رشيدة مأخوذ   
الأربعاء 1429/1/29 هـ - الموافق 6/2/2008 م (آخر تحديث) الساعة 16:13 (مكة المكرمة)، 13:13 (غرينتش)

- درويشة مغربية في هولندا
- مستشارة قانونية في عمل إنساني
- البحث عن دفء المغرب في ثلج حرية هولندا

رشيدة مأخوذ

درويشة مغربية في هولندا

رشيدة مأخوذ: اسمي رشيدة وأسكن في هولندا بألمير وحينما صرت في السادسة من عمري جاء بنا والدي إلى هنا في إطار تجميع شمل العائلة. كل ما أذكره من السنوات التي أمضيتها في المغرب هو أننا كنا نعلب في الخارج مع العائلة وهناك أعمامي وعماتي، حينما أتينا إلى هولندا وكنت في السادسة من عمري وكان ذلك في السبعينيات حين بدأ الكثير من المغاربة يأتون إلى هولندا ذهب إلى المدرسة حيث أغلب التلاميذ هولنديون ولم يكن هناك إلا القليل من المهاجرين وليس كما هو الحال اليوم. كنت آنذاك لا أجيد اللغة الهولندية لأنني عشت سنواتي الأولى في المغرب، وأذكر حدثا واحدا كانت أمي ترافقنا إلى المدرسة حين أتت سيدة هولندية وأخبرت أمي بأن الحكومة الهولندية ستعيد كل المهاجرين المغاربة إلى بلادهم وبأننا لن نستطيع البقاء هنا، لم تفهم والدتي ما قالته السيدة، فقط كانت تجيبها بنعم، أنا فهمت كل الكلام لكني لم أرد عليها وبقيت أفكر فيما قالته السيدة ومدى صحته... في عام 1975 كانوا يفكرون فعلا في إعادة المهاجرين إلى المغرب، رغم ذلك فأنا أظن أن ذاك الوقت كان أفضل من الوقت الحالي فمثلا كان الجيران يزوروننا ويساعدوننا، وكانت لدينا جارة هولندية نرافقها دوما للتسوق وإلى محلات البقالة، حتى أنها كانت ترافقنا للطبيب، فقد كان والدي يعمل طوال اليوم وبالليل كذلك ولم يكن له سوى يوم السبت للتسوق ويوم الأحد للراحة. وحينما أصبحت أذهب إلى المدرسة حيث كان يدرس الهولنديون فقط ولم يكن هناك الكثير من المغاربة كنا وجوها جديدة بالنسبة للهولنديين ليس كما هو الحال اليوم حيث يوجد العديد من المهاجرين. كنت غالبا مع الهولنديين في كل المدارس التي درست بها، وأخيرا التحقت بالمدرسة العليا ديمنهاوشخو لكي أصبح ممرضة. فكرت بالمهاجرين حين يزورون الطبيب وهم لا يتكلمون ولا يفهمون اللغة الهولندية وأنا قادرة على مساعدتهم فهم سيجدون شخصا يساعدهم ويفهم لغتهم ومن بلدهم، ومن هنا قررت عمل شيء لمساعدة هؤلاء الناس وهكذا اخترت أن أكون ممرضة، ولما انتهيت من المدرسة حيث كان الهولنديون فقط وحينما يرون مهاجرة يظنون أنها لا تتكلم اللغة وبالتالي لن تنجح أنا أريد أن أبرهن لهم العكس، أردت أن أقول للهولنديين الذين يظنون أن المهاجرين فاشلون في دراستهم إن هذا ليس صحيحا وإن المهاجر كذلك قادر على النجاح، فبعد حصولي على الدبلوم اشتغلت بالآيهابيبوس حيث يتم استقبال المرضى المستعجلين وتتم مساعدتهم دون أن يحتاجوا اللجوء إلى المستشفى، وبعدها عملت في المؤسسة الهولندية للهجرة حيث ما زلت أعمل حتى اليوم.

المعلق: يصفها المغاربة المتعاملون معها بأنها درويشة، أي أنها طيبة القلب وتراعي ربها في تعاملها معهم. ورشيدة مأخوذ تحرص على أن تستحق لقبها سواء في مدينة أوترخت حيث تعمل مستشارة قانونية في إدارة الهجرة التابعة لوزارة العدل الهولندية، أو في مدينة ألمير حيث تعيش مع أسرتها الصغيرة وتحافظ بشدة على المذاق المغربي في كل تفاصيل حياتها. منذ وصولها هولندا الجميلة وهي في أول طفولتها وبداية تفتح وعيها أدركت أن عليها أن تبذل مجهودا هو ضعف ما تبذله طفلة مغربية في المغرب أو هولندية في هولندا، علينا أن تتقن الهولندية تلك اللغة الصعبة لتكون لسانا لأبيها العامل المنهك وأمها التي لم تكن تملك إلا ابتسامتها الطيبة حينما تهددها امرأة هولندية في قلب السوق بأن السلطات قررت ترحيلها وأسرتها، وعليها أن تجعل من عملها الآن وسيلة لمساعدة شبيهات أمها وأشباه أبيها من المغاربة الذين يريدون أن لا يختتموا أعمارهم في الشمال البارد، هي تساعدهم على العودة لشمس المغرب بكرامة.

زوج رشيدة: تعرفت على رشيدة كان عمري تقريبا 28 سنة، تعرفت عليها هنا في هولندا وفي الحقيقة أنا كان اختياري الزواج مع رشيدة، مش زواج مدبر من العائلة، لا أنا حتى الوالدة والوالد يقول لي أنت تدبر المرأة اللي تواليك، اللي تجي معاك وتتزوجوا، نحن ما نتحملوش المسؤولية دي فاهم. في هذا دامت قرابة 17 سنة وأنا متزوج مع رشيدة. في الأول لما تزوجنا كانت ما تزال تدرس، وأنا خليتها وكان شرط، قلت لها حتى تكملي الدراسة ديالك، نتزوجون وتكملي الدراسة ديالك ومن بعدها تبغين تبقي في المنزل ولا تمشي للشغل، أنا مش مشكلة، أنا أعطيتها هي الاختيار، تبقى في الدار ولا تشتغل وهي اختارت بش تشتغل، قلت لها اشتغلي، وبالنسة لي أنا أحسن لو أن المرأة تشتغل بالناحية المادية بتساعدني شوي، لأن الحياة هنا صعبة، كما يقولوا بالعامية المغربية يد واحده ما تصفق.

رشيدة مأخوذ: تزوجنا سنة 1993 وبعد مرور حوالي خمس سنوات أنجبت طفلي الأول سفيان ثم أنجبت طفلي الثاني أنيس بعد سفيان بثلاث سنوات، بعدها قررت الاكتفاء بطفلين لكننا أنجبنا لينا سنة 2005 وهي الصغرى. بدأت العمل ولم يكن لدينا أطفال حينها، فلم تكن هناك مشكلة بخصوص عملي، كان لدي الوقت الكافي لكن بعد أن جاء سفيان أصبح الأمر صعبا بعض الشيء، فقد كان علي أن أصحو مبكرا لإطعامه وتغيير ملابسه وغير ذلك قبل أن أذهب إلى عملي، الشهور الأولى كان صعبة لكن اليوم رغم أن لدي ثلاثة أطفال فقد اعتدت ترتيب الأمور وأن أوفق بين عملي وبيتي، المرأة اليوم أصبحت تعمل في البيت وخارج البيت وليست كالرجل فهو لا يستطيع القيام بكل المسؤوليات داخل البيت كالمرأة فهي التي تستطيع التوفيق بين بيتها وعملها.


[فاصل إعلاني]

مستشارة قانونية في عمل إنساني

رشيدة مأخوذ: نحن هنا في المؤسسة الهولندية للهجرة بأوترخت، والمؤسسة الهولندية للهجرة هي التي تقدم المعلومات الخاصة بقانون العودة الهولندي. ويعتبر هذا المكتب الرئيسي وأنا أعمل هنا على مستوى أوترخت وأمستردام وأقدم المعلومات الخاصة بهذا القانون، في أغلب الأحيان أقدم المعلومات للمغاربة لأننا هنا في المؤسسة نستقبل الأشخاص حسب لغاتهم، فنحن نحاول توفير المعلومات بلغاتهم لأن موضوع العودة ومن يرغب في الرجوع إلى بلده يعتبر موضوعا مهما وعليه أن يفكر جيدا قبل تقديم الطلب واتخاذ القرار.

مهاجر مغربي: أردت العودة للمغرب لأنني أعيش هنا بمفردي ومنذ خمسة عشرة سنة لم أعمل، كما أن كل أسرتي توجد في المغرب وأنا مريض ولا أستطيع العيش وحدي، إضافة إلى ذلك أنا عجوز ولا أعلم ما الذي قد يحدث، العودة أمر ضروري بالنسبة لي. والله السيدة رشيدة تقوم بواجبها وتقوم بعملها على أحسن وجه، فكما نقول بالمغربية هي درويشة أي أنها تهتم بعملها.

رشيدة مأخوذ: هنا يعمل تسعة عشر شخصا كلهم يتكلمون لغة بلدهم الأصلية، فهناك من يتكلم اللغة العربية أو البربرية أو الفرنسية أو البوسنية، يمكننا التواصل مع أغلب الجنسيات التي تود العودة، يوجد لدينا الأشخاص الذين يتكلمون لغاتها، لأنه بالنسبة لنا من يريد العودة عبر قانون العودة من حقه على أن يكون على علم بكل ما سيجري، كما نوفر له المعلومات لكي يفكر مليا حينما نتكلم مع الشخص بلغته فهو يستفيد أفضل مما إذا تكلمنا معه باللغة الهولندية.

المعلق: يمكن النظر لقانون العودة الهولندي من زاويتين، هناك من يراه دليلا على التحضر الإنساني لهولندا التي تتيح للمهاجرين إليها تقاعدا مدفوع الأجر في أوطانهم إن شاؤوا، ولكن هناك من يرى فيه تجنيا خبيثا لعنصر يود أن يطرد كل من يختلف عنه خارج حدود دولة الرفاه الهولندية حتى لو اضطر لدفع معاشات مدى الحياة لهم. لكن لرشيدة رأيا ثالثا، الأم المغربية الشابة ترى أن من حق العجائز أن يفروا من برودة هولندا التي تكسر العظام إلى حرارة شمس الجنوب المحيية، ويا حبذا لو أن هولندا دفعت لهم رواتب أيضا.


البحث عن دفء المغرب في ثلج حرية هولندا

"
النساء اللاتي يعشن في المغرب أكثر تقدما من المغربيات اللاتي يعشن في هولندا نظرا لأن العائلات التي هاجرت في ستينيات القرن الماضي جاءت بعاداتها وتقاليدها وعلى هذا تربينا في مجتمع المهجر
"
رشيدة مأخوذ
رشيدة مأخوذ
: بالنسبة لامرأة مغربية تشتغل خارج البيت وداخله، في البداية عانيت بعض الصعوبات لكن اليوم كل شيء على ما يرام، أطفالي بخير وأستطيع أن أوفق بين عملي وبيتي. هنا أغلب الرجال المغاربة لا يرضون أن تشتغل زوجاتهم كما أن أغلب النساء لا يردن العمل فهن يفضلن تربية الأطفال في البيت، أنا ألاحظ أن النساء اللواتي يعشن بالمغرب أكثر تقدما من اللواتي يعشن هنا. فالأمهات اللاتي جئن إلى هولندا في الستينيات قمن بتربية بناتهن على أفكار تلك الفترة، حيث لا يسمح للمرأة أن تعمل ولكن يجب عليها الاكتفاء بتربية الأطفال، المرأة المغربية في هولندا مراقبة دوما من قبل المجتمع المغربي الموجود هنا وأرى أن عقلية المغاربة هنا أقل تقدما من عقلية المغاربة الذين يعيشون في المغرب. بالنسبة لي أنا أعيش كمغربية آخذ ما أجده جيدا في الثقافة الهولندية لكن مع المحافظة دوما على الجانب المغربي، أنا مغربية وسأبقى مغربية حسب ما تلقيته من والدي في التربية، وكذلك آخذ من التقاليد المغربية ما هو مفيد وأحاول تحسين ما هو أقل إفادة وسأربي أبنائي على نفس الأفكار وحين يكبرون آنذاك سيتبعون ما يرونه بأنفسهم صحيحا.

زوج رشيدة: أنا في الحقيقة راض 100% على الحياة التي عايشها الآن، لأن رشيدة استطاعت بش توافق ما بين الشغل بره وشغل البيت، وهي بشغلها كذلك عندها شغل كويس so إنساني، 50% ولا أكثر إنساني، بتساعد الناس بتساعد الأجانب اللي يبغوا يرجعوا إلى بلدهم العصري، ها هي كل مرة لما تساعد واحد تجي فرحانة للدار تقلك الآن أنا عندي شعور مرتاحة لأنني ساعدت واحد ورجع إلى بلده. رشيدة من لما جاءت إلى هولندا ما كانت تتكلم العربية، لكن بذلت مجهود لما تزوجنا بذلت مجهود كبير، تعلمت العربي الدارجة المغربية مش العربية الفصحى، لكن الدارجة المغربية، تعلمت والآن الحمد لله تتكلم، تتكلم معاي وتتكلم مع أطفالها، حتى بالنسبة مثلا للطبخ، فالأول ما كانت تعرف تطبخ لكن كتب حاولت بذلك مجهود، تعلمت من أهلي ومن أهلها والآن تطبخ تقريبا كل اللي بناكله كله، أكلنا مغربي 100%، حتى التأثيث المنزلي كله مغربي الحمد لله، لكن المهم وهو أننا ما خسناش ننسى تقاليدنا، إحنا مندمجين مع المجتمع الهولندي ok، لكن في البيت نبقى مغاربة عرب هذا هو اللي خسنا نحافظ عليه، ونعطيه ونعلمه لأولادنا لأنه حتى هم يعلموا أولادهم، وتقاليدنا تبقى دايما عايشة، التقاليد المغربية العربية دايما تبقى عايشة هذا هو المهم.

رشيدة مأخوذ: في المستقبل فأنا أود أن يتعلم أبنائي اللغة العربية، والداهما مغربيان ولغتهم هي العربية فعليهم تعلمها وإن بلغوا الثامنة عشرة فعليهم حينذاك مسؤولية الاختيار بين ما إذا كانوا سيكملون دراستها أم أنهم سيكتفون باللغة الهولندية، المهم بالنسبة لي أنني لم أتعلم اللغة العربية وأريد أن يتعلمها أولادي. هنا في سنة 2001 لاحظت أن المجتمع الهولندي تغير بعض الشيء تجاهنا، من قبل لم أكن أحس بأنني مهاجرة بل كنت أحس أنني أعيش في بلدي لكن بعد سنة 2001 بدأ الهولنديون حينما يلاحظون أن شعري أسود اللون يقولون لي إنك لست هولندية، تغيرت الأحوال وأصبح استقبالهم لنا مختلفا ولهذا فأنا أفكر أنني ربما سأعود يوما إلى المغرب لأنه بلدي كذلك، وحينذاك سيكون الأولاد قد كبروا وصاروا قادرين على الاختيار بين العيش في المغرب أو البقاء في هولند، لكن حاليا يعتبرون هولندا بلدهم ومن المؤكد أن أبنائي لن يجدوا صعوبة في الاندماج في المجتمع الهولندي حينما يكبرون. ما يعجبني في هولندا وما أحس به هو أنه يمكن التعبير بحرية هنا، أي أن لديك حرية التعبير وحرية التصرف دون أن يراقبك أحد وهذه النقطة مهمة، فلا يهم ما تلبسه وكيف تعيش حياتك فكل واحد مسؤول عما يفعله ليس كما هو الحال في المغرب، ليس هناك حرية تعبير كما أنه لا يمكن للمرأة أن تخرج أو أن تسافر بمفردها، على عكس الحال هنا، فأنا أحس بالحرية، بالنسبة لي فإن المجتمع هنا في هولندا يمنحني كل ما أعتبره عاديا في حياتي، أنا أقول ما شئت ويمكنني أن أخرج وقت ما شئت دون مشاكل.

المعلق: الأولاد الآن هم الهم الدائم، يحملون ثلاثة أسماء تنتمي كلها لجنوب المتوسط، سفيان وأنيس ولينا، انتقاها الأب الغيور التي لم تمنعه غيرته تلك من منح زوجته رشيدة مساحة خاصة أكثر مرونة قد لا تتاح لنظيراتها المغربيات في هولندا ربما لأنه يوقن أنها درويشة لا هم لها طوال يوم عملها إلا أن تساعد المغاربة المسنين على العودة لمسقط الرأس بعيدا عن النظرات التي صارت مقتحمة لكل ذي شعر أسود في شوارع هولندا. رشيدة مشغولة بعرض التفاصيل المعقدة لقانون العودة على البسطاء من زوارها ولكنها مشغولة كذلك بتمتين روابط أولادها بأصلهم في الجنوب، فاتها أن تتعلم الحديث بالعربية الفصحى التي يفهمها كل العرب وإن لم يفتها تعلم الدارجة المغربية وهي لا تريد لأبنائها أن يستضافوا على شاشة محطة تلفزيونة عربية بعد عشرين عاما فيضطروا للاستعانة بمترجم أو مترجمة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة