عزوز بغاغ   
الاثنين 1425/11/30 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:21 (مكة المكرمة)، 14:21 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

سامي كليب

ضيف الحلقة:

عزوز بغاغ: كاتب فرنسي من أصل جزائري

تاريخ الحلقة:

13/02/2004

- هجرة والده إلى فرنسا وحياة المهاجرين
- دراسته بالمدارس الفرنسية
- الانتقال للحياة في البيوت العصرية
- والدته وسبب بقائها في فرنسا
- نماذج لمشاكل الشباب الجزائري بفرنسا
- بداية طريق الأدب وسر نجاح الرواية الأولى
- النظرة الفرنسية لأديب عربي

سامي كليب: حين كان ضيفنا صغيراً يبحث بين أكوام النفايات عما يسد به رمقه، لم يكن يعتقد يوماً أنه سيصبح شهيراً وأديباً وأكثر الأدباء الفرنسيين غزارة وإنتاجاً، إنه ابن المهاجر الجزائري الذي انتقل من بيوت الصفيح ومن بين الفئران إلى قمة الشهرة، وها هو اليوم يدخل شيئاً فشيئاً عالم السياسة. رحلة بين الفقر والشهرة مع الأديب والمفكر الجزائري الأصل عزوز بغاغ. والده جاء إلى فرنسا عام 1949 وكان يرعى الغنم في الجزائر وهو وُلد في بيئة معدومة فقيرة، ولكن عزوز بغاغ الذي ترعرع على الخبز والزيت والسكر نجح باكراً في التغريد خارج سربه كوردة ولدت من رحم صخرة، كان مبدعاً في دراسته مبدعاً في رواياته التي تحول بعضها إلى أفلام سينمائية، وضع عزوز بغاغ أولى رواياته عام 1986 وحملت عنوان
(
Le Gone Du Chaâba) أو صبي الضواحي الفقيرة، أحدث مفاجأة أدبية كبيرة بِيع من الكتاب مائة ألف نسخة دفعة واحدة وهو اليوم ورغم أنه لا يزال في حدود الأربعين من العمر فإنه أصدر أكثر من أربعين رواية وكتاباً وكلها بالفرنسية وبعضها يُدرّس في بريطانيا ودول أخرى، ولكن ماذا عن العربية لماذا لا يتحدث لغة الضاد؟

عزوز بغاغ: أعتقد أنه عندما يكون المرء مثلي قد عاش كل حياته في فرنسا عندما يكون قد ولد في هذا البلد وعندما يكون لديه أهل أميون سواء بالعربية أو الفرنسية وفقراء فإن فرصة أن يتكلم اللغة العربية كما يتكلمها أهل الشرق الأوسط هي فرصة معدومة.

هجرة والده إلى فرنسا وحياة المهاجرين

سامي كليب: أهلك وصولوا إلى فرنسا عام 1949 وبدؤوا إذاً العمل بظروف صعبة وشروط قاسية ما هي الشروط التي كانت تطلب من عامل جزائري لكي يمنح تأشيرة دخول والمجيء إلى فرنسا والعمل هنا آنذاك؟

عزوز بغاغ: عندما وصل أهلي للعمل في فرنسا عام 1949 كان والدي هو أول من أتى كعامل مهاجر وعازب، وكان يخطط للبقاء في فرنسا بضعة أشهر فقط وجني الكثير من المال والعودة بعد ذلك إلى الجزائر لبناء حياته، ثانيا بالنسبة له كما بالنسبة لجميع الجزائريين الذين كان يطلق عليهم اسم السكان الأصليين أيام فرنسا الاستعمارية كانوا يُعتبرون فرنسيين، بالطبع من فئة أخرى لكنهم كانوا يعتبرون فرنسيين، من هنا كان يمكنه الذهاب برخصة عمل إلى فرنسا والعمل هناك بسهولة.

سامي كليب: والدك كان راعي غنم في الجزائر على ما أعتقد هل كان يعمل لصالحه الخاص أو لصالح أيضاً المستعمرين الفرنسيين؟

عزوز بغاغ: لا والدي شأنه شأن جميع العمال في تلك الفترة كان عبداً لمالك الأرض كان عبداً للفرنسيين الأغنياء يجب قولها بصراحة، نعم لقد كانت تلك عبودية فبما أنهم لم يكونوا يحصلون إلا على القمح فقد كانوا مجبرين على البقاء في المزرعة للعمل، وإلا ما كانوا ليحصلوا على قوتهم، لكن إلى جانب ذلك كان في وسعهم القيام ببعض العمليات التجارية وشراء خروف أو ماعز والحصول على قطيع صغير مثلاً وفي أوقات فراغهم كانوا يرعون هذه القطعان وهم يعزفون المزمار، لم يكونوا يعرفون القيام بأي شيء آخر، لأنه ببساطة لم يكن هناك أي شيء آخر يفعلونه فقط الاستغراق بالأحلام وعزف الموسيقى.

سامي كليب: بعد ذلك طبعاً جاء والدك إلى فرنسا إذا من أجل هذه الظروف وأنت نشرت كتابًا في الواقع كان أول رواية لك هو (Le Gone Du Chaâba) أو صبي الضواحي الصعبة هنا في فرنسا وفي هذا الكتاب أخبرت قصة أولئك المهاجرين الذين جاؤوا إلى فرنسا وعاشوا هنا في ظروف قاسية جداً وفي منازل من الصفيح في الواقع تشبه المنازل وليست منازل عادية، طبعاً المشاهدون لا يعرفون الكثير عن تلك الحقبة خصوصاً عام 1949 خصوصاً إن لم يكونوا من الجزائريين، فكيف كان يعيش المهاجر آنذاك؟ يعني هل لك أن تصف لنا ولو ببعض التفاصيل كيف كان يعيش هؤلاء المهاجرون؟

عزوز بغاغ: في مضيق جبل طارق بين إسبانيا والمغرب أي بين القارة الأوروبية والقارة الإفريقية، يموت اليوم المئات من العمال المهاجرين غير الشرعيين غرقاً في محاولتهم للوصول إلى أوروبا والعمل فيها يموتون على متن القوارب غير الشرعية. إنها ظروف مريعة للهجرة ظروف مريعة للبقاء الاقتصادي لهؤلاء الشباب الذين يموتون من الملل، يموتون من عدم النشاط في إفريقيا. بين العامين 1945 و1949 كانت الظروف مشابهة تماماً أي بؤس كامل كان العمال المهاجرون كوالدي يأتون إلى هذه المدينة ليون أو باريس أو مرسيليا، وكنا نجد في غرفة واحدة أحياناً عشرة أو خمسة عشر وحتى عشرين عامل جميعهم من قرية واحدة وكلهم متعاضدين يعملون معاً كي يجنوا المال معاً ويرسلوا بعض مدخراتهم إلى العائلة في الوطن، وعندما تم إنشاء أكواخ الصفيح في هذه المدينة حيث ولدت كانت الظروف مريعة لم يكن هناك ماء أو كهرباء أو تدفئة مركزية أو أي شكل من أشكال الراحة، لم يكن هناك شيء على الإطلاق لكن الراحة كانت موجودة في التفكير أقصد كان الفلاحين الذين أصبحوا عمالاً في فرنسا يجنون المال كانوا يقولون غداً إن شاء الله سنعود إلى بلدنا، كان هناك الأمل أما اليوم فقد زال هذا الأمل وتلبدت السماء بالغيوم.

سامي كليب: طيب سيد عزوز بغاغ يعني نعود دائماً إلى روايتك الأولى (Le Gone Du Chaâba) أو صبي الضواحي وفيها تروي قصص في الواقع صعبة جداً يعني مثلاً كيف كانت الفئران في المنازل، وأيضاً كيف كنتم تنتظرون الزبالين، عمال النفايات، وتبحثون في النفايات عما ربما تجدونه من أجل المنزل أو للأكل أو للشرب، هل هذه المعلومات صحيحة الواردة أم هي نَفَس روائي فقط؟ يعني هل أنت نفسك عشت مثل هذه التجربة؟

عزوز بغاغ: طبعاً، الكلمة العربية الأولى التي تعلمتها كانت الزبالة هذه هي الكلمة العربية الأولى التي تعلمتها، كنت أعرف عندما كنت صغيراً في فرنسا أنني كنت أنتمي نفسي إلى عائلة الزبالين، ومن أجل البقاء وجني القليل من المال فإن الأطفال في كل أسبوع عندما كانت شاحنات القمامة تأتي من المدينة لتلقى بقمامتها في حيّنا كانوا جميعهم يتهافتون عليها للبحث عما يمكن أن يجدونه من أشياء ما تزال قيّمة ويمكن إعادة بيعها في سوق البراغيث، سوق الأشياء المستعملة، كتب ملابس وأحذية، فالفرنسيون كانوا يلقون أحذيتهم إن ظهر فيها ثقب بسيط لكن تلك الأحذية كانت كالجديدة بالنسبة لنا، ونحن كنا نصلحها ونلمعها قليلاً ثم نبيعها في السوق، وهكذا أصبحنا تجاراً ونحن في سن صغيرة جداً لكن انتبه أؤكد لك أن ظروف الحياة كانت كما وصفتها، لم أختلق شيئاً منها وعندما أتجول اليوم في بلاد أميركا اللاتينية وحتى في القاهرة أو في الأحياء الفقيرة من المغرب، فإنني أرى الشيء ذاته، أرى جبالاً من القمامة والأطفال عليها يبحثون عن أشياء صغيرة يستطيعون إعادة بيعها، تماماً كما كان الحال في الماضي لم يتغير شيء إطلاقاً.

دراسته بالمدارس الفرنسية

سامي كليب: بعد فترة أنت أصبحت طبعاً أمل هذه العائلة وأُرسلت إلى المدرسة، وبسرعة أصبحت من بين الطلاب المتفوقين كيف كان ينظر الأهل وتحديداً والدك إلى هذا التطور الإيجابي في حياتك الخاصة رغم كل الظروف القاسية التي عشتها؟

عزوز بغاغ: بالطبع كان والديّ فخورين جداً لكوني طفلاً يدرس جيداً في المدرسة، فقد كانا أميين لم يكونا يعرفان القراءة، لا شيء إطلاقاً ورؤية ابنهم ينجح في المدرسة، وفي المدرسة الفرنسية تحديداً التي كانت فيما مضى مدرسة المستعمرين، كان ذلك أشبه بالانتقام الذي طال انتظاره، ومازلت أذكر جيداً أن والدي يقول إن في يوم ما سيذهب إلى المدرسة ويقدم لمدرسيها الهدايا ليشكرهم على منحي العلم، وأنا لم أكن أريد أن يذهب والداي إلى المدرسة بثيابهما الوسخة والفقيرة، فهما بذلك كانا سيخوناني وكان ناظر المدرسة سيعرف أننا عرب فقراء لذلك ففي رأسي كان يجب الفصل بين مدرسة الفرنسيين وبين عالم أكواخ الصفيح العربي حيث كنا نعيش، لم يكن يجب الخلط بين العالمين.

سامي كليب: مثلاً في الروايات على كل حال تروي وأيضاً في بعض المقابلات أنك كنت تخجل من مجيء والدتك إلى المدرسة لكي لا يراها الطلاب الفرنسيون بزيها ربما الجزائري.

عزوز بغاغ: بالنسبة لي كان العرب يمثلون الفقر جميعهم كانوا فقراء وفاشلون في الصف، لذلك لم أكن أريد أعني أنني لو أردت أن أنجح في حياتي أي أن أصبح ثرياً ومثقفاً، كان علي أن أفرق بين العرب والفرنسيين، لذلك لم أكن أرغب في أن أكون عربيا كنت أريد أن أكون بالمدرسة الفرنسية، أدرس في المدرسة الفرنسية مثل جميع الفرنسيين وأن أكون غير مرئي بينهم، وعندما قابلت صديقين يهوديين في المدرسة وكان ذلك في العام 1967 هذا ما تريد الوصول إليه قابلت صديقين يهوديين من الجزائر في المدرسة، كانت ملامحهما عربية، وفي أحد الأيام في حزيران من عام 1967 طرأ شيء في إسرائيل وفي مصر، فقالا لي عزوز هل أنت عربي أم يهودي؟ فأجبتهما أنا يهودي مثلكما فقد كان سبق لي أن رأيت على التلفاز ما حدث لم أكن أرغب في الخسارة، لذلك ادعيت بأنني يهودي وفي أحد الأيام جاءت أمي العربية بثيابها العربية لتنتظرني في وقت انصراف الطلاب ولوحت لي بيدها هكذا إلى جانبي كان يقف صديقاي اليهوديان، فأحسست وكأنني محاصر في صحراء سيناء وكان علي أن أرسل إشارات إلى أمي لأقول لها اذهبي أو اختبئي، سيراك صديقاي ستخونني وكانت هي تلوح لي بيدها وعندما خرجت ذهبت لتختبئ عن الأنظار ثم قالت لي أنت تخجل بي؟ فأجبتها لا لقد أصبحت كبيراً الآن لم أعد أريدك أن تأتي لتصحبيني من المدرسة، فقالت أنت تخجل بي لأنني عربية فلم أقل شيئاً بعدها.

سامي كليب: هل أثرت عليكم كثيرا سلبياً هذه الحرب حرب 1967 على الطلاب العرب في المدارس الفرنسية؟

عزوز بغاغ: نعم كان لها تأثير كبير إذ أننا لم نكن نسكن أكواخ الصفيح فحسب بل أيضاً كان أهلنا فقراء جداً لا يتكلمون الفرنسية، وبالإضافة لذلك كله فإننا كنا نحن من خسر الحرب ولازلت أذكر الصور التي كان يبثها التلفاز لأكوام من الأحذية التي تركها الجنود العرب خلفهم، وكانوا يقولون انظروا لقد هربوا وتركوا أحذيتهم خلفهم، كان ذلك يُجرحني كثيراً في كرامتي وهويتي العربية، لم أعد أريد أن أكون من يخسر دائماً لماذا نخسر دائماً عندما نكون عرباً؟ وهكذا أردت أن أصبح الأول على صفي كي أنتقل إلى معسكر الرابحين الذين ينجحون في شيء ما في حياتهم.

سامي كليب: هذا ما أثر عليك سلباً على ما أعتقد خصوصاً بين زملائك العرب وليس الفرنسيين، وكانوا يتهمونك وأنت في المدرسة بأنك تتعامل -إذا صح التعبير- أنك عميل للفرنسيين خصوصاً لأنك كنت في الصفوف الأمامية في الصف وكنت من بين الطلاب المجتهدين وهذا ما كان يخالف تقاليد الطلاب العرب في المدارس، هل صحيح أن العنصرية شعرت بها للمرة الأولى من قبل الطلاب العرب وليس الفرنسيين؟

عزوز بغاغ: عندما كان المعلم الفرنسي في المدرسة يسأل مثلاً كم تبلغ مساحة بلدنا فرنسا بالأمتار المربعة كنت أعرف الجواب فأرفع يدي وأجيب أستاذ المساحة هي 550 ألف متر مربع وكنت أعرف الإجابة على الأسئلة دائماً، لكن العرب في الصف كانوا يقابلونني بالقول لا يجدر بك الإجابة على سؤال الأستاذ، فقد سأل بلدنا فرنسا وفرنسا ليست بلدنا ولا يجب عليك الإجابة فكنت أجيبهم أعذروني فأنا فرد وأنا طالب في الصف، أنا لست عربيا ولست جزائرياً أنا طالب فحسب.

سامي كليب: آنذاك هل كنت تشعر ببعض العنصرية من قبل الأستاذة، من قبل الطلاب الفرنسيين، أم أن العنصرية لم تكن موجودة كما هي ربما اليوم أكثر من السابق؟

عزوز بغاغ: يجب علي القول إنه في المدرسة التي كنت أرتادها في الستينات، كان جميع طلاب الصف يأتون من بلاد غريبة من إسبانيا والبرتغال وإيطاليا، تونس والجزائر والمغرب وبولونيا، كان هناك بعض الفرنسيين لكن الغالبية كانت من المهاجرين.

سامي كليب: لماذا؟ هل كانت هذه المدارس مخصصة للمهاجرين؟

عزوز بغاغ: لأن هذه المدرسة كانت تقع في حي في جزء من المدينة يقطنه الفقراء ومن بين هؤلاء الفقراء كان هناك الكثير من المهاجرين، بالطبع في مدارس وسط المدينة كان عدد المهاجرين أقل لكن العنصرية لم تكن موجودة، إذ أن الفرنسيين كانوا يعتبروننا نحن وأهلنا مجرد عابري سبيل في المجتمع الفرنسي، إذاً لم نكن نشكل خطراً عليهم فهم كانوا يعتقدون بأننا سنرحل يوماً ما، لكن عندما فهم الفرنسيون أننا لسنا بعابري سبيل وأننا متأصلون الآن في الأرض الفرنسية وأنه في يوم من الأيام سيولد منا زين الدين زيدان ومشاهير آخرين، عندها بدؤوا يخافون على هويتهم لكن العنصرية ظهرت في اللحظة التي بدأ الفرنسيين فيها يرون أننا سنبقى هنا إلى الأبد.

[فاصل إعلاني]

الانتقال للحياة في البيوت العصرية

سامي كليب: بعد هذه الحياة الصعبة في الواقع في بيوت الصفيح انتقل أهلك إلى منزل.. منزل فيه كهرباء وماء وحمام أيضا، كيف كان تأثير ذلك، خصوصا أني فهمت من خلال رواياتك أن الوالد لم يكن مسروراً بهذا الانتقال إلى منزل حقيقي وكيف كان تأثير ذلك عليكم أنتم الأطفال يعني الذين اكتشفتم للمرة الأولي منزل حقيقي تسكنون فيه؟

عزوز بغاغ: انتقلنا من أكواخ الصفيح إلى الأبنية العصرية، من الظل إلى النور من الكهف إلى الطابق الأول أو الثاني وبدلا من العودة إلى الجزائر أو المغرب في ذلك الوقت انتقلنا للعيش في أبنية عُرفت باسم الضواحي وابتداءا من تلك اللحظة بدء الاندماج، كان علينا العودة إلى ديارنا لكننا بقينا وهكذا كان الوقت قد فات على العودة، كانت تلك بداية غرس جذورنا في المجتمع الفرنسي، بداية الدخول إلى العالم العصري فهناك الماء والكهرباء والتدفئة المركزية والتلفاز، التلفاز في منزلنا.. الحمد لله، أخيراً أصبحنا غربيين من وجهة النظر هذه.

سامي كليب: ولكن الفقر كان يمنع والدك من السماح لك خصوصا بحضور التلفزة آنذاك، هل هذا صحيح؟

عزوز بغاغ: نعم إذا كان يتوجب تسديد ثمن الكهرباء التي كانت توفرها لنا مؤسسة الكهرباء، إذا كان يتوجب تبذير المال للعيش في هذا البيت وكان والدي يقول لا.. لا يجب أن نصرف المال، لذلك منذ وصول التيار الكهربائي ما كان يجب أن نشعل الأنوار.

سامي كليب: ولكن في الضواحي ماذا كنتم تشعلون؟ بماذا تستعيضون عن الكهرباء؟

عزوز بغاغ: بمصابيح الزيت كنا نسميها الكنكي وهي كلمة فرنسية قديمة (كلمة بلغة أجنبية) كان يلفظها العرب بالكنكي وكانت تعمل بالزيت عندما كان هذا المصباح يقع على الأرض كانت المنازل تحترق خلال خمس دقائق وقد وقعت حوادث كثيرة وتوفي الكثيرون في تلك الفترة بسببها، أتعرف في الشقة التي كنا نسكن فيها لم يكن يريد والدي أن يدفق ماء المرحاض فقد أراد أن نستخدم الحمام طوال اليوم ثم نسحب الخيط لندفق الماء في أخر اليوم، وإلا كنا سنصرف الكثير من الماء وبالتالي الكثير من المال.

سامي كليب: هل فهم فيما بعد أن الأمر لا يكلف كثيرا؟ أم بقي هكذا حتى نهاية حياته؟

عزوز بغاغ: يبقي الفقير فقيراً طوال حياته، لذلك فالفقراء يعيشون بحال أفضل من الأغنياء إذ أن همومهم أقل لكنني أعتقد أن طريقة تفكير الفقير التي تعتمد على التوفير وعدم الإسراف من دون طائل هي طريقة تفكير جيدة وتستمر مع صاحبها مازلت أفكر بهذه الطريقة فعندما آكل في المطعم أو في منزلي فأنني أنهي صحوني دائما، لا أترك فيها شيئا هذه طريقة تفكير ورثني إياها والدي.

والدته وسبب بقائها في فرنسا

سامي كليب: كانت والد عزوز بغاغ قد أمضى عمره في فرنسا ليبني لعائلته منزلا في الجزائر، ولكنه مات قبل أن ينتقل إليه نهائيا وحين سألت ضيفنا عن والدته لمعت عيناه ودعاني لتناول القهوة عندها في إحدى ضواحي مدينة ليون الفرنسية، وكانت معنا ابنته المولدة من زوجته الفرنسية السابقة، وإذا كان عزوز بغاغ نفسه لم يتعلم العربية في صغره فإن ابنته تدرسها وقد أخبرتني أنها ذاهبة إلى دمشق لإتقانها ووالدته بالمقابل لم تتعلم اللغة الفرنسية وكادت تفقد عربيتها

عزوز بغاغ: هانحن تعيش أمي هنا منذ عام تقريبا أكثر (كلام غير مفهوم)

سامي كليب: وقريتي كتبه لعزوز؟ ماتقريش؟

عزوز بغاغ: قولي له الـ (كلمة بلغة أجنبية) يقول الجميع أمي لكنني لا أعرف ربما أنه ليست هناك كلمة بالعربية تشرح معني (كلمة بلغة أجنبية) يقولون لا يقرأ أو لا يكتب لكن كلمة (كلمة بلغة أجنبية) لا أدري.

سامي كليب: بس لما تتحدث معها باللغة الجزائرية

عزوز بغاغ: إنها تفهمك أكثر مما تفهمني، وهي تشاهد القنوات المصرية على التلفاز.

سامي كليب: وهي ما تعلمت الفرنسية؟

والدة عزوز بغاغ: متعلمتش

سامي كليب: ولا كلمة

والدة عزوز بغاغ: لا كلمة لا نفهم بس

سامي كليب: بتفهمي

والدة عزوز بغاغ: مبنقدرش نقرأ

سامي كليب: طب لما تروحي تشتري حوايجك؟

والدة عزوز بغاغ: آه بنشتري

سامي كليب: بالعربية ولا بالفرنسية؟

والدة عزوز بغاغ: بالعربية وبالفرنسية

عزوز بغاغ: باليد.. باليد يعني تقوليه

سامي كليب: أم عزوز بغاغ تشاهد الفضائيات وتتذكر بلادها فهي ورغم تقدمها في السن لا تزال تعتبر فرنسا أرضا مؤقتة وحين سألتها عن سبب بقائها هنا على الأراضي الفرنسية، أشارت إلى أنبوب الأكسجين في أنفها.

عزوز بغاغ: ما يربطنا بفرنسا اليوم هو هذا إنه الأكسجين أمي مازالت على قيد الحياة اليوم في فرنسا بفضل الأكسجين، أي وبشكل رمزي يعني ذلك أنها بعد قضائها لخمسين عاما في فرنسا لم تعد تستطيع الرجوع إلى الخلف، إذاً ستعود إلى بلدها الأم كي تدفن هناك وليس لتعيش فيه وبالنسبة لكل هؤلاء العجزة المرضي تحديدا ممن هم بحاجة إلى عناية طبية مهمة وهم بحاجة إلى الدواء، فإن فرنسا هي المكان المناسب حيث يمكنك أن تجد كل شيء، يمكنها بمكالمة هاتفية فقط الحصول على الأوكسجين والأدوية خلال خمسة عشر دقيقة وكما تعرف فإنها في الجزائر لا يمكنها الحصول على كل هذه البنى التحتية.

سامي كليب: لم تقرأ والدة عزوز بغاغ رواياته وما بقي لها من عمر قد لا يسمح لها بأن ترى المنزل الجزائري الذي فيه دفن زوجها أما هو عزوز بغاغ فإنه حفظ من أهله الكثير، وخصوصا البقاء بين أبناء وطنه يدافع عنهم بالراوية تارة وبالسياسة تارة أخرى.

نماذج لمشاكل الشباب الجزائري بفرنسا

عزوز بغاغ: أحمد البروبني هو شاب جزائري قابلته في ليون وارتكب الحماقات كغيره من الشبان أمضى عشرة سنين في السجن وتم إبعاده بعدها إلى الجزائر التي لم يكن قد ذهب إليها في حياته تطبيقا لقانون العقوبة المضاعفة في ذلك الوقت، منذ خمس سنين وأنا أقارع حكومة ليونيل جوسبان الاشتراكية أقول لهم هؤلاء الشبان فرنسيون لا يحملون أوراقا ثبوتية لكنهم فرنسيون وسيعودون لذلك قوموا بإلغاء قانون العقوبة المضاعفة ضعوهم في السجن كبقية الفرنسيين لكن لا تبعدوهم، لكنهم في الحكومة لم يريدوا سماع أي شيء واليوم قرر نيكولا ساركوزي إلغاء هذا القانون.

سامي كليب: هناك أيضا قصة الفتي خالد قلقال الذي قتل على أيدي رجال الأمن الفرنسيين وكان على ما يبدو فتى ناجحا جدا في المدارس هل تعتقد أن هذا الشعور بالرفض والشعور بالعنصرية يدفع بعض الشبان الجزائريين فعلا إلى التطرف وإلى العنف ضد فرنسا التي عاشوا فيها؟

عزوز بغاغ: نعم إن عنف الاستبعاد الذي يفرضه النظام السياسي الفرنسي يصبح عنفا كبيرا ووقحا وظالما جدا عندما لا نملك الوسائل للدفاع عن أنفسنا عندها يصاب المرء بالجنون.. بالجنون ويمكن أن يتحول إلى إرهابي، يصبح المرء مريضا يجتاحه الشعور بالحقد، لماذا لا يحق لي الدخول إلى مرقص ليلي إلا لأنني عربي؟ لماذا لا يحق لي استئجار شقة؟ لأن سحنتي عربية، لماذا لا أجد عملا؟ لأنني عربي عندما يكون المرء في العشرين من عمره لا يستطيع تحمل هذا أو تقبله يصيبه الجنون، أنا محظوظ لأنني درست ولأنه كان لدي والدين متزنين، أميين صحيح لكنهما كانا ذكيين وسيطرا علينا لكن كل الأطفال الذين لم يكونا بمثل حظي، أصابهم الجنون بعضهم بدأ بتعاطي المخدرات ودخل في عالم الانحراف وبعضهم أصبحوا إرهابيين.

سامي كليب: يعني أنت مثال على نجاح ابن مهاجر جزائري هنا، أنت ولدت هنا وهنا في فرنسا وقمت بجهد كبير من أجل أن تصبح كاتبا كبيرا وأيضا مؤلفا وأديبا وما إلى ذلك، هل في الحديث عن العنصرية والرفض والتطرف وما إلى ذلك هناك أيضا مسؤولية على المهاجرين وأبناء المهاجرين أنهم ربما هم أيضا لا يقومون بما يجب من أجل حماية أبنائهم من أجل التقدم في هذا المجتمع الفرنسي؟

عزوز بغاغ: العائلات غير مسؤولة إطلاقا عن انخراط أولادهم بالتيارات الإسلامية الإرهابية، العائلات غير مسؤولة بالمرة فهم أولا لا يعرفون ما يفعله أولادهم في الشارع، إنهم لا يراقبونهم بالنظارة المكبرة كل يوم، وثانيا المسؤول الحقيقي هو عنف المجتمع، في هذا البلد عندما تكون عربيا فإنك تواجه مصاعب هائلة في سبيل وجودك ولكي تحصل على معاملة متساوية كبقية الفرنسيين، تواجه عواقب جمّة لكن يصعب الحديث عن ذلك لماذا؟ لأنه ومنذ العام 1789 أي منذ الثورة الفرنسية يفترض أن الفرنسيين جميعهم سواسية، هناك مبدأ المساواة الذي لا يمكن لأحد الانتقاص منه إذا فالمجتمع يعتبر أنه تتم معاملتنا كالباقية وأن جميع الفرنسيين متساوون، لكن هذا غير صحيح على الإطلاق فعندما تكون عربيا يتم استبعادك في هذا البلد، هكذا هو الحال لذلك يجب أو بالأحرى كان يجب فعل شيء ما، كان يجب النضال ضد هذا التمييز ضد العرب، كان يجب اتخاذ إجراءات سياسية صارمة كان يجب إدخال العرب إلى الحكومة وإلى النظام السياسي بكامله، لكن الفرنسيين لم يفعلوا شيء من هذا.

سامي كليب: تقول في إحدى مقابلاتك حين نولد في فرنسا من ثقافة فرنسية ويكون عمرنا ثمانية عشر عاما نكون ضحية أسوأ أنواع الإذلال وتتحدث أيضا عن ما تسميه بجريمة السحنة والشكل والوجه والمنظر، هل صحيح هذا وينطبق أيضا على رجل مثلك مثلا وُلدت هنا على الأراضي الفرنسية ولا تعتبر مهاجرا وإنما فرنسيا من أصل جزائري؟

عزوز بغاغ: مازال المجتمع الفرنسي متأثرا بذكرى حرب الجزائر، ومازال متأثرا أيضا بتاريخ مهم في التاريخ هو 732 للميلاد في فرنسا يعرف الجميع ما تمثله السنة 732 إنها السنة التي أوقف فيها شارل مرتال العرب في بواتييه وهنا نجد لدى الفرنسيين شيئا مهما عالقا في ذاكرتهم لقد هَزمنا العرب في العام 732 لقد نجونا من الزحف العربي. أحد أهم لاعبي كرة القدم وأكثرهم شهرة في العالم هو زين الدين زيدان نعم زيزو وهو من أصل جزائري، هنا تغير الموقف قليلا أي أن هناك اعتراف وطني بهذا اللاعب لكنهم لا يقولون أنه عربي بل هو قبلي أو بربري وليس عربيا، اليوم عندما تنظر إلى مجلس الشعب الفرنسي فإنك لا ترى سوى البيض فرنسيون أحفاد فرسا جيتوركس بيض من بلاد الغال وليس عربا وعندما تنظر إلى الفريق الوطني لكرة القدم فلا تجد سوى السمر فيتساءل المرء من هم الفرنسيون هل هم بيض أم سمر؟ ومن هذا المثال يمكننا رؤية الاختلاف الصارخ بين السياسية والرياضة حيث العرب والسمر دعوا العرب يلعبون الرياضة فهم لديهم عضلات لقد خلقوا لذلك.

بداية طريق الأدب وسر نجاح الرواية الأولى

سامي كليب: هذا ما يفسر طبعا التزامك السياسي في الحياة السياسية الفرنسية ومحاولة نضالية في الواقع لإيجاد مركز للمهاجرين في السلطات الفرنسية، ربما سنعود إلى الأمر في نهاية هذه الحلقة ولكن لنعد قليلا إلى رواياتك كان عمرك 14 عاما حين اشتريت أول رواية كانت بعنوان الرجل العجوز والبحر، ونَشرت أول رواية رسميا عام 1986 هل قبل ذلك حين كنت شابا حاولت أن تروي حياة عائلتك وأنت شاب صغير يعني هل كانت لك محاولات روائية سابقة على هذا الإصدار الرسمي؟

عزوز بغاغ: لماذا أبتسم؟ لأن أول كتاب كتبته كان من صفحتين وكان عبارة عن رسالة حب كنت سأرسلها إلى امرأة، كان عمري أربعة عشر عاما، عندها كنت عربيا حقيقيا لا يعبر بشكل طبيعي عن حبه لامرأة بكلمات الحب والغرام، فمثلا وطوال خمسة وأربعين عاما من حياتهما معا لم أر والدي يتبادلان أية إشارة حنان بينهما أو يتبادلان الحب على مرأى من أطفالهما، إذاً فهناك دائما مسافة كبيرة بين الرجل والمرأة وقد ورثت هذا لم أكن أستطيع أن أقول كلمات الحب لم تكن تأتي على لساني لم أكن قادرا على قول أحبك مثلا، إذاً بدأت في الرابعة عشر أعبر عن حبي بكلمات كتبتها.

سامي كليب: يعني أول رواية حين صدرت لك لاقت نجاحا كبيرا أعتقد مائة ألف نسخة من الإصدار الأول، كيف تفسر ذلك هل كان المجتمع الفرنسي بحاجة فعلا إلى هكذا نوع من الروايات تروي قصص المهاجرين بهذا الأسلوب؟

عزوز بغاغ: في فترة أعوام الستينات والسبعينات وحتى الثمانينات لم يكن أحد يتناول المهاجرين إلا في سياق البؤس أي لإظهار الفقر والمنازل البائسة والمهجّرين وصعوبتهم، كان ذلك حزينا دائما فلم يكن هناك الكثير من السعادة في حياة المهاجرين هذه، وفي العام 1986 عند صدور كتابي تغير شيئا ما، كانت قصة تروي حياة طفل يعيش في أكواخ الصفيح في ظروف صعبة للغاية لكنه كان سعيدا، لأنه طفل ولأنه شخص إيجابي وكان سيربح معركة الاندماج في المجتمع من خلال الثقافة والعلم، كان ذلك كتابا جلب للمجتمع الفرنسي نَفَسا جديدا، كان كتابا خفيفا أعتقد أن الناس في العالم كله بحاجة إلى فسحة أمل وإلى روح دعابة.

سامي كليب: طبعا الأهل في عاداتنا العربية يفضلون أن يصبح إبنَهم أو إبنُهم مهندسا أو طبيبا أو محاميا، وقلة في الواقع يفضلون أن يصبح أديبا أو كاتبا، كيف كان تأثير ذلك على أهلك خصوصا أن الوالد والوالدة لم يكونا في الواقع يحسنان القراءة؟

عزوز بغاغ: هذا سؤال مهم جدا ففي بلادنا ليست لدينا ثقافة الكتب اليوم عندما أذهب لأقابل أطفالا في المدارس العربية ومعي كتب، فإن الطفل يقول لي أعطني كتابا فأجيب لماذا أعطيك كتابا؟ لقد عملت كثيرا لأنجز هذا الكتاب، يمكنني أن أبيعك إياه نعم إنه عملي، فيجيبني لكن هذا كتاب والكتب لا تباع، فأجيبه بلى وأنا أبيع عملي، إذاً فهذه الثقافة مازالت غير طبيعية لدينا على عكس الحال في بلدان أخرى أذهب إليها مثل ألمانيا فالألمان شعب يحب القراءة كثيرا ويشترون الكتب هناك على نحو هائل، لهذا السبب وعند ولادتنا في بلد مثل فرنسا علينا أن نغير موقفنا تجاه الثقافة وتحديدا موقفنا تجاه ما هو مكتوب.

سامي كليب: ولكن كيف كان تأثير ذلك على أهلك على الوالد تحديدا؟

عزوز بغاغ: والداي وهما مؤمنان جدا ويصليان كثيرا اعتقدا أنني إن كنت قد أصبحت كاتبا فتلك هي مشيئة الله، فالله هو من يكتب مصير الناس لست أنا من قرر أن يصبح كاتبا، مكتوب، هذا صحيح، إذاً فهذا مكتوب علي وكل ما أفعله أنا هو أن أتبع مشيئة الله، إذاً فمن وجهة النظر هذه لم ينتشيا بما فعلت فلم يخرجا على الملأ ليقولا ابننا أصبح كاتبا معروفا في العالم. منذ خمسة عشر عاما عندما كانت الجبهة الوطنية المتطرفة والعنصرية في قمة قوتها ونشاطها كانت تبحث عن أهدافا مثلي من أصل عربي للقول للفرنسيين انتبهوا هؤلاء الناس خطرون جدا على المجتمع الفرنسي، الآن أصبحوا يألفون كتابا بدأت تدخل المدارس في فرنسا ليقرأها التلامذة الفرنسيون وهي كتاب هدامة، كانوا يقولون انتبهوا يجب مهاجمة هذا النوع من المؤلفين أنهم الأشد خطرا في هدم الهوية الفرنسية، وهكذا أصبحت هدف الجبهة الوطنية استمر ذلك طوال بضعة أشهر بل طوال عام كامل ثم توقف، والآن أنا معروف جيدا من قبل المجتمع الفرنسي كفرنسي أو ككاتب فرنسي ولم يعد هناك من مشاكل، كما أنني عدت من لندن حيث يتم تدريس كتابي في مناهج الشهادة الثانوية في إنجلترا كلها، وجميع الطلاب الذين يتعلمون اللغة الفرنسية هناك يعرفونني فهم قد قرؤوا (Le Gone Du Chaâba) والآن شهرتي تحميني.

النظرة الفرنسية لأديب عربي

سامي كليب: محمي هو بالشهرة لا شك، ولكن هل يمكن لعربي أو لفرنسي من أصل عربي إسلامي أن يصل إلى مصاف الكتاب الفرنسيين ذوي الأصول الفرنسية الخالصة؟ سنعرف ذلك مباشرةً بعد أن نذهب وعزوز بغاغ إلى الحي العربي المجاور حيث الناس هنا تعرفه جيداً لأنه يمثل بالنسبة لهم أمل الشاب ذي الأصول المتواضعة الذي نجح بجهده وحقق قفزة أدبية رائدة في عاصمة الأدب والفكر. هنا في شوارع ومدينة ليون ترعرع عزوز بغاغ ومن هنا انطلقت شهرته فهاتفه لا يتوقف والاتصالات تأتيه من فرنسا وبريطانيا وأميركا، وقلما من دولة عربية. هنا في هذا السوق العربي وبين أبناء جلدته يحاول عزوز بغاغ اختراع أصول له، يسعى لمد جسور مع بلده الجزائر ومع دول عربية لم يعرف عنها سوى هزيمة عام 1967، أو هزائم الحروب الداخلية وقد أخبرني ونحن نسير هنا في هذا السوق الشعبي في مدينة ليون، إنه وحين فقد ولده إنما فقد معظم جذوره، ولكن الجذور تبقى هنا في مصافحة إناسه وشراء ما كان يأكله أهله، والتمتع باللون والرائحة والطعم التي وإن كانت كلها تذكر بفقر الطفولة إلا أنها تثير عند عزوز بغاغ ألف صورة وصورة غالباً ما يعكسها في رواياته، كيف لا وهو الذي لا يزال ورغم شهرته يعاني تماماً كهؤلاء جميعاً من نظرة فرنسية خاصة تعكسها كلمة البير الفرنسية وهي كلمة تعني الزبدة وهو توصيف خبيث لكلمة عربي حين تلفظ بالمقلوب لماذا؟ رغم كل هذه رغم كل هذا النجاح الباهر، أكان في فرنسا أو في دول أخرى ولكنك لا زلت تقول أني البير الأكثر قراءة وكلمة بير تستخدم طبعاً لأبناء المهاجرين وهو تعبير ليس جميلا جداً في اللغة الفرنسية الدارجة، لماذا لا تعتبر نفسك الفرنسي الأكثر قراءة أو المقروء أكثر؟

عزوز بغاغ: وهذا أيضاً سؤال سياسي مهم جداً فمثلاً يوجد في هذا البلد حوالي مليوني فرنسي من أصل مغربي ولدوا في الضواحي ويطلق عليهم اسم بير، حتى رجال السياسة يقولون البير كما يوجد أيضاً آلاف اليهود الذين يولدون في الضواحي لكن رجال السياسة لا يقولون عنهم اليهود بل فرنسيين، أما نحن فيشار إلينا دائماً بطريقة خاصة تبعاً لأصولنا، يجب الحذر من هذا ولا يسعني إلا أن أشدد على رفض أن يلقبني رجال السياسة بالبير، فأنا فرنسي كالبقية، لكن أحياناً لسوء الحظ أتلاعب على هذه التسمية فكما تعلم كلمة بير تعني الزبدة.

سامي كليب: بغض النظر عن السياسيين والجمهور العريض في فرنسا الذين يقرؤونك في الواقع، هل دور النشر تنظر إليك ككاتب فرنسي يعني له شهرة كبيرة أهم كاتب عربي يكتب بلغة فرنسية؟

عزوز بغاغ: أريد الإجابة على هذا السؤال وأنا أنظر إلى عدسة آلة التصوير مباشرةً لأجيب وأقول إن فرنسا في هذه النقطة بالذات ما تزال بلدا عنصرية للغاية.. عنصرية للغاية، وذلك انطلاقا من حقيقة أنه ما من كاتب فرنسي من أصل مغربي قد حصل على جائزة أدبية مهمة قط، باستثناء شخص وحيد وهو طه بن جلون الذي نال جائزة جون كير لكن ما من أحد غيره وأود أن أشيد بأهم كاتب جزائري محمد ديب الذي توفي يرحمه الله قبل عام والذي كان يستحق الفوز عدة مرات بجائزة أدبية كبيرة في فرنسا لا بل على الساحة الدولية، لكنه بقى مجهولاً من قبل المجتمع الفرنسي وأجد ذلك عاراً. واليوم هناك كتّاب مثل أسيد جبار الذي يستحق نيل جائزة أدبية مهمة أكثر من غيره بألف مرة، لكنه لم ينل شيئا وهناك أيضاً رشيد بوجدره وكثيرون غيره لا شيء إذاً أنت ترى عزوز بغاغ الصغير الذي يدخل في هذا الوسط بعد أن رأى أقرانه الأهم منه لم يحظوا بأي تكريم وقد لا أحصل على أية جائزة أنا الآخر، فأنا لست فرد من العائلة الأدبية التي تشكل في باريس المركز الأدبي للمجتمع.

سامي كليب: هل تناضل أيضاً وتكافح من أجل تغيير هذه النظرة الأدبية أيضاً إلى أديب مثلك من أصل عربي، أم تقصر نضالك على السياسة فقط؟

عزوز بغاغ: لا يمكننا النضال ضد هذه المعاملة الآن، ففرنسا وكل الفرنسيين مقتنعون أنه ما من عنصرية في فرنسا، يقولون لك أنت كاتب كغيرك لماذا نريد أن نعاملك معاملة مختلفة عن البقية؟ هل تجد في نفسك شيء أكثر من البقية؟ هنا الجميع سواسية. وعندها لا يمكنك أن تقول لهم شيء أقول لهم انظروا إلى جميع الكتاب من أصل مغربي لما لم يفز أي منهم بجائزة مهمة؟ فيجيبونني لأن كتبهم ليست جيدة، بأن الجمهور لم يحبهم ولأنه لا يتكلم عنهم. إنها العنصرية مجدداً التي تستقي قوتها من حرب الجزائر ومن أيام فرنسا الاستعمارية والعام 732، لسوء الحظ إذ كنت تريد النجاح والوصول إلى الجمهور العريض اليوم في هذا المجتمع الفرنسي يجب عليك عدم التحدث عن أصلك العربي أبداً يجب أن تقول كل شيء بخير من يريد النجاح عليه العمل بجد ولا يجب أن تذكر والدك أو والدتك، وأعتقد أن زين الدين زيدان أو زيزو وبالرغم من كونه رياضيا مهماً فقد اتبع هذا الأسلوب هو لاعب كرة قدم وهذا يكفي، هذا كل ما يهم إذا لم يمكننا المدافعة عن عائلة المنبوذين التي نمثلها.

سامي كليب: طبعاً بعد الكتاب الجميل أول كتاب لك بدأت كتبك تصبح فيما بعد قاسية، والآن تحدثت عن الجزائر لك العديد من المؤلفات في الواقع حول الجزائر فهناك كتاب عن بعنوان

(Zenzela) وهو يتحدث عن زلازل حصل في الجزائر، أيضاً كتاب (Le Passeport) باسبور يعني بالعربي -جواز السفر- ويتحدث عن حياة أربعة رجال شرطة في الجزائر يعيشون في ظروف صعبة جداً وينتظرون الموت، كيف تنظر إلى ما يحدث في الجزائر؟ هل تشعر بأنك جزائري تتأثر بما يحصل؟ ولماذا اتهمت مباشرة إسلاميين بكل ما يحصل في الجزائر وحاولت أن تجنب السلطة بعض المسؤولية؟

عزوز بغاغ: أعتقد أنني لم أتهم الإسلاميين أو آخذ طرف الحكومة الجزائرية، هذا لا يهمني، كما أنه لن يكون ذكاء مني فعل ذلك، ما أريد قوله هو أنني أريد أن يستفيد العالم الجزائري وكذلك العالم العربي من هؤلاء السفراء الذين هم أطفال المهاجرين في فرنسا وأوروبا، نحن سفراء بين العالم المسلم العربي وبين العالم الغربي المسيحي، نحن سفراء يمكننا أن نكون صلة الوصل بين الاثنين، لذلك فنحن نحتاج لأن نحظى بالاحترام، ودعنا لا ننسى أن هناك منزل والدي في الجزائر، إذاً فموطئ قدمي المادي والمعنوي موجود في الجزائر، وبالتالي فالجزائر هي وطني أيضاً كما هي وطن الآخرين، بالمقابل فإنني أتمتع بأفضلية كوني عشت طوال حياتي في فرنسا، لذلك فأنا أقف على مسافة كافية كي أقول لأخوتي الجزائريين ما أعتقده خطئا وما أعتقده صوابا. الخطأ برأيي هو مزاوجة الإسلام بين مجالي الحياة الخاصة والعامة، يجب أن يُفصل بين الاثنين، الدين هو شيء شخصي، أود أن أقول هذا للعرب المسلمين في العالم أجمع عندما سنصعد إلى السماء ونقرع الباب فإننا سنذهب كأفراد وليس كجماعة، وهنا أيضاً يتعلق الأمر بالفصل بين نحن وأنا، أنا من سيصعد إلى السماء والله سيحاكمني وحدي كفرد وليس الجماعة معاً، إذاً لا يجب الخلط بين الفرد والمجتمع ولذلك يجب أن يبقى الإسلام في المنزل ضمن المجال الخاص، فعندما أقيم الصلاة يجب علي أن أبقى في منزلي وعلى اتصال مع الله، لا يجب أن أصلي في الشارع، لهذا السبب أهاجم كل الاتجاهات الإسلامية التي تريد أن تكسر باب الديمقراطية الفرنسية لفرض قانونها أو شرعيتها، هذه حماقة.

سامي كليب: وهكذا وبعد أكثر من أربعين رواية وكتاب، والتي تحول بعضها لأفلام سينمائية يستمر الكاتب الجزائري الأصل عزوز بغاغ بالإنتاج، ويستعد الآن لنشر رواية جديدة عن الجذور بعد وفاة والده، ورغم أنه يلوم المجتمع الفرنسي لعنصريته إلا أن الأكيد هو أنه ربما ما كان ليبدع لو أنه نشأ في إحدى دولنا العربية التي غالباً ما تعتبر الكتاب شيئا دخيلا، أو أنها في أفضل الأحوال تكرم الكتاب بعد وفاتهم، ولعل هذه الحلقة تجعل العرب ينتبهون إلى أن في فرنسا مبدع من أصل عربي يستحق الترجمة بلغة الضاد ويستحق التكريم، وإلى اللقاء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة