الفتوى والسياسة   
الأربعاء 27/1/1431 هـ - الموافق 13/1/2010 م (آخر تحديث) الساعة 16:10 (مكة المكرمة)، 13:10 (غرينتش)

- معاني الفتوى والسياسة والعلاقة بينهما
- الإفتاء في السياسة وقضية الجدار الفولاذي
- أسباب اختلاف الفتاوى وعوامل مصداقيتها

 عثمان عثمان
 
يوسف القرضاوي
عثمان عثمان:
مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلا ومرحبا بكم على الهواء مباشرة في حلقة جديدة من برنامج الشريعة والحياة. تواجه الفتوى في ظل الدولة القطرية إشكالية التداخل بين ما هو شرعي وما هو سياسي في العديد من الأحداث والوقائع الجارية التي يلجأ فيها عادة إلى المفتين أو يتصدى هؤلاء لبيان حكم الشرع فيها ابتداء وها هنا تنشأ فتاوى في موضوعات سياسية وأحيانا تقوم فتاوى مضادة لها من قبل بعض المفتين الرسميين في الدولة، فما حقيقة ما يسمى بالفتاوى السياسية؟ وعمن يوقع المفتي الرسمي في دول اليوم؟ وهل قامت فتاوى الجدار الفولاذي الذي تقيمه مصر على حدود غزة على أسس فقهية أم سياسية؟ وكيف يتجنب الفقيه توظيف الدولة لفتواه؟ الفتوى والسياسة موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، مرحبا بكم سيدي.

يوسف القرضاوي: مرحبا بكم يا أخ عثمان.

عثمان عثمان: بداية فضيلة الدكتور دعنا نحرر المفاهيم، ماذا نعني بالفتوى وبالسياسة؟

يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه وبعد، فقبل أن أجيب على هذا السؤال لا بد لي من كلمة هذه الكلمة أنه جرت سنتنا في هذا البرنامج أن نتحدث عن أعلام الإسلام الذين تفقدهم الأمة لما لهم من حق على أمتهم، وفي يوم الأربعاء الماضي فقدت الأمة الإسلامية وفقدت الدعوة الإسلامية وفقدت العلوم الإسلامية رجلا من خيرة رجالاتها وعلما من خيرة أعلامها وفحلا من فحول العلم ورائدا من رواد الدعوة والتربية الإسلامية إنه الأستاذ العلامة المحقق الداعية المربي الدكتور عبد العظيم محمود الديب رحمه الله رحمة واسعة، أنا شخصيا فقدت بفقده صديق العمر وشقيق الروح ورفيق الدرب فقد اصطحبنا منذ حوالي ثلثي قرن من الزمان حينما التقينا في ريعان الشباب ومقتبل العمر في معهد طنطا الديني، جمعتنا الزمالة الأزهرية وجمعتنا ساحة الدعوة الإسلامية حيث كنا معا في جماعة الإخوان المسلمين وتتلمذنا على رجالاتها وخصوصا على شيخ الدعوة في طنطا في ذلك الوقت الشيخ البهي الخولي، جمعتنا كتيبة الذبيح نلتقي في كل أسبوع بعد صلاة الفجر مجموعة من الشباب نتعلم كيف نضحي بأنفسنا في سبيل الله، شعارنا ما قال إبراهيم لإسماعيل الذبيح ابنه {.. يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ}[الصافات:102] عشنا، هو كان أصغر مني بعدة سنوات، أنا تخرجت قبله من المعهد وبعدين ذهبت إلى أصول الدين وهو ذهب إلى دار العلوم وفرقتنا الأيام ثم التقينا في قطر في قسم الدراسات الإسلامية وفي كلية الشريعة الإسلامية وكان عبد العظيم ساعدي الأيمن في القسم وفي الكلية وكان أستاذا متميزا شهد له إخوانه وشهد له رؤساؤه وشهد له طلابه وطالباته وكان أبا وصديقا ومعلما للطلاب والطالبات، ولا زال يعني طلابه وطالباته يذكرونه إلى اليوم، يعني الدكتورة عائشة المناع هي عميدة كلية الشريعة الآن تقول يعني لا زالت أفكاره وكلماته مغروسة في عقولنا ووجداننا، بتقول هي بتعبيرها كان هو يدرس بمزاج يعني كأنه فنان يمارس هوايته، والحقيقة أنه لم يكن ينظر إلى التدريس أنه وظيفة ولكن ينظر له أنه رسالة، وكان يتعبد بعمله وكل عمل يعني أوكل إليه يعني أعطاه جهده وطاقته وأحسنه، كل الأعمال التي أوكلت إليه، ولذلك يعني يذكره زملاؤه ويذكره طلابه وطالباته بكل خير، عاش في قطر هذه السنين عاكفا على العلم، قلما تجد أستاذا يترهب للعلم، رهبانية العلم، هو عبد العظيم الديب لم يظهر على الشاشات وكل زملائنا يعني كانوا يأتون ليتحدثوا إلي يعني شوف لنا توسط لنا أن نظهر في الشريعة والحياة، بالعكس الجزيرة تقول توسط لنا عند عبد العظيم علشان يظهر على الشريعة والحياة وكم كلمته، أبى وهو ما شاء الله يعني عنده قدرة على أن يتحدث في بعض المواضيع ويوفيها حقها وإن كان يشتغل معظم حياته بالتحقيق وخصوصا تراث إمام الحرمين الذي كان عاشقا له، أخرج عدة كتب "البرهان في أصول الفقه" الذي سماه ابن السبكي "لغز الأمة" و"الدرة المضيئة" و"الغياثي" وأخيرا كتاب "نهاية المطلب في دراية المذهب" موسوعة فقهية شافعية معروفة وكان ظل يعمل فيه أكثر من عشرين سنة، كان هو رجلا من رجال العلم المعدودين ومن رجال الأخلاق يعني الجد والصبر والحلم والاتقان والله ما رأيت يعني مثله رحمه الله، كم من أناس كادوا له، ما كان يقابل السيئة بمثلها، عفيف اللسان نظيف اللسان ما رأيته يتحدث عن أحد بسوء لا في حضرته ولا في غيبته كما قال المتنبي وكل اغتياب جهد من لا له جهد، وكما قال الله تعالى في وصف المؤمنين {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ}[المؤمنون:3]. فقدت الأمة عبد العظيم الديب ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يعوضنا فيه خيرا وأن يرزقنا ويرزق أهله وإخوانه وتلاميذه وكل محبيه الصبر والسلوان وأن يجعل الفردوس الأعلى مثواه ويجزيه عن العلم والإسلام وعن الأمة خير ما يجزي العلماء العاملين والدعاة الصادقين والأئمة الربانيين {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ..}[الأحزاب:39].

عثمان عثمان: عظم الله أجركم فضيلة الدكتور.

يوسف القرضاوي: نسأل الله سبحانه وتعالى أن يخلفنا خيرا فيه وأن يأجرنا في مصيبتنا.

عثمان عثمان: آمين. فضيلة الدكتور طبعا ماذا نعني بالفقه؟ ماذا نعني بالفتوى؟ ماذا نعني بالسياسة؟ نسمع الإجابة إن شاء الله بعد وقفة قصيرة، فابقوا معنا مشاهدينا الكرام نعود إليكم بعد الفاصل.

[فاصل إعلاني]

معاني الفتوى والسياسة والعلاقة بينهما

عثمان عثمان: أهلا وسهلا بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة والتي هي بعنوان الفتوى والسياسة مع فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي. فضيلة الدكتور مصطلح الفتوى، مصطلح السياسة كثر الحديث عن هذين المصطلحين خاصة هذه الأيام، ماذا نعني بهما؟

يوسف القرضاوي: الفتوى هي بيان الحكم الشرعي في قضية يسأل عنها الفقيه، يعني الفقه نوعان، بيان الحكم ابتداء وجواب عن سؤال، حتى في القرآن في أشياء ربنا على طول {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ..}[المائدة:1] ده بيان، وفي {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ..}[البقرة:219]، {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى..}[البقرة:222] فما كان إجابة عن سؤال يسمى فتوى. أما السياسة فهي بالنظر الشرعي تدبير أمر الأمة بما يجعلها أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد في ضوء المقاصد الشرعية بشرط ألا تخالف نصا شرعيا أو قاعدة شرعية، فهذه هي السياسة تدبير الأمر العام للأمة كل ما تحتاج إليه الأمة ما يجعلها أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد في دينها وفي ودنياها واقتصادها وأمورها كلها..

عثمان عثمان (مقاطعا): ما الفرق هنا فضيلة الدكتور بين السياسة الشرعية والسياسة القائمة اليوم؟

يوسف القرضاوي: السياسة الشرعية هذه التي تقوم على الشرع، يكون الشرع هو منطلقها وهو معتمدها، معتمدة الأحكام الشرعية والأدلة الشرعية، دي السياسة الشرعية وهي يعني بتدرس في الأزهر في قسم السياسة الشرعية في كلية الشرعية، اللي يريد أن يدرس للدكتوراه، في قسم الفقه المقارن، وفي قسم أصول الفقه، وفي قسم السياسة الشرعية، السياسة الشرعية تقوم على تحكيم  الشرع والاحتكام إلى الشرع وفي سياسة دنيوية تقوم على اتباع الأهواء وتقوم على المصالح سوءا كانت المصالح تتفق مع الدين أو لا تتفق مع الدين هذه سياسة غير شرعية.

عثمان عثمان: ربما في هذا الإطار نتحدث عن فتاوى سياسية، ما حقيقة هذه التسمية، هل يمكن للدين أن يتناول مجال السياسة اليوم؟

يوسف القرضاوي: الدين يتناول كل شيء، عندنا يعني نحن علماء الشرع في جميع مذاهبهم وفي جميع مدارسهم يقولون الشريعة حاكمة على جميع أفعال المكلفين، لا يخرج فعل مكلف عن حكم من أحكام الشريعة سواء كان المكلف ده حاكما محكومة غني فقير رجل امرأة حضري بدوي متعلم أمي، كل أفعال المكلفين لا بد أن يكون للشريعة فيها حكم، فليس هناك أمر يقول لك لا الشريعة مالهاش دعوة، لا، الشريعة تتكلم في السياسة وفي الاقتصاد وفي أمور الفرد وأمور الأسرة وأمور المجتمع وأمور الدولة والعلاقات الدولية، كل شيء للشريعة فيه حكم، إنما الناس عادة يقولون يعني الفتوى السياسية حينما يكون الأمر له تعلق بالحكام سواء كان بالقبول أو بالرفض سواء كان لهم هوى في الفتوى أو ليس لهم هوى، وهذا ليس في الأمور السياسية فقط، قد يكون أمر، الدولة مثلا عايزة تمنع الختان فتعمل تجيب الفقهاء ويتكلمون في الختان ويختلف الفقهاء يعني مش بس أمر.. في أمر الأحوال الشخصية يعني قد يكون الدولة لها عايزة تمنع الطلاق أو عايزة تمنع تعدد الزوجات زي تركيا ما فعلت، زي تونس ما فعلت منع تعدد الزوجات، فهذا الأمر مش سياسي أساسا، أمر أحوال شخصية ولكن الدولة لها فيه هوى، فيأتي بعض الناس ويبرر للدولة فعلها وآخرون يقفون فليست الفتوى السياسية هي ما يتعلق بأمور السياسة بل ما كان للحكام في أهواء معينة وميل معين، فمن يتفق يعني مع.. وليس كل اتفاق مع الحاكم يكون بهوى، ليس هذا.. يعني أنا من عدة أشهر دعينا في مجمع البحوث الإسلامية لبحث قانون حول زرع الأعضاء، والدولة يعني عايزة القانون لأنه أجازته السعودية وأجازته دول الخليج وأجازته دول عربية وإسلامية إلا مصر اللي واقفين فيها بعض المشايخ وبعض الأطباء دون أطباء العالم ومشايخ العالم، وأنا حضرت وكنت مع إباحة زرع الأعضاء وهو متفق مع هوى الدولة، إنما أنا ماليش دعوة، أنا أقول رأيي وافق هوى الدولة أو خالفها، المفروض الفقيه يفتي بما يمليه عليه ضميره بعد قراءة الموضوع قراءة جيدة من ناحية فقه الواقف وبعد النظر في الأدلة وبعد الموازنة والمقارنة ويقول رأيه ولا يخشى أحدا إلا الله، لا يخاف في الله لومة لائم.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور في موضوع الفتوى السياسية البعض يقول إن لغة ومنطق السياسة تختلف عن لغة ومنطق الفقه، كيف يعني يمكن أن نحكم أحدهم بالآخر هنا؟

يوسف القرضاوي: لا، الفقه هو الحاكم، السياسة لا تحكم على الفقه، الفقه دائما هو الحاكم، لأنه ما معنى الفتوى؟ الفتوى معناها أنك بتطلب الرأي مثلا زي ما في ببعض الوزارات إدارة اسمها الفتوى يعني بيطلبوا الرأي من القضاة أو الخبراء فيعني يقولون هذا، فصاحب الفتوى هو الذي يحكم لأنه هو اللي يسأل وهو الذي يستفتى في ما هو من اختصاصه، فالفقه دائما هو الحاكم لأن الفقه بيمثل الشرع، ما معنى فتوى؟ معنى فتوى أنك تقول قال الله تعالى كذا وكذا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه" قال الله تعال {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ..}[التوبة:71 ]، قال الله تعالى {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ..}[الحجرات:10]، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "المسلمون يسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على.." فحد يأتي.. كلمة الله هي العليا، القرآن يقول {..وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا..}[التوبة:40] مش وكلمةَ الله، لا، يعني دائما كلمةُ الله هي العليا، ما دام كلمة الله العليا يبقى الفتوى هي الحاكمة يبقى الفقه هو الذي يحكم، إذا كان فقها حقيقيا مش تزوير على الفقه، في المشكل أن هناك أناسا يدخلون على الفقه وهم ليسوا من أهله هم دخلاء عليه يعني لا درس الفقه ولا مارس الفقه ولا ألف في الفقه ولا عرف له ملكة فقهية ويأتي ويدخل في الفتوى وهذه مشكلة الكثير من الناس، هم علماء في الأزهر مثلا أو خريج من جامعة إسلامية ولكنه مش من أهل الفقه، هو أستاذ علم كلام أو عقيدة أو حديث أو تفسير أو تاريخ أو لغة أو أدب أو نحو أو صرف وهذا فأحيانا الدخلاء هؤلاء هم الذين.. وأحيانا يكون فقيها ولكن للأسف يشوف أين الريح يميل مع الريح حيث مالت..

عثمان عثمان: تحت تأثير حكم الوظيفة.

يوسف القرضاوي: فيبيع دينه لا أقول بدنياه، بدنيا غيره، وهذه هي المشكلة وهذا يوجد يعني ولكن يعني أظن أن هذا يعني صنف مفضوح عند الناس، يكشف، سرعان ما يكشفه الناس هو أنه مزيف وليس ممثلا للحقيقة.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني بموضوع الفتاوى السياسية التي تتناول الشأن العام ربما تندر فيها النصوص من الكتاب والسنة، يعني هذا ألا يوجب التفريق بين مسائل الفقه ومسائل السياسة؟

يوسف القرضاوي: أنا قلت لك إن الفقه..

عثمان عثمان: هو الحاكم.

يوسف القرضاوي: كل شيء، يشمل السياسة ويشمل الاقتصاد ويشمل الاجتماع ويشمل الثقافة ويشمل كل الشؤون، من شأن الفقه لما تشوف الفقه الإسلامي وتقرأه من باب الطهارة من أول باب إلى الميراث وإلى كذا إلى العلاقات الدولية، الفقه يعني يشمل كل الأشياء فالهم أنه ننظر إلى الواقع نفقه، من أهم أنواع الفقه المطلوبة فقه الواقع، يعني لا بد أن ندرس الواقع والواقعة التي يسأل عنها لا بد أن ندرسها من كل جوانبها ونعرف، لا نفتي جزافا هذا لا يجوز هذا، تعرف الواقعة وبعدين تعرف تردها إلى النصوص وإلى القواعد وإلى المقاصد لأنه أنت ما بتحكمش فقط إلى النص الجزئي، هناك قواعد عامة وهناك مقاصد كلية للشريعة لا يجوز للمفتى إذا لم يفهم المقاصد بل حتى الإمام الشاطبي يعتبر معرفة المقاصد الشرعية هي سبب الاجتهاد يعني من غير هذا لا يصلح للإنسان أن يدخل ميدان الاجتهاد.

عثمان عثمان: يعني كما تعلمون فضيلة الدكتور علم السياسة الشرعية نشأ بعد الفقه العام ثم نشأ علم أيضا تخصصي في موضوع السياسة، المفتي عندما يفتي ألا يجب عليه أن يدرك هذا العلم في موضوع السياسة التي ربما يتناولها الناس ويتعاطونها اليوم؟

يوسف القرضاوي: أولا أحب أن أقول لك إن السياسة الشرعية بدأت مع الفقه من أول يوم لأن المسلمين كان عندهم دولة وبيسوسوها، الرسول من ضمن أوصافه أن تصرفاته بوصف الإمامة يعني بوصفه إمام الأمة ورئيس الدولة تصرفات وأحاديث يقول "من قتل قتيلا فله سلبه أو من أحيا أرضا ميتة فهي له" هل قاله بوصف الفتوى والتبليغ أو بوصف الإمامة؟ سيدنا أبو بكر وسيدنا عمر، يعني لهم اجتهادات كثيرة في السياسة الشرعية، فالسياسة الشرعية بدأت من أول يوم، إنما يمكن التأليف في هذه السياسة واللي تأخر إنما التأخير فيما سمي الأحكام السلطانية أو السياسة.. إنما التأليف في الناحية المالية، يعني أبو يوسف ألف كتاب الخراج في القرن الثاني الهجري، الخراج هو السياسة المالية ألفه لهارون الرشيد كيف يسوس الأمور المالية، ويحيى ابن آدم والأموال لابن.. وهذه كلها في السياسة الجنائية إقامة الحدود والقصاص والتعذيرات دي كلها سياسة جنائية وهي سياسة شرعية. وبعدين أقول لك شيئا، هل الفقيه لأنه يعني لم يدرس العلوم السياسية لا يجوز له أن يفتي في الأمور السياسية؟ لا، يجوز له أن يفتي في كل شيء ولكن بعد أن يدرس القضية، ولذلك ما الذي يحدث في المجامع الفقهية؟ أنا عضو في مجمع الفقه ورابطة العالم الإسلامي من قديم وعضو في المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وهذه المجامع إذا أرادت أن تبحث قضية سياسية أو قضية اقتصادية أو قضية طبية أو قضية علمية تأتي بالخبراء في هذه القضية ليشرحوا للمجمع، يعني مثلا في بعض القضايا التي تتعلق بالطب والإجهاض والأشياء اللي من هذا النوع والبصمة الوراثية تأتي بأطباء يشرحون هذا الموضوع حتى يفهمه الفقهاء وهذا بدأناه في المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية في الكويت التي تجمع في ندواتها الفقهاء والأطباء، الأطباء يشرحون والفقهاء بعد المناقشة يقررون الحكم، في الأمور الاقتصادية يعني مش كل العلماء يعرفون الأمور الاقتصادية إنما نأتي بالاقتصاديين يشرحوا الموضوع حتى يفهم، موضوع الفلك والأهلة وبتاع أيضا نأتي بالفلكيين، فيغني عن التخصص في كل فن، لأنه مش ممكن الفقيه حيتخص في كل فن إنما بيسأل في كل فن، إنما عليه أن يدرك الواقعة ويفهمها ويستعين بالخبراء في هذه الواقعة حتى يفهمها ولا يجوز له أن يصدر الحكم إلا بعد أن يفقه الواقع فقها تاما يعرف يعني أموره كما هي بلا تهويل وتهوين، هذا هو الواجب على الفقيه.

الإفتاء في السياسة وقضية الجدار الفولاذي

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور البعض يتهمكم بأنكم تمارسون عملا سياسيا حين تفتون في مسائل سياسية، أفتيتم بفرضية الانتخاب في العراق، أفتيتم بحرمة الجدار الفولاذي الذي تقيمه مصر على حدود غزة وغير ذلك، هل مثل هذه الفتاوى هي مهمة الفقيه أو المفتي، البعض يقول إن هذه مسائل سياسية فلتترك للسياسيين لماذا علماء الدين يقحمون أنفسهم في مثل هذه المسائل؟

يوسف القرضاوي: وهل السياسة مقصورة على السياسيين؟ يعني كان بعض الناس يقول الاقتصاد أخطر من أن يترك للاقتصاديين وحدهم، بعضهم يقول السياسية أخطر من أن تترك للسياسيين وحدهم، الناس كلهم سياسيون، يجب على الجميع أن يشترك في السياسة، ما الذي يمنع عالم الدين أن يكون له رأي في السياسة؟ ألأنه تعلم الدين يجب يبعد عن السياسة؟ الأمة كلها يجب أن تكون سياسية، لا ينبغي أن بعض الناس يشتغل بالسياسة ويجر الأمة قطيعا وراءه، على قدر وعي الأمة السياسي يكون نهوضها، للأسف كثر من شعوبنا لا تعنى بالسياسة، أميركا تقول لا يعنون بالسياسة الخارجية ولذلك يؤثر عليهم اللوبي الصهيوني وغير ذلك، إنما المفروض أن كل واحد يكون عنده قدر من الوعي السياسي بحيث يستطيع أن يكون له نصيب في إدارة الأمة ولو من بعيد بأن يختار الشخص الأفضل وإذا كان فقيها يقول الرأي الذي يجب أن يقال بعد وعي وفهم ودراسة، فلا مانع من هذا ما يخوفناش أنه أنت بتمارس عمل.. وماله؟ بيمارس عملا سياسيا إذا مارسته بحقه وأصوله فهذا هو الواجب، نحن عندنا في الإسلام لا يجوز للعالم أن يتخلى عن واجبه إذا سئل عن أي أمر من الأمور عن حكمه الشرعي وإلا كان كاتما للعلم، وفي هذا جاء قول النبي صلى الله عليه وسلم "من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيادة بلجام من نار" لسانك اللي أنت لجمته وما تكلمتش به الحق ألجم يوم القيامة، والله تعالى يقول {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ، إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَـئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}[البقرة:159، 160].

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور في موضوع الجدار الفولاذي أنتم أفتيتم بحرمة بناء مثل هذا الجدار، على أي أسس فقهية يعني بنيتم هذه الفتوى شرعا يعني فقهيا؟

يوسف القرضاوي: أسس عديدة، أولا يعني كان يجب تسأل اللي أصدروا الفتوى بإجازة.. على أي أساس فقهي بنوه، إنما أنا بنيت هذا على أن هذا الجدار ضد مصلحة إخواننا في غزة ولا يجوز للمسلم أن يخنق أخاه لأن هذا الجدار معناه سد منافذ الرحمة من كل طريق على إخواننا هؤلاء، المشاركة في حصارهم وتجويعهم وإذلالهم حتى يركعوا لإسرائيل، المستفيد من فتوى إجازة مثل هذا هو إسرائيل هي المستفيدة لأنها تريد أن تحاصر هؤلاء ولذلك البعض يتخذ من مثل هذا الجدار أنه إشارة إلى أنه في حرب منتظر أن تقوم من إسرائيل بعدما يقوم هذا الجدار، علشان إن لم تكن قد استطاعت أن تحقق كل أغراضها في الحرب الماضية رغم ما قتلت وما ذبحت وما دمرت، لا، هذا الجدار يمكنها أكثر وأكثر، وإحنا القرآن بيجعل الأمة الإسلامية أمة واحدة، المفروض مصر عليها واجب كبير إسلاميا وشرعيا بإجماع أئمة المسلمين ومذاهب المسلمين أن أي أرض إسلامية يحتلها عدو كافر على أهلها أن يقاوموا بكل ما يستطيعون فإذا لم يستطيعوا فعلى جيرانهم الأدنين فإذا لم يستطيعوا فعلى جيرانهم اللي بعدهم ثم اللي بعدهم حتى يشمل الأمة، فالجار الأدنى، الجار ذو القربى لغزة هو مصر، مصر كانت بتحكم غزة في وقت من الأوقات فعلى مصر أن تساهم في تحرير هذه الأرض، كيف تساهم في تحريرها وهي بتحاصر أهلها؟ بتساعد إسرائيل، كيف يتصور هذا؟ القرآن والسنة والمذاهب الفقهية كلها توجب أن المسلمين يجب أن يتضامنوا في الدفاع عن أرضهم وطرد العدو منها، لا يسقط هذا عن مصر شيئا ولا أستطيع أن أجد عالما يقول إن ده لا مش واجب على مصر.

عثمان عثمان: لنسمع فضيلة الدكتور أحد العلماء الدكتور محمد الراوي عضو مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر الشريف. السلام عليكم فضيلة الدكتور.

محمد الراوي/ عضو مجمع البحوث الإسلامية-مصر: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور أنتم قلتم القضية ليست قضية جدار إنما هي قضية عدل وحق يجب أن يسود، كيف تفسرون ذلك؟

محمد الراوي: بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وتحية لكم وتحية إلى أخي الكريم الدكتور يوسف القرضاوي على ما بذل ويبذل من جهد. وفيما يتعلق بغزة فإن ما وقع عليها لا يجهله أحد وهو يقتضي أن تتضافر الجهود في تحقيق أسباب الحياة لها وتوصيلها دون عنت أو إبطاء، والعقلاء من كل أمة قادرون بفضل الله أن يضعوا المعونات التي قدمت في موضعها دون تسويف أو تأخير ونحن المسلمين قد أمرنا أن ننصف المظلوم ولو كان من غيرنا وأن نأخذ على يد الظالم ولو كان منا عملا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "انصر أخاك ظالما أو مظلوما" نصرته مظلوما فكيف إذا كان ظالما؟ قال "تمنعه من الظلم فذلك نصرك إياه"، لذا أرى ضرورة إقامة جسر أو جسور من التعاون والعدل لا جدارا من الحجارة، ورأيي أخص به نفسي وأسأل فيه بين يدي ربي، ما هو واقع سيسأل عنه المسلمون جميعا، فإن فرقتهم أضرت بقضاياهم، ولا زلت أذكر الكلمة التي قالها الإمام علي كرم الله وجهه عندما قال يعني لما اجتمعت كلمة المبطلين انتصروا وعندما تفرقت كلمة المحقين هزموا وانحسروا، قضيتنا قضية عدل وحق أين هو. ودعني أقل لك أين ذهبت المعونات ومن المسؤول؟ أهل غزة نعرف جميعا ما يصيبهم وليست القضية قضية جدار تقع فيه منازعات الآن وإن كان له بعض ما يقال من أضرار ومن سلبيات ومن محاسن من الآخرين لحماية بلدهم وكذا وكذا، كل هذا يجب أن يزول بأن أسأل أين مؤسسات المسلمين؟ أين الجامعة العربية لكي تقول كلمتها فيما هو واقع؟ وأنا ممن أعيش في حسرة بالغة لأن الناس يلقون علينا الإسلام عندكم إسلام واحد ولا إسلامين، إسلام نسمع فيه حلال ونسمع فيه حرام، أنا كنت أود -وأخي ليس غريبا عني ولست غريبا عنه- أن يدرس دراسة وافية جدا فيما يتعلق بالجدار من حقيقته ومقاصده وأن ينشر ذلك على العالم لا أن تكون القضية قضية حرام وحلال لأن حلال وحرام قيلت من جانب وقيلت من جانب آخر حلال..

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور اسمح لي، أحد أعضاء مجمع البحوث الإسلامية روى لنا -وطبعا كان حاضرا في الاجتماع- روى لنا أن شيخ الأزهر أخرج البيان من جيبه وتلاه على الحاضرين والفتوى لم تناقش، ما تقولونه الآن أو ما قاله مجمع البحوث الإسلامية هل يعبر عن رأيكم أم لا؟

محمد الراوي: تحاول أن تتكلم، أنا ما كنت موجودا، دع الكلام عن الأشخاص وتكلم فيما أحببت، يقولون طلع بيانا، والله لم أكن موجودا ولم أعلم بشيء على الإطلاق إلا كما علمت أنت. وأنا حسرتي التي أبديها الآن يعرفها أخي الشيخ يوسف أنني ما كنت أود مطلقا والشيخ يوسف الآن 83 والأخ الشيخ الطنطاوي 82 أو 81 وأنا في هذا السن ما كنت أود أن يعرف العالم أن ديننا في قضية أوضح من الشمس يقال هنا حلال وهناك حرام، نعم عند أخي يوسف مبررات جعلته يقول حرام وعند أخي طنطاوي مبررات جعلته يقول حلال، لا أعرف ماذا، أنا ما حضرت لا هنا ولا هنا ولكن القضية غدت حساسة بالغة الحساسية عند جميع المسلمين، ما هذا الذي نسمعه؟ يوسف القرضاوي يقول..

عثمان عثمان (مقاطعا): شكرا فضيلة الدكتور محمد الراوي عضو مجمع البحوث الإسلامية كنت معنا من القاهرة. فضيلة الدكتور ذكرتم أن هناك أسسا فقهية بنيتم عليها فتواكم، أيضا مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر والذي أجاز بناء الجدار الفولاذي بنى فتواه كما يقول على أسس فقهية، منها أن مصر تتصرف في ملكها ومن حقها أن تتصرف وأن من حق الدولة حماية الدولة من الأخطار التي تتهددها، هل ترون أن هذه أسس فقهية معتبرة؟

يوسف القرضاوي: هذه غير قابلة للتصديق، كيف يحمي الإنسان نفسه من إخوانه الذين يجب أن يحميهم، يجب أن يبذل جهده في تحريرهم، أحمي نفسي منهم إزاي؟ يعني هذا شيء غير معقول..

عثمان عثمان: البعض يقول إن هناك تهريب مخدرات وسلاح.

يوسف القرضاوي: هذا في شيء بيسموه في الفقه فقه المآلات، ما مآل هذا العمل؟ مآل هذا العمل أن نقتل إخواننا، أننا لا ندع لهم فرصة من الفرص، وفي شيء بيسميه الفقهاء القتل بالترك بمعنى لو جبت واحدا وحطيته في بيت وأغلقت عليه الأبواب ما عملتش فيه أي حاجة وسبته أيام وبعدين رحت ولقيته مات، أنت قتلته، هذا قتل بالترك، تركته هو محتاج إلى أشياء حيوية حتى يعيش، فإذا تركت إخواننا في غزة دون أن تتاح لهم فرصة بأية طريقة، كان المفروض معبر رفح يفتح ليلا ونهارا هو ده رئة الحياة، ما يفتحش.. فالناس كانوا بيتصرفوا، سيبهم يا أخي، إنما تيجي تسد عليهم هذه المنافذ وأنت واجب عليك شرعا وقانونا وأخلاقا وعرفا باسم العروبة باسم الإسلام باسم الإنسانية بأي شيء يجب أن يأكل هؤلاء الناس ويشربوا، أين القرآن وأين السنن وأين إغاثة الملهوف وأين "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه"؟ ما معنى لا يسلمه؟ يعني لا يتركه، لا يتخلى عنه، إذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام يقول "دخلت امرأة النار في هرة حبستها" قتلتها بالترك تركتها حتى ماتت "فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض" فمليون ونصف مليون تتركهم وتسد عليهم المنافذ! هذا يعني.. ومن قال إن مصر مهددة من غزة؟ مصر مهددة من غزة؟! ده معقول! الأستاذ الكبير طارق البشري وهو رجل قاضي ومؤرخ ومفكر وكان له محاضرة قريبا.. قال هذا الجدار ضد الأمن القومي المصري، مش حماية للأمن، ضد الأمن ودلل على هذا بقراءة التاريخ واستقرار الواقع..

عثمان عثمان (مقاطعا): فضيلة الدكتور ذكرتم يعني أن من الأسس التي بنيتم عليها فتواكم هي المصلحة مصلحة الفلسطينيين، البعض يرى أن مصلحة المصريين هنا هي في بناء الجدار، من الذي يقدر المصلحة؟

يوسف القرضاوي: أي دراسة تقول هذا؟ هاتوا لنا أي دراسة تقول مصلحة.. هذه مصلحة أميركا، مصلحة إسرائيل، إذا كانت مصر متفقة مع هذه الأشياء يعني.. إنما أي مصلحة لمصر في بناء الجدار؟ بالعكس ولا كان فيه ثلاثين مليون كانت تجارة بين مصر وغزة من عدة سنوات، بعد هذه الأنفاق أصبحت أكثر من مليار، فمصر والتجارة مع مصر ومع تجار مصر هي نتيجة هذه الأشياء. وبعدين إذا قيل إنه في مخدرات زي ما بيقولوا، طيب ما مخدرات حتيجي من غزة، طيب ما حتيجي من إسرائيل، طيب ما فيه مائتي كيلو حدود مع إسرائيل، ما معنى من الـ 14 كيلو بتاع.. حتيجي منهم، وإسرائيل، طيب ما ممكن تيجي من السودان ممكن تيجي من كل الحدود الأخرى، فهذه يعني أشياء غير قوية وغير صادقة.

أسباب اختلاف الفتاوى وعوامل مصداقيتها

عثمان عثمان: نعم، فضيلة الدكتور بالحديث عن مفتي السلطان أو مفتي الدولة هذا المفتي بنهاية الأمر هو موظف يتقاضى راتبا يتولى منصبا وهو بطبيعة الحال يريد أن ينفذ سياسة الدولة التي عينته، أي مسؤولية يتحملها العالم هنا؟

يوسف القرضاوي: شوف، الضمير هو الحاكم هنا، مخافة الله قبل كل شيء، هي يعني أنا كنت بأتكلم مع شيخنا الشيخ عبد المعز عبد الستار حفظه الله وبأقول له يعني أصل ما فيش فقهاء حقيقيين، قال لي يا شيخ هي دي محتاجة فقهاء؟ دي مسألة بدهية دي أي مسلم يفتي فيها، حد يقول إنك تقتل أخاك لحساب عدوك؟! وهذا كلام صحيح، وزي ما قال الشيخ الراوي إن المسالة أوضح من الشمس مش محتاجة يعني فقه الفقهاء لأنه ما حدش يقول لك أبدا، أنت صحيح من حقك في بلدك إنما مش في حقوق عربية مش في جامعة الدول العربية مش في دفاع مشترك مش مصر عليها مسؤولية وهي رائدة في الأمة العربية وأكبر دولة عربية والشقيقة الكبرى، ده مش يحملها مسؤولية؟! مش في منظمة المؤتمر الإسلامي مش في حقوق إسلامية للمسلمين بعضهم على بعض مش في حقوق إنسانية للإنسان على أخيه الإنسان اللي جعلت الناس من بلاد شتى يأتون بقوافل لإغاثة الناس وسد جوعة الناس وإغاثة لهفة الخلق؟

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور لو بنت مصر الجدار الفولاذي هذا ومررت المساعدات إلى الفلسطينيين، نحن نريد العنب ولا نريد أن نقتل الناطور مثلا؟

يوسف القرضاوي: يا ريت تفعل هذا، إنما ما تفعل هذا، حتى القوافل اللي بتيجي يجدون يعني سدودا كثيرة أمامهم.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور شيخ الأزهر أكد أكثر من مرة أنه يفتي في حدود دولة مصر فقط لا يفتي في حدود الدول الأخرى فتاوى خارج الإطار، هل يمكن الحديث هنا عن فتوى قطرية؟

يوسف القرضاوي: هذا قاله أيام ما كان مفتيا إنما الآن وهو شيخ أزهر وهو يرأس مجمع البحوث الإسلامية ومجمع البحوث الإسلامية بتكوينه عالمي يعني هو مش مجمع للمصريين فقط، مجمع للمصريين وغير المصريين، من أول ما أنشئ كان فيه باكستانيون ولبنانيون ومغاربة ومن البلاد العربية والبلاد الإسلامية وإلى الآن في يعني معنا في المجمع عدد من الإخوة من بلاد مختلفة، فالمجمع هو يرجع إليه في أمور المسلمين بصفة عامة إنما مفتي البلد حينما يعين في البلد مفتيا يكون معنيا بشأن وأمور البلد، مالهوش دعوة، إذا كان مفتي مصر مش حيفتي في شأن أمور سوريا، هناك سوريا لها مفتي وهكذا.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور في حربي الخليج الأولى والثانية وجدنا فتاوى عدة، فتاوى تتناسب يعني فتوى كل بلد تتناسب مع سياسة هذا البلد، وجدنا فتاوى من السعودية من العراق من الكويت وغيرها يعني نتحدث عن جغرافية الفتوى، هل ترون أن مثل هذا التناقض أو مثل هذا الاختلاف والتباين يؤثر في مصداقية الفتوى؟

يوسف القرضاوي: لا مانع أن تختلف الفتاوى، الفتاوى تختلف من شخص لآخر، في واحد ميسر وواحد معسر في واحد بينظر إلى الأمور نظرة ظاهرية وفي واحد بينظر نظرة مقاصدية..

عثمان عثمان (مقاطعا): ولكن العجب فضيلة الدكتور أنها تتوافق مع الموقف الذي تريده حكومة هذا البلد.

يوسف القرضاوي: لا، مش شرط، مش شرط هذا، يعني القضية زي قضية الكويت أيام صدام ما اعتدى على الكويت اختلفت البلاد العربية الحقيقة مش الاختلاف كان ناشئا عن اتباع هوى الحكومة إنما وقع هذه الحادثة على الناس في كل بلد خلاف الوقع.. يعني أنا كنت في ذلك الوقت في الجزائر، وقع هذه القضية على الجزائريين كان وقعا شديدا، متعاطفين مع صدام تماما، لماذا؟ ينظرون إلى الإذاعة الفرنسية والتلفزيون الفرنسي فيجدونه ضد صدام يبقوا هم ضد فرنسا، فيعني كان في بلاد الخليج لأنهم يحسون بما جرى للكويتيين وكيف تركوا بلادهم وهاجروا هائمين وأصبحوا فقراء ومعهم ملايين وعشرات الملايين وأصبحوا يهيمون في الأرض فوقع هذا على الخليج.. وكان في مصر نفس الشيء، فوقع الحادث على كل بلد خلاف الآخر فلا غرابة أن تختلف الفتوى في كل.. مش الحكومة، يعني كل شيء الناس عندها مسألة الحكومة، مش دائما، بعدين أنا في الكثير من الناس يعني دائما يزعجهم اختلاف المفتين، لا مانع أن يختلف المفتون بس بشرط يكون الاختلاف مبنيا على فقه أن ده له رأي في كذا وله رأي مبني على شيء، المفتي الواحد يمكن تختلف رؤياه..

عثمان عثمان (مقاطعا): طيب دكتور هنا سؤال مهم، قد يكون الاختلاف في قضايا تخص الأفراد ولكن في قضايا الشأن العام ألا يجب أن يكون هناك قرار موحد وفتوى موحدة؟

يوسف القرضاوي: لا، لا، مش شرط، فقد نختلف فيها يا أخي، ما المانع؟ الرؤية تختلف، أنا أضرب لك مثلا، سيدنا عبد الله بن عباس جاءه رجل يسأله قال هل للقاتل توبة؟ فصعد فيه النظر وصوبه ثم قال له ليس للقاتل توبة، فالرجل سكت ومشي، فأصحابه قالوا كنا نسمعك تقول إن للقاتل توبة، فقال إني رأيته مغضبا، نظرت في وجهه فرأيته مغضبا يريد أن يقتل مؤمنا، يعني الرجل مش قتل وجاي يقول هل توبة، لا عايز يأخذ فتوى ويروح يقتل..

عثمان عثمان (مقاطعا): أعتذر عن المقاطعة فضيلة الدكتور وأشكركم على هذه الإفاضة الطيبة، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب وسائر فريق العمل، دمتم بأمان الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة