مليكة ضيف.. الطريق إلى الإسلام   
الثلاثاء 15/6/1430 هـ - الموافق 9/6/2009 م (آخر تحديث) الساعة 16:14 (مكة المكرمة)، 13:14 (غرينتش)

- الطريق إلى الإسلام والعثور على الأجوبة
- حل المشاكل المعاصرة والعلاقة مع الأهل

- عن كتاب زوجات النبي وخطوة ارتداء الحجاب

- رسالة الإسلام وحياة المسلمين في فرنسا


 سامي كليب
 مليكة ضيف

سامي كليب: مرحبا بكم أعزائي المشاهدين إلى حلقة جديدة من برنامج زيارة خاصة تنقلنا هذه المرة إلى باريس. ضيفتنا كان اسمها نيكول وكانت تنتمي إلى عائلة مسيحية كاثوليكية فرنسية، وأصبحت اليوم تعرف باسم مليكة ضيف بعد أن اعتنقت الإسلام وتزوجت جزائريا وأصبحت من الداعيات للإسلام هنا على الأراضي الفرنسية لا بل استحقت لقب عميدة الداعيات، مليكة ضيف في زيارة خاصة. لولا لغتها الفرنسية الأصيلة لما ظننت لوهلة واحدة لدى وصولي إلى منزل السيدة مليكة ضيف أنها فرنسية الأصل مسيحية الديانة فهي تشبه أي امرأة مسلمة في أي دولة عربية، وهي إذ تفهم العربية وتقرأ بها القرآن الكريم غير أنها لم تفلح بعد في أن تحدثنا بلغة الضاد فاعتمدنا الفرنسية لغة لهذا الحوار.

مليكة ضيف: أقرأ القرآن باللغة العربية لكنني لا أفهمه بما فيه الكفاية ما يدفعني إلى أن أعيد قراءته بالفرنسية من أجل فهم النص، لأن القراءة بالعربية بالطبع تعتبر قراءة خاشعة قراءة يمكننا أن نصفها بأنها قراءة ذكر بينما هي القراءة بالفرنسية قراءة من أجل الفهم وهي بالطبع الشرط اللازم لقراءة القرآن.


الطريق إلى الإسلام والعثور على الأجوبة

سامي كليب: تقولين سيدة مليكة ضيف إنه قبل اعتناقي للإسلام كنت مؤمنة ولكن مثقلة بكل الغموض والأسرار المحيطة بحياتي المسيحية الكاثوليكية الأمر الذي كان يمنعني من العثور على الطمأنينة التي يمنحني إياها الإيمان الحقيقي، هل يمكن أن أعرف لماذا تركت المسيحية واعتنقت الإسلام؟

مليكة ضيف:  في الحقيقة كنت أجد نفسي في وضعية مربكة هذا هو المصطلح الدقيق لوصف هذا الأمر، فكرة الثالوث بالنسبة لي كانت غير مفهومة ولم أجد في يوم ما أي كاهن أو رجل دين قادرا على تفسير ذلك بشكل واضح، حدث لي أيضا بشيء من المكر أن تساءلت بالطبع يجب طرح السؤال على رجل دين ومبادرته، هيا أخبرني بكل شيء، ماذا يعني الثالوث؟ عزيزتي إنه سر غامض. أنحدر من أصول قروية ولدي ارتباط وثيق بالأرض أحب الأشياء التي تنتمي إلى الواقع تكون واضحة ويمكن تفسيرها وبالنسبة لي لم يكن ذلك كافيا وحين كنت أصلي كنت أصلي كما يصلي الكاثوليك يعني بطريقة غير منتظمة في غالب الأحيان، لا يوجد الكثير من الناس الذين يمارسون شعائرهم بانتظام، كان يحدث معي مثلا أن أذهب إلى العمل وخلال عودتي أتوقف عند الكنيسة للصلاة لمدة خمس دقائق ثم أواصل إيقاع الحياة اليومية.

سامي كليب: كم كان عمرك حين بدأت تطرحين على نفسك هذه الأسئلة، في العشرينيات تقريبا؟

مليكة ضيف: كان عمري حينذاك 16 أو 18 عاما، أجل في هذه السن المبكرة كنت أطرح على نفسي مثل هذه الأسئلة لكن الأسئلة الحقيقية طرحتها بعد ذلك اللقاء مع القس مخاطبة نفسي بأي حق يمكن أن يمنعني رجل من الحوار مع الله؟

سامي كليب: فهمت أيضا سيدة مليكة ضيف أن أول علاقة مع الإسلام أيضا جاءت من خلال كتاب حول فن العمارة في الإسلام للهندسة المعمارية إذا صح التعبير.

مليكة ضيف: أجل هذا الكتاب هو الذي قادني إلى الإسلام، زرت أكثر من مرة البلاد الإسلامية وزرت المساجد واكتشفت جمال بنيانها ثم في الجزائر التي ذهبت إليها مرارا هناك قصور قديمة ذات طراز إسلامي أصيل واكتشفت أنها جميلة استحوذت على اهتمامي، وفي أحد الأيام في ساعة الغداء خلال فترة العمل مررت بجوار مكتبة فوقع نظري على كتاب رائع يتحدث عن هندسة البناء الإسلامية، لم أقاوم إغراءه فاقتنيته وبعد ذلك وضعته في ركن ولم أتفحصه مباشرة كان لدي مشاغل أخرى لدي حياة مضطربة رغم ذلك.

سامي كليب: ماذا كنت تفعلين آنذاك؟

مليكة ضيف: كنت أعمل كمسؤولة عن الشؤون القانونية في شركة تعمل في مجال الاتصال بين أعمال المقاولات وكانت لدينا علاقات أعمال مع العديد من البلدان العربية في إحدى المراحل، وفي أحد الأيام شرعت في تقليب صفحات الكتاب هذا الكتاب بالذات كان يحتوي على ترجمات لبعض المقاطع من نصوص مكتوبة بالعربية على الواجهات وعلى الفسيفساء هنا مكتوب في أحد الأماكن عبارة "لا إله إلا الله" وبالطبع لم أكن أعرف ما كانت تعنيه والترجمة التي كانت بجانبها كانت "ليس هناك إله إلا الله"، تبا إنها الإجابة عن ذاك السؤال الشهير الذي طالما أرقني، بالطبع لأن ما فهمته أن هنالك إله وما حوله ليس سوى أقمار تدور في فلكه.

سامي كليب: نشأت مليكة ضيف أو نيكول حسب اسمها السابق في عائلة محافظة من عائلات منطقة البروتاني الفرنسية وكان أهلها من الأوفياء للكنيسة، ولم يكن أي شيء في طفولتها ومراهقتها يؤهلها لأن تعتنق الإسلام دينا ثم تتزوج سائق تكسي جزائريا، ولعل في ذلك سر من أسرار هذه الحياة لا يعرف كنهه إلا الخالق، ورغم لفظها الركيك للغة الضاد ورغم وهن أصاب صوتها قبل التصوير إلا أنها حاولت قدر الإمكان أن تقرأ ما تيسر لها من القرآن الكريم.

مليكة ضيف: {يس، وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ، إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ، تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ، لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ، لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ..}[يس:1- 7].

سامي كليب: حين زرت السيدة مليكة ضيف الفرنسية الأصل كانت تقرأ القرآن الكريم وتدعو لزوجها بالشفاء فهو كان قد سافر قبل أيام قليلة للعلاج في الجزائر ولم يكن وضعه سهلا، واللافت في تجربة هذه الداعية المسلمة أن اعتناقها للإسلام لم يكن بسبب أو لأجل الزواج من السائق الجزائري وإنما هي الفتاة الفرنسية التي ربما شجعت زوجها العربي الجزائري على المضي قدما في طريق الإيمان.

مليكة ضيف: بالطبع بدا الأمر خارقا، أجل في البلاد العربية كان هذا السؤال غير مفهوم في الغالب ولكن السبب أنه لا دراية لنا بالتاريخ، يجب معرفة تاريخ الجزائر يجب إدراك أن 130 سنة من الاحتلال تجاهلت دراسة تاريخ الدين بل أكثر من ذلك تم حظره بما أنهم كانوا يمنعون المدارس القرآنية، ودراسة اللغة العربية كانت تشكل استثناء، يجب أن تسكن في أماكن محددة ويكون لديك امتياز للتمتع بذلك لهذا لم تكن لدى زوجي فرصة تحصيل هذا التعليم، كان لديه إذاً مجرد النذر اليسير الذي حرص الأهل والأجداد على تمريره، وكنا نتحدث عن ذلك أحيانا ونقول لبعضنا البعض انظر لديك نفس النبي الذي لدي لكن الأمور كانت تتوقف هناك لم يكن لدينا نفس الالتزام، لم نفهم الالتزام الذي يكون لديك عبر العقيدة وتكون في نفس الوقت شاكرا للإله باستمرار. إذاً لماذا تزوجنا؟ كان ذلك منذ خمسين سنة، لم يكن هذا السؤال مطروحا وأقول الآن بفضل الله لم نرزق بأولاد لأنني اعتنقت الإسلام فيما بعد، تقريبا منذ 15 سنة حين تزوجنا كان من الممكن أن نرزق بأولاد، تخيل، بالطبع نرى ذلك لدى بعض العائلات فإما أن يعتنقوا الإسلام أو أن ينجبوا أولادا خلال سني المراهقة وفجأة يأمرونهم منذ الآن ستصير مسلما، من الصعب إدارة شيء مماثل، إذاً حمانا الله هنا من حجر عثرة وبالتالي حين عثرت أنا على هذا الكتاب طرحت على نفسي العديد من الأسئلة لكن السؤال الوجيه كان كالتالي، نعم يعجبني هذا الدين لكنه دين العرب لأن ثقافتنا في فرنسا كانت جدا محدودة، إلى هذا المستوى كانوا يفكرون أنها ثقافة شعب وليس كثقافة شعب الإنكا إذا أردت، ولأجل ذلك لم يفكر أحد للحظة أنني سأعتنق الإسلام، كان لا بد من لقاء أو مصادفة عرضية ثم اكتملت الأشياء من تلقاء نفسها فوجدتني معتنقة للإسلام.

سامي كليب: لا شك أن عدم الإنجاب جعلك تفكرين أكثر في الإسلام ولكن سؤالي هل بسبب عدم الإنجاب ربما ذهبت أكثر باتجاه الإسلام بحثا عن إجابات لتعويض هذا النقص؟

مليكة ضيف: من الصعب الإجابة، في البدء وفي السنوات الأولى كان يحدونا أمل بإنجاب طفل فعلنا مثلما قد يفعل الجميع مسيرة المحارب لكي تحصل على طفل، بكيت مرارا، وبعد ذلك اعتنقت الإسلام وحين أصبحت مسلمة.. يجب أولا أن تعرف قبل ذلك كان لدي مخطط لحياة مهنية كنت أحدد رغم ذلك آفاقا صاعدة لكن حين اعتنقت الإسلام تغير طموحي وواصلت بهدوء مسيرتي المهنية لكن دون رغبة في التطور كثيرا، بينما خصصت كل وقتي للدراسة لأنني لم أكن أكتفي بالشهادتين لا إله إلا الله محمد رسول الله، لكنني أحسست أنني كنت في حاجة إلى تملك ما تبقى من المعرفة الدينية وخصصت لأجل هذه الغاية الكثير من الوقت قرأت كثيرا وكانت لدينا الكثير من كتب المستشرقين والتي لم تكن تفيدنا كثيرا لكنها كانت تجيب على العديد من الأسئلة وكان من الضروري تصحيح بعض الأخطاء فيما بعد بالطبع لكن في النهاية الحمد لله كل شيء تم على أحسن وجه. إذاً في المرحلة الأولى قبل  أن اعتنق الإسلام فإن مسألة عدم إنجاب أطفال كانت صعبة بالنسبة لي حتى أنني اقترحت على زوجي الانفصال وأن أعطيه حريته كي يتزوج وينجب أطفالا وهو ما رفضه بقوة وأجابني سنعيش هكذا وهناك أطفال كثر في العائلة، فيما بعد حين صرت مسلمة وحين بدأت أدرس أدركت أنني لو كنت أرغب في ذلك من قبل لم أكن لأتمكن من تحقيق ذلك.

سامي كليب: رغم ذلك وضعت كتابا جميلا رغم عدم الإنجاب حول علاقات الأولاد بالأهل، وسؤالي كيف يمكن أن يضع الإنسان كتابا حول مسألة لم يعشها؟ يعني خصوصا مثلا كيف يعيش الطفل العلاقة مع والديه؟ ما هي البرامج التلفزيونية التي يحضرها؟ ما هو الممنوع في هذه الكتب؟ هناك شروحات مفصلة.

مليكة ضيف: إن الأمر غامض بالنسبة لي أنا أيضا، أظن أن ما نحن بصدد الحديث عنه في هذا الكتاب موجود في تعاليم الإسلام، لا شيء غير ذلك لم أضف شيئا اللهم بعض التعبيرات.

سامي كليب: لكن لم يكن هناك فيديو وتلفزيون في عهد الرسول.

مليكة ضيف: لسنا في حاجة إلى رؤية للفهم، تعرف حين اعتنقت الإسلام وحين قرأت القرآن أول ترجمة وتأويل للقرآن باللغة الفرنسية التي قرأتها تعتبر ترجمة رديئة ومع ذلك أخذت منها أشياء بالغة الأهمية، الله يتيح لنا إمكانية القراءة بالقلب عوضا عن العين أن نفهم بقلبنا وبعد ذلك أعطيت دروسا، ويجب التذكير أيضا أنني اعتنقت الإسلام في العام 1972 وظللت طيلة عشر سنوات أدرس وأقرأ وأتطور بهدوء دون أن أكلم أحدا من أقاربي، كانت مسألة بالنسبة لي شخصية بالفعل.


حل المشاكل المعاصرة والعلاقة مع الأهل

سامي كليب: كل شيء في منزل الداعية المسلمة الفرنسية الأصل مليكة ضيف يوحي بالإيمان والبساطة، صورة للمسجد الأقصى، سجادة وسبحة وآيات قرآنية وكتب إسلامية أو عن الإسلام وحوله، بساطة تميز أيضا بها خطابها وهي تتوجه إلى الشباب المسلم في فرنسا أو إلى الفرنسيين الذين منذ انفصل الدين عن دولتهم صاروا قلما يؤمون أماكن العبادة، فهي كتبت وتقول إنه بالإيمان وفي الإسلام يكمن جزء كبير من حل المشاكل المعاصرة.

مليكة ضيف: لماذا أنزلنا الله من الفردوس الذي خلقه من أجلنا؟ ما هو الهدف الأخير؟ إنه هدف الحب، الله يحب مخلوقاته ولأنه يحبها وضعها في الامتحان ليطهرها، نعرف أن كل اختبار يعتبر تطهيرا بالنسبة للفرد تمسح جزءا من خطاياه ويريد الله أن يطهره لأنه يحاول أن يعطيه فرصة أخرى للعدول والرجوع عن الطريق التي سلكها، هذا هو كنه المسألة، لا يبقى فقط إلا أولئك الذين يرفضون العودة والذين يعارضون أولئك الذين لم يفهموا والذين يرفضون بشكل قاطع هم الذين لن يلجوا الجنة ولكننا كلنا نزلنا من الجنة.

سامي كليب: هناك أيضا مشكلة كبيرة هنا في فرنسا هي مشكلة تدخل السياسة في حياة المسلمين اليومية، يعني حضرتك تقومين بالمحاضرات وما إلى ذلك لتنشري الإسلام الصحيح ولكن هناك عقبات تفرض هذا الانقسام بين المسلمين في فرنسا، عقبات سياسية بالدرجة الأولى، هل تعيشين ذلك في حياتك اليومية؟

مليكة ضيف: لا أترك نفسي تنبهر بتاريخ السياسة لا تهمني لا تعنيني، أنا أناضل بالمقابل ضد بعض الأشياء ضد الإسلام الوطني هذا ما أناضل ضده بكل ما أوتيت من قوة، لا يوجد إسلام مغربي أو إسلام جزائري أو إسلام تركي هناك إسلام واحد وللأسف لدينا مساجد ترفرف فوقها أعلام مختلفة، هذا الذي نقوله، لكن بالنسبة لي أتردد بلا مبالاة على أي مسجد ولا أريد أن أعرف. مهلا حين يكون جمع من الناس حولي لا أسأل ما هو أصل الشخص لأن ذلك لا يعنيني إلا إذا كنا نتكلم عن وصفات الطعام إذ في هذه الحالات نتبادل أشياء، آه في بلدكم نطبخ هكذا أو هكذا، لكن أريد أن أقول في العموم إنني أعطيت للتو معرفة إسلامية ولا أدخل في أي نقاشات يمكن أن تكون سوى سجالات.

سامي كليب: لم يكن اعتناق الفتاة نيكول للإسلام سهلا فقد تزامنت معرفتها بالدين الحنيف مع بذور الثورة الجزائرية ضد المستعمر الفرنسي وفي أعقاب الحرب الغربية الإسرائيلية على قناة السويس والتي شاركت فيها فرنسا، وكانت معرفة المواطن الفرنسي بالجار العربي أو بالمهاجرين لا تزال محدودة أو مشوهة، وتذكر السيدة مليكة ضيف اليوم وبكثير من المحبة والتأثر أوائل المؤتمرات الإسلامية التي شاركت فيها أكان ذلك في الجزائر أم مصر أم دول أخرى.

مليكة ضيف: أتذكر أنه كان لدي الامتياز العظيم والحمد لله لملاقاة الشيخ الغزالي رحمة الله عليه في العديد من الفرص وأظن أننا أصبحنا أصدقاء وأنني صرت تحت حمايته، كنت دون شك من الأوائل الذين اعتنقوا الإسلام وجاؤوا من فرنسا للبحث عن العلم لدى كل هؤلاء العلماء، بالطبع كنت حالة خاصة إلى حد ما وأتذكر حين اتخذت مقعدي كان لدي مقعد لأني كنت أستعمل السماعات للترجمة وحين يكون ورائي حوالي خمسمائة شخص ويمر عابرا الممر وأنا في الجنب وحين يصل بجانبي يسلم علي قائلا السلام عليكم أخت مليكة، كان كل ذلك بالنسبة لي رائعا وكانت لديه نظرات عطف تجاهي، لقد أمدني بالكثير.

سامي كليب: اعتنقت الشابة نيكول الإسلام بينما كانت الهجرة المغاربية الإسلامية إلى فرنسا لا تزال في بدايتها وكان الإسلام يعني للفرنسيين التخلف أو العنف أو الفقر أو الأيادي العاملة، وهكذا وجدت نيكول نفسها وهي في مقتبل العمر والعمل في مواجهة محيط معاد لها خصوصا المدير المشرف على عملها.

مليكة ضيف: كان قبل كل شيء كاثوليكيا متشددا وحين فهم أنني مسلمة قال في البدء هل جننت، لماذا قمت بذلك؟ وبما أنه كان يصرخ خرج صوته كالرعد إضافة إلى أنه طاعن في السن لكن في نفس الوقت كان مندهشا، أجبته اسمع حين تود أن تتناقش كف عن الصراخ، أنا سأعود إلى العمل، هذا ما قلته ولكن كان هذا نوع من العلاقة التي كانت لدينا، وبعد ذلك ربما بعد ساعتين جاء يبحث عني قائلا، لا بأس هل يمكن أن نتكلم؟ أجبته إذا رغبت في ذلك، وحينها ألقى بعض الأسئلة، بينما كنت أنا أجيبه وضحت له موقفي من الثالوث وفي النهاية وحين اتضحت الأمور قلت له لم أتخل عن المسيح إنه يوجد دوما في طريقي لم أتخل عن الأنبياء الآخرين. كان علي أن أشرح ذلك لأن هذا هو ما لا يتخيله المسلمون خاصة والعالم أجمع أشياء لا يتخيلها الناس بتاتا، حتى أنه كان لدينا رب عمل درس في كلية الهندسة التي كانت تعتبر من الكليات الشهيرة وكان يجهل بشكل تام بأننا نحن المسلمين نعترف بالمسيح وبأمه مريم العذراء كان يجهل كل هذه الأشياء، وحين أخبرته قائلة، وها أنا أجبتك الآن هل تسمح بأن أطرح عليك سؤالا؟ فقال تفضلي هيا، حينها سألته هل بإمكانك أن تعتقد الآن أنه في يوم البعث أنا وأنت سنمثل أمام الإله نفسه؟ قال شيئا مثل أوف تزعجينني مرة أخرى معك حق أجل معك حق، وبعد ذلك تقبل الوضع وجعل الآخرين يتقبلونه، وبعد ذلك صرت مطمئنة وتمتعت بنهاية خدمة رائعة، مكثت طيلة ثلاثين سنة في هذه الشركة وفعلا السعادة القصوى.

سامي كليب: كيف تقبل الأهل انتقالك إلى الدين الإسلامي؟

مليكة ضيف: كان هذا لبضع سنوات بعد ذلك كنت أعيش هذا الإحساس ولا أتحدث عنه، كانت لدينا أنا وزوجي مسألة كان لا بد من حلها وإدارتها حين كنا نذهب في زيارة أهلي وكانت الزيارة تستغرق يومين أو ثلاثة أيام، كنا نفد محملين بأكلنا كنا نحمل معنا اللحم الخاص بنا وكان دوما تحت ذريعة أننا نريد أن نشوي اللحم في الصباح، لكن وقع لي ذات مرة أن أتيت وحدي عند والدتي ولم أحمل معي كما جرت العادة كمية اللحم قلت لنفسي سأتصرف، وفي المساء انتظرتني بقطعتين أو ثلاث قطع من لحم الخنزير على الطاولة بالطبع قطعة لحم الخنزير ظلت كما هي، وفي النهاية بدأت تتساءل تتصرفين كما زوجك لا تأكلين لحم الخنزير إذاً كانت هذه رغبتك؟ أجل. وفي أحد الأيام أخبرت إحدى أخواتي بأني يمكن أن أموت وطلبت منها البساطة خلال مراسم الدفن، كانت فكرة مقلقة رغم ذلك وفي أحد الأيام أذاعت أختي الخبر وحين جئت إلى البيت وجدت لجنة استقبال أمامي، كان الجو متشنجا شيئا ما، حسمت الأمر قائلة لن أقبل أبدا، والدي لم يقل شيئا لكن أمي كانت ردة فعلها قوية، لن أقبل بهذا أبدا، أجبتها لكن يا أمي يجب أن تقبلي بالأمر الواقع أنا مسلمة منذ عشر سنوات ويجب أن تقبليني كما أنا هكذا ولم يدر في مخيلتي أن أغير رأيي، لم أكن أرغب في الدخول في نقاش كنت دوما أضع حدا أقصى للنقاش وقد نجحت أخيرا، وحقا أشكر الله الذي أتاح لي ذلك وساعدني، حتى آخر سنوات عمرها كنت بجانبها في الحقيقة هدأت الأمور مع مرور الوقت وتمكنت من أن أظل بجانبها وأن أحترم تعاليم الإسلام الذي يمنعنا عن التلفظ بشيء يغضب الوالدين، نجحت أجل نجحت.

[فاصل إعلاني]

سامي كليب: فهمت في مرحلة معينة أنها كانت حتى الكتب التي كنت تؤلفينها كانت تشاهدها وكانت فخورة أمام الآخرين وكانت أيضا تعجب بأني تذهبي مع زوجك مثلا إلى المقابر؟

مليكة ضيف: في الحقيقة أدركت ذلك بالصدفة كنت دوما أعمل على أن أترك قطع الخنزير حين كنت أذهب لبضعة أيام، وفي العديد من المرات كان علي أن أصحح بعض الوثائق وشيئا فشيئا كانت تستقر دوما فكرة مسبقة كنت أترك أحيانا ورقتين فقط ورقتين كنت أعلمها جيدا لكني أنساها فيما بعد، هكذا وفي أحد الأيام وقت المغادرة صعدت إلى غرفتي وقالت حسنا هل أنت جاهزة؟ أجل، أجل. فقد كان عليها أن تقلني إلى محطة القطار رددت أأنت جاهزة؟ أجل، أجل. لم تنس شيئا؟ لا، لا، لا أظن. ثم اسمعي يمكن أن أجده في المرة القادمة، وبعد ذلك ذهبت. في الحقيقة كنت  أتعمد ترك شيء ما وفي ذلك الحين أظن بأنها اقتربت من كتفي ورأت أني تركت شيئا أنا شبه متأكدة أنها فعلت ذلك ودون شك، قادت السيارة بسرعة مائتي كيلو متر في الساعة نحو القطار، ساورني فعلا خاطر أوحى لي بأنها كانت متعجلة وترغب في أن تقلني بسرعة أنزلتني بجوار محطة القطار، كان لدي انطباع بأنها عادت بسرعة لترى ماذا كان في الأوراق لم أجد أوراقي فيما بعد ولم تخبرني عنها، وفي أحد الأيام أعطيتها كتابا حول المرأة في الإسلام قلت لها اسمعي أرغب في أن تقرأي هذا الكتاب سأتركه لك، لم تنبس بأي تعليق.

سامي كليب: غريب.

مليكة ضيف: لم تكن قادرة على ذلك، لأن تعليقها كان من شأنه أن يجعلها تتراجع عن كل ما أكدته في السابق، أنت تعودين إلى العصور الوسطى أتدركين ذلك؟ نحن ناضلنا من أجل الحصول على حق التصويت وأنت باختصار كل ما يمكن أن ننتظره من بلد مثل فرنسا ولم تدرك أني عوض التقهقر إلى الخلف فأنا قمت بخطوة إلى الأمام، أعتقد أنه عبر قراءة هذا الكتاب اكتشفت أن وضعية المرأة في الإسلام محترمة فعلا بالتزامنا بتعاليم الإسلام، فوضعية المرأة لم تكن أكثر مأسوية من نظيرتها في الغرب.


عن كتاب زوجات النبي وخطوة ارتداء الحجاب

سامي كليب: فلنعد قليلا إلى هذا الكتاب "زوجات النبي"، في الواقع تسردين العديد من القصص التاريخية حول شروط المرأة في الإسلام وما قبل الإسلام، وتقولين إن حال المرأة مثلا قبل الإسلام كان سيئا جدا فالمرأة البابلية -في الحضارات الأخرى طبعا- كانت تباع بسوق النخاسة أو تهدى وكل شيء مباح لها قبل الزواج أما بعده فلو خانت زوجها يتم إغراقها حتى الموت، ولكن يسمح لها بأن تذهب مرة في حياتها بعد الزواج إلى معبد الورد لعلاقة إباحية مع عشيق مرة واحدة في حياتها. والمرأة الصينية مع كونفوشيوس كانت ممتازة ثم احتقرت في النظام الإقطاعي ولم يكن لها أي حقوق ولو مات زوجها كان عليها أن تنتحر حرقا. والمرأة الهندية كانت عبدة طيلة حياتها. والمرأة اليهودية تُزوج مرغمة ولا يمكنها الطلاق والزواج كان معروفا باسم عقد التفوق، وتعدد الزوجات اليهود طبقوها والفرس والهنود والرومان واليونانيون وفي اليهودية مثلا سليمان كانت له سبعمائة امرأة وخليلة، وفي المسيحية حسب ما فهمت فإن المسيح لم يمنع تعدد الزوجات وإنما ربما نظم ذلك.

مليكة ضيف: إذاً فإن المسيح لم يشر إلى تعدد الزوجات، لم يتدخل في هذا الموضوع بأي شكل من الأشكال المسيح نفسه لم يتزوج على ما يبدو رغم ما نسمعه أحيانا، تعدد الزوجات كظاهرة كانت موجودة منذ غابر الأزمنة إنها مستمرة عبر الحضارات، أول دين اهتم بهذا الأمر وفي كل الأحوال أول دين اهتم بوضعية المرأة هو الإسلام، لم تبال أي ديانة بسعادة المرأة كانت هذه السعادة دوما على هامش حياة المجتمع والدين نفسه لكن الإسلام أعطاها فجأة مكانة ووضعها في أول القائمة ووضع قانونا لتعدد الزوجات لكنه لم يمنعه. بيد أن المسيح لم يتدخل بأي شكل من الأشكال كما أننا نعرف أن إبراهيم تزوج على الأقل بامرأتين، كلنا يعرف قصة هاجر وسارة، وبالتالي حصل هذا قبل الإسلام بقرون والمسيح إضافة إلى أنه لم يثر المسألة لم يأت بأي نص لم يسن قوانين بأي شكل من الأشكال، إذاً فالإسلام هو الذي وضع قوانين للزواج المتعدد وقال يمكنكم أن تتزوجوا أربع نساء ولا يمكنكم أن تتجاوزوا هذا العدد، حيث كان الكثير من الرجال قديما يتزوجون بأكثر من أربع نساء وكان هذا دليلا على مرتبتهم الاجتماعية، زوجات سجينات المنازل وفي الكثير من الأحيان لم يكن يحظين بزيارة الزوج إلا لماما هذا إذا شئنا أن نسميه زوجا، بين ليلة وضحاها وضع الإسلام قوانين لذلك وقال لا حظر على ما كان شائعا في السابق لكن منذ الآن لا تتجاوزوا أربع نساء {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ..}[النساء:3]،فلا يجب أن ننسى أنه في أكثر المرات التي يذكرون فيها هذه الآية مثنى وثلاث ورباع ويتوقفون هنا يجب التأكيد يجب إضافة الجزء المتبقي من الآية {..فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً ..}[النساء:3]، هذا سيجنبكم ارتكاب الخطيئة التي سببها عدم العدل. وفي آية أخرى من القرآن نجد الله يحذر، لن تقدروا أبدا على حب اثنتين بقلب واحد، وهل الظلم لا يبدأ من هنا سلفا؟ الله أعلم.

سامي كليب: دأبت السيدة مليكة ضيف منذ سنوات طويلة على نشر التعاليم الصحيحة للإسلام بين مواطنيها الفرنسيين وهي غالبا ما تدعى إلى خارج فرنسا للمشاركة في ندوات ومحاضرات، ونظرا لعمرها السبعيني ولخبرتها الطويلة فقد لقبت بعميدة الداعيات هنا خصوصا أنها الأولى التي اختطت لنفسها هذا الطريق، وقد مهدت لذلك بتعمق في قراءة القرآن الكريم والأحاديث، ونشرت هي نفسها كتبا إسلامية عديدة بينها هذا الكتاب حول زوجات النبي أو أمهات المؤمنين قدمت فيه خصال النبي محمد في المنزل ومع نسائه، تماما كما شرحت سير وخصال كل من أمهات المؤمنين وما قدمنه لنشر الدعوة.

مليكة ضيف: أحيانا نلمس عند المسلمين نزعة إلى إظهار شخصية النبي صلى الله عليه وسلم كأنها شخصية مثالية، نتحدث كثيرا إلى درجة نجعل من النبي شخصية تعيش بعيدة عن المجتمع وهامشية بالنسبة لباقي البشر، لكنه كان يعيش وسط المجتمع وسط الصحابة في كل المستويات كان لديه رفاق مميزون بينهم أبو بكر وعمر وآخرون لكن أيضا كان الآخرون رفاقه والفقراء أيضا، ألم يعط لبلال وظيفة مؤذن، وقد كان بلال عبدا؟ ويتكلم مع النساء وحين يجدهن في الشارع -لا أعلم إذا كانت هناك فعلا شوارع- لكن كان يلاقيهن ويزورهن عند الحاجة إليه، هذا ما حصل. إذاً بالنسبة لحياته العائلية كانت لديه مثل كل شخص حياة طبيعية لم يكن بالتأكيد يغسل الأواني لأن في تلك الحقبة لا أعرف كيف كانت تسير الأمور وماذا كانوا يأكلون، كانوا غالبا يأكلون التمر ويشربون الماء لسد الرمق. كانت هناك فترات عصيبة لكني أظن أنه ذكر أنه كان يرقع ثيابه ويصلح خفيه ويحلب الماعز ويقطع اللحم، في أيام العيد دون شك كانوا يأكلون اللحم حين يكون ذلك ممكنا، كان يعيش وسط المجموعة داخل الجماعة ويضع نفسه دائما رهن إشارة مجتمعه، الكل كان بإمكانه أن يستفسر، أنا ألاحظ شيئا بهذا الخصوص إذا يأتي الصحابة لطرح الأسئلة لكن عن الصحابة أتكلم عن النساء الصحابيات في ذلك الزمن كن يطرحن أسئلة جد جد صعبة وهذا ما يعتبره المسلمون اليوم أو على الأقل لديهم ميل لاعتباره من المحرمات، وحاليا نجد أنفسنا متخلفين شيئا ما ففي الحقيقة لا أدري هل في البلدان الإسلامية يمكن طرح هكذا أسئلة عن التربية وعن الأشياء الأخرى عامة؟ لكن في فرنسا نجد صعوبة في فعل ذلك وحين نجد الجرأة حين يقول الإمام هناك أيام تجامعون فيها نساءكم وهناك أيام أخرى لا، هنالك أشياء محرم عليكم فعلها إلى آخره ويأتي بعض المؤمنين إلى الإمام معاتبين إياه كيف وجدت الجرأة يا إمام للتحدث على هذا النحو؟ لكن يجب تربية الناس، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يعلم الصحابة ويجيب عن أسئلتهم بخصوص هذه المواضيع.

سامي كليب: في كل ما تقوم به مليكة ضيف تحاول الالتزام قدر الإمكان بتعاليم وفروض الإسلام، وبعد اعتناقها رسميا الإسلام عام 1972 قررت أن تمضي قدما رغم معارضة محيطها ووضعت على الرأس حجابا، لم تكن تعلم آنذاك أنه بعد سنوات سيصدر قانون فرنسي يمنع ارتداءه ويمنع أية رموز دينية ظاهرة في المدارس الحكومية الفرنسية، فلماذا أقدمت على هذه الخطوة وارتدت الحجاب؟

مليكة ضيف: تعرف لدي الكثير من القواسم المشتركة مع غير المسلمين، عملت بالأخص مع الرجال وهذه الإجابة تكفيك دون شك، كان لدي مكتب بجوار هذا السيد المدهش رب العمل الكبير والمساعدون الذين كان عليهم أن يترددوا على مكتب الرئيس، كان قبل كل شيء متاخما لمكتبي وكنت أسمعهم يتحدثون ولا يولون اهتماما لوجودي لأنني لم أكن أظهر الجانب الأنثوي لم أستخدمه أبدا لغاية النجاح، لم أكن متأنقة كثيرا كنت ألبس لباسا كلاسيكيا ولكن دوما أخفي مفاتن الجسد ولهذا السبب لم يأبهوا بوجودي كانوا يتعاملون معي تقريبا كما لو كنت رجلا بينهم يتجاهلون أنوثتي وهذا ما كان يروق لي، وكنت أسمعهم يتحدثون عن السكرتيرات تحديدا حول إحدى المتعاونات قائلين أجل لديها ساقان ها شعرها هذا ذاك، طيب هذا شائع في المجتمع الغربي للأسف. وفي أحد الأيام سأل أحدهم ألا تضحكك هذا الأشياء -لأنهم يحكون قصصا- ألا يضحكك هذا الأمر؟ طبعا لا، كيف تريدونني أن أضحك على مثل هذه الأمور؟ إنكم تسيئون للنساء وأنا امرأة، أمهاتكم وزوجاتكم وأخواتكم نساء في آخر المطاف، ألا تعلمون أنكم بذلك تسيئون إليهم كذلك؟

سامي كليب: ولهذا السبب أو انطلاقا من هنا بدأت بالتفكير بوضع حجاب على الرأس.

مليكة ضيف: هنا وهنا بالضبط بمعنى أنه حصل التواصل شيئا فشيئا تم التواصل، حسنا كنت أصفف شعري بطريقة محتشمة جدا لا أذهب بشعر تلهو به الرياح وبالتالي مرت هذه الفترة، لا، هذا كان الشال حدث بعد ذلك بقليل ثم أنه فرض نفسه علي كنت ألبسه خارج المكتب، ما أن عرفوا أني مسلمة الكثيرون كان رد فعلهم ابتسامة، كنت غريبة بالنسبة لهم ما يجلب السخرية، لكني كنت أجبر نفسي على التقدم تدريجيا، كنت مضطرة إلى زعزعة الأشياء ولم يكن الأمر ممكنا كنت بحاجة إلى العمل إذ كان علي أن أصمد وشيئا فشيئا أضفت عصابة ثم عمة على الرأس وبعدما استقرت العمامة أنهيت حياتي المهنية بها، لكن في كل مرة كنت  أرتديها في مكتبي في البداية وحتى في الاجتماعات في مكتبي بما أنه كان بإمكانهم الذهاب والمجيء، لكن أيضا حين كانت تجمعنا لقاءات مع الزبائن حين يتعلق الأمر بتوقيع عقود حين أكون منهمكة في تحرير العقود مع الزبائن كنت أضع قبعتي ولم يكن أحد يطرح علي أسئلة، كنت أبدو متحفظة.


رسالة الإسلام وحياة المسلمين في فرنسا

سامي كليب: من بين الكتب القيمة والبسيطة التي وضعتها مليكة ضيف لنشر الدعوة الإسلامية في فرنسا وتقديم الصورة الصحيحة عن الإسلام واحد بعنوان "أن تكون مسلما اليوم" وهي تشرح فيه وبناء على القرآن الكريم والأحاديث كل الخصال الواجب توفرها بالمسلم لجهة حياته وإيمانه ولكن أيضا لجهة علاقته مع الآخر، وكان الكتاب مهما للرد على القائلين بأن الإسلام والإرهاب صنوان، ليس فقط منذ الهجمات على الولايات المتحدة الأميركية ولكن أيضا حين ضربت يد العنف الجزائرية الأراضي الفرنسية عام 1995، فهل ثمة رسالة تريد مليكة ضيف إيصالها إلى مجتمعها الفرنسي حول الإسلام؟

مليكة ضيف: الإسلام رسالة كونية رسالة لكل الأزمنة إذاً أن تكون مسلما اليوم هي أن تتكيف بشكل من الأشكال، لكن لا أحب هذا القول كثيرا، من الصعب أن تقول هذا لكن في كل الأحوال تتكيف حياتك اليومية مع الإسلام كما نزل لكن عبر إدخاله في حياتنا العصرية أليس كذلك؟ هناك تعاليم لن تتغير في هذا الكتاب، "أن تكون مسلما اليوم" أعرض عليك بالتفاصيل مثلا القوانين الخاصة بالزواج أيضا المهر الموافقة دوما جائزة أليس كذلك؟ إذاً لا شيء تغير، أمرر إذاً أن ذلك جزء من الشعائر فيما يخص الحياة الروحية الصلاة والصوم وأركان الإسلام الخمسة إضافة إلى كل الممارسات الأخرى تعتبر ضمن الإسلام لكنها أيضا ضمن حياتنا اليومية ونواصل الحياة بشكل طبيعي. بالطبع بين حياتي سابقا وحياتي حاليا هناك أشياء تغيرت لأني لست دوما في العمل بل كنت أذهب أحيانا إلى المتاجر وتكون تلك الأوقات للصلاة، ترون يتعلق الأمر بالتكيف لا أكثر.

سامي كليب: هل حياة المسلمين في فرنسا وفق حضرتك وتجربتك وخبرتك تتحسن؟ خصوصا أنك خضت سيدة مليكة ضيف الكثير من المعارك هنا دفاعا عن الحجاب، دفاعا عن الجالية المسلمة ولكن في الوقت نفسه تتحدثين في كل ما تكتبين وتقولين عن الفرقة بين المسلمين أكان هنا في فرنسا أو في الخارج.

مليكة ضيف: لا يمكننا أن نقول إن الوضعية تغيرت، لا يوجد تقدم كبير لكني أظن ليس لأن هنالك حجاب يزعج بل لأننا نرى الحجاب، أيضا كذلك ندرك أن المسلمين يتكاثرون وغير المسلمين يقولون أنتم المسلمون تنجبون الكثير من الأطفال نحن لا ننجب إلا القليل، لا يقولون لك شيئا ذا أهمية يقفون عند هذا الحد لكن ذلك من شأنه أن يجعلك تفكر أن هناك آخرين يتخوفون من أن تنقلب النسبة من حيث العدد.

سامي كليب: حاليا نتحدث في فرنسا عن ستة ملايين مسلم تقريبا، هل هذه الأرقام صحيحة وفق معلوماتك؟

مليكة ضيف: أجل هذا الرقم ممكن لكني لست متأكدة أن يكون هذا الرقم الصحيح للمسلمين الممارسين، سجل أنا أتحفظ لأنه رغم ذلك فشريحة كبيرة من المجتمع بين مزدوجين تعيش على الجانب.

سامي كليب: تأكيدا لمعلوماتك طبعا حول هذه الأرقام حسب استطلاع للرأي معهد إيبسوس المشهور هنا في فرنسا لعام 2003، هناك 56% من المسلمين في فرنسا يؤدون الفرائض مقابل 44% لا يعرفون تقريبا شيئا عن الإسلام سوى الاسم.

مليكة ضيف: أجل لكنني متفائلة لأنني حين أرى وحين أقدم في مكان ما في مكتبة صغيرة حوارا متواضعا مرة في الشهر وهذه هي الوسيلة التي تجعل الناس يدخلون إلى هذه المكتبة لشراء كتاب طبخ أو أي كتاب آخر، كيف يطبخ البيض، وهنا يحدث شيء ما في المكتبة وحينها يقول الأخوان الموجودين في المكتبة يمكنكم الدخول إذا رغبتم، إن الحوار مفتوح مع الكل، يدخل الشخص ثم في المرة القادمة نجد أن نفس الشخص قد أتى وبعد مدة يبدأ نفس الشخص بالصلاة، نرى حينها أنني حين أتكلم عن أشخاص مثلي والذين اعتنقوا الإسلام أقول أنا التي أقنعتهم، لكن حين أتحدث عن أشخاص من أصول إسلامية ويعودون إلى ممارسة الشعائر أقول أنا التي أعدتهم إلى الإسلام ولكنهم مثلنا يعيشون نفس الوضعية تقريبا هؤلاء الذين عادوا إلى ممارسة الشعائر لا يعرفون شيئا وحين نعلمهم المبادئ الأولى الشرائع نعلمهم كيف يؤدون الصلاة إنه شيء خارق، وبعد كيف يصومون ولماذا، يمكن أن تتخيل نسلك هذا الطريق وفجأة ندرك أنهم بدأوا يترددون على الندوات وبعد ذلك نراهم يتحررون ووجوههم تصير أكثر إشراقا والأشياء التي تقلقهم نجحوا في تجاوزها وساعدناهم في إقامة الصلح مع ذواتهم وهذا أمر جيد.

سامي كليب: عشية إجراء هذه الحلقة مع الداعية المسلمة الفرنسية الأصل مليكة ضيف كانت قد عادت من محاضرة لها في مدينة ليون التي تعيش فيها جالية مسلمة كبيرة وإليها قدم الكثير من أوائل المهاجرين المغاربة، ومنذ تقاعدت السيدة مليكة ضيف من عملها في حقل القانون والمحاماة صارت تكرس جل وقتها لهذه المحاضرات ولا تعود إلى منزلها سوى للراحة، فماذا قدم لها الإسلام في خلال مسيرتها الطويلة والغنية هذه؟

مليكة ضيف: ماذا أضاف لشخصيتي الإسلام؟ أضاف التوازن، توازن الحياة والطمأنينة، أدرك أنه ليس سليما أن نقاتل ضد أشياء لا نتملكها إنه الله الذي يملك كل شيء ومنذ هذه اللحظة أبذل جهدي لأني مطالبة ببذل ما في وسعي ومنذ ذلك الحين بذلت جهودي، ضميري مرتاح وأنا في سلام والحمد لله.

سامي كليب: لم توافق السيدة مليكة ضيف بسهولة على إجراء هذا الحوار فهي إما بعيدة عن وسائل الإعلام أو حذرة وتفضل أن يكون نشرها للدعوة مباشرة مع الناس وبينهم، ويبدو أن الحذر نابع من نظرتها للإعلام الفرنسي ونظرة هذا الإعلام للمسلمين هنا على الأراضي الفرنسية وفق تعبيرها.

مليكة ضيف: هم مقتنعون أننا لسنا بالخيرين ومقتنعون جدا أنهم لا يؤذوننا عندما يقولون هؤلاء المسلمون هنا هؤلاء المسلمون هناك لأنهم يتخيلون أن كل ما يحكى عن المسلمين صحيح وبالتالي فهم يهولون طوال الوقت وهذا لا يساعدنا أبدا بل بالعكس يؤذينا.

سامي كليب: ولكن بين المسلمين هناك الأشرار أيضا يعني الذين يفجرون ويقتلون؟

مليكة ضيف: بالطبع هناك الصالح والطالح في كل مكان حتى بين الغربيين أنفسهم يوجد من يساندنا ولا يعادينا وإن لم يكونوا مسلمين، لكنني دوما أقول إننا نعاني من مشكلة حقيقة وهي متعلقة بدفن أموات المسلمين حيث أنه ليس لدينا أماكن في القبور لدفن أمواتنا، علينا تخصيص بعض الأماكن الخاصة بنا لكنني أظن أن الأمر في تحسن حيث أن البعض بدأ بتزويدنا ببعض الأجزاء من مقابرهم لنا كمسلمين، لدينا الآن أماكن أكثر من ذي قبل ولكن هذا ليس بالكافي لذا تجد الكثير من المسلمين يرسلون موتاهم إلى بلدانهم الأصلية وإن لم يقوموا بزيارتها قط إنهم يقولون لا نريد أن ندفن بجانب الكفار لأننا لا نريد أن نسمعهم في قبورهم، هناك مسلمون طالحون وهم سيدخلون نار جهنم وهنا ستكون في نفس الموقف.

سامي كليب: (كلمات أجنبية)

مليكة ضيف: بكل امتنان. قد سعدت بلقائك واستضافتك في منزلنا، أتمنى أن تصل هذه الرسالة لكل أخواننا وأخواتنا في جميع الأنحاء حيث ستتواجد، أتمنى أن يفهم الجميع أننا متعطشون للتعليم وكذلك متعطشون للأخلاقيات تجاه الناس المحيطين بنا وعادة ما يكونون آباءنا، السلام عليكم.

سامي كليب: مع السلامة وعليكم السلام.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة