التوجه التركي نحو العالم العربي   
الاثنين 1425/11/29 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:15 (مكة المكرمة)، 14:15 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

محمد كريشان

ضيوف الحلقة:

فهمي كورو: المتخصص في الشؤون العربية في صحيفة يني شفق
د.محمد السعيد إدريس: خبير الشؤون التركية بمركز الأهرام للدراسات

تاريخ الحلقة:

09/01/2003

- أبعاد جولة رئيس الوزراء التركي في ظل تطورات الملف العراقي
- مدى التجاوب العربي مع التوجه التركي الجديد

محمد كريشان: تركيا تمد يدها إلى العرب، فهل يرد العرب التحية بمثلها؟ تساؤلات حول ما يمكن اعتباره توجهاً تركياً جديداً نحو العالم العربي كما تطرحه جولة رئيس الوزراء التركي الحالية في المنطقة.

السلام عليكم. لن تقوم تركيا بأي تحرك تجاه الدول العربية ما لم تأخذ الدول العربية بزمام المبادرة وكل خطوة عربية سنقابلها بعشر خطوات تركية. هذا ما نُقل عن رجب طيب أردوغان (زعيم حزب العدالة والتنمية) بعد اكتساح حزبه الانتخابات التركية الأخيرة غير أن شبح الحرب المتوقعة في العراق والمرفوضة تركياً وعربياً سارع بتوحيد الهموم والمصالح العربية والتركية وشكل منطلقاً لما اعتبر أول جولة من نوعها منذ خروج الإمبراطورية العثمانية من المنطقة، جولة رئيس الوزراء التركي عبد الله غول الحالية بدءاً من دمشق وانتهاء بالسعودية وطهران، مروراً بالقاهرة بدت محاولة لتوفير غطاء إقليمي لتحرك يمنع الحرب لكنها تحمل في ثناياها توجهاً لخروج أنقرة من عزلة دامت أكثر من خمسين عاماً عن المحيط العربي أدارت فيها ظهرها لحقائق التاريخ والجغرافيا. يوسف الشريف يحاول قراءة أبعاد الجولة في سياق تطورات الملف العراقي.

أبعاد جولة رئيس الوزراء التركي في ظل تطورات الملف العراقي

يوسف الشريف: بينما كان ينتظر رداً تأخر كثيراً على طلب بلاده لدعم عسكري تركي اضطر السفير الأميركي لدى أنقرة إلى إلغاء عطلته في رأس السنة وهو يسعى للحصول على جواب من الحكومة التركية يرضي واشنطن، ولكن.. وبدلاً من ذلك جاء قرار مجلس الأمن القومي التركي بضرورة استنفاذ جميع الوسائل السلمية لحل المسألة العراقية وإعطاء المفتشين الدوليين الفرصة لإتمام عملهم في العراق أولاً والاستناد إلى الشرعية الدولية في التصرف فيما يخص الملف العراقي ليثبط من الآمال الأميركية التي كانت تتوقع دعماً كاملاً من تركيا ضمن حلف عسكري أميركي بريطاني خارج إطار الأمم المتحدة، فيما لم تقطع أنقرة شعرة معاوية مع واشنطن وداومت على التفاوض معها في إطار ما أسمته سياسة ردع العراق والتأكيد على جدية التهديدات الأميركية دون أن تتورط أنقرة بتقديم تعهدات محددة لواشنطن، مما دعا واشنطن إلى اللجوء مؤخراً إلى سياسة التهديد بأن عدم مشاركة تركيا في الحرب على العراق سيجعلها بعيدة عن ضبط الأوضاع التي قد تتطور في شماله ومنها قيام كيان سياسي كردي يحظى بدعم أميركي مطلق، ومن هنا جاءت الجولة التي قام بها رئيس الوزراء عبد الله غول إلى عدد من دول المنطقة، ليؤكد من خلالها على أهمية الدور الإقليمي في المسألة العراقية وضرورة عدم الاستسلام لما يحدث من تطورات وكأن الحرب آتية لا محالة، وقد أشار غول إلى خطورة تبعات الحرب على كافة دول المنطقة خصوصاً مع بروز نوايا أميركية للبقاء عسكرياً في المنطقة لإعادة رسم خريطتها والسيطرة على ثرواتها مما يجعل من باب أولى أن تأخذ هذه الدول بزمام حل المسألة العراقية، لاسيما وأن التزام بغداد بالتعاون الكامل مع مفتشي الأسلحة الدوليين يدفع -كما يقول غول- إلى إعطاء فرصة للحل السلمي والاستعداد لمرحلة جديدة قد تبدأ في حال أكد تقرير المفتشين، الذي سيُقدم إلى مجلس الأمن في السابع والعشرين من الشهر الجاري، خلو العراق من أسلحة الدمار الشامل، وهو أمر غير مستبعد حتى الآن، لكنه يحتاج حينها -كما ترى أنقرة- إلى مبادرة إقليمية ترسم ملامح ما بعد تلك الخطوة بدلاً من ترك جميع الخيوط في يد واشنطن وحدها، خصوصاً بعد تأكيد دول دائمة العضوية في مجلس الأمن مثل روسيا وفرنسا على ضرورة أن يبقى التعامل مع الملف العراقي في إطار قوانين الأمم المتحدة، وهو موقف يُفسح المجال للعمل أمام بقية الدول ويحرج واشنطن إن هي أصرت رغم كل ذلك على القيام بضرب العراق منفردة ويزيد الصعوبات أمامها.

وعلى صعيد آخر، فإن اختيار رئيس الوزراء عبد الله غول لدمشق كي تكون أولى محطاته التي يزورها يدل على عزم حكومة العدالة والتنمية على استكمال مسيرة المصالحة والتعاون مع دمشق، ومن خلالها مع بقية العالم العربي، والتي كان جانبها السياسي قد أُهمل من قِبَل الحكومات التركية السابقة ولعل ذلك يشكل فرصة غير مسبوقة لإحياء علاقات تركية-عربية سوية.

حكومة العدالة والتنمية سعت ومنذ تشكيلها إلى التأكيد على أهمية علاقات تركيا مع الدول العربية، إلا أن الحذر والتردد العربي في التعامل مع هذه الحكومة واعتبارها -وبشكل جزافي دون تحقق- امتداداً لحكومة الإسلامي نجم الدين أربكان حال دون تقديم الدول العربية أي مبادرة تجاه تركيا في حينه.

د.أوميت أوضاغ (مدير أوراسات للدراسات الاستراتيجية): أتمنى أن تكون هذه بداية لعلاقات جيدة بين تركيا والعرب، ولكن لا يجب علينا أن ننتظر السياسيين لتحسين العلاقات، بل يجب أن نتحرك أيضاً على مستوى المثقفين، وهنا نجد أن العرب لا ينشطون للتواصل والاتصال معنا على سبيل المثال في مركزنا هذا، فيما يتركون الساحة للإسرائيليين الذين هم أكثر نشاطاً واتصالاً.

يوسف الشريف: جولة رئيس الوزراء التركي عبد الله غول في المنطقة وإن عكست تصميم تركيا على تحسين علاقاتها مع الدول العربية والتنسيق معهم فيما يخص الملف العراقي، إلا أنها تعكس أيضاً القلق التركي البالغ تجاه احتمال نشوب حرب في العراق والنتائج التي قد تترتب عليها، مما يدفع بعض الأوساط العسكرية التركية إلى المطالبة بدخول شمال العراق لضبط الأوضاع هناك في حال فشل الدبلوماسية ومساعيها لحل الأزمة.

إذ أن تركيا لا تثق في النوايا الأميركية تجاه مستقبل العراق، وقد خاضت صراعاً سياسياً مع واشنطن فيما يخص سياسات أميركا بشأن الأكراد، ومن ذلك اتفاق الحكومة التركية سابقاً مع بغداد لتغيير موازين القوى في كردستان العراق في أغسطس عام 96، مما أدى إلى طرد المعارضة العراقية الموالية لواشنطن من هناك حينها.

د.أوميت أوضاغ: يجب أن يدرك العرب أن العراق إذا كان قد حافظ على وحدة أراضيه خلال السنوات العشرة الأخيرة، فذلك كان بسبب دعم أنقرة، وإذا كان سيحافظ على وحدته مستقبلاً، فلن يكون ذلك لحكمة ساسة بغداد، بل إن تركيا أعلنت أن تقسيم العراق سيواجه منها بإعلان الحرب، وهو ما لم تعلنه أي دولة عربية، كما أن تركيا دخلت في معركة مع بريطانيا وواشنطن بسبب إصرارها على بقاء السيطرة العربية على الموصل وكركوك.

يوسف الشريف: وبالإضافة إلى جولة غول في المنطقة، فإن أنقرة ستوفد وزير الدولة للتجارة (كورشات توزمان) إلى بغداد على رأس وفد من رجال الأعمال الأتراك، وذلك تأكيداً على أن أنقرة لا تزال تعمل على تطوير علاقاتها مع العراق أيضاً، والذي أشار غول إلى استعداده للقاء الرئيس صدام حسين في بغداد إذا اقتضى الأمر، رغم معارضة واشنطن لاتصالات تركيا هذه مع بغداد.

محمد كريشان: جولة غول العربية وما أعلنه خلالها من حرص على تجنب الحرب ضد العراق ومعارضة تقسيمه تعكس في نظر بعض المحللين وفاءً لذات الرغبة الشعبية التي أوصلت حزب العدالة والتنمية إلى الفوز في الانتخابات الأخيرة. نظرة من داخل تركيا لجولة غول العربية نبحثها مع فهمي كورو (المتخصص في الشؤون العربية في صحيفة "يني شفق") سيد كورو، هذه الجولة هل تعكس تطوراً استراتيجياً تركياً أم فقط أملتها ظروف وملابسات الملف العراقي؟

فهمي كورو: في الحقيقة ربما إنها محاولة مبكرة من جانب تركيا لمعالجة العلاقات المتدهورة مع العالم العربي، فهذه الحكومة عازمة على تحسين العلاقات بين العالمين التركي والعربي، وهذا ضمن برامجها كحكومة، ولكن مشكلة العراق جعلت من الأمور.. بكَّرت من الأمور وقربت من بدايتها، وعلى أية حال الحكومة كانت تحاول وما تزال تبذل أقصى جهودها لتحسين العلاقات مع العالم العربي والسبب في ذلك هو أن العلاقة لها تغيرات موجودة وتجليات مختلفة حسب من يكون في الحكم، ففي أيام (أوزال) مثلاً كانت العلاقة بشكل ممتاز، ولكن بعد ذلك.. بعد أن جاء آخرون لحكم تركيا لم يهتموا كثيراً بتحسين هذه العلاقات والآن لدينا حكومة عازمة جداً على جعل هذه العلاقات أفضل مما كانت عليه سابق.

محمد كريشان: هل يعود هذا العزم -سيد كورو- أيضاً إلى ضغط من الرأي العام الداخلي، حيث أن أغلب الاستطلاعات تتحدث الآن عن نسبة تفوق الـ80% معارضة للحرب في تركيا.. في العراق - عفواً؟

فهمي كورو: حقيقة هذا هو.. هذه هي نتيجة صحيحة، وربما أكثر من 80% من الرأي العام هو ضد أي نوع من الحرب تنشب في العراق، ولكن وكما تعلمون فإن العرب هم جيراننا أيضاً، ليس السعوديون والآخرون فقط الذين لديهم مصلحة في المنطقة، نحن لدينا أيضاً مصلحتنا في المنطقة العراق وسوريا والأردن ليست بعيدة عن تركيا، إذاً فالمسألة ليست محض مصادفة، وليس الأمر فقط بسبب العراق الذي يجعل الحكومة التركية الحالية عازمة على تحسين علاقاتها.

محمد كريشان: نعم، أيضاً إشارتك هنا إلى الدول العربية أشار إليها جول أكثر من مرة في خلال جولته، هل هي إيحاءات بأن تركيا لا تتحمل بمفردها أية تداعيات للموضوع العراقي، وبالتالي الدول العربية أولى من غيرهم لتحملها؟

فهمي كورو: بالطبع فتركيا هي جزء من العالم الإسلامي، والبلدان العربية هي أيضاً جزء من هذا العالم، فإذاً السيد جول يحاول وبأقصى قدر ممكن من جهوده المبذولة لتفادي نشوب الحرب، ولكن من.. بمفرده لن يستطيع حل هذه المشكلة أو يوقف قيامها، إذاً فهو يحاول أن.. ويسعى لدى الآخرين لطلب مساعدتهم من أجل التوصل إلى حل ونتيجة لحل سلمي لهذه المشكلة.

محمد كريشان: يعني قلت بمفرده لا يستطيع، هل معنى ذلك بأن تركيا لن تتخذ أي قرار برفض تقديم أية تسهيلات إلا إذا اتخذ العرب نفس القرار؟

فهمي كورو: لا، الحقيقة تركيا تحاول إيقاف هذه الحرب ووقوعها بمفردها، ولكن الحكومة هي حكومة جديدة، فهي في السلطة لمدة 50 يوماً فقط، فالسيد جول يحاول إيجاد ومع آخرين في المنطقة ليساعدوه ليس لأن تركيا لا تستطيع أن تقوم بشيء بمفردها، ولكن يريد رؤية العرب أن يفعلوا شيئاً، فالأميركان يمارسون ضغوطاً كبيرة على تركيا لقبول نشر قوات أميركية على أراضي تركيا، وأيضاً يمارسون هذا الضغط من أجل فتح الأراضي التركية لتكون قاعدة، وانطلاقاً مثل الموانئ، والمطارات والقواعد يجب أن تُفتح أمام القوات الأميركية لتستخدم، ولكن حتى الآن الحكومة حقيقة لم تقبل هذا، لم تستسلم أمام هذه الضغوط.

محمد كريشان: نعم، هل.. هل يمكن للمؤسسة العسكرية أن تترك الحكومة تتصرف في هذا الملف دون تدخل؟

فهمي كورو: حقيقة هذه قضية حرب، إذاً إذا كنا نتحدث عن حرب، فهذا يعني أن الجنود والمؤسسة العسكرية يجب أن تكون لها دور في هذه القضية، وما ألاحظه -من خلال مشاهداتي- إن هذه الحكومة تحاول كل ما بوسعها من أجل نيل مساعدة الجيش لإيقاف الحرب، ولا أعتقد أن مؤسستنا العسكرية سعيدة بتوصل.. بوصول الأمور إلى حالة الحرب، وهم أيضاً لا يؤيدون نشر قوات أميركية فوق الأراضي التركية أو فتح المطارات أو القواعد ضد العراق، أعتقد إن هذه قضية ليست هي قضية مدنيين ضد عسكريين، بل كلا الطرفين يحاول إيقاف الحرب.

محمد كريشان: كيف.. كيف يمكن للجانب العربي أن يتفاعل مع هذا التوجه التركي الجديد في حين نسمع أحياناً مثلاً وزير الخارجية التركي يتحدث عن حقوق ربما تكون لأنقرة في شمال العراق وخاصة في حقول النفط؟

فهمي كورو: حسناً، أعتقد إن أقوال وزير خارجيتنا قد أُسيء وأُخطئ فهمها، ففي اليوم التالي الذي نُشر فيه المقال في إحدى الصحف في اليوم التالي أوضح إنه تم نقل أقواله بطريق الخطأ، ولا أعتقد إن هذه ليس.. حكومتنا لا تطالب بأية حقوق وحقوق نفط خاصة في شمال العراق، ولكنني أعتقد أن العرب ودول المنطقة عليهم أن يفعلوا شيئاً، أن يكونوا أكثر نشاطاً وفاعلية، بعض الصحفيين الأجانب من أصدقائي.. من أصدقائي من المراسلين الأجانب يقولون إن القادة العرب الذين يبحثون هذه القضايا مع السلطات التركية بإمكانهم أن يرفعوا سماعة الهاتف بعد مجرد من يغادر الوفد التركي الغرفة ليتصلوا بالأميركيين، ويقولون: لا، نحن معكم حقيقة، هذه الأمور يجب أن تتوقف، ونحن يجب أن نوحد جهودنا العرب والأتراك والعالم الإسلامي لإيقاف هذه الحرب.

محمد كريشان: شكراً لك سيد فهمي كورو.

تطورات الداخل والخارج التركي تستوجب في نظر بعض المحللين تعاملاً عربياً إيجابياً يغض الطرف مؤقتاً عن مناطق الاختلاف.

بعد الفاصل: نظرة حول المدى الذي يمكن أن يذهب إليه العرب في التجاوب مع التوجه التركي الجديد.

[فاصل إعلاني]

مدى التجاوب العربي مع التوجه التركي الجديد

محمد كريشان: في خطوة ذات مغزى طلب رئيس الوزراء التركي في محطته بالقاهرة انضمام بلاده لجامعة الدول العربية بصفة مراقب، وسواء كانت تلك رسالة مباشرة تنم عن جدية في تنشيط التعاون مع الدول العربية أو مبادرة علاقات عامة -كما رآها البعض- لإزالة الانطباع العربي السائد بأن تركيا متورطة في سياسات أميركية مناوئة للمصالح العربية، فقد أثارت المبادرة تساؤلاً حول المدى الذي يمكن أن يذهب إليه العرب في تجاوبهم مع التوجه التركي واستثماره، توجهنا بالسؤال إلى السيد عمرو موسى (الأمين العام لجامعة الدول العربية).

عمرو موسى (الأمين العام لجامعة الدول العربية): الموضوع لا يتعلق بالانضمام إلى الجامعة العربية، إنما يتعلق بالاقتراب من الجامعة العربية والتعاون مع العمل العربي المشترك فيما هو إيجابي بالنسبة لهذه المنطقة خصوصاً في الظروف الخطيرة اللي كلنا بنشعر بها سواء كنا ضمن العالم العربي أو تركيا أو إيران أو غيرها من الدول اللي بتعيش في هذه المنطقة، وتشعر بالمسؤولية إزاءها، فهذا البعد التركي والتقارب التركي العربي موضوع مهم جداً، وموضوع فيه نواحي استراتيجية كبيرة، وأعتقد إنه هذه الزيارة والمناقشة عن كيفية الاقتراب سواء عن طريق صفة المراقب أو عن طريق تعاون من نوع معين أو اتفاقية تعاون، كل ده بيفيد العمل العربي المشترك، وتفيد العمل الإقليمي المشترك إزاء التحديات والتهديدات الموجهة للسلام والاستقرار في المنطقة، سواء ما يتعلق بالنواحي السياسية أو الأمنية أو غيرها من شؤون التعاون الإقليمي، اللي يدعو إلى تعاون بين تركيا والعالم العربي قبل أي شيء آخر.

محمد كريشان: وكانت مسألة انضمام تركيا إلى الجامعة العربية بصفة مراقب أثارت ردود فعل عربية تراوحت بين الاستغراب والاستهجان لدى بعض العواصم التي راحت تذكر تركيا بمواقف حكومات سابقة من المياه وإسرائيل، بينما طرح البعض إشكالاً قانونياً حول صحة انضمام تركيا للجامعة في حالة قبوله.

هشام يوسف (المتحدث باسم أمين عام الجامعة): هذا الموضوع من الموضوعات التي تطرح على مجلس الجامعة، وتناقش في مجلس الجامعة، سواء العلاقات العربية مع تركيا أو العلاقات العربية مع العديد من القوى الأخرى، وهناك قرارات كثيرة في هذا المجال تشير إلى أهمية العلاقات مع تركيا، ولكن الموضوع لا يتعلق بأن تركيا أصبح توجهها -كما ذكرت- شرق أوسطي، أنا يعني لا أريد الخوض في ذلك، ولكن الموضوع المطروح هو إن تركيا عبرت عن رغبتها في دفع علاقات التعاون بينها وبين الدول العربية، وهي رسالة -كما ذكرت- رسالة هامة، وينبغي أن نستغل هذه الرسالة خاصة وهذا المبادرة، خاصة وأن هذا هو الهدف الذي أعلنته الدول العربية، نعم هناك خلافات وهناك بعض الموضوعات التي تختلف فيها الرؤى العربية مع الرؤى التركية، وأنت ذكرت -على سبيل المثال- موضوع المياه، ولكن بالرغم من ذلك هذا لا يمنع من قيام الدول العربية بدفع التعاون، وربما يكون دفع التعاون في مختلف المجالات سواء كانت مجالات تجارية أو اقتصادية، أو ثقافية، أو غيرها، ربما يكون ذلك مؤثراً بشكل إيجابي في تسوية ما قد يشوب هذه العلاقات من مشاكل أو من صعوبات.

محمد كريشان: كان يُفترض أن يرد العرب تحية تركيا بمثلها أو بأحسن منها إذا ما كانت للأخلاق الإسلامية التي تجمعهما مكان في عالم السياسة، لكن الأمور تبدو أكثر تشعُّباً من مثل هذا الطرح، خاصة وأن الملف العراقي.. العراقي يزيد الأمر حساسية.

معنا من القاهرة الدكتور محمد السعيد إدريس (خبير الشؤون التركية بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية) دكتور، واضح من كلام السيد عمرو موسى، وأيضاً الناطق باسمه فيما بعد بأن هناك نوع من التخفيف لما بدا كأنه اندفاع عربي في البداية نحو الخطوة التركية فيما يتعلق بالانضمام إلى الجامعة.

د.محمد السعيد إدريس: أعتقد أن موقف السيد عمرو موسى موقف متوازن، لأن القضية ليست قضية اندفاع حول دعوة تركية للانضمام لجامعة الدول العربية، لأن مسألة الانضمام إلى جامعة الدول العربية من دول غير عربية حتى لو كان الانضمام مجرد عضوية غير كاملة أو إجرائية، ولكن يجب أن تكون هناك معايير عربية مدروسة لمثل هذا النوع من العلاقات، لأن اليوم تريد تركيا أن تنضم إلى جامعة الدول العربية، غداً إسرائيل تريد أن تنضم إلى جامعة الدول العربية، ولكن أنا أتفق مع ما ذكره الأمين العام للجامعة العربية بأن يجب أن تكون الأولوية لإجراءات تعاون حقيقية وإجراءات بناء ثقة وتعاون استراتيجي واقتصادي بين الدول العربية وبين تركيا، ومن خلال العمل المشترك يتم تصعيد هذا النوع من الروابط سواء في إطار أوسع من جامعة الدول العربية أو في إطار جامعة الدول العربية، المشكلة هنا أن هذه الدعوة التركية تجيء في وقت شديد الصعوبة بالنسبة للدول العربية، فالقضية الآن بالنسبة لكثير من الدول العربية ليست قضية التعاون مع حكومة إسلامية تركية، ولكن هي قضية يعني نفي أولوية مثل هذا النوع من الروابط وجعلها روابط سياسية بحتة، لأن كثير من الدول العربية متهمة بأنها هي التي فرَّخت الجماعات الإرهابية، ونجد ممارسات كثيرة من نظم حكم عربية لمحاولة التبرؤ من مثل هذه الاتهامات، ومحاولة نفي أي تأثير للعامل الإسلامي في السياسة الخارجية لهذه الدول.

الأمر الثاني: أن كثير من الدول العربية تبدو كأنها يعني أقرت بالأمر الواقع، وأن الغزو الأميركي للعراق أمر لا يمكن تجنبه، وكثير من الدول العربية قالت أنها لا تملك شيئاً لتفعله، في الوقت الذي نجد تركيا يعني تحاول أن تبذل جهوداً وجهود تنسيقية مع دول عربية ودول أخرى غير عربية لوقف هذا الاندفاع الأميركي أو التحسُّب لهذا الاندفاع الأميركي، أنا أعتقد أيضاً أن هذه فرصة كبيرة جداً للدول العربية أن تتجمع مرة أخرى، وأن تؤكد وحدة هويتها القومية إن جامعة الدول العربية هي جامعة تجمع الهوية القومية العربية، أن نعيد الاعتبار إلى تماسكنا حول هويتنا القومية أولاً كي نستطيع أن نضع برامج تعاون استراتيجي مع دول الجوار، سواء كانت تركيا أو إيران، لأن عدم المبادرة.. بمثل هذا النوع..

محمد كريشان[مقاطعاً]: نعم، ولكن.. ولكن يعني.. عفواً.. يعني عفواً دكتور.. يعني عفواً دكتور إذا.. إذا كان البعض يريد أن يلتقط هذه الفرصة التركية التاريخية لتفعيل موضوع منع الحرب في العراق، كيف يمكن عملياً ترجمة ذلك بشكل واضح؟

د.محمد السعيد إدريس: يعني أنا لا.. لن يمكن ترجمة مثل هذا الأمر الواقع بغياب أمرين:

الأمر الأول: هو اتفاق عربي جماعي في إطار جامعة الدول العربية على موقف محدد، وهو رفض الغزو الأميركي القادم ورفض التعاون بأي شكل من الأشكال مع هذا الغزو الأميركي القادم للعراق، عندها يمكن التعاون مع تركيا حول هذا الموضوع، لأنه بدون موقف عربي متماسك وقوي ويقيني بأن المصلحة العربية مهددة بمثل هذا الغزو الأميركي لن يمكن أبداً اتخاذ أي إجراء نحو تركيا، لأن تركيا تريد موقفاً عربياً جاداً، يعني يبدو أن الأتراك متخوفون من هشاشة الارتباطات العربية التركية، وأن الدول العربية غير مؤهلة الآن، والزميل الذي تحدث من تركيا منذ لحظات حول أن الدول العربية تتحدث مع تركيا، وبعض لحظات تتصل بالولايات المتحدة الأميركية لتقدم تقريراً تنفي فيه أنها عازمة أو عندها نية للتعاون مع تركيا على حساب علاقتها مع الولايات المتحدة الأميركية، نحن يجب أولاً أن تكون لنا مبادرة عربية عربية، قبل أن تكون لنا مبادرة عربية تركية ومبادرة عربية إيرانية، يعني من حوالي 20 يوم كان هناك لقاءات مع إخوة إيرانيين وتلمسنا حرص إيراني شديد على تنسيق عربي إيراني فيما يتعلق بالغزو القادم، إذا كنا جميعاً نرفض مثل هذا الغزو، فيجب أن تكون لنا مواقف، إذا لم نتمكن من وقف الغزو، يجب أن تكون لنا مواقف أخرى نحمي الشعب العراقي نتدبر فيما بعد سقوط نظام صدام حسين، ولكن الدول العربية لم تأبه بمثل هذه المبادرات لا المبادرة الإيرانية ولا المبادرة التركية، والموقف العربي منقسم على نفسه أو يبدو إن هو متماسك شكلياً، والأهم من هذا كله هو الحصول.. يعني الحرص على إثبات حسن النوايا وحسن السير والسلوك أمام الولايات المتحدة الأميركية.

محمد كريشان: ولكن أيضاً دكتور، هناك مازالت بعض الريبة بين العرب والأتراك، يعني بعض التحاليل التي صدرت في خلال هذه الزيارة تشير إلى أن تركيا نوعاً ما تضغط على الولايات المتحدة من خلال هذه الجولة حتى تحصل على نصيب أوفر في الكعكة كما تسمى؟

د.محمد السعيد إدريس: يعني هو إحنا المفروض إن الموقف العربي موقف ناضج وواعي، ومدرك تماماً أن.. أن تركيا تتحرك بمصالح تركية، تركيا سواء إن هي تحاول أن توقف الغزو الأميركي للعراق فإن لها مصالح في عدم قيام دولة كردية في شمال العراق، وتهدد من إمكانية التصدي لمثل هذه الغزوة والتدخل عسكرياً في شمال العراق، من ناحية أخرى هي تريد أن ترفع الثمن التركي، وإن لو وافقت تركيا بعد فترة من الضغوط الأميركية ربما يكون الثمن الأميركي باهظ الثمن، وهذا ما تريد تركيا، لأن تركيا أدركت أنها تحملت مبالغ هائلة مليارات الدولارات نتيجة حرب الخليج الثانية، وهي أيضاً تشك أنها سوف تتحمل أيضاً مبالغ ضخمة جداً إذا قامت الولايات المتحدة بغزو العراق، ولذلك هي تريد أن تقبض الثمن مقدماً، سواء في شكل معونات أميركية أو في شكل ضغوط أميركية لمسألة تحسين العلاقات الأوروبية التركية، أو فيما يتعلق بمكاسب محددة في النفط العراقي، أو وعود أميركية بعدم قيام دولة كردية في شمال العراق، عموماً أياً كان الموقف التركي، الموقف العربي يجب أن يتخذ مبادرات تجاه تركيا، إحنا يهمنا إن تركيا يكون لها علاقات جيدة مع العرب على حساب علاقاتها مع إسرائيل، يجب ألا تُترك تركيا تتلاعب بها الولايات المتحدة الأميركية وتتلاعب بها إسرائيل، وننتظر نحن لننتقد التحالف التركي الإسرائيلي، وعندنا إمكانية الآن لزعزعة -إذا كان هناك تحالف تركي إسرائيلي- نحاول أن نزعزع من هذا التحالف التركي...

محمد كريشان: وربما هذا.. هذا أيضاً ما يدعو إليه البعض، شكر.. شكراً لك سيد محمد السعيد إدريس.

وبهذا نصل إلى نهاية هذه الحلقة، دمتم في رعاية الله، وإلى اللقاء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة