصناعية، اللغة المستخدمة في الإنترنت وهي اللغة الإنجليزية بالأساس، إنما الجانب الاقتصادي الأساسي في الموضوع هو الثِقّل الأميركي داخل الشبكة.. يعني عندما يكون لديك شبكة تَستخدم منها الولايات المتحدة مساحة كبيرة من الاستخدام هذا يعطيها إلى جانب الإمكانيات رغبة في ألا تُفرّط في عملية السيطرة الموجودة فيها هذا أمر لا يندرج فقط فيما يتعلق بموضوع..

محمد كريشان [مقاطعاً]: يعني هل.. عفوا دكتور.. يعني عفوا، هي تستخدم هذا الكم الهائل لأنها هي مَن يتحكّم في الحنفية إن صح التعبير أم لأن مكانتها العالمية تفترض ذلك وبالتالي الأمر طبيعي؟

عبد المنعم سعيد [متابعاً]: هي مكانتها العالمية لكن الأهم مكانتها داخل شبكة الإنترنت نفسها، نفس الأمر يرتبط بموضوع الطائرات، لأن الولايات المتحدة تستخدم طائرات كثيرة أصبحت هيئة الطيران الأميركية هي المرجع الرئيسي في كثير من الأمور المُنظِمة لعالم الطيران في العالم، ينطبق الأمر على أمور تتعلق الآن بالخلاف في اتفاقية (Kyoto) لأن والولايات المتحدة اعترضت على بعض الأمور المتعلقة بقوانين البيئة، المسألة الرئيسية في الموضوع كله أن الولايات المتحدة لديها ناتج قومي إجمالي في حدود 25% من الإنتاج العالمي في بعض الأحوال بيصل إلى 30%، هذا الثِقّل الاقتصادي الرهيب في جميع المجالات من الإنترنت للبيئة للأمور الاقتصادية للبنوك العالمية لقيمة الدولار في العالم صعودا وهبوطا بيجعل للولايات المتحدة أولا قيمة تفاوضية كبيرة في تنظيم مثل هذه الأمور على مستوى العالم، الجانب الثاني للموضوع.. فيه جانب أيضا أيدلوجي لأن هناك خوف في الولايات المتحدة من إشراك دول كثيرة أخرى بالذات من بعض دول العالم الثالث التي لا تتيح حريات كافية بالنسبة لشبكة الإنترنت وبالتالي فإن الرغبة في المشاركة كثيرا ما تُستخدم في الحقيقة لتقييد عملية استخدام الإنترنت على مستوى العالم لأسباب مختلفة بعضها أخلاقي وبعضها ديني.

محمد كريشان: موضوع التحكم في الإبحار سنبحثه لاحقا ولكن لو سمحت لي أعيد صياغة سؤالي الأول بطريقة مختلفة، هل هذا الاعتراض على التحكم الأميركي هو جزء من مزاج عالمي متحفظ على الهيمنة الأميركية بمعنى لو كانت ألمانيا هي التي مسيطرة على هذا الـ (System) الكامل هل كان ربما نشهد هذه التحفظات؟

عبد المنعم سعيد: يعني ربما تكون أقل، بالتأكيد فإن وجود الولايات المتحدة بهذا الشكل يجعل الموقف منها أكثر تصادمية لأنه لم يُحدث في الحقيقة في التاريخ لإمبراطورية أن تحكمت في عُقدة أمور اقتصادية واتصالية وثقافية كبيرة كما تفعل الولايات المتحدة، خاصة مع سلوكياتها الأخرى وامتدادتها العسكرية على مستوى العالم، بالتأكيد هناك ما يُقلق بهذا الانفراد العالمي في مجالات مختلفة بالنسبة للولايات المتحدة ويجعل رد الفعل تجاهها يتميز بدرجة أعلى من الحساسية إذا كان الموضوع موجود بالنسبة لدولة أخرى.

محمد كريشان: نعم سيد محمد تكريتي إذا قَبِلنا بوصف شرطي الإنترنت، هذا الشرطي إذا كان شرطيا ديمقراطيا ويُسيّر حركة السير بشكل لا إقصاء فيه ولا ممانعة.. يعني مثلا من بين مَن يشارك في شبكة الإنترنت حتى تنظيمات معادية للولايات المتحدة، لم نسمع مثلا أن الولايات المتحدة أقفلت موقع شبكة القاعدة أو أبو مصعب الزرقاوي أو هذا الموقع أو ذاك، إذاً على ما يروج الآن لا تمارس دورا إقصائي على ما يبدو؟

محمد تكريتي: هذا الكلام بحاجة إلى تمحيص.

محمد كريشان: كيف؟

محمد تكريتي: تقوم الولايات المتحدة بإغلاق الكثير من المواقع داخل الولايات المتحدة وخارجها..

محمد كريشان [مقاطعاً]: لاعتبارات سياسية أم إباحية، بعضها ربما تكون مواضيع جنس أو غيرها، هذا لا غبار عليه.

محمد تكريتي [متابعاً]: هذا مُفرغ منه، هذا يَتفق عليه العالم أجمع، لكن هناك مثلا فيه بعض الأمور أيدلوجية مثل النازيين الجدد، لا يسمح لهم بالتعبير عن آراءهم بشكل كامل على الإنترنت..

محمد كريشان: غريب النازيين الجدد والقاعدة لا يمانعون.. يعني كيف يمكن أن نفهم؟

محمد تكريتي: لا، يمانعون طبعا، هناك كثير من المحاولات..

محمد كريشان: ومع ذلك هناك الجماعة نشطة في مجال الإنترنت، إذا كانت الولايات المتحدة هي التي تتحكم فمن باب أولى أن تُسكت هؤلاء قبل أن تُسكت غيرهم.

محمد تكريتي: هذا صحيح وهذا ما تفعله الولايات المتحدة بشكل مستمر، هناك نوع من المطاردة المستمرة ما بين المواقع التي تظهر فجأة على الإنترنت تحت اسم.. مسمى جديد، خلال أحيانا ساعات، أحيانا خلال أيام قليلة يُغلَق الموقع وتفتح مواقع أخرى غير معروفة، فلذلك نرى أن هناك دوافع سياسية وراء الموضوع، أيضا هناك أمور استخبراتية، البعض يقلق من أن هيمنة أميركا على الإنترنت تعطي نوع من الاستغلال الاستخبراتي للإنترنت يعني..

محمد كريشان: هل هي تستفيد من هذه الشبكة المعلوماتية لأغراض مختلفة.. يعني بنك المعلومات لديها؟

محمد تكريتي: نعم بنك المعلومات لديها..

محمد كريشان: لكن بنك المعلومات متاح للجميع بإمكانك أنت الآن في الدوحة أن تدخل على أي موقع.. بالطبع هناك في الدوحة مواقع محظورة مثل باقي الدول العربية ولكن عموما بإمكانك أن تدخل على أي موقع.

محمد تكريتي: أنا لا أتكلم الآن عن حظر المواقع، أنا أتكلم عن المعلومات التي تستطيع أن تجمعها الحكومة الأميركية عنى وعنك وعن استخدامنا للإنترنت وأي (Sesrch engine) نستخدمه وماذا نبحث عنه وعلى ماذا نختار من المواقع التي نجدها في (Sesrch engine) وما يسمى بـ (Click stream) يعني كل إبحاري عن طريق الإنترنت تستطيع.. والـ(E-mail) تبعي والمراسلات الشخصية تستطيع الولايات المتحدة وخاصة في التشريعات التي صدرت بعد 11 سبتمبر و(Patriot act) لديها الحق في أن تستخلص أي معلومة من أي شركة.. شركة خدمات إنترنت دون إخطار الشخص الذي يُتحرى عنه، يعني أنا وأنت لا نعلم بأننا يتم تحري استخدامنا لإنترنت وهذا أحد التخوفات الإضافية.

محمد كريشان: نعم، دكتور عبد المنعم سعيد من بين الدوّل التي أبدت تحفظها على هذه الاحتكار الأميركي.. جنوب إفريقيا، الصين، مصر، البرازيل، إيران، دوّل الاتحاد الأوروبي، هل يمكن أن نضمن أنه إذا كُسِر هذا الاحتكار ستكون هذه الدول أكثر رفقا وانفتاحا وشفافية مما يجري الآن مثلا؟

عبد المنعم سعيد: يعني هو جرت العادة ضمن مجموعة من الدول بالذات مثل الصين وجنوب أفريقيا ومصر التي من المعروف عنها أنها لها موقف في المنظمات الدولية ساعي دائما لإبداء رأي مستقل للعالم الثالث بشكل عام أن تُبدي مثل هذه الآراء، أنا شخصيا لم أتطلع على مبررات الموقف المصري من هذا الموضوع، لكن الموقف الأساسي المصري وغيره يسعى إلى نوع من دمقرطة العلاقات الدولية، يعني همّ سوف يقفوا ضد أي نوعية من نوعيات الاحتكار ويُنظر إلى الأمم المتحدة وإنشاء لجنة فيها للإشراف على عملية تسجيل المواقع على أنه هو نوع من عودة مسألة كونية إلى المجتمع الدولي ككل وليس في داخل دولة وحيدة وهي الولايات المتحدة الأميركية، فهنا هو يعني جزء من اتجاه عام لدمقرطة العلاقات الدولية كما يقال، بينما يوجد منحة متزايدة لدى الولايات المتحدة أن تتصرف تصرفا منفردا وبالذات في المساحات التي يوجد لديها ثِقل رئيسي يجعلها.. يعني تتمتع بالفعل بدرجة من درجات الاحتكار لمجال بعينه، ممارسات الولايات المتحدة في هذا الموضوع مسألة يمكن أن تناقش، لا يوجد ما يقطع بأنه في حالة سيطرة الأمم المتحدة على هذا الموضوع سوف تكون مساحة حرية المتاحة للعالم أقل أو أزيّد، نحن إيذاء ظاهرة جديدة تماما في العالم ويسعى العالم إلى تقنينها ومؤسساتها بطريقة تتيح بالفعل لجميع الأطراف أن تعبر عن نفسها.

محمد كريشان: لهذا دكتور البعض يعتقد بأن الإشكال ليس في احتكار الولايات المتحدة لشبكة الإنترنت وإنما مدى الحرية في الإبحار على هذه الشبكة، هذه النقطة سنبحثها بعد الفاصل، نرجو أن تبقوا معنا.


[فاصل إعلاني]

قمة تونس وحرية الإبحار في الشبكة الدولية

محمد كريشان: أهلا بكم من جديد وحلقتنا اليوم تتناول قضية التحكّم في شبكة المعلومات العالمية الإنترنت والجدل في شأن قدرة قمة المعلومات في تونس على معالجة هذه القضية، سيد محمد تكريتي على افتراض أن هذا الاحتكار الأميركي إما انتهى مع نهاية سبتمبر 2006 مع العقد الذي يربط شركة (ICANN) بوزارة التجارة أو على افتراض أن هذا الاحتكار على الأقل خفف منه، هل يمكن أن نضمن إدارة أكثر شفافية.. يعني كثيرون يعتقدون بأن الإشكال ليس في هذا الاحتكار الأميركي وإنما في ما تمارسه دول كثيرة على المواقع من حجب خاصة لاعتبارات سياسية؟

محمد تكريتي: صحيح هذه نقطة مهمة والحقيقة المشاركين في قمة المجتمع المعلوماتية هم ليسوا فقط من الوفود الحكومية بل أيضا هم من كثير من الجمعيات والمؤسسات غير الحكومية ومؤسسات حقوق الإنسان وفي هذه القمة تتصارع مختلف الاتجاهات التي استحضر القمة، فيه حوالي 17 ألف إنسان سيحضر هذه القمة، منهم مجموعات كبيرة من المنظمات غير الحكومية تريد أن تدفع بأجندتها في هذه القمة وأجندتها تتركز في حماية حقوق الإنسان في فتح شبكات الإنترنت أمام الناس من مختلف أنحاء العالم، إيقاف الرقابة، بل إنزال عقوبات بالدول التي تفرض رقابة على الإنترنت وتدعوا إلى جوانب أخرى مهمة في قضية الإنترنت، هي مثلا إطلاق سراح ما يسمى بسجناء الإنترنت، سجناء الإنترنت هم الناس الذين تسجنهم حكوماتهم إما لأنهم يتحدثون على الإنترنت بطريقة لا تُعجب حكوماتهم أو لأنهم يدخلون إلى مواقع تعتبرها حكوماتهم مواقع معادية.

محمد كريشان: يعني بعضهم سجن فقط لأنه دخل على موقع معين وطبع وثيقة معينة أو أرسل بها إلى صديق؟

محمد تكريتي: صحيح.

محمد كريشان: من بين الانتقادات الشديدة التي توجهها منظمات غير الحكومية إلى تونس باعتبارها الدولة التي تحتضن هذه القمة ولكن المسألة ليست متوقفة على تونس فقط، أغلب الدول العربية تمارس رقابة سياسية وأخلاقية على الإنترنت، هل تتوقع بأن هذا الموضوع هو الذي سيستحوذ على التركيز أكثر من الاحتكار الأميركي لأن الاحتكار الأميركي لحد الآن على الأقل ليس هو المُشكل الفوري؟

محمد تكريتي: هو هذا لا شك الموضوع هو مستحوذ على تركيز كما قلنا المنظمات غير الحكومية، الحكومات بالطبع ستتهرب، معظم الحكومات ستحاول أن تركز على الأجندة الأصلية للقمة والتي أنشئت من أجلها القمة، ألا وهي في الأصل هدف القمة هو ردم ما يسمى بالهوة الرقمية ما بين العالم الفقير والعالم الغني، فستحاول حكومات العالم الثالث على أن تركز بالإضافة إلى التركيز على قضية حوكمة الإنترنت وتحكم أميركا فيها.. ستركز على إنشاء ما سمي بصندوق التكافل الرقمي والذي يسمح بتوزيع عدد كبير من أجهزة الحاسوب على البلاد الفقيرة ودوّل العالم الثالث كما قلنا على الفجوة.. ردم الفجوة الرقمية، على محاولة النهوض بالعالم الثالث ليستفيد من تقنيات الإنترنت، أما المنظمات غير الحكومية فستركز على هذا الموضوع سجناء الرأي، موضوع انتقادها لاستضافة القمة في تونس، حتى البعض وصل إلى مرحلة تشبيه عقد القمة في تونس على أنها مثل عقد مؤتمر للبيئة في مصنع طاقة نووية، إن هذا الأمر لا يتناسب ولذلك هناك دعوات للحكومة التونسية وكل حكومات العالم الثالث بتخفيف الرقابة على الإنترنت لأن هذه الرقابة تعوّق قدرة المواطن في العالم الثالث من استغلال الإنترنت.

محمد كريشان: الدكتور عبد المنعم سعيد هل تتوقع بأن تكون قمة تونس القمة التي ستُرسي تقاليد أكثر انفتاح فيما يتعلق بحرية الإبحار؟ للتوضيح حرية الإبحار هي حرية الدخول إلى مواقع الإنترنت دون أن يخشى الإنسان من أن يُسجن أو يلاحق لأنه فعل ذلك، هل نتوقع ذلك من تونس أو من قمة تونس بالأحرى؟

"
المشكلة سوف تكون في التوازن ما بين الداعين إلى بعض التقييد لتوقي الإرهاب وأمور لا أخلاقية وأحيانا لتوقي الحريات السياسية الموجودة، وبين الاتجاه الليبرالي الذي يرى أن شبكة الإنترنت أحد الأدوات الممكنة لعبور فجوة التخلف
"
عبد المنعم سعيد
عبد المنعم سعيد: يعني نحن نعرف أن مثل هذا المؤتمر يسعى في جزء منه إلى مسألة زيادة مساحة المعرفة في العالم وبالتالي قضية الحرية سوف تكون مطروحة، المشكلة سوف تكون في التوازن ما بين الداعين إلى بعض التقييد لتوقّي الإرهاب، لتوقّي أمور لا أخلاقية وأحيانا لتوقّي الحريات السياسية الموجودة وبين الاتجاه الليبرالي الذي يرى أن شبكة الإنترنت أعطت للعالم طاقات كبيرة جدا في مجال اتساع الحرية والأهم من ذلك أنه أحد الأدوات الممكنة لعبور فجوة التخلف والتقدم الموجودة بين دول العالم الثالث والدول المتقدمة، كما حدث في كل ثورة صناعية سابقة الفجوة زادت بين المتقدمين والمتخلفين وهناك رغبة في هذه القمة العالمية أن تُستخدم التكنولوجيا لعبور هذه الفجوة، هذه التكنولوجية لا يمكن أن تحقق هذا الهدف ما لم تكن.. يعني مرتبطة ارتباطا وثيقا بحرية استخدامها وكلما زادت القيود على استخدامها في بلد من البلاد فإن ذلك من ناحية هو دلالة.. يعني فاضحة على القهر الموجود، لكن الأهم من ذلك أنها بتمثل إرجاء لعملية التقدم بالنسبة لهذا البلد وعدم اللحاق بالعالم كما هو فيه، هذه موضوعات سوف تطرح على القمة..

محمد كريشان [مقاطعاً]: ولكن عفوا.. يعني عفوا دكتور، موضوع حرية الإبحار يجعلنا نعود من جديد إلى موضوع الاحتكار الأميركي، بمعنى الولايات المتحدة من بين الأسباب التي تبرر بها بأننا والله إذا تركنا الإنترنت لأطراف أخرى أو للأمم المتحدة فقد نفتح المجال أكثر لرقابة أكثر صرامة على مضمون الإنترنت، هل هذا وارد خاصة إذا عُهد بالأمر إلى الأمم المتحدة وتوازناتها بين الدول والحساسيات المعروفة؟

عبد المنعم سعيد [متابعاً]: يعني أنا أتوقع أنه هذا الموضوع لن يلقى الأهمية التي يتصورها الناس، الموضوع سوف يركز على نقل الخبرة، المعونات، الكمبيوتر، القانون العالمي هو إذا كانت هناك دول تستطيع أن تستقل بتسجيل الإنترنت لكان ذلك قد حدث منذ وقت طويل، يعني القانون الاقتصادي يقول أنه لم يكن ممكنا أن تطلع قناة الجزيرة في مواجهة الـ(C.N.N) لولا أن البعض استطاع أن يقوم بقناة الجزيرة ويطرحها على الإعلام العالمي والدولي، هنا الأساس في الموضوع هل تُوجد قدرة أم لا تُوجد قدرة؟ أنا أرى أن هناك شكوك قوية على وجود قدرة لمنافسة الولايات المتحدة في هذه المرحلة وعندما تحدث أعتقد أن مفاوضات جديدة وبشكل مختلف سوف تكون على مستوى العالم.

محمد كريشان: نعم، سيد تكريتي ما تمارسه الحكومات العربية من رقابة سياسية على مواقع الإنترنت خاصة لاعتبارات سياسية وتجاه أطراف المعارضة، قمة مثل قمة تونس وهذا الجدل العلني حول الرقابة الذي كان ربما يمارَس بشكل شبه سري لا أحد يعلم به بالضبط ولكن القمة سلطت الضوء على الجميع، هل يجعل دول العالم الثالث والدول العربية تحديدا أكثر تحسسا لضرورة ضمان حرية الإبحار برأيك؟

محمد تكريتي: نحن نرجو ذلك، للأسف أن الكثير من المراقبين غير متفائلين بأن قمة تونس سينتج عنها أي إنجازات على أرض الواقع، قمة جنيف قبل عامين لم يَنتج عنها أي إنجازات على أرض الواقع، تتم تداولات وأوراق وبيانات ختامية، لا يحدث شيء على أرض الواقع حتى الآن من هذه القمم، نحن.. يعني نرى بأن الحكومات العربية بدأت تستوعب أهمية التعامل مع الإنترنت على أنها أمر واقع ولابد من التعايش معه ولابد من إعطاءه دوره في تشكيل صيغة المجتمع الجديد لأنه.. يعني الجميع يرى بأنه لا يمكن لأحد أن يقف في وجه الإنترنت.

محمد كريشان: هل نحن الآن باختصار أمام نفس الجدل الذي جرى في منتصف السبعينات فيما يتعلق بالنظام العالمي الإعلامي الجديد وتدفُق برقيات وكالات الأنباء؟ الآن أصبح نفس النقاش ولكن الإطار تغيّر وهو الإنترنت.

محمد تكريتي: تغيّر الإطار وتغير شيء أهم من الإطار وهو أن طبيعة الإنترنت هو وسط أكثر ديمقراطية بطبيعته، لأن الجميع يستطيع أن يساهم فيه وليس مثل أنظمة الإعلام القديمة والتي تحتاج إلى مؤسسات كبرى من أجل أن تصل بالصوت إلى المشاهد.

محمد كريشان: شكرا لك سيد محمد تكريتي الخبير في الأنظمة أنظمة الكمبيوتر، أيضا شكرا لضيفنا من القاهرة الدكتور عبد المنعم سعيد مدير مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية، بهذا نصل إلى نهاية هذه الحلقة، بإمكانكم كالعادة المساهمة في اختيار مواضيع الحلقات المقبلة، ننتظر التعليقات والمقترحات على عنوان برنامجنا الإلكتروني indepth@aljazeera.net، غدا بإذن الله قراءة جديدة في ما وراء خبر جديد، في أمان الله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة