فلسطين تحت المجهر.. مخيم رفح   
الاثنين 1425/11/30 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:21 (مكة المكرمة)، 14:21 (غرينتش)

مقدمة الحلقة:

جيفارا البديري

ضيوف الحلقة:

شارون فاينجلود: الناطق باسم الجيش الإسرائيلي
جيف هالبر: رئيس اللجنة الإسرائيلية لمناهضة هدم المنازل
مجيد الآغا: محافظ رفح
فتحي الكردي: والد الطفل الشهيد كرم

تاريخ الحلقة:

18/12/2003

- ملامح نكبة أهالي رفح
- ذرائع إسرائيل لهدم البيوت

- تهديم مطار غزة

أبو جهاد (من لاجئي رفح): ليلة الحرب دخلوا علينا بالجيبات.. بالجيبات، قعدنا يومين بعد الوادي رجعنا لخيراتنا وأرزاقنا لقينا كل شيء خراب، كل شيء بايديهم، الدور ناسفينهم خلاص عن بكرة أبيها، ما لقينا حاجة من دورنا ولا من خيراتنا أي حاجة، لقيناها ناسفينها، طلعنا ما معنا ولا حاجة، لا قوت ولا حاجة إلا غير اللي عنده جمل أم عنده حمارة يشيل لحاف وبس، أو بطانية حِرام، ما تغير بين إمبارح واليوم، دخل عليَّ قال لي اطلع من البيت، اطلع من البيت عادي طلعت من البيت وحطوا –لا مؤاخذة- الدبابات وطخوا على راسي، وطخوا تحت رجليِّ، ووين ما جيت جعل الطخ شغَّال، رجعت لقيت كوم ردم، كوم تراب ردم، كوم ردم..

أبو هاني الفرخ (أحد أصحاب المنازل المدمرة- رفح): أنا شردت زي أبويا ما شرد من فلسطين، هذه هجرة 48 جديدة، ولا واحد قادر يخش بيته، ولا قادر يتكلم.. ابني في الشقة، وولادي التانيين في شقة، مش عارفين وين نروح؟

ملامح نكبة أهالي رفح

جيفارا البديري: صورة واحدة تتكرر منذ ما يزيد عن الخمسة وخمسين عاماً، نكبة تتلوها نكسة، فتعود النكبة والمركب تسير، حالة نادرة، بل شاذة، أو ربما اعتيادية في هذا الزمان، وبالتحديد في هذا المكان، حيث البشر والحيوان والحجر هم الهدف، ورفح هي العنوان.

أبو هاني الفرخ: الساعة 9 للـ10 أجون 4، 4 جرافات، وأجن حوالي 5 دبابات، تقول خاشين على حرب، أنا مفكر فيه هزة أرضية، فتطلعت من الشباك لقيت.. لقيت الدبابات على الشباك، فأخذت ولادي وشردت بس لحقت أشرد بولادي.

طفل فلسطيني: كنا نايمين، نحنا سمعنا صوت دب ودبابات، فتحوا الباب اللي هنا بتاع اليهود، فتحوه وطلع منه الدبابات والجرافات، هم خشوا على بيت جيرانَّا هذا هدَّموه، وبعدين خشوا من هنا، شردنا من هنا، شردنا من هنا، شردنا من هذا الباب، شردنا من هذا.. من هذا الباب، يعني من هذا الباب شردنا، وهمَّ اليهود كانوا فوق العمارة هذه اللي هاي، اليهود كانوا فوق العمارة هاي، هي هاديك كانوا فوقيها اليهود، الجنود كانوا فوقيها، وكانوا يطخطخوا في الناس.

جيفارا البديري: صورة واحدة راسخة في الأذهان، جرَّافات ودبابات سحقت الأخضر واليابس، واقتلعت الحياة من جذورها، يعيش الأهالي نكبة جديدة، ويستبدلوا منازل (الإيسبست) بخيام وبقاعات عامة، والأكثرية بمخازن تجارية، هي أشبه بالحظائر، مائة وثمانون ألفا غالبيتهم من اللاجئين، هُجِّروا من جنوبي فلسطين إبان نكبة ثمانية وأربعين، سكنوا خياماً ما لبثت أن تحولت إلى منازل مسقوفة، لتصبح فيما بعد مخيم رفح، بين الأزقة الضيِّقة ومظاهر الدمار، استوقفنا عوني، الذي فقد تعب الدهر في لحظات، ولا يملك أحياناً ثمن إيجار مخزن لا يرتضيه لماعزه، ليعيش وعائلته تحت سقفه.

عوني حسن (أحد أصحاب المنازل المدمرة رفح): أنا ما معييش أتأجر بيت..، اضطريت إنه أنا آجي أسكن في المخزن دا، يعني الوضع تبعي مأساة، 5 أنفار من.. عايشين في مخزن، يعني 4× 4، أنا -الله يعزك- الحيوانات مش عايشة هنا، أنا هنا بأتحمم أنا وأولادي ومرتي يعني وعيالي، وهاي يعني البيت تبعي..

جيفارا البديري: طيب كيف بتصرف على حالك وعلى عيلتك؟

عوني حسن: والله من أهل الخير..، يعني من الجمعية هذه، من الجمعية هذه، والآخر كمان سكَّروا لنا الجمعية، يعني مش عارف يعني من وين بدنا نعيش، يعني ها الحين (..) واحد زي ما أنتِ شايفة.

جيفارا البديري: حل جذري، هكذا أراده (أرئيل شارون)، اقتلاع البشر من أرضهم، لتهدم آلة الحرب الإسرائيلية ما يقارب الألف وأربعمائة منزل، تأوي ما يزيد عن الثمانية آلاف وستمائة مواطن ولاجئ.

ذرائع إسرائيل لهدم البيوت

أبو هاني الفرخ: إعدام مخيم، هذا هو، إعدام مخيم، ليش هيك؟ ليش الخراب؟ ليش الدمار؟ ليش تضرب على الصغار؟ أيش ذنب.. أيش ذنب الورد الصغير؟ أيش ذنبه؟ هذا مخيم انعدم كله بني آدمين، كله ناس عايشين ومستورين، عشان أيش؟ عشان نفق؟ يعني مش ممكن، ولا عشان نفق ولا عشان أي حاجة، لو عشان نفق كان بيهدوا النفق، ليش يهدوا 100 بيت؟

جيفارا البديري: كل هذا الدمار بحجة واحدة، أنفاق تقول إسرائيل أن الفلسطينيين يحفرونها لتهريب السلاح.

الجنرال/ شارون فاينجلود (الناطق باسم الجيش الإسرائيلي): أي شخص لديه أنفاق في منزله، ويسمح للإرهابيين بإطلاق النار على القوات الإسرائيلية من ساحة منزله أو مطبخه، يجب أن يعلم أن الجيش الإسرائيلي سوف يثأر، سوف يرد، ويزيل الأنفاق فيفقدون أملاكهم ومنازلهم، نحن لا نهدم المنازل هكذا، يجب أن يكون ذلك واضحاً، نحن فقط نهدم المنازل التي بُنيت فيها هذه الأنفاق.

جيف هالبر (رئيس اللجنة الإسرائيلية لمناهضة هدم المنازل): في الشهر الماضي عندما تم هدم قرابة مائة وخمسين منزلاً، إسرائيل وجدت خمسة أنفاق، وبالتالي فالعلاقة بين المنظور الأمني الصرف لمحاولة العثور على الأنفاق، والتدمير الهائل لهذه المنازل غير متوافقة، لست بحاجة لأن تهدم مائة وخمسين منزلاً لتجد خمسة أنفاق.

مجيد الآغا (محافظ رفح): هم يخلقوا ذرائع، كما يقولوا أحياناً أن هناك أنفاق، هل الأنفاق موجودة في حدود فلسطين.. حدود رفح خان يونس محافظتين، تدمير شجر الزيتون، تدمير الكهرباء، الماء، البُنية التحتية، هل هذه هي الأنفاق؟

شارون فاينجلود: حسب اتفاقية جنيف والتي وقَّعت عليها إسرائيل يُسمح لنا أن نهدم المنازل طالما استُعملت وتم تحويلها لأغراض عسكرية، وبالتالي فأي أنفاق يتم حفرها من خلال منزل شخص ما، فإن ذلك سيفقده أي حصانة حسب اتفاقية جنيف.

جيف هالبر: في اتفاقية جنيف يُحظَر عليك هدم منازل السكان، يُحظَر عليك أن تؤذيهم بأي طريقة كأن تجعلهم فقراء على سبيل المثال أو تجعلهم بلا مأوى، لو أن القوانين الدولية الموجودة كاتفاقية جنيف الرابعة والتي وقَّع عليها الجميع، إسرائيل وقعت عليها، الولايات المتحدة وقعت على اتفاقية جنيف، أوروبا، الكل، إنه قانون، لو تم تنفيذ هذا القانون فإن الاحتلال برمته سيرحل غداً.

جيفارا البديري: لكن الاحتلال لم يرحل، ويحاول أن يغيِّر معالم اتفاقيات دولية بتغيير معالم الأرض لتصبح الحدود المصرية الفلسطينية حدوداً مصرية إسرائيلية، فلماذا؟ وهل الأنفاق –وإن وُجدت- تستدعي الدمار وبناء الجدار وعشرات الشهداء؟

رصاصة، اثنتان، ثلاث، أربع، عشراً، مائة، ألف، رصاصات وقذائف لا تُعد ولا تُحصى، لماذا؟

[فاصل إعلاني]

جيفارا البديري: السائر عند أطراف المخيَّم لن يرى إلا سدًّا أو جداراً يحجب رؤية أي أفق لمستقبل مشرق.

عوني حسن: هدَّموا البيوت اللي ورانا، وإحنا بعدهم، بس كنا إحنا نشوفهم، وهمَّ بيعملوا في الجدار، بيجيبوا لنا فيه بيوت واقية، وفيه الدبابات تبع الحراسة والجرافات تسهمد المكان، وفيه آلة يجيبوا الحديد هذا، ويمسكوه ويدقوه، ويفحروا له في الأرض، ويدخلوه في الأرض، يجي 4، 5، 6 مكنة.

جيفارا البديري: بحسبة بسيطة تُقسَّم المنازل المرصوصة إلى أسطر تُمحى عن وجه الأرض، يُقصف منزلان هنا وثلاثة في الحارة المجاورة، وبعد أيام تعود الآليات العسكرية لتهدم ما تبقى من السطر، سطراً تلو سطر لاستكمال الثلث المتبقي من الجدار الأمني، بارتفاع ثمانية أمتار وامتداد تسعة كيلو مترات من مستوطنة (رفيحيام) شرقاً حتى قرية الدومينية غرباً، لكن رفح هي المعيق، وبإزالتها يكتمل هدف الدولة العبرية بجعل الدولة الفلسطينية لا امتداد لها، تطوِّقها إسرائيل من كل الاتجاهات.

شارون فاينجلود: السبب الوحيد الذي يُبنى الجدار لأجله هو محاولة منع التهريب الذي يتم عبر هذه الأنفاق، وهذا هو السبب لبناء الأسوار أو الأسيجة، نفس الشيء للضفة الغربية لو قارنَّا الوضع، إنه جدار أمني وليس جداراً فاصلاً.

جيف هالبر: الحقيقة أن الجدار يُسمى من قِبَل إسرائيل بالجدار الفاصل، وبالتالي فالمبدأ ليس فقط الأمن، المبدأ هو فصل الإسرائيليين عن الفلسطينيين، لو كانت المسألة للأمن حقاً لكانوا قالوا: سنبني منازل بديلة، سنقوم بهدم خمسمائة منزل، ولكننا سنقوم ببناء خمسمائة منزل آخر، لأننا لسنا ضد السكان، هكذا ستكون مسألة أمن.

أبو هاني الفرخ: وكل اللي بتسمعيه في التليفزيون عشان نهبة الأرض سرقة الأرض، يهدوا الحجر أو يخلعوا الشجر، هذه هي الديمقراطية الإسرائيلية، هيك بيعمله جيشهم.

جيفارا البديري: رفيحيام، وعطسمونة، وموراج، المستوطنات الثلاث في رفح، تعد بنظر الأهالي الشوكة في حلق الأمل المتبقي من عدم مصادرة ما تبقى من الأرض، البحر من خلفهم، ومستوطنات الموت من أمامهم.

أم سرحان الخليلي (ربة منزل تسكن بجوار مستوطنة): ما تقدرش تقطع الأسفلت بالمرة، غير من عند هنا بس ما.. هاي حدودنا، الحيطة هاي، يوم عن يوم بيزحفوا، يعني هذا.. هذه المستوطنة ما كانت قريبة إلنا، كانت بعيدة، هي اليوم قريبة، وحتى الأسفلت هذا برضو صار لي قريب..

أبو هاني الفرخ: طول عمري أبني في البيت أنا وأولادي وفي الآخر في 5 دقايق، تيجي في أسهل ما يمكن الجرَّافة الإسرائيلية تيجي تهد لك بيتك، عشان وين تروحي على الأردن.. على الأردن هذا الهدف الاستيطاني، إن همَّ يجيبوا اليهود من روسيا أو من إثيوبيا ويسكنوه مطرحي، هذا الهدف الإسرائيلي.

أم سرحان الخليلي: يعني نبقى حابسين إحنا ألوفات الناس في رفح عشان 20، 100 نفر، يعني طبعاً هذا ظلم، حتى ها الحين أهل البحر ما بيطلع إلا معهم بطاقة ممغنطة بيخشوا فيها وبيطلعوا فيها، يعني أحياناً تكون الست فايتة وتفوت في البلد من هنا ما بتقدر ترجع، بتقول خلاص ممنوع حد يطلع، خلاص اطلع ما بأطلع، أنا ما بأروح ولا بأجي، زي ما بيقول أهل زمان: "افتح يا سمسم، سكِّر يا سمسم".

تهديم مطار غزة

جيفارا البديري: حصار يُطبِق خناقه على رفح، مستوطنات تلتهم البحر، وجدار يسد البر، وعندما تذكرنا هواءها ساقتنا أقدامنا إلى مطارها مطار غزة الدولي، الذي أُريد له أن يكون بوابة فلسطين إلى العالم، افتتحه رئيس أكبر دولة في العالم في الخامس عشر من كانون أول عام 98، اليوم وجدناه هكذا:

بُنى تحتية مدمَّرة، وأسقف منازل أصبح استخدامها محصوراً في التنقُّل فوقها أو الجلوس عليها، وأحياناً للمبيت، أما للأطفال فهي الملعب الوحيد.

طفل فلسطيني: في بيارة اللي كان.. اللي كان اليهود بيهدموا فيها، بنلعب فيها كورة، بس بيكونش.. بيكونش الدبابات طالعة، كل ما نسمع طخ وإحنا بنلعب كل أصحابي بيشردوا، ما إحنا بنلعب هنا عند.. عند الدور المهدودة، (..) فيه طاقات فوق في الحدود بيطخوا منه اليهود، بيطخوا الناس.

جيفارا البديري: عين بريئة بعكس ما يراه الاحتلال، تترقَّب رصاصاً يخرج من الفوهَّات، ومعظم الأحيان من الأبراج الحديدية أو الجُلَبْ كما يعرِّفونها، أخطرها مرابط عند بوابة صلاح الدين أو بوابة الموت، يتربَّص من بداخلها لكل ما هو حي.

فتحي الكرد (والد الطفل الشهيد كرم): أنا ما كنتش أتصوَّر إن يوم من الأيام أنا آجي أشوف المنطقة هاي، بصراحة إن اليوم يعني أنتم حتى يعني رجعتوني إلى تاريخ 28/11 سنة الـ2000.

جيفارا البديري: عاشق الرسم والفن كرم ذو العشرة أعوام استُشهد هنا عند بوابة صلاح الدين اصطحبنا والده إلى ذات المكان.

فتحي الكرد: كان في.. هنا في الغرفة هذه، كانوا فيه مرمي وكان معاه ثلاثة كمان مرميين، كان هو إصابته أخطر واحد فيهم في الرأس، وأنا يعني كان موقف فظيع جداً، حتى أنا بأشيل في الولد مش ملاقي سيارة أشيله فيها ولا (بلانص) ولا أي حاجة، لأنهم بيطخوا طخ عشوائي قتل، قتل يعني بشكل غير.. أي واحد بيطل بيقتلوه.

جيفارا البديري: قتل الطفولة في مضجعها، يبدو أنه سياسة الاحتلال لقطع نسل شعب اختار الحياة.

فتحي الكرد: ومعاه مدفع يعني الطفل كان لما كان ماشي في الشارع هذا معاه مدفع قاعد بيطخ على البر؟! ما كانش معاه حاجة، وحتى إيش ها الخطر اللي كان على دُولت.. على.. على هادُول اللي موجودين هنا؟ بس لمجرد القتل بس مش أكثر، هم بدهم بيدمروا حاجة اسمها فلسطين.

جيفارا البديري: تهاب إسرائيل منهم، ومن مستقبل سيغيِّرون ملامحه، تضع سداً منيعاً أمامهم لتصبح كلماتهم تعكس واقع طفولتهم.

طه الفرح (طفل من رفح): ..مع صاحبنا كان قبل 5 دقائق قبل ما ينطخ كانت حمامة اتكهربت وقعت إداها لأخويا ولسه 5 دقائق، وراح غادي راح إنه انطخ، وودوه على المستشفى واستشهد قالوا استشهد، كثير صحابنا انطخوا ونعرفهم، أحمد ومحمود برضو، وإبراهيم، وحسني كمان، كتير الواحد بده ينساه خلاص.

جيفارا البديري: نسيتهم؟

طه الفرخ: آه، الواحد ناعل همه وبيفكر وأحاول أنسى الهم.. كثير شباب يعني انصابوا استشهدوا..

طفل: أصحابي استشهدوا وكلهم استشهدوا، أولاد حارتنا كلهم استشهدوا وولاد حارتنا، وهذا بدي أشوفهم استشهدوا (..)، بدي أستشهد معاهم، الناس تحبني أشوف أصحابي عم بيستشهدوا يعني أظل أنا لحالي عايش لحالي في البلد، بأستشهد مع أصحابي.

جيفارا البديري: شوارع خاوية لا يجرؤ على اختراق هدوئها إلا صوت الرصاص، مَنْ يدخل رفح ليلاً يلمس حظراً للتجوال فرضه المواطنون أنفسهم، خوفاً من ليل حالك، الجميع يختبئ في منزله غير الآمن، ومع ذلك يرفضون الخضوع لسياسة الموت البطيء، استوقفتنا عائلة أبي محمود وجيرانه الجالسين أمام ركام ما تبقى من البيت.

أبو محمود الشتات (مهندس عاطل عن العمل): خمس دقائق قبل تفجير بيتي أنا تركت بيتي، خمس دقائق، والله ما أخذت منه شيء غير ولادي، أخذتهم وطلعت فيهم، سحبتهم من النوم في الليل، سحبتهم من النوم شلتهم على كتافي، ولادي سحبتهم ياللا.. ياللا، بس نجحت أني أخرج أولادي من البيت، فجروا البيت، فجَّروا بيت جاري، وكان بيتي اتبهدل كله، طارت الحوائط والشبابيك والأبواب، ما ظل فيه مفصل غير تشوفيه هيكل عظمي، هذا البيت من التفجير، وبعد هذا اسمه بيت فارغ الآن وبيت خرابة صار، بعدما فجروه، وسببوا الضرر الكبير هذا فيه، هذا جرفوه بالجرافة، فهذه السياسة هاي تسمع إطلاق النار، مين بده يكون بالطريقة هذه، يعني عنده أولاد وعنده أطفال، وبده يقعد في البيت، وهم بيضربوا عليه رصاص بالطريقة هذه؟

جيفارا البديري: كلما توغلنا في الليل نشتم رائحة الموت، ونصطدم ببقايا منازل وحوانيت، ولا نسمع إلا صوت الرصاص، وكأن أهلها هجروها فجأة.

أبو محمود الشتات: عمره ما كان ما فيش فيه ناس، لأنه سكانه فيه، إن كانوا تركوه أهله خوفاً على أولادهم تركوه من صوت الرصاص.. ذخات الرصاص والقصف اللي كان بيقصفوه على البيوت، بيجوا للبيت وسكانه فيه وبيضربوا بالجرافة من هون عشان أهله يتركوه، بيضرب فيه حائط وبيضرب فيه جزء عشان يخوف أهله ويتركوه، وبعد هذا يسميه بيت فارغ، ويجي يهدم البيت.

جيفارا البديري: لكن من يعيش في هذا الظلام الدامس عليه ألا يفاجأ بظهور خفافيش الليل، أصوات تشعر البشر وكأن زلزالاً قد ضرب الأرض، جنود الترسانة العسكرية الأقوى يبدءون زيارتهم الخاطفة.

في الدرب الآخر وجدنا عيوناً ساهرة من كل الأطياف والفصائل، تحاول بمعدات أولية تأخير الخطر القادم، علَّ شهيداً لا يسقط هنا أو بيتاً لا يُنسف هناك.

فدائي: نحاول تأخيرهم قدر الإمكان من خلال تعطيل آلية هنا أو هناك، وبالتالي يكون اللي هو باقي الموكب أو باقي الآلات ودا.. تقف، وبالتالي تتأخر يعني في عملية التقدم نحونا، ونحاول وضع بعض السواتر الرملية لكي يتأخرون في التقدم نحو هذا المخيم أو أي مكان يريدون اجتياحه.

الأسلحة تأتي من عندهم، الرصاص الذي نطلقه عليهم هو رصاصهم، رصاص إسرائيلي، وموضوع الأنفاق هو موضوع افتراء وكذب لا أكثر ولا أقل، نقول: إذا كانوا يفترون علينا هنا بالأنفاق، فهناك مدن كثيرة يجتاحونها في قطاع غزة، وفي الضفة الغربية، فما هي الحجج التي موجودة هناك وتدمير البيوت التي تكون هنا أو هناك في فلسطين بشكل كامل؟

جيفارا البديري: عيونٌ تنتظر رؤية بزوغ شمس تضيء الليل الحالك وما حمله من ذكريات.

رفح من بين الركام ولدت قصتهم، روحاً استعصت على منطق الهدم، وحيثما تسقط سنبلة تنبت ألف بذرة، تنغرس جذورها في الأرض أكثر.

أبو جهاد: أنا أملي عند الله إني أنا ما آني متأمل.. ما إني متأمل إلا غير لأرجع لوطني ولبلادي هاي الأمل اللي عندي.

أم سرحان الخليلي: يعني بنعتبر حالنا (…)، وإحنا ناس مرابطين لازم نتحمل يعني إحنا بدنا نسيب بيتنا وهذا يسيب بيته، بتظل الأرض لمين؟

أبو هاني الفرخ: أنا بدي ابني أشوفه كل يوم جنبي نايم جنبي، بديش يموت، زي ما اليهودي ما بدوش يموت ابنه، أنا ما بديش يموت ابني، أنا ابني غالي عليَّ أنا ما بدي فلوس، أنا بدي أعيش بكرامة واحترام.

فتحي الكرد: أنا مستعد أموت في أرضي، أنا وولادي وكل الدنيا مستعدين نموت، ومش أنا كل الشعب الفلسطيني بها الطريقة، لأن الشعب الفلسطيني إرادته أقوى من هادولا البشر.

جيفارا البديري: دموع قد تنهمر من عيون عندما ترى مأساة تتكرر بعد جنين، ولكن مَنْ يملكها لا يملك إلا التنهُّد، أو الدعاء، أو بالأكثر الشعور بالغضب، ولكن مَنْ نُكِبَ لرابع مرة يأبى أن يخضع لسياسة وضعها شعب اختار نفسه، ويرى أن مَنْ يعيش الموت في كل لحظة، فهو يعشق الحياة في اللحظة التي تلي لحظة الموت، علَّه يستنشق عبق الحرية على الرغم من أنها مضرَّجة بالدماء، ومن رفح تكون البداية، طيَّب الله أوقاتكم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة