"انتحار العقل" للي هايس   
الأحد 1430/8/18 هـ - الموافق 9/8/2009 م (آخر تحديث) الساعة 16:22 (مكة المكرمة)، 13:22 (غرينتش)

- الرشادة الحضارية وأسباب صراع الحضارات
- مفهوم الهوية الغربية وخطورة التعصب للتجربة الأميركية

الرشادة الحضارية وأسباب صراع الحضارات

خليل عناني
خليل عناني
: الكتاب هو "انتحار العقل، تهديد الإسلامي الراديكالي للغرب" أو باللغة الإنجليزية
The Suicide Of Reason, The Radical Islamic Threat To The West مؤلف الكتاب هو لي هايس هو مؤلف أو كاتب أميركي غير معروف في الأوساط الاكاديمية الأميركية ولكنه له تأثير على المستوى الفلسفي والأيديولوجي الأميركي حيث يعتبر أحد التابعين لمدرسة اليمين المحافظ الكلاسيكي في الولايات المتحدة الأميركية، هذا المؤلف قد أخرج كتابا آخر قبل أربع سنوات اسمه "أعداء الحضارة، الدورة الثانية للتاريخ". الفكرة الأساسية في الكتاب الذي نناقشه اليوم وهو "انتحار العقل" تنطلق من أنه من الخطأ افتراض أن الحداثة والعقلانية والتنوير سوف تعم العالم وسوف تنضوي تحت لوائها كافة المجتمعات البشرية، هو يسعى إلى نقض أطروحة فرانسيس فوكوياما حول نهاية التاريخ، الكاتب يسعى إلى بلورة مجموعة من الأفكار الرئيسية أهم هذه الأفكار هو ما يطلق عليه فكرة الرشادة الحضارية، ملخص هذه الفكرة أنها تقول إنه إذا كانت المجتمعات الغربية قد وصلت إلى قدر عالي من الرشادة الفكرية والأيديولوجية والعقلانية فإنه من الصعب أن نفترض أن كافة المجتمعات التي لا تنتمي إلى نفس المعين الثقافي سوف تصل إلى نفس الدرجة من الرشادة وهو في هذا الإطار ينظر إلى الحضارة ليس باعتبارها أمرا تراكميا ولكن باعتبارها أمرا ماديا اقتصاديا فالنظام الحضاري الأكفأ بالنسبة له هو النظام الذي يقوم على قدرة عالية على إنتاج السلع الاقتصادية والتي تؤدي بالتبعية إلى قدر عالي من الحرية الفردية حرية الاختيار وبالتالي قدر عالي من الليبرالية والتعددية السياسية ثم تؤدي إلى قدر من الرشادة الحضارية، هو يرى أن النظام الاقتصادي الأكفأ في هذه المرحلة هو النظام الرأسمالي. طبعا هذا الكتاب جاء قبل حدوث تشققات كبيرة في النظام الرأسمالي الغربي عطفا على الأزمة الاقتصادية العالمية، هذا الكتاب يأتي أيضا في إطار موجة الكتابات التي انطلقت بعد أحداث 11 سبتمر كي تعيد التركيز على الهوية الغربية من جهة وتعيد تشكيل العلاقة معه بين أميركا والعالم الإسلامي من جهة أخرى. الفكرة الأخرى المهمة في هذا الكتاب هي فكرة التوزان الحضاري، الكاتب يرى أنه من الخطأ افتراض أن الحضارات البشرية تعيش في حالة توازن، هو أيضا في هذه الفكرة يسعى إلى انتقاد أطروحة صمويل هنتنغتون -الذي رحل عن عالمنا قبل أيام قليلة- حول صدام الحضارات، هو يرى أن النموذج الذي قدمه هنتنغتون لمسألة العلاقة بين الحضارات هو نموذج ستاتيكي ساكن لا يتحرك، هو يرى أن الحضارات بالفعل تصادمت وأن أحد الأسباب الرئيسية للصدام بين الحضارات ليس فقط محاولة كل حضارة أن تحافظ على تركيبتها وخصوصيتها الثقافية والتاريخية ولكن لأن هناك بعض الحضارات تسعى إلى إنهاء التوازن القائم بين الحضارات تسعى لفرض نموذجها الحضاري وهو يعني تحديدا أن هناك أطرافا في العالم الإسلامي خاصة المتطرفين والمتشددين يسعون بشكل أو بآخر إلى إنهاء حالة التوازن الحضاري الموجودة في العالم وفرض نموذجهم الحضاري الذي يرون أنه الأمثل والأفضل للبشرية، هم ينطلقون وفقا للكاتب من رؤيتهم هذه من خلال تعميم مبدأ الجهاد وهو ينظر إلى مبدأ الجهاد باعتباره أحد المفاهيم الرئيسية في تحليل منظومة العلاقات الدولية الموجودة حاليا. النقطة الأخرى في الكتاب أيضا تتعلق بتفسير الكاتب لأحداث 11 سبتمبر، هو يرى أن هذه الأحداث لم تأت فقط نتيجة لغياب أو انحسار قيم الديمقراطية والتسامح داخل المجتمعات الإسلامية ولكن أيضا بسبب وجود مشكلة رئيسية بين الثقافة الإسلامية وفكرة التحديث، هو يرى أن الثقافة الإسلامية لم تنجح إطلاقا في تطويع مفاهيم المدنية والتحديث والتنوير وفقا لاشتراطاتها، هو يرى أنه كلما زادت عمليات فرض الحداثة على العالم الإسلامي كلما انتشرت الأفكار المناوئة لها والأفكار الرافضة لهذه الحداثة.

"إن أنموذجي فرانسيس  فوكوياما حول نهاية التاريخ وصمويل هنتنغتون حول صراع الحضارات لم يعودا صالحين لتفسير ما يحدث منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 وحتى اليوم. إن المعضلة اليوم ليست عدم وجود توازن بين الحضارات والأمم، ولكن المعضلة تكمن في سعي إحدى الحضارات لإلغاء الأخرى تماما ولإقامة توازن حسب مصالحها، وهذا هو الحال في العالم الإسلامي الذي يسعى لتسييد أنموذجه على حساب الآخرين".


مفهوم الهوية الغربية وخطورة التعصب للتجربة الأميركية

خليل عناني: إحدى الافكار الرئيسية الأخرى في الكتاب هي فكرة استنساخ التجربة الحضارية الغربية ووضعها في إطار تجارب حضارية وثقافية أخرى، يرى الكاتب أنه من الصعب أن تقوم الولايات المتحدة الأميركية باستنساخ تجربتها الحداثية والحضارية ومحاولة تطبيقها في مجتمعات أخرى لا تنعم بنفس الدرجة من المرونة الثقافية والحضارية من أجل هضم هذه الثقافات، هو يرى أن أي محاولة أميركية لفرض الديمقراطية أو نشرها حسبما قامت به إدارة الرئيس بوش خلال الأعوام الثمانية الماضية باءت بالفشل لأنه ليس فقط لعدم استعداد هذه المجتمعات لقبول ولهضم أفكار الحداثة والمدنية ولكن أيضا لأن التجربة الأميركية تمثل إلى حد بعيد تجربة استثنائية في التاريخ، هو يرى أن التجربة الأميركية حتى في إطارها الغربي وفي نسقها الغربي تمثل استثناء على الخط العام الموجود في الغرب بشكل عام، يرى أن التجربة الأميركية من الصعب أن يتم تكرارها أو إعادة إنتاجها خارج الحدود الأميركية. لا يجب أن يتم فصل الأفكار التي وردت في الكتاب عن السياق السياسي المحيط بها، هذه الأفكار جاءت في إطار موجة من الكتابات التي انتشرت في الولايات المتحدة الأميركية عقب وقوع هجمات 11 سبتمبر، هذه الأفكار تعيد ترسيخ أو تعيد التركيز على مفهوم الهوية الغربية تعيد ترسيخ مفاهيم التميز الحضاري الغربي مقارنة بالحضارات الأخرى وهي كتابات جاءت انطلاقا من شعور الولايات المتحدة الأميركية بالتهديد الذي يمثله ليس فقط المتطرفين الإسلاميين ولكن تمثله الثقافة الإسلامية بشكل عام على الحضارة الغربية. هذه الكتابات تم تدشينها أول مرة عن طريق الكتاب المهم والشهير للكاتب الراحل صمويل هنتنغتون بعنوان من نحن أو "Who We Are" هذا الكتاب كان يمثل باكورة هذا التيار الذي يسعى إلى تأكيد الهوية الغربية، هناك كتابات أخرى سارت في نفس المضمار أغلب هذه الكتابات لا تنفصل إطلاقا عن الرؤية الأيديولوجية المحافظة لليمين الأميركي التي تسعى إلى قولبة العالم والنظر إليه من خلال منظور أحادي الجانب لا يسعى إطلاقا إلى الاعتراف بالخصوصيات الحضارية الثقافية للحضارات الأخرى وبالتالي لا يمكن فصل هذا الكتاب عن كل هذه السياقات السياسية والحضارية. المشكلة الرئيسية في هذا الكتاب أنه  ينطلق إلى حد بعيد من نظرة عنصرية تفترض سمو الحضارة الغربية على ما دونها من الحضارات، أيضا تفترض أنه من الصعب على كافة المجتمعات البشرية التي لا تتمتع بعمق حضاري غربي أن تصل إلى نفس المستوى من الحداثة الفكرية أو الحداثة الثقافية وبالتالي هي نظرة إلى حد بعيد تتجاهل أن فكرة الحضارة هي فكرة تراكمية بالأساس وأنه لم يكن للحضارة الغربية أن تصل إلى ما وصلت إليه دون الاستفادة مما قامت به الحضارات الأخرى وبالتالي هذا الكتاب يسعى إلى وضع قطيعة حضارية بين مختلف التجارب الحضارية من أجل إثبات أنه لم يعد هناك إضافة يمكن أن تمثلها الحضارات الأخرى للحضارة العالمية التي هي بالأساس بالنسبة له حضارة غربية قلبا وقالبا. على المستوى الموضوعي هذا الكتاب يمثل -كما قلت سابقا- امتدادا لموجة الكتابات التي ظهرت مؤخرا والتي تسعى إلى حل إشكالية العلاقة بين الهوية من جهة وبين الحداثة من جهة أخرى، تسعى إلى إبراز تفرد وتميز النمط الحضاري الغربي على ما دونه من أنماط حضارية وثقافية، دفعني أيضا للاهتمام بهذا الكتاب أن هذا الكتاب يأتي من كتاب هم أقرب للمحافظين الجدد في الولايات المتحدة الأميركية، هؤلاء المحافظون الجدد لديهم رؤية حتى مع زوال تأثيرهم السياسي لا تزال هذه الرؤية موجودة على مستوى النخب السياسية الموجودة في أميركا وأتصور أنه سوف يتم إعادة بث الروح في هذه الكتابات مرة أخرى لذلك أتوقع أنه من الصعب أن يتم تحسين العلاقات بين العالم الإسلامي والعالم الغربي ما دامت مثل هذه الكتابات موجودة وما دامت هذه الكتابات لديها جمهور واسع في الغرب، لا بد أن يتم إعادة تغيير المنطلقات الفكرية والسياسية لهذه الكتابات كي تصبح أكثر قدرة على تحقيق نوع من التحسن في العلاقات بين العالمين الغربي والإسلامي.

[معلومات مكتوبة]

انتحار العقل، تهديد الإسلام الراديكالي للغرب

تأليف: لي هاريس

فهرس الكتاب:

التعصب ووهم الحداثة
نكران التعصب
التعصب والكراهية
تعصب الحداثة
عقلنة الحداثة
جذور الثقافة الشعبية للعقل
الاستثنائية الليبرالية
تحديات التعصب الإسلامي
عالم فوضوي جديد

[نهاية المعلومات المكتوبة]

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة