تداعيات المأزق الفلسطيني الإسرائيلي وموضوعات أخرى   
الجمعة 1425/4/16 هـ - الموافق 4/6/2004 م (آخر تحديث) الساعة 2:30 (مكة المكرمة)، 23:30 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

جميل عازر

تاريخ الحلقة:

21/09/2002

- العراق بين قبول عودة مفتشي الأسلحة وإصرار أميركا على الضربة العسكرية
- تداعيات المأزق الفلسطيني الإسرائيلي وكيفية الخروج منه

- مساعي إحلال السلام في سيريلانكا بين الحكومة والمتمردين

- انعكاسات حظر ترشح أردوغان على الانتخابات التركية

- كوريا الشمالية وبدايات التخلي عن النظام الشيوعي

جميل عازر [مقاطعاً]: مشاهدينا الكرام، أهلاً بكم إلى هذه الجولة في (الملف الأسبوعي) وفيه:

العراق بين التبرؤ من حيازة أسلحة دمار شامل والإصرار الأميركي على إجراء عسكري، فهل من مخرج؟

المقاومة الفلسطينية تستأنف هجماتها بعد فترة غياب، والرئيس الفلسطيني مقره في دمار، فهل من مفر وسط سحب الغبار؟

وسيريلانكا على شفا السلام والتاميل يتبنون منطق إحلال المفاوضات محل العنف، فهل تنجح النرويج في الوساطة بين الحكومة والمتمردين؟

العراق بين قبول عودة مفتشي الأسلحة وإصرار أميركا على الضربة العسكرية

أعلن العراق من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة أنه خالٍ من أسلحة الدمار الشامل في أعقاب إعلان قبوله بعودة مفتشي الأسلحة الدوليين دون قيد أو شرط، ولقي الإعلانان استحساناً من مختلف الدول العربية وغير العربية استثناء بريطانيا وقائدتها الولايات المتحدة، ومن السذاجة بمكان أن تعتبر تصريحات (بوش) و(رامسفيلد) وحتى (باول) وزعماء في الكونجرس رداً على ذلك خارجة عن مخطط اكتمل إطاره وأصبح جاهزاً للتنفيذ أما الهدف فمن المعتقد أنه أوسع نطاقاً من العراق.

عودة المفتشين الدوليين عن أسلحة دمار شامل إلى العراق
تقرير/حسن إبراهيم: يبدو أن قبول العراق بعودة غير مشروطة للمفتشين الدوليين لم تزحزح الموقف الأميركي قيد أنملة، البيت الأبيض اعتبر الموافقة العراقية مناورة تكتيكية ليس إلا، نائب الرئيس (ديك تشيني) كرر نفس الاتهامات في حفل عشاء انتخابي أما الرئيس نفسه فقد تجاوز في لهجته التصعيدية كل الحدود مهدداً الأمم المتحدة ومشككاً في جدواها وشرعيتها مذكراً الشعب الأميركي والعالم بعصبة الأمم التي انقرضت عند نشوب الحرب العالمية الثانية ويبدو أن التصلب الأميركي لن يمر بدون معارضة فروسيا تصر على أنه لا حاجة هناك لاستصدار قرار جديد من مجلس الأمن الدولي ضد العراق ففي القرارات الحالية ما يكفي من الآليات لمعاقبة العراق إذا رفض التعاون مع فرق التفتيش ووافقتها في ذلك الكثير من الدول خاصة فرنسا والصين، وحدها بريطانيا أبت إلا أن تؤكد للعالم تطابق رؤاها مع واشنطن، رغم أن المزاج العام في بريطانيا لا يقبل بالضرورة حرباً ضد العراق.

المحللون لموقف واشنطن منقسمون، فهناك من يعتقدون أن الإدارة الأميركية لا تريد حقاً ضرب العراق وأن تهديداتها وتصعيداتها إنما هي لكسب مواقع انتخابية داخل الولايات المتحدة ولانتزاع مزيد من التنازلات من العراق والأسرة الدولية، وآخرون يرون أن الضربة وشيكة للغاية وأن الولايات المتحدة عاقدة العزم على تغيير نظام الحكم في العراق مهما تكن الذرائع والمبررات، رغم أن إدارة بوش لم تتمكن حتى الآن من إقناع الرأي العام الداخلي والعالمي بهدف استراتيجي مقبول بقدر عجزها عن ربط العراق بتنظيم القاعدة، فإعلان العراق قبوله بعودة مفتشي الأسلحة الدوليين ليمارسوا عملهم من دون قيد أو شرط وإعلان وزير الخارجية العراقي في الجمعية العامة لأمم المتحدة أن العراق خالٍ تماماً من أسلحة الدمار الشامل لابد أنه زاد من الصعوبات أمام الموقف الأميركي في مجلس الأمن على وجه الخصوص وإعلان الولايات المتحدة صراحة أن عملية التفتيش على أسلحة الدمار الشامل وتجريد العراق منها لم تعد هدفاً إنما يتناقض مع إصرار الرئيس الأميركي على وجوب قبول العراق بقرارات مجلس الأمن وعندما يكون الهدف هو الإطاحة بنظام الحكم في دولة عضو في الأمم المتحدة فإنه يعني تدخلاً سافراً في الشؤون الداخلية لتلك الدولة ومخالفة الميثاق المنظمة الدولية التي أدعى الرئيس بوش بإنه يريد الحفاظ على مصداقيتها ومكانتها بإرغام العراق دون غيره على الامتثال لقراراتها.

أما الآن وقد أخذ الرئيس بوش يهدد المجتمع الدولي أنه سيقوم بالتعامل مع العراق إذا لم يصدر عن مجلس الأمن قرار شديد محدد بشروط وينبه العراق إلى عواقب تراخيه في تنفيذ القرارات الدولية السابقة وفي مثل هذه الظروف لاشك وتتبادر إلى الذهن عدة تساؤلات عن الهدف الأميركي الحقيقي من وراء الإصرار على ضرب العراق.

فهل تريد واشنطن أن تستأثر بالكعكة العراقية وحدها بعد الإعلان مثلاً عن اتفاقات تعاون بمبالغ ضخمة بين بغداد وموسكو؟ وهل لدى أميركا أو بعض العناصر في الإدارة الأميركية مخططات أخرى للمنطقة بأسرها؟ تساؤلات يفرضها الواقع ولا توجد إجابات مؤكدة عليها حتى الآن.

تداعيات المأزق الفلسطيني الإسرائيلي وكيفية الخروج منه

جميل عازر: ويبدو أن المقاومة الفلسطينية عادت للأخذ بزمام المبادرة في المواجهة مع حكومة (آرييل شارون) وعادت معها الآلة العسكرية الإسرائيلية إلى ممارسة المعهود، ولكن الهجوم على مجمع المقاطعة الذي يضم مقر الرئيس الفلسطيني وتدمير العديد من الأبنية فيه بالشكل الذي قامت به القوات الإسرائيلية هذه المرة إنما ينطوي على رسالة أوضح من أي رسالة سابقة، فشارون يقولها لها بصراحة لم يعد لياسر عرفات ملاذ سوى الأطلال، لأنه غير قادر على وقف المقاومة وفي هذه الأثناء يظل الشعب الفلسطيني يعيش في مختلف مجالاته الحياتية مأساة يجسدها ضياع القيادة.

مسيرات في العديد من المدن الفلسطينية تضامنا مع عرفات
تقرير/سمير خضر: ستة أشهر من حملة عسكرية صارمة ضد المدن الفلسطينية لم تنجح في وضع حد للعمليات الفدائية ومع ذلك لا يزال الجيش الإسرائيلي يجهل طبيعة مهمته، من المُستهدف؟ شخص يتمنى الموت ويسعى إليه أم كل من نادى بفلسطينيته؟ وفي كلتا الحالتين تبدو المهمة مستحيلة، وكان من الصعب على هذا الجيش استيعاب فكرة الفشل، فبدأ يلجأ إلى السبيل الوحيد الذي تبقى أمامه استهداف الحجر والبشر بعد فشله في إخضاع الإرادة، وإذا كان الجنود الإسرائيليون لا يزالون غارقين في هذه المتاهة فإن حكومتهم ليست بأفضل حال، فقد تغنت هذه الحكومة لأكثر من أربعين يوماً بأنها نجحت في وأد ما تسميه الإرهاب الفلسطيني وقدمت حملتها على أنها دليل على عدم أهلية القيادة الفلسطينية الحالية في إدارة شؤون شعبها وقدمتها أيضاً للعالم على أنها نموذج لمكافحة الإرهاب العالمي، وعندما عادت المدن الإسرائيلية ترتجُّ تحت وقع الانفجارات زالت الغمامة واكتشف المواطن الإسرائيلي أن ما قُدم له على أنه إنجاز لم يكن سوى سراب، لكن كل ذلك لم يدفعه بعد إلى التساؤل عن جدوى استمرار سياسة القبضة الحديدية التي تتبعها حكومته، فهو لا يزال مؤيداً لها لأن أحداً لم يقدم له البديل.

وعلى الجانب الآخر من المعادلة يعيش المواطن الفلسطيني وضعاً مآساوياً، فقد تحول إلى شاهد على تدمير متعمد لمجتمعه وبيئته وحياته اليومية ومستقبل أبنائه، ولم يعد يثق لا بقيادته ولا بمؤسساته وأصبح ينظر بإزدراء إلى محيطه العربي وإلى مجتمع دولي يمعن في تجاهله للمأساة التي يعيشها الفلسطيني، أما النخبة الحاكمة ومن يدور في فلكها فهي مشتتة بين داعية إلى الانحناء أمام العاصفة –ولو مؤقتاً- وبين من يدعو إلى مواجهة مسلحة لا تنتهي إلا باستئصال العدو مهما كانت التضحيات.

وبين هذا وذاك تشعر القيادة الفلسطينية بنوعٍ من الضياع، فلا هي بقادرة على العودة إلى مسيرة التفاوض، لأن شارون اعتبرها ملغاة دون أن يكلف نفسه إضافة عبارة: حتى إشعار آخر، ولا هي بقادرة على إقناع الشعب الفلسطيني بأنها الراعية لمصالحه الساهرة على مستقبله، ولا هي أيضاً بقادرة على لجم الفصائل الفلسطينية المختلفة التي تصر على تنفيذ أجندتها الخاصة ورؤيتها الخاصة لحل النزاع، وها هو شارون يدق من جديد بدباباته باب ياسر عرفات لا لتهديده بمصير مجهول، بل ليذكره ويذكر كل الفلسطينيين والعرب معه أنه سيبقيه رهين محبس المقاطعة في رام الله شاء من شاء وأبى من أبى.

جميل عازر: نتابع هذا الموضوع ومعنا من رام الله غسَّان الخطيب (وزير العمل الفلسطيني) السيد الوزير، بدايةً ما هي الرسالة الشارونية في هذا النوع من التدمير لمقر السلطة بذريعة الرد على الهجمات الفدائية؟

غسان الخطيب (وزير العمل الفلسطيني): يعني هنالك هدف واضح وثابت لشارون منذ استلم الحكم، وهو القضاء على السلطة الفلسطينية والقضاء على مناطق نفوذ السلطة الفلسطينية، أنجز المهمة الثانية من خلال إعادته لاحتلال كامل الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهو ينتهز أي فرصة وأي ذريعة لكي يأخذ خطوات إضافية في سياق محاولة إنهاء وجود السلطة الفلسطينية التي ترمز إلى إرادة الشعب الفلسطيني بإنهاء الاحتلال وبالتحرر وإقامة الدولة الفلسطينية، ولذلك هو في هذه العملية الجارية حالياً يأخذ خطوة جديدة في سياق محاولة القضاء على السلطة، لأنه من خلال حصار مقر الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات الذي هو مقر القيادة الفلسطينية والسلطة الفلسطينية يأخذ خطوة إضافية في شل إمكانيات هذه السلطة في ممارسة أدوارها وواجباتها سواء تقديم خدماتها للجمهور أو سواء أداء دورها السياسي أو غير ذلك من المهمات المنوطة بها.

جميل عازر: طيب السيد الوزير، هل تعتقد أن شارون في هذا قد استغل أزمة الثقة بين المجلس التشريعي والحكومة المستقيلة لمنع تشكيل حكومة جديدة أو لعرقلة التحضيرات للانتخابات القادمة؟

غسان الخطيب: أولاً، شارون وجد أن المسرح مهيأ لتوجيه ضربة إضافية للقيادة الفلسطينية نتيجة الإجراءات والتصريحات الأميركية خلال الأسابيع الماضية ابتداءً من خطاب الرئيس بوش، حيث قامت الإدارة الأميركية بمجهودات للإضرار بمصداقية وشرعية القيادة الفلسطينية على المستوى العالمي مما جعل الوضع مهيأ من.. لشارون لتوجيه ضربات للقيادة الفلسطينية.

ثانياً: شارون أصبح متأذي من التطورات الداخلية في الساحة الفلسطينية سواء مواضيع الإصلاحات أو الحوار الديمقراطي البنَّاء الذي جرى في المجلس التشريعي، هذا الأمر آذى شارون، لأنه إجراءات الاحتلال من منع تجول وغيره أصبح واضح للعالم أنها تعرقل مسار البناء والإصلاح والتطور الديمقراطي الذي أيده العالم بشكل عام مما جعل هنالك ضغوطات عالمية على شارون لكي يضع حد لعرقلة هذه المساعي الداخلية الفلسطينية..

جميل عازر [مقاطعاً]: طيب السيد الوزير.. السيد الوزير، لابد وأن تتفق بأن هناك غياباً إلى حدٍ كبير للقيادة الفلسطينية، يعني بكل صراحة، هل تعتقد أنه بقي للرئيس ياسر عرفات دور في مثل هذه الظروف؟

غسان الخطيب: نعم، أعتقد بأنه للرئيس عرفات دور أساسي وهام، ما استطاعت إسرائيل أن تضعفه وتدمره هي أدوات قيادية يستعملها الرئيس عرفات متمثلة بالسلطة وأجهزتها، ولكن قيادة الرئيس عرفات تتمثل بموقعه ودوره واعتبار أكثرية الشعب الفلسطيني له كقائد شرعي ورسمي للشعب الفلسطيني، وبالتالي معبر عن الإرادة الجماعية للشعب الفلسطيني الرافضة للاحتلال والمصرة على مقاومة الاحتلال، وفي نفس الوقت المصرة على الثبات على نفس المواقف السياسية التي أدت بإسرائيل والإدارة الأميركية إلى معاقبة الشعب وقيادته نتيجة للمواقف السياسية المرتبطة بالثوابت التي يؤيدها الشعب الفلسطيني، ولذلك بهذا المفهوم للقيادة لازال للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات الكثير ليقوله بالنيابة عن الشعب الفلسطيني وفي قيادة الشعب الفلسطيني.

جميل عازر: طيب السيد الوزير، يعني لا شك أن هناك مأزق فلسطيني، أين المخرج؟

غسان الخطيب: الواقع أنه الجميع في مأزق وليس الجانب الفلسطيني، وبالتالي المطالبة بمخارج ليست مطلوبة من الجانب الفلسطيني بالدرجة الأولى، بل مطلوبة من أطراف النزاع ومن الجهات الدولية ذات المصلحة وذات العلاقة بهذا النزاع الذي وضع الجميع في هذا المأزق هو الحكومة الإسرائيلية والجانب الإسرائيلي الذي أسقط الخيارات السلمية التفاوضية، واحتكم إلى خيار القوة، ولم ينجح في حسم الأمور بواسطة القوة، ولذلك مطلوب مخارج من الدول الراعية لإسرائيل ولعملية السلام تحديداً الولايات المتحدة لإخراج المنطقة من دائرة الصراع عن طريق مبادرة سياسية تعيد الأطراف للاحتكام للمفاوضات، ولكن على قاعدة الشرعية الدولية وليس توازن القوى.

جميل عازر: غسان الخطيب (وزير العمل الفلسطيني في رام الله)، شكراً جزيلاً لك. ومن قناة (الجزيرة) في قطر نواصل هذه الجولة وإياكم في (الملف الأسبوعي)، وفيه أيضاً بعد فاصل:

تركيا واستعدادات محمومة للانتخابات، فلماذا تحظر ترشح رجب طيب أردوجان؟

[فاصل إعلاني]

مساعي إحلال السلام في سيريلانكا بين الحكومة والمتمردين

جميل عازر: تقف سيريلانكا الآن بين تمسك الحكومة بوحدة وسلامة أراضيها وبين إعطاء التاميل درجةً كبيرة من الحكم الذاتي، وإذ نجحت النرويج في الجمع بين حكومة كولومبو ونمور تحرير إيلام –تاميل للتفاوض على إنهاء الحرب الأهلية الدامية، فإن النمور –على ما يبدو- قد انخرطوا في السبيل الذي انتهجته حركات أخرى مطالبة بالاستقلال، فآثروا المفاوضات وسيلة للوصول إلى الهدف، أما أن يحققوا ما يصبون إليه ومتى، فهذا أمر آخر، فجذور الصراع جزء من تركة الاستعمار البريطاني.

أفراد تابعون لحركة نمور التاميل الانفصالية
تقرير/جيان اليعقوبي: بعد الجيش الجمهوري الأيرلندي وحزب العمال الكردستاني، طوى نمور التاميل هم الآخرون أحلامهم في الاستقلال ولاذوا تحت خيمة الحكم الذاتي الواسع أو الضيق لا فرق، فالمهم هو الدروس المستخلصة من المشهد السياسي في بداية القرن الحادي والعشرين، أي لا مكان للعنف كوسيلة لبلوغ الأماني، فالعنف أصبحت تحتكره قوة واحدة فقط يحق لها أن تقرر متى تستخدمه وأين؟ وهكذا أعلنت حركة نمور التحرير إيلام-تاميل تخليها من الآن فصاعداً عن العنف من أجل إقامة دولة مستقلة في سيريلانكا، مقدمة بذلك تنازلاً كبيراً في ختام أول جولة من المباحثات منذ سبع سنوات مع ممثلي حكومة كولومبو، وترجع جذور الصراع بين الأغلبية البوذية من السنهاليين والأقلية الهندوسية من التاميل الذين يعتبرون الأكثر حظاً في التعليم والثروة رغم أنهم يشكلون أقل من 15% من عدد السكان إلى رفض الأغلبية السنهالية لنظام التعليم الذي أدخله المستعمرون البريطانيون السابقون خوفاً على هويتهم الثقافية، لكن التاميل استغلوا الفرصة واستفادوا من هذا النظام ليصبحوا بعد ذلك الفئة الأكثر تأهلاً لشغل الوظائف المرموقة في الدولة حتى بعد رحيل البريطانيين عنها عام 48.

وبعد أقل من 20 عاماً تحول هذا النزاع الخفي إلى حرب أهلية سقط فيها أكثر من 60 ألف قتيل طوال 30 عاماً، لم تفلح خلالها أي محاولة لوقف شلال الدم، وكانت رئيسة وزراء الهند الراحلة (أنديرا غاندي) قد بادرت إلى إرسال وسيط لبذل المساعي الحميدة للتوصل إلى اتفاق بين الطرفين، وطالب التاميل وقتها بإنشاء مجلس محلي له صلاحيات الحكم الذاتي في المناطق الشمالية والشرقية من البلاد، ولكن الرئيس السيريلانكي (جايا واريدنا) رفض الاقتراح، وفي أعقاب تولي (راجيف غاندي) رئاسة وزراء الهند كرر المحاولة وتوجه إلى كولومبو لوضع أسس معاهدة يتم بموجبها إرسال قوات هندية إلى الجزيرة للمساعدة في مراقبة وقف إطلاق النار، وتم بالفعل التوقيع على مثل هذه الاتفاقية عام 87 وأرسل على إثرها ستة آلاف جندي هندي إلى شبه جزيرة جفنا، إلا أن هذه القوات، ونتيجة لعدم التزام التاميل بالاتفاقية وجدت نفسها في مواجهة مسلحة مع نمور التاميل، ولكنها استطاعت السيطرة على معظم المناطق المتنازع عليها، وجاء رد النمور سريعاً ودموياً، فاغتالوا (راجيف) نفسه عام 91 وتمزقت اتفاقية الهدنة مع بقايا جسده التي اختلطت بجسد المرأة الانتحارية التي اغتالته.

ولم يكتفوا بذلك فقام انتحاري آخر بعد عامين بتفجير نفسه قرب رئيس الوزراء السيريلانكي (بريما داسا) الذي لقي نفس المصير.

وتجدر الإشارة إلى أن أول من ابتكر اتخاذ البشر من أجسادهم وسيلة قتالية هم نمور التاميل الذين أدت عملياتهم الانتحارية إلى إدراجهم على اللائحة الأميركية للمنظمات الإرهابية.

وحتى ما قبل يوم الحادي عشر من سبتمبر الشهير كانت حركة نمور تحرير إيلام تاميل صاحبة أخطر عملية استهدفت الطيران المدني نفذها عام 2001 انتحاريون هاجموا مطار كولومبو ودمروا 13 طائرة مدنية، ولكن عدد الضحايا المدنيين لم يتجاوز 18 قتيلاً، ومازال نمور التاميل مصنفين في خانة الإرهابيين في الولايات المتحدة وكندا وأستراليا وحركتهم محظورة في الهند، ومن يدري فقد تكون اتفاقية بانكوك المسمار الأخير في نعش الحرب الأهلية في جزيرة الشاي الساحرة.

جميل عازر: ومتابعة لهذه القضية ينضم إلينا من أوسلو (الصحفي والمحلل السياسي العربي) داود البصري.

أستاذ داود، بداية لماذا الاهتمام النرويجي بسيريلانكا؟

داود البصري (صحفي ومحلل سياسي-أوسلو): الاهتمام النرويجي بالقضية السيريلانكية وبالصراع حول التاميل.. بين التاميل والسلطة المركزية جاء نتيجة للاهتمام التاريخي لحكومة.. للحكومات النرويجية المتعاقبة بغض النظر عن الأحزاب أو عن الحزب الحاكم، بقضايا العالم الثالث وبالحركات السياسية والعسكرية الدائرة في المناطق البعيدة عن نفوذ الدول الكبرى، وهذا جزء من الدور السياسي اللي تحب أن تلعبه النرويج بالساحة الدولية، اعتبار.. منذ أن أسست الأمم المتحدة عام 45 بعد الحرب العالمية الثانية –كما هو معلوم- كان للنرويج وللسياسة النرويجية دور فاعل في بناء النظام العالمي وفي محاولة حل المشاكل السياسية المستعصية، سواء من خلال الأمين العام الأول للأمم المتحدة اللي هو (تجبلي) أو من خلال السياسة النرويجية المتبعة منذ أن حلت.. منذ أن عقد اتفاق أوسلو الشهير عام 93 بعد سنوات من الاتصالات السرية..

جميل عازر [مقاطعاً]: طيب أستاذ داود، هل يمكن الأخذ بنتائج أوسلو الأولى بين الفلسطينيين والإسرائيليين كنموذج يطبق على سيريلانكا؟

داود البصري: لأ، من الطبيعي أن تختلف الصورة وتختلف النتائج باختلاف الأطراف المتصارعة، لكن هنالك نموذج للسياسة النرويجية هو إيمانها بالاتصالات السرية، وبالعلاقات الخاصة والخاصة جداً إلى درجة السرية مع العديد من الأطراف المتناقضة، فمثلاً نمور التاميل لهم تواجد فعلي في الساحة النرويجية من خلال الجالية التاميلية الموجودة في النرويج، وهي جالية صحيح إنها قد تكون ليست كبيرة الحجم لكنها ذات إمكانيات اقتصادية، بل أن هنالك تقارير تقول.. تقارير صادرة عن أجهزة المخابرات النرويجية والأوروبية أنه هذه الجالية وبعض الجماعات فيها يمولون الحركات العنيفة، أو ما يسمى بحركات الإرهاب بطبيعة الحال، لذلك فإن النرويج كانت ملاذ لقيادات التاميل الذين يأتون إلى أوسلو للعلاج، وعن طريق العلاج وعن طريق الاتصالات الخاصة أُمكن الوصول إلى صيغة من التفاهم بين السلطات السيريلانكية وبين حركة التاميل.

جميل عازر: طيب، كيف تبدو الصورة الآن بعد الجولة الأولى من محادثات السلام بين الجانبين في أوسلو؟ هل هناك من أمل للتوصل إلى تسوية؟

داود البصري: حسب القراءة العامة والمتأنية للموقف، نعم هنالك أمل كبير، لاسيما وأن النرويج قد وضعت ثقلها الاقتصادي وعن طريق المنح والمساعدات في حل المشاكل الاقتصادية القائمة في شمال سيريلانكا، وعن طريق خطط التنمية وعن طريق المبعوث..، ولا تنسى أن للكنيسة النرويجية أيضاً دور في إنهاء هذا النزاع لأن لها أيضاً دور في السياسة الخارجية، وعلى هذا الأساس فإنه هنالك أمل كبير جداً في إنهاء النزاع سيما وأن الرياح الدولية السائدة حالياً لا تسمح بالمرونة أو بمرونة الحركة لنمور التاميل.

جميل عازر: الأستاذ داود البصري في أوسلو شكراً جزيلاً لك.

انعكاسات حظر ترشح أردوغان على الانتخابات التركية

تبنت هيئة مراقبة الانتخابات في تركيا ذرائع قضائية لحظر ترشح قادة إسلاميين أو أكراد في الانتخابات العامة المقرر إجراؤها في نوفمبر/تشرين الثاني القادم وقد ثارت ثائرة الصحف التركية بسبب القرار، لأنها تجد فيه عقبة كبرى تعترض سبيل تحسين صورة تركيا في عيون الأوروبيين، كما أن أبرز المحظورين هو رجب طيب أردوجان (زعيم حزب العدالة والتنمية) وهو الحزب الذي تبين استطلاعات الرأي أنه الأكثر شعبية بين بقية الأحزاب والمرشح للفوز بأكبر عدد من المقاعد البرلمانية، وهذا ما يقلق السلطات العلمانية.

أردوغان وبرفقته زوجته يلوح لوسائل الإعلام قبل إصدار اللجنة الانتخابية حكمها
تقرير/سمير خضر: لا يزال قلب تركيا مقسماً بين جذور شرقية إسلامية وتطلعات غربية علمانية وضع أسسها مؤسس تركيا الحديثة (مصطفى كمال أتاتورك) الذي اختار منهج فصل الدين الدولة ووضع العسكر قيماً وحارساً على كل مناحي الحياة، غير أن حقبة التسعينات شهدت ردة فعل غاضبة من قبل المواطن التركي الذي فقد الأمل بمؤسساته السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي غالباً ما تتهم بالفساد والمحسوبية وعدم الكفاءة، وبدأت تظهر تباشير تحول جديد ينبذ مبادئ الدولة التركية الحديثة، ويسعى للعودة إلى الجذور، فصعد نجم الإسلاميين، ووصل زعيمهم نجم الدين أربكان إلى سدة الحكم لفترة وجيزة، انتهت بتدخل العسكر للإطاحة به. كان رجب طيب أردوجان آنذاك رئيساً لبلدية استانبول كبرى المدن التركية، وأحد مساعدي أربكان المخلصين، وأثبت حينها أردوجان لسكان مدينته معنى أن يكون رجل السياسة رجل خدمة عامة، فاكتسب شعبية هائلة، خاصة في صفوف الطبقة الكادحة، الأمر الذي أثار مخاوف جديدة لدى العسكر، الذين استغلوا ميوله الإسلامية لإجباره على الاستقالة، وليحكم عليه بالسجن بتهمة التحريض على الكراهية الدينية بسبب إلقائه لقصيدة تمجد مآذن وقباب المساجد، فترة السجن هذه علمت أردوجان درساً لن ينساه، وهو أن طريق السياسة في تركيا لا يتقاطع مع الإسلام، فانشق عن التيار الإسلامي، وأسس حزب العدالة والتنمية الذي يقبل بالعلمانية منهجاً سياسياً للبلاد دون التخلي عن الدين كوازع وضمير يعتمر قلوب غالبية الشعب التركي، وهذا ما أثبتته الأيام مع صعود نجم هذا الحزب وزعيمه، حتى بات يشكل تهديداً لكل الأحزاب القائمة، خاصة وأن الانتخابات باتت على الأبواب، ولم يعد من سبيل لوقف هذا المد سوى منع أردوجان من الترشح بحجة أن سجله الجنائي يمنعه من تبوء المناصب العامة، ورغم تباكي أنصاره على ما يعتبرونه انتكاسة للديمقراطية فإن الواقع يقول أن العسكر والمؤسسة الحاكمة لم يثقوا أبداً في ادعاءات أردوجان بأنه تخلى عن ماضيه الإسلامي، فأعداؤه يؤكدون أن التغيير الملموس في خطابه السياسي ليس سوى واجهة للوصول إلى السلطة، ويدللون على ذلك بحقيقة أن زوجته وبناته لا يزلن يرتدين الحجاب الإسلامي.

أما عالم المال والاقتصاد ورغم أنه لا يكترث كثيراً باللون السياسي لصانع القرار فأنه يتوجس من انعدام خبرة أردوجان وحزبه في المجال الاقتصادي، في وقت يشهد فيه اقتصاد البلاد انهياراً لم يسبق له مثيل.

كوريا الشمالية وبدايات التخلي عن النظام الشيوعي

جميل عازر: كان إعلان رئيس وزراء اليابان (جونشيرو كويزومي) أن كوريا الشمالية وافقت على السماح لوكالة الطاقة النووية الدولية بالتفتيش على مرافق برنامجها النووي، أهم ما تمخضت عنه القمة التاريخية التي جمعته مع الزعيم الكوري (كين جونج إل)، وإذا أُضيف هذا الإنجاز إلى تجميد التجارب الصاروخية الكوري فإن حصيلة هذه القمة كانت مكسباً استراتيجياً لليابان وكوريا الجنوبية، ومن ورائهما الولايات المتحدة، لم يتحقق بل ولم يكن متوقعاً في فترة زمنية قصيرة.

التقارب بين الكوريتين
تقرير/حسن إبراهيم: ربما لم يكن يتصور (كين جونج إل) زعيم كوريا الشمالية أن تتداعى منظومة المسلمات التي خلفها والده (كيم لي سونج) بهذه السرعة، بلد الحاكم الفرد الذي ينير ببصيرته الماركسية اللينينية الثاقبة دياجير التخلف، الحاكم الذي تحولت كوريا الشمالية في عهده إلى أكثر بلاد الأرض عزلة بعد حكمي (أنور خوجه) في ألبانيا، ونظام طالبان في أفغانستان، فالمصافحة التاريخية بينه وبين رئيس الوزراء الياباني (جونشيرو كويزومي) وما أعقب ذلك من تطورات ربما دشن صفحة جديدة في جنوب شرقي آسيا، وربما سيفتح الباب أمام بداية التخلص من تركة الماضي الثقيلة، وربما كانت السرعة التي تم بها تخطي العقبات التقليدية من شاكله تبعات الاحتلال الياباني الدموي لشبه الجزيرة الكورية ما بين عام 10، و45 من القرن المنصرم، واختطاف كوريا الشمالية لأحد عشر يابانياً في السبعينات والثمانينات، وغيرها من الانتهاكات والمناوشات التي كانت سمة للعلاقات بين البلدين في الماضي، ربما كانت دليلاً آخر على جدية الطرفين، فالإجراءات التي أعقبت ذلك من فتح الحدود بين كوريا الجنوبية والشمالية لتطهير المنطقة من الألغام والبدء في مد خطوط القطارات وخطوط الطاقة الكهربائية، وموافقة (جونج إل) على إجراءات محادثات سداسية تجمع كوريا الشمالية بجارتها الجنوبية، إلى جانب الولايات المتحدة واليابان والصين وروسيا، كل تلك الإجراءات تدل على عقلية جديدة في (بوينج يانج) فما عاد بيع صواريخ (نودونج) يشبع البطون الخاوية ولا التلويح بمشروع التسلح النووي يغدق أموال الدول المانحة على آخر الشيوعيات التقليدية في العالم، ولعل ما يقلق (جونج إل) هو تدني المبالغ التي أضحى الكوريون الشماليون العاملون في اليابان يرسلونها سنوياً إلى بلادهم، وكانت تلك التحويلات بالإضافة إلى المبالغ المتواضعة من بيع تكنولوجيا الصواريخ هي مصادر الدخل الرئيسة في كوريا الشمالية.

الطريق مازال طويلاً أمام الزعيم المحبوب، وهو اللقب الذي منحه إياه الحزب الشيوعي، فبعد إغاثة المتأثرين بالمجاعة والفيضانات لابد من إعادة بناء الدولة، وربما القبول بمعادلة أقل ثمناً من تلك التي وحدت شطري ألمانيا، وإعادة البناء تتطلب الأموال، والإصلاحات الهيكلية تتطلب شجاعة أدبية وتنازل عن سلطات مطلقة كان مجرد الحديث عنها في الماضي يورد التهلكة، لكن إحراز تقدم في هذه الاتجاهات يظل رهناً بموافقة واشنطن، ووعيها للصوت الجديد في بيونج يانج، وإلا فإن صفة محور الشر ستظل ملازمة لكوريا الشمالية، شاءت ذلك أم أبت.

جميل عازر: وبهذا نختتم جولتنا في (الملف الأسبوعي)، ونذكر حضراتكم أن بإمكانكم الوصول إلى مضمون هذه الحلقة بالنص والصورة والصوت في موقع (الجزيرة نت) في الشبكة المعلوماتية الإنترنت. وسنعود في مثل هذا الموعد بعد سبعة أيام لنفتح ملفاً جديداً لأهم أحداث الأسبوع القادم من قناة (الجزيرة) في قطر. تحية لكم من فريق البرنامج، وهذا جميل عازر يستودعكم الله، فإلى اللقاء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة