هجرة المغاربة إلى فرنسا بين جيلين   
الاثنين 1425/11/29 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:21 (مكة المكرمة)، 14:21 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

ميشيل الكيك

تاريخ الحلقة:

24/1/2002

- الجيل الأول من المهاجرين.. معاناة وعذابات
- التمزق بين ثقافة المحيط الفرنسي وثقافة الانتماء ومواجهة العنصرية
- مواجهة الواقع بين الانحراف والتفوق
- المهاجرين العرب ودخولهم قلب السياسة الفرنسية

ميشال الكيك
ميشيل الكيك: هذه الأرتال من المهاجرين تدفقت على فرنسا بدءاً من الخمسينيات والستينيات إلا أن الهجرة الجزائرية قائمة في الأصل عن زمن الاستعمار الفرنسي الذي غذى جيوشه في الحربين العالميتين الأولى والثانية من رجال الجزائر والمغرب، ونتيجة لذلك يحمل معظم الجزائريين الذين ولدوا على الأرض الفرنسية الجنسية الفرنسية أو يرفضونها لأسباب سيكولوجية واضحة، أكدتها أطوار بعض الشرائح الاجتماعية، أننا عرب ونريد أن نحوت على دين العرب، وكانت هجرة التونسيين إلى فرنسا مثلاً متشابهة في دوافعها، إلى حد كبير مع هجرة السوريين واللبنانيين إلى أميركا اللاتينية، حيث كان محركها الأول هو الدافع الاقتصادي، فيما يلاحظ أن كثافة الهجرة الفرنسية، تأتي من الريف المغربي حيث الفقر واضح في مختلف المرافق الاجتماعية والاقتصادية.

الجيل الأول من المهاجرين.. معاناة وعذابات

هذا المرفأ في مدينة مرسيليا الجنوبية يبقى شاهداً على صلة الوصل بين دول المغرب العربي وفرنسا، وأكثر من ذلك فإن الأمواج التي ركبها المهاجرون على مر السنوات وحتى اليوم، على متن أشرعة السفن تبقى أيضاً شاهدة على آلام وأحزان كثيرة حملها معهم عشرات الألوف ممن تركوا أوطانهم أو أجبروا على تركها لأسباب سياسية أو أمنية مختلفة، وجاءوا إلى هنا على متن أول مركب توفر لديهم، وذلك طلباً للرزق، أو بحثاً عن حياة أفضل، فتشوا عنها، وربما لن يجدوها هنا، خصوصاً وأن الغربة عن الأهل والأصدقاء والأحبة تبقى صعبة، وتزيدها مرارة النظرة الغريبة والمريبة، التي ينظر من خلالها أهل البلد الأصليون إلى هؤلاء الوافدين الجدد.

الصورة التي رسمت عن أحوال المهاجرين وأوضاعهم الذين كونوا الجيل الأول، والذين استقدمتهم الحكومة الفرنسية منذ بداية القرن هي استلامهم لوظائف وأعمال متدنية، لا تخلو من الخطورة، ولا تفرض أي مهارة أو إعداد مسبق، وقد أدركت الحكومات الفرنسية أن هذه الوظائف لا يمكن ملؤها بغير الأجانب، كما أنه لا خيار أما هو إلا قبول هذه الوضيعة في قاع المجتمع الفرنسي فقد عملوا مثلاً في حفر الأنفاق تحت الأرض بالوسائل البدائية المتوافرة في ذلك العصر، قبل مائة سنة تقريباً في عمل شاق ومض إلى أن أبصر المترو الباريسي النور، إضافة إلى الأعمال الأخرى التي التحقوا بها في مختلف ورش البناء وغيرها، فكان العمال من أجل مغاربي يجيئون إلى فرنسا، محاولين الاستقرار فيها من دون أن يستطيعوا لاحقاً الرحيل عنها بسهولة، خصوصاً وأن أبنائهم دخلوا المدارس وحاولوا الاندماج في الحياة الفرنسية واللغة، وحمل بعضهم الجنسية الفرنسية ليصبحوا جزءاً من المجتمع الفرنسي، لكنهم يظلون يحملون صفة الغريب التي تتلازم مع لونهم ودينهم واسمهم وجذورهم.

معاناة الآباء والأجداد في فرنسا حاول أن يصورها أبناء المهاجرين، فأحد المخرجين السينمائيين الشباب، (غرجو بورليم) من أصل جزائري يروي في فيلمه الذي أطلق عليه اسم "العيش من الجنة" يروي كيف كان المهاجرون من بلده يحملون بالمجيء إلى فرنسا مع عائلاتهم، وكأنهم سيعيشون في الجنة، لكن الحقيقة هي غير ذلك، فلا شيء ينتظرهم هنا إلا الأكواخ الحقيرة، والأعمال البسيطة المتواضعة، خصوصاً في الفترة التي سبقت استقلال الجزائر، حيث تعرضوا فيها أيضاً لقمع الشرطة الفرنسية دعم حرب الاستقلال.

غرجو بورليم (مخرج جزائري من أبناء المهاجرين): كان من الضروري جداً أن أقوم بهذا العمل تكريماً للشعب الجزائري، وتكريماً أيضاً لهؤلاء الأباء والأجداد الكادحين، وأنا كأحد أبناء المهاجرين شعرت بحاجة للقيام بهذا العمل، لأن هؤلاء العمال أصبحوا منسيين، لا بل سقطوا من الذاكرة الفرنسية، ومن غير العدل عدم الحديث عنهم أو نسيانهم بالكامل، فآباؤنا جاءوا إلى فرنسا وأصبحوا جزءاً منها وعملوا في تشييد العمارات، وساهموا في تقدم فرنسا ورفعتها، لذلك تبقى العلاقة بين فرنسا والجزائر بالنسبة لي علاقة حب.

ميشيل الكيك: ورغم كل المشقات التي تعرض لها هؤلاء، ورغم العذابات كان هذا الجيل الأول من المهاجرين راضياً نوعاً ما عن أوضاعه وإذا نظرنا إلى تاريخ الهجرة وأسبابها، لوجدنا أن هجرة نحو مليون ونصف المليون من العمال العرب إلى فرنسا بدأت منذ الاستعمار الفرنسي لدول شمال أفريقيا، وهي هجرة أصحاب الحرف البسيطة التي لا تحتاج إلى الشهادات الأكاديمية أو التقنية، لذلك توزعوا بين مختلف هذه المهن وشكلوا نسبة 70% من عمال القطاع الصناعي، بين مستخدمين وعمال نظافة وفي المناجم، ومصانع الحديد والصلب والسيارات، إضافة إلى هذه المهن، تأتي مهنة القتال، فالجيش الفرنسي أعتمد في العديد من أفواجه وفرقه وكتائبه على الجنود من المهاجرين من دول المغرب العربي وإفريقيا، لكن وفاء الدولة الفرنسية لهؤلاء لم يكن على مستوى التضحيات التي قدموها لفرنسا، ومنهم العديد ممن بذلوا دماءهم في سبيلها.

الكولونيل عبد الرحمن بن شيخ (محارب قديم في الجيش الفرنسي من أصل جزائري): لقد حان الوقت برأي أن تقول الحقيقة بأننا جزء لا يتجزأ من فرنسا، فقد ساهمنا بقوة في تحقيق سمعة هذه البلاد وترويج إشعاعها ونورها إلى العالم، وأن الجيش الفرنسي الذي تشكل من مختلف الدول الإفريقية ساهم في العديد من المعارك، وهذا أيضاً ساعد أثناء توقيع الهدنة بأن تكون فرنسا حاضرة وقوية في أهم المحافل الدولية وأعتقد أيضاً أنه بفضل الجنود من شمال أفريقيا وتحديداً من الجزائر، استطاعت فرنسا أن تكون عضواً دائماً في مجلس الأمن الدولي.

إن (ديجول) كان دائماً يخشى أن يذكر هؤلاء الجنود وما قدموه من تضحيات أثناء عمليات الإنزال في النورماندي، وهو ينسى أيضاً كيف أن الجيش من فوج كتائب الجنرال (لوكلارك) والتي نفذت عمليات الإنزال هناك، كان حوالي 50% من عناصرها من الجنود الأفارقة لذلك لا يجب إخفاء هذه الحقائق، بل يجب وضع كل الأوراق على الطاولة، وعدم الخوف من إعلان الحقيقة، والقول بأن فرنسا حررت أيضاً في الحرب العالمية الثانية من قبل الجنود الأفارقة.

ميشيل الكيك: وأكثر من ذلك فهناك من حارب إلى جانب الفرنسيين في حرب استقلال الجزائر، إنهم جزائريون تخلوا عن أبناء جلدتهم وحاربوا إلى جانب المستعمر، وكأنهم يرفضون استقلال بلادهم، أنهم خونة حتى الآن بنظر أبناء بلدهم، وليس بإمكانهم العودة إلى الجزائر، ومع ذلك ينظر إليهم الفرنسيون كمواطنين من درجة ثانية أو ثالثة رغم أن السلطات الفرنسية كافأتهم بمنحهم الجنسية الفرنسية، لكنهم بقوا مهمشين يعيشون خارج الحياة الفرنسية.

عبد الكريم كلش (أحد أبناء الحركيين): إننا نشعر بإهمال من قبل الدولة الفرنسية لا سيما من قبل كل الحكومات المتعاقبة، إن كل ما قدموه لنا هو بناء المخيمات فقط والتجمعات الكبيرة، والتي لا يزال بعضها موجوداً حتى الآن، لا سيما في منطقة (تولوز) في جنوب غربي فرنسا، وحديثاً أيضاً أعلنت وزيرة العمل عن مساعدات بقيمة ثلاثة وعشرين مليون فرنك لتحديث أحد المخيمات وهو أمر يضع هذه المجموعات من أبناء الحركيين في عزلة تامة وإبعادهم أكثر فأكثر عن المجتمع الفرنسي، فأولادنا أيضاً معزولون ولا يدخلون نفس المدارس التي يوجد فيها الأطفال الفرنسيون، كما أن البطالة تتفشى بنسبة كبيرة في أوساط شبابنا، وقد تصل إلى حوالي 70%، في حين أن النواب الفرنسيين والحكومات الفرنسية تسد آذانها عن مطالبنا هذه، ولا تريد سماع أي شيء عن قضية الحركيين المستمرة منذ أكثر من ثمانية وثلاثين عاماً.

التمزق بين ثقافة المحيط الفرنسي وثقافة الانتماء ومواجهة العنصرية

ميشيل الكيك: ويبقى السؤال الكبير الذي يطرحه المهاجرون، من أكون بالنسبة إلى أهلي وإلى المهاجرين العرب ممزقون بين ثقافتين، ثقافة المحيط وثقافة الانتماء.

جاك توبون (وزير فرنسي سابق): تعلموا جيداً بأن المهاجرين يكونون أحياناً ضحايا لجميع أنواع التمييز وأن عملنا في معالجة هذه المشاكل هو عمل صعب، لا بل يبدو معقداً في أحيان كثرة، كما أننا نشعر بأن عمل النهار في هذا المجال يمحوه الليل، لذلك يتعين على جميع الفئات في فرنسا أن تتضامن فيما بينها، لأن الهجرة اليوم في بلادنا لم تعد مسألة سياسية، ولا قضية أمنية، إنما أصبحت هذه الهجرة أمراً واقعاً، وفرنسا أصبحت بلداً متعدداً، وهي مخلفة اليوم عما كانت عليه قبل مائة سنة.

ميشيل الكيك: ومهما يكن من أمر فإن فرنسا أمنت أجواء مريحة للمهاجرين، وبعضهم لم يهجر بلاده لأسباب اقتصادية فحسب، وإنما جاءت الهجرة الحديثة لأسباب سياسية بسبب التضييق المعروف والمفروض على الحريات في العديد من دولنا، ومهما اختلفت التعريفات بشأن الهجرة إلا أنها أصبحت أمراً واقعاً بعدما أمست هروباً من واقع ميؤوس منه في البلدان الأصلية، إذ هدف المهاجرون أو الهاربون من دولهم إلى فتح صفحة جديدة في حياتهم، فآفاق البحر الواسعة كانت المنفذ الوحيد لهم ولمن أراد ركوب البحر في حين أصبحت مدينة مارسيليا المحطة الأساسية، والمحطة الأولى أيضاً لهؤلاء القادمين من تونس والجزائر والمغرب، وليحطوا رجالهم فيها ويتوزعوا بعد ذلك على العديد من مختلف المدن الفرنسية.

وهذا الانتشار المغاربي منذ سنوات طويلة في المدن الفرنسية للجيل الأول، أدى اليوم إلى ولادة الجيل الثاني الذي أصبح يعيش في صورة مغايرة تماماً لجيل آبائه، فهو جيل يلبس الجينز ويتكلم الفرنسية، إنهم الشباب الذين رفضوا نمط أهاليهم في الحياة الاجتماعية، والتي ما زالوا يمارسونها في بيوتهم آباؤهم يلبسون الجلبية ويأكلون الطعام المغاربي والوجبات التقليدية، ويحتفلون بتقاليدهم وكأنهم في بلادهم الأصلية، هذا الجيل وجد نفسه في أسرة عربية بكل جذورها وأصولها الثقافية والدينية لكنه في الوقت نفسه ترعرع وعاش وسط مجتمع فرنسي غريب اللغة واللسان والثقافة.

وينشد الشباب من الجيل الثاني الاستقلال عن حياة أسرهم وعن سيطرة آبائهم مثل جيل أقرانهم من الفرنسيين، لكنهم يعيشون مرحلة الضياع بين الاندماج والانصهار في المجتمع الفرنسي، إنهم قدموا من محيط زراعي في بلدهم الأصلي، وانتقلوا إلى بنايات الأسمنت المسلح الشعبية العائدة لبلديات المدن الفرنسية والتي يطلقون عليها تسمية (أشلام)، وهكذا بات من الصعب جداً الاندماج بين نمطين من الحياة، لكن الروابط الدينية واللغوية بقيت تجمع بين كل القادمين إلى فرنسا الذين بدأوا بالفعل بترسيخ وجودهم من خلال المحافظة رغم كل الصعوبات على التقاليد الدينية، فتأسست المساجد رغم أن الحصول على رخصة بناء كان صعباً، إذ تشددت بعض البلديات في منح هذه التراخيص، ومع ذلك يمكن القول إن أبناء المهاجرين انتقلوا إلى تقاليد جديدة، بعيدة عن تقاليد آبائهم، وليس سهلاً عليهم الانخراط في مجتمع زملائهم وأقرانهم الفرنسيين، حين يصطدمون بعقلية مختلفة من هنا، قد تنظر إليهم النظرة العنصرية الدونية التي تقوم بترويجها جماعة حزب (جوماري دوتان) وهو حزب اليمين المتطرف في فرنسا، من هنا أيضاً يبرز المشكلات الكثيرة التي تظهر التفاوت الكبير بين الشرائح الموجودة، إضافة إلى كل التفاعلات التي أحاطت بمسألة الحجاب وارتدائه في المدرسة أو في الوظيفة.

مهاجرة عربية في فرنسا: تعلمون أنه عندما نأتي إلى بلد جديد (كأجانب) علينا أن نعرف بأنفسنا وتقاليدنا، ولا يجب أن نفرض الأمور فرضاً بل يجب بل لطف وهدوء ممارسة تقاليدنا من خلال التحاور وعقد الاجتماعات مع كل الطوائف، ومع أنه يمكننا التقدم نحو إيجاد حلول واليوم نرى بأن مشكلة الحجاب لم تعد مطروحة بنفس الزخم، فالإعلام ضخَّم هذه القضية كثيراً، ويعود لكل امرأة أن ترتديه أو لا، فهذه مسألة وعي ذاتي، وأعتقد أن عدم معرفة الفرنسيين بثقافتنا هو سبب رفضهم لنا، الآن بدأنا بتحقيق نوع من التقدم، فأولادنا وأحفادنا أصبحوا جزءاً أساسياً من الأمة الفرنسية.

ميشيل الكيك: ورغم تضييق هوة الخلاف إلا إن التناقضات التي تولَّدت في المجتمع الفرنسي كانت تؤدي إلى تنافر وتباعد، فالفوارق بدت شاسعة بين مجتمعين وأحياناً كثيرة بسبب الأعمال العنصرية العدائية، فالشرطة الفرنسية ترتبك عند دخولها الأحياء العربية المكتظة، وغالباً ما تعمد إلى إطلاق النار، عند اشتباهها بعملية ما، وهذه الحوادث تكررت في عدة مدن فرنسية، كما حصل في مدينة (ديل) في شمال فرنسا، عندما قتل أحد عناصر الشرطة الفرنسية شاباً جزائرياً أتهم في سرقة سيارة، مما فجر موجة غضب في أوساط سكان الحي من أصل مغاربي على خلفية أن تكرر عمليات القتل هذه عائد إلى أعمال عنصرية ناتجة عن الكره الذي يتعرض له هؤلاء المهاجرون.

مواطن من أصل جزائري: إننا نعيش هنا وسط العنف المتواصل، لسنا نحن من يبادر إلى ارتكاب العنف، إنها الشرطة والإدارة الفرنسية التي تقوم بذلك، هناك المزيد من أعمال العنصرية التي نشعر بها، لا يوجد أي شيء في هذا الحي، وعندما نتوجه إلى المسؤولين في البلدية لنطلب منهم تشييد قاعة رياضية مثلاً، فهم لا يبالون بنا، ولا يستمعون لمطالبنا، فقط يطلقون الوعود ليس إلا، وهكذا فإن هذا الحي الذي نعيش يبقى معزولاً بينما هم يعيشون في الأحياء الراقية، في حين تواصل الشرطة استفزازنا بكل الوسائل، ثم تعمد الشرطة أيضاً إلى ضرب النساء وتوجيه الشتائم إليهن.

مواطن من أصل مغاربي: المشكل اللي وقع هو.. المشكل هو الشباب والشرطة هنا، الشرطة (To jour) دايماً تحاول تعقل [تعتقل] وتضغط على هذا الشباب، شباب العربي الناتج عن الهجرة ودايماً تحاول تظهرهم في شاشات التلفزة على أنهم مجرمين، على أنهم سرقوا السيارات، على أنهم يعني جميع المشاكل اللي (تطرح) هنا في فرنسا الهجرة وما وقع يعني اغتيال الشاب من أصل عربي هو –في الحقيقة- ليس بسارق سيارات، وليس بمجرم، وليس أي..، هو كان اغتيال مباشر نتيجة عن العلاقة اللي كانت، أو الضغط اللي.

مواجهة الواقع بين الانحراف والتفوق

ميشيل الكيك: وهكذا يظهر الشرخ الكبير في المجتمع الفرنسي عندما يشعر المهاجرون الشباب بأنهم مرفوضون ومهمشون وبأن حلمهم هو الذوبان داخل المجتمع الفرنسي والذي يصبح بالنسبة إليهم أشبه بالحلم الصعب.

لذلك يلجأ شباب الضواحي الباريسية أو في ضواحي المدن الفرنسية الكبرى يلجؤون إلى الانخراط في جماعات معينة، محاولين قدر الإمكان الدفاع عن وجودهم، كذلك قد يلجؤون إلى المخدرات الجريمة والانحراف.

مدمن مخدرات من أصل تونسي: تجربة المخدرات في الحقيقة صعبة.. صعبة لشاب مثلي.. صعبة جداً جداً، والخروج منها أصعب فأكثر فأكثر، لكن الحمد لله وجدنا مكان مثل (Beau repére) لكي.. لكي.. مثلاً لكي نعالج.. هم في بيساعدونا.. يساعدونا جداً، أسباب عائلية هي مثلاً الفقر، هو سبب خروجي من بلادي، أنا من عائلة فقيرة، وجئت إلى فرنسا كي.. كي أعاون مع عائلتي، لكن اللي حصل لي.. لكن الحظ لم يكن كيف.. كيف حسبت.

[فاصل إعلاني]

ميشيل الكيك: ومقابل هذا الانحراف لأسباب عديدة ربما نفهمها أو لا نفهمها، يسعى فريق آخر من أبناء المهاجرين إلى إثبات وجوده ودوره الفعال من خلال إبراز مواهبه الفنية والأدبية والرياضية لكي يكون متحدياً ومؤثراً ومعبراً عن نفسه في آن، فخلال السنوات العشر الأخيرة قفزت أسماء عربية عديدة إلى الواجهة، لا، بل احتلت المرتبة الأولى في مصاف الشهرة وتربع البعض على عرش النجومية والشهرة العريضة، لا سيما في عالم الملاعب والرياضة.

اللاعب الجزائري الأصل زين الدين زيدان تبوأ المرتبة الأولى من بين الشخصيات الفرنسية الأكثر شهرة، محتلاً مكانة خاصة عند الفرنسيين والعرب، فالكل يعرفه باسم "زيزو"، كباراً وصغاراً، ولا يتوانى هؤلاء عن كتابه اسمه على جباههم، وحتى في مدينة مارسيليا تطالعك صوره في كل مكان، وهي المدينة التي نشأ فيها وله فيها أيضاً أعز الأصدقاء وأغلى الذكريات، وقبل زيدان اخترق المهاجرون المجال الرياضي وحلُّوا في المراتب الأولى، فكانت الضواحي الفقيرة التي نشأوا فيها المكان الأكثر ملائمة لهم ليبرزوا مواهبهم، ولينطلقوا من هذه الضواحي إلى تحقيق شهرة واسعة في العالمين العربي والغربي، مثل جمال بوراس الذي ولد في ضواحي مدينة (ليون) في جنوب شرق فرنسا، فكانت له هنا الانطلاقة التي لا ينساها والتي حققت شهرته بعد تمضية الأيام والشهور الطويلة في التدريبات والتمرينات إلى أن حصل بوراس على الميدالية الذهبية في الجيدو في دورة الألعاب الأولمبية في أتلانتا عام 96. في عمر الرابعة والعشرين من أن أكون بطل الألعاب الأوليمبية في الثالث والعشرين من يوليو عام 96، وأن أحصل على الميدالية الذهبية، لقد حصلت على عدة ميداليات سابقة في بطولة أوروبا، ثم وجهوا إلى اتهامات بتناول منشطات بعد فوزي ببطولة الألعاب الأولمبية بسنة، ربما لأنني أهديت فوزي هذا إلى العالم الإسلامي، البوسنة، والشيشان، ولبنان، لأنه لم يكن أحد من هذا العالم يهتم بالمآسي في هذه الدول، لقد شاركت في العديد من الألعاب، ومنها ألعاب سيدني الأولمبية، وكانت لي مشاكل مع التحكيم، لكني مقتنع بأن هذه هي طريقة الرياضة ولعبة الجيدو التي أمارسها، وأنا كفرنسي من أصل جزائري هناك عدة أمور تزعجني حيث إننا كعرب مطبوعون بنظرة مختلفة، وأحاول من جهتي إصلاح هذه الأمور، إذ نعزل في الجيتوات التابعة لنا، ولا يعلموننا إلا نفس المهن، السمكرة والكهرباء، ولا يحدثوننا أبداً عن الأدب، والمسرح، والعدالة، وهكذا تطوى أحلامنا، ولذلك أردت بكل قوة أن أجابه هذا الواقع الأليم.

ميشيل الكيك: الرياضة بمختلف أنواعها كانت إذاً المجال الأبرز الذي استطاع من خلاله أبناء المهاجرين أن يحققوا تطلعاتهم، وأن ينطلقوا من فرنسا للمشاركة في مبارات عالمية حققت لهم الاسم والشهرة، وإضافة إلى زيدان وبوراس حصلت الرياضة آسيا حمزة على الميدالية الذهبية في التاكواندو.

آسيا جمرة (حائزة على الميدالية الذهبية في التاكواندو): في ذلك الوقت لم يكن تقدم الفتيات لممارسة التدريبات والتمرينات في لعبة التايكوندو مقبولاً على اعتبار أن هذه اللعبة تتجاوز قدراتهن الجسدية، لكنني أصريت على ذلك رغم رفض المدرب لاستقبالي، وبقيت مسمرة عند بابه لفترة أسبوع حتى يقبل انضمامي إلى ناديه، وانتهى الأمر به بقبولي نظراً لإلحاحي الشديد، لكنه انتقم عن طريق اخضاعي لتدريبات قاسية جداً، وكنت أعود إلى منزلي باكية إلى أن استطعت الصمود، ثم عملت عدة سنوات مع نفس المدرب الذي كان يمارس لعبة الكاراتيه والتايكوندو، إلى أن أصبحت اللعبة الأخيرة تستهويني بشكل كبير، نظراً للخفة والمرونة الموجودتين فيها، وإلى أن أصبحت مغرمة بهذا الأسلوب وبهذه اللعبة.

ميشيل الكيك: من الرياضة إلى الغناء لمعت أسماء عربية من أبناء المهاجرين، مثل الشاب خالد، الذي سحر الفرنسيين بموسيقاه وأغاني الراي التي أدخلت إلى الغناء الغربي نمطاً جديداً من الموسيقى التي تحمل الرتم والنغمة الوهرانية، ومن ضمن من لمع في أغاني الراي كان هناك الشاب مامي، ورشيد لطه، وفضيل وفضيلة سحراوي.

ومن بين الموسيقيين الذين قدموا ألحانهم وأغانيهم إلى العالم أجمع لمع اسم (صافي بوتله) الذي احن أغاني ألبوم الشاب خالد، وكانت لأعماله وموسيقاه خصوصية تتسم مع أصوله وتجاربه الموسيقية، وهو ممن لا ينكرون أبداً غنى التجربة الفرنسية التي ساعدته في تكوين ما وصل إليه من معرفة موسيقية.

صافي بوتله (موسيقي من أصل جزائري): إن فرنسا منفتح على كل الأساليب والأنماط الموسيقية، بحيث يمكننا هنا أن نتعرف على كل موسيقى العالم وكل ما يجري في هذا العالم من حركة ثقافية، من هنا فإن فرنسا بلد مهم جداً بالنسبة إلينا في هذا المجال، بحيث لا يمكننا أن نجد ذلك في بلد آخر حتى في الولايات المتحدة نفسها، وبما أنه يوجد في فرنسا أقلية إفريقية ومن جنسيته فرنسية كان مهماً أن تكون لهذه المجموعات موسيقاها الخاصة المستوحاة من أصولها وجذورها، مما سمح لها بشكل كبير أن تبرز مواهبها، ربما هناك هدف سياسي أرادته فرنسا من وراء ذلك، لكن الأمر سمح لفرق موسيقية وفنية عديدة أن تثبت وجودها على الساحة الدولية وربما أيضاً من هذا المنطلق نجح ألبوم الشاب خالد الذي قمت بوضع ألحانه، خصوصاً وأنه توجد جالية مغاربية كبيرة في فرنسا وهي اليوم ليست نفس الجالية التي كانت موجودة في العشرينات والثلاثينات أن قبول جيل جديد أبناء الثمانينات والتسعينيات أي جيل الشباب.

ميشيل الكيك: المهاجرون العرب من الجيل الثاني بارز وأيضاً في المسرح والسينما والتليفزيون والموضة أمثال الفكاهي الجزائري إسماعيل في عالم المسرح إضافة إلى جمال ومحمد فلاج في المسرح أيضاً، وفي السينما تألقت أسماء مثل سعاد حميدو وإيزابيل أدجاني، ويمينا بن جيجي وصوفي بودي التي عملت أيضاً كعارضة أزياء ووصلت إلى تاج الجمال العالمي ومثلت عددت أفلاماً سينمائية.

صوفي بودي (ممثلة من أصل مغاربي): كان لدى حقا أن حصلت على لقب ملكة جمال العالم وهذا أمر سمح لي لاحقاً بتوقيع عدة عقود لا سيما في العالم الأزياء والموضة لقد عملت كثيراً في إيطاليا ثم سئمت والحياة هناك وقررت المجيء إلى فرنسا وعملت مع عديد من كبار المصممين مثل (ديور) و(جيه لاروج) و(لويه فيروه) و(تيد لابيدوس) وآخرين، وعندما كنت في التاسعة عشرة من عمري طلب مني أن أقوم بالتمثيل في فيلما يدعى "الشمس الحمراء" مع "ألان ديلون" "وتشانس بوسيرانس" كان دوراً صغيراً في هذا الفيلم لكنه أتاح لي المشاركة في أفلام أخرى عالمية والسفر إلى أسبانيا وغيرها، والعمل مع ممثلين عددين، وتسلل العرب المهاجرين إلى صفوف النخبة في مجال الأزياء والموضة، فلمع التونسي عز الدين علايا في تصميم الأزياء الفرنسية الراقية كذلك فإن مجال التليفزيون لم يعد محتكراً على الوجوه الفرنسية، فالمذيع الخفيف الظل ناجي المصري الأصل استطاع أن يحصد الجوائز الأولى عن بعض برامجه، وفي مجال الصحافة والأدب تبوء الكاتب المغربي الطاهر بوجلون موقعاً بارزاً عندما حصل على جائزة "جون كور" عام ثمانية وثمانين، وهو العربي الأول في تاريخ هذه الجائزة وتلا هو اللبناني أمين معلوف والاثنان لم يولدا على الأرض الفرنسية، وفي الصحافة تخصصت مجلات عديدة في أبرز قضايا المهاجرين في فرنسا.

حفظ نور(رئيس تحرير مجلة سلامة): مجلة ولدت بكل بساطة بسبب النقص الحاصل في المواضيع والقضايا التي تهم الجالية المغاربية الكبيرة في فرنسا، خاصة أن هذه الجالية تعاني من جملة صعوبات نظراً لوجود المهاجرين وأبناء المهاجرين من أصل جزائري ومغربي وتونسي والذين يعيشون في فرنسا دون أن يهتم أحدٌ بقضاياهم لا سيما من الناحية الإعلامية، إذا كانت كل المواضيع الخاصة بهم، ومنها موضوع الهجرة، تعالج من منظور فرنسي، ويتم تصويرهم على أنهم عبءٌ على المجتمع الفرنسي.

ميشيل الكيك: وليس غريباً أن يتعامل جميع هؤلاء تقريباً، في الكتابة والتخاطب مع اللغة الفرنسية التي أصبحت هي اللغة الأولى في حياتهم ووجودهم فهم يجيدون التعبير بهذه اللغة أكثر من إجادتهم للغتهم الأم.

مالك شبل(أستاذ في علم الاجتماع): رغم يعني تكويني في الأساس كنت متعرب تماماً 100% ولكن مع الغربة وحضورهم في فرنسا، أمور يعني تعقدت شيئاً ما.

ميشيل الكيك: مالك شبل هو أحد أبرز الأدباء والمؤرخين ممن لعبوا دوراً في تأكيد أهمية الإسلام وتاريخه العريق، عبر عشرات المؤلفات التي كتبها ونشرها في فرنسا، لكن سرعان ما يعود مالك شبل، وهو من أصل جزائري إلى الحديث بالفرنسية، وهذا أسهل بالنسبة إليه.

مالك شبل: إن الهدف من كتاباتي تعريف الغرب بالعالم العربي، وجعله عالماً مقبولاً ومفهوماً لدى الغربيين وأعتقد أن أول كتاب ألفته هو عن الجسد في الإسلام، وقد لاق نجاحاً كبيراً من قبل القراء الغربيين، مما سمح لهم بمعرفةٍ لأفضل لمظاهر الحياة العربية، وقد وجدوا في عالما العربي صورة مختلفة عن الصورة التي تقدم لهم في التليفزيون ووسائل الإعلام المختلفة وهي غالباً صورة مشوهة لا سيما العنف والتشدد وإلى ما هنالك.

المهاجرون العرب ودخولهم قلب السياسة الفرنسية

ميشيل الكيك: وإذا كان المهاجرون من أصل مغاربي حققوا هذه النجاحات في الرياضة والفن والصحافة والأدب، محاولين تلاشي عذابات آبائهم إلا أنهم حاولوا أيضاً مجاهدين الانتقال من كتلة مهمشة ومهملة في المجتمع الفرنسي إلى كتلة فاعلة ومؤثرة في السياسة أيضاً.

لكن دخول أبناء المهاجرين العرب إلى قلب الحياة السياسية الفرنسية، بشكل فاعلٍ لم يكتمل بعد، بحيث لم يصل أي أبن من أصل عربي إلى مجلس النواب الفرنسي رغم كل المحاولات التي بذلوها بهذا الخصوص ورغم ترشحهم على العديد من اللوائح الانتخابية، وفيما لم يتمكن هؤلاء من الوصول إلى مجلس النواب، استطاع أربعة فقط منهم، ثلاثة نساء ورجل واحدة استطاعوا الوصول إلى البرلمان الأوروبي.

وفي كواليس هذا البرلمان يريد هؤلاء النواب من أصل مغاربي أن يعرِّفوا نظرائهم الأوروبيين على قضايا العالم العربي وما أكثرها وبينهم من أنخرط في لجان أوربية مغاربية مشتركة عملت على تحسين العلاقة مع الدول العربية وتحديداً مع دول المغرب، كما تقول هذه النائبة في البرلمان الأوروبي من أصل عربي.

ياسمين بوجناه(نائبة في البرلمان الأوروبي): نظراً لكوني عضواً في لجنة العلاقات مع دول المغرب أهدف أولاً إلى تطوير هذه العلاقات بين الدول الموجودة في الاتحاد الأوروبي ودولاً الأصلي، لكن المهمة صعبة لأنه من المستحيل أحياناً إقناع زملائي من النواب الأوروبيين بأن دول منطقة البحر المتوسط هي مهمة للاتحاد الأوروبي وأعتقد بأن مستقبل أوروبا يمر أيضاً من خلال المتوسط.

هناك الكثير من الأوهام لدى بعض القادة الأوربية بأن أوروبا يمكنها إلى غلق حدودها، وهذا خطأ لأن هذا سيؤدي إلى مأزق ليس فقط بالنسبة إلى دول المتوسط، وإنما للاتحاد الأوروبي نفسه.

ميشيل الكيك: وإن كانت المحاولات خجولة إلا أن التجمعات السياسية والمشاركة والانتساب أحياناً إلى العديد من الأحزاب اليمينية واليسارية الفرنسية تساعد المهاجرين على الانخراط أكثر فأكثر في الحياة السياسية الفرنسية إذ يخوضون الانتخابات المحلية والبلدية في العديد من المناطق التي تتواجد فيه كثافة مغاربية إلى أن حلَّ عدد منهم في بعض البلديات.

الطيب توازي(الرئيس المساعد في بلدية مدينة): من المهم جداً أن يوجد في المجلس البلدي مسؤولاً من أصل مغاربي وهذا أمرٌ ضروري خصوصاً للمواطنين من أصول عربية والمقيمين في المدينة إذ يجدون لأول مرة محاوراً يعرف قضاياهم ويهتم بمشاكلهم، ويمكنه أن يستمع إليهم باهتمام أكثر من أي مسؤول فرنسي خصوصاً وأن النساء والرجال من أصل مغاربي في مدينتنا يعانون الكثير ومن السهل بالنسبة إليهم أن يمنحوا ثقتهم لشخص يشبههم وله نفس ملامحهم العربية.

ميشيل الكيك: وهكذا نرى بأن التمثيل العربي في ميادين السياسية الفرنسية يبقى ضعيفاً للغاية، لا بل معدوماً رغم الوجود المغاربي الكثيف والذي يصل إلى حوالي خمسة ملايين نسمة على مختلف الأراضي الفرنسية وفي محاولات متتالية من أجل فرض هذا الوجود على الساحة السياسية انتسب بعض أبناء المهاجرين إلى أحزاب اليمين واليسار في فرنسا علماً أن وجهة انتساب المهاجرين الشباب إلى الأحزاب الفرنسية في أغلب الأحيان هي اليسار الفرنسي وتحديداً الحزب الاشتراكي نظراً لأفكار وعقائد هذا الحزب القريبة أحياناً من توجهات الشباب المهاجر على اعتبار أن اليمين الفرنسي -وإذا لم نتحدث عن اليمين المتطرف- كانت له دائماً نظرة مختلفة وغير متفهمة لوجود المهاجرين على الأراضي الفرنسية، كما أن الحزب الاشتراكي وفي كل مرة يصل فيها إلى الحكم في فرنسا كان يسهل معاملات المهاجرين، يسهل بطاقات الإقامة لهم، كما يسمح لهم أيضاً بلم الشمل مع تسهيل دخول عائلاتهم وأقاربهم إلى فرنسا في حين كانت الأمور تتعقد وأكثر في كل مرة يصل فيها اليمين الفرنسي إلى الحكم.

لكن في الآونة الأخيرة ومع تقرب الحزب الاشتراكي من الجاليات اليهودية أكثر فأكثر، لوحظ تباعد عربي في المقابل عن هذا الحزب، ولوحظت أيضاً مشاركة عربية أقوى في أحزاب اليمين الفرنسي لا سيما في حزب التجمع الديجولي.

عضوة في حزب اليمين من أصل عربي: ربما أن أشكل تناقضاً في انتمائي إلى حزب اليمين الديجولي لأنه جرت العادة بأنه عندما نكون من أصل مغاربي نتوجه بشكل تلقائي نحو اليسار الفرنسي، لماذا؟ لأننا نعتبر بأن اليسار يختزن الأفكار الاجتماعية والتقدمية، لكني لا أعتقد بأن هذه الأفكار هي حكراً على الاشتراكيين أو اليسار الفرنسي، لأننا في اليمين لدينا أيضاً سياسة اجتماعية جيدة، لذلك قلت لماذا لا أكون فاعلة في حزب التجمع الديجولي نظراً للتنوع الذي يؤمن به هذا الحزب بالطبع نحن لا نتكلم عن حزب اليمين المتطرف إنما عن كل القيم الموجودة لدى الديجوليين وهذا ما أغراني لديهم لا سيما هذا التوجه العلماني إضافة إلى المبادئ المتعلقة بالديمقراطية، لكن إذا كان هناك انحراف لدى بعض أحزاب اليمين فعلينا أن نصححه وأن نذكِّر اليمين بروح الديجول المؤمن بهذا الاختلاف والتنوع بين الشعوب، من هنا غنى هذه التجربة الذي فتح لها الديجول الطريق عندما استلم الحكم، وعندما نعرف التاريخ جيداً لن نتردد أبداً بالتوجه نحو أحزاب اليمين الفرنسي.

ميشيل الكيك: وهكذا يسعى المهاجرون والفرنسيون من أصل عربي لأن يكونوا مركز نفوذ وقوى في مواقع مقربة من السلطة محاولين أيضاً أن يفرضوا وجودهم في مجتمع غريب العادات والتقاليد لا يريد في أحيانٍ كثيرة الاعتراف بهم بسبب حملات معروفة وفي طليعتها الحملات العنصرية بأشكالها العنيفة والساخرة، لكن ما نراه اليوم على شاشات التلفزة وصفحات الجرائد من وجوه سمراء متألقة تخترقوا الرياضة والفن والأدب، وحتى السياسة، بكل قوى ما هو إلا تحدي وتحدي كبير عبا أسير وأمواج المتوسط من ضفة إلى ضفة تحدٍ يحمله الجيل الثاني من المهاجرين ليثبتوا وجودهم على أرض غريبة ذاق فيها آباؤهم الأمرَّين.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة