ياكيش .. موقف تركيا من الحرب ضد العراق   
الاثنين 1425/11/30 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:21 (مكة المكرمة)، 14:21 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

يوسف الشريف

ضيف الحلقة:

يشار ياكيش: وزير الخارجية التركي

تاريخ الحلقة:

25/02/2003

- الموقف التركي من الأكراد وتسليحهم في شمال العراق.
- حقيقة منح تركيا حصة من دخل النفط العراقي بعد الحرب.

- التفاهمات التركية العربية حول موقف تركيا من الحرب ضد العراق.

يوسف الشريف: أعزاءنا المشاهدين، أهلاً وسهلاً بكم إلى هذا (اللقاء الخاص)، الذي نستضيف فيه وزير الخارجية التركي السيد (يشار ياكش). أهلاً وسهلاً بكم في قناة (الجزيرة).

سيادة الوزير، إلى أين وصلت مفاوضاتكم مع الوفد الأميركي فيما يخص الشؤون العسكرية والسياسية والاقتصادية، يقال أنكم على وشك التوصل إلى اتفاق في الأمور السياسية والعسكرية، هل هذا صحيح، والاقتصادية أيضاً؟

يشار ياكش: أولاً: أود أن أقول بأننا لا نعتبر ما يجري بيننا وبين الأميركيين مفاوضات، وإنما مشاورات حول كيفية الحفاظ على مصالحنا الوطنية في حال وقعت الحرب في العراق، وقد توصلنا إلى تفاهم حول غالبية المواضيع فيما عدا موضوع أو اثنين لم نتفق عليهما بعد.

نحن لا نتوقع طبعاً أن توافق أميركا على كل طلباتنا، ولكننا نتوقع أن نصل إلى حل وسط.

الموقف التركي من الأكراد وتسليحهم في شمال العراق

يوسف الشريف: هذه النقاط التي تتحدثون عنها، منها أولاً: موضوع تسليح الأكراد ونزع سلاح الأكراد بعد الحرب، إلى أين توصلت المفاوضات في موضوع السلاح بالنسبة للأكراد وبالنسبة إلى الأحزاب الأخرى التي ستكون مسلحة أثناء الحرب غير الأكراد؟

يشار ياكش: نحن لم نكن أبداً ضد تسليح الأكراد أو إعطائهم السلاح للدفاع عن أنفسهم في حال وقعت الحرب، لأن الأكراد في أزمة عام 91 تعرضوا لهجوم من قِبَل الرئيس صدام مما دفع بمئات الآلاف منهم إلى اللجوء إلى أراضينا، لأنهم لم يستطيعوا أن يدافعوا عن أنفسهم حينها، فنحن نتفهم طلبهم لكي يحموا أنفسهم، بل -وأكثر من ذلك- إننا لا نتعرض على أن يسلحوا من أجل وقف أي هجوم عراقي أثناء الحرب على الخط الفاصل بين القوات العراقية والأكراد، لأن ذلك سيساعد مهمة القوات الأميركية، ولكننا عشنا في تركيا تجربة أليمة عام 91، إذ أن الأسلحة التي تم توزيعها على أكراد شمال العراق انتقلت إلى يد حزب العمال الكردستاني الإرهابي، الذي استخدم هذه الأسلحة لقتل المواطنين الأتراك، ولذلك فإننا نقول إنه إذا كنا سنسلِّح الأكراد، فلنتولَ نحن عملية توزيع السلاح عليهم بحضور الأميركيين، حتى يتأكدوا من أننا لا نخص التركمان بالسلاح بدلاً من الأكراد، ولنضبط العملية ونسجِّل قوائم بعدد السلاح. وبعد الحرب فسيولد عراق موحد، له جيش موحد، له قائد في بغداد، ولذلك فلن تكون هناك حاجة بعد ذلك لوجود ميليشيات المناطق والأقاليم، وعليه يجب جمع السلاح منهم والإبقاء على أسلحة لقوة جندرما أو درك لحماية الحدود أو الشرطة، وإذا ما تم الاتفاق على هذا الرأي يمكن أن نجد طريقة لتنفيذ ذلك عملياً على الأرض، وأعتقد أننا متفقون مع الأميركيين على الفكرة، ولكننا لا نزال نبحث كيفية تنفيذها.

يوسف الشريف: هل يعترض الأكراد مثلاً على هذا.. هذه المطالب التركية؟

يشار ياكش: بالطبع الأكراد لا يحبذون تدخل دول أخرى في هذه الأمور، ويفضلون أن يتسلحوا قدر الإمكان وأن يحتفظوا بأسلحتهم بعد الحرب، هذا ما تفضله كل شعوب دول المنطقة، ونحن ندرك ذلك، ولكننا نرى في ذلك عنصراً يهدد الاستقرار والأمن، ونعتقد أنه من الأفضل ألا يحدث هذا.

يوسف الشريف: ماذا عن طلبكم إيفاد مسؤول تركي عسكري أو مدني للمشاركة في الحكومة المؤقتة التي سيتم تشكيلها -في حال وقوع الحرب- بعد الحرب؟ هل تم الموافقة على هذا الطلب من الجانب الأميركي؟ ولماذا هناك حاجة لمشاركة مسؤول تركي في هذه الحكومة؟

يشار ياكش: نحن نتحدث هنا عن العراق الذي سيولد بعد الحرب المحتملة، ونحن أعلم وأخبر من الأميركيين بطبيعة أهل المنطقة وعقليتهم وتفكيرهم، ونعتقد أنه بقدر ما كنا قريبين من القرار الأميركي هناك أو بقدر ما يمكننا أن نقدمه من مشورات في كل مرحلة، فإننا يمكننا أن نحميهم من الأخطاء التي قد يقعون فيها، فمثلاً إذا كان ما يراد تشكيله في العراق بعد الحرب حكومة انتقالية على غرار ما حدث في كوسوفو أو في أفغانستان مع حكومة كرزاي، فإننا في تركيا ومن خلال قربنا من أهل المنطقة ودرايتنا بهم أقدر من الأميركيين على تحديد شكل النظام الأفضل للحكم، ويمكننا أيضاً أن نساعد في اختيار الشخصيات الأفضل التي يمكن أن تساهم في تشكيل هذه الحكومة المؤقتة، لأننا نعرف الجميع الأكراد والتركمان والعرب.

في حزب البعث وخارجه لدينا الكثير من الأصدقاء، ونعرف قدرة وإمكانيات الكثير منهم، فإذا قمنا بتغيير كاملٍ للمسؤولين في العراق فمن أين سنبدأ بناء العراق الجديد، وكيف؟ وهنا نقطةٌ حساسة يجب الإشارة إليها، فلنقل أن أميركا تخلصت من القيادات في حزب البعث والمؤسسات الحكومية، وأبقت على البيروقراطيين وبقيةٍ من حزب البعث، وأحضرت بعض الشخصيات من الخارج ليتولى محل من ذهب، فعندها قد يقول الشعب العراقي: إن النظام القديم لا يزال قائماً، وأنه لا يستطيع التغلب على خوفه في تعامله مع النظام الجديد، هذه مسألةٌ حساسةٌ للغاية، ويجب الانتباه إليها، ونحن نتعاون في هذا الأمر مع الأميركيين والعراقيين، وهذا ما قلناه لأميركا، وأعتقد أن هناك تفهماً أميركياً لهذه المسالة، لكننا لم نتفق بعد على كيفية تنفيذ أو تطبيق ذلك على أرض الواقع.

حقيقة منح تركيا حصة من دخل النفط العراقي بعد الحرب

يوسف الشريف: هل صحيح أن الولايات المتحدة عرضت عليكم مليار دولار من.. سنوياً من عائدات العراق كتعويض عن خسائر تركيا في هذه الحرب و.. في خلال هذه المفاوضات؟

يشار ياكش: هذا لم يحدث، فبترول مَن نعطيه لمن؟! هذا النوع من الطرح لا يتفق مع أخلاقنا ولا مع فلسفة القانون الدولي، أن تجلس دولتان تركيا وأميركا وتقرران تقسيم بترول دولةٍ ثالثة هي العراق، هذا غير مقبول، ولا نتفاوض على ذلك، لكننا نقول: إن الحرب إن وقعت سيكون لها آثارٌ سلبيةٌ على الاقتصاد التركي، هذا الضرر ليس بسبب قرارٍ تركي، أميركا تتخذ القرار ونتيجة لهذا القرار تلحق الضرر بالاقتصاد التركي، ونحن هنا نريد من أميركا تعويضنا عن هذه الخسائر، ومع الأسف فإن البعض حرَّف هذا الموضوع وقدمه على أنه صفقة مالية أميركية مقابل فتح تركيا أراضيها أمام الجيش الأميركي، هذا غير صحيح بالمرة.

المفاوضات تجري ضمن ثلاثة محاور: تعاونٌ عسكري، تعاونٌ سياسي، وتعويضاتٌ مالية، وليس المحور الاقتصادي أهم من بقية المحاور، كما أن مبلغ الهبة المالية الذي ستقدمه أميركا لتركيا ليس الأمر الأهم في محور التعاون الاقتصادي، فمثلاً فتح الأسواق الأميركية أمام الصادرات التركية من الملابس أهم من المبلغ النقدي، أو مثلاً توسيع وتنويع منتوجات وصادرات المناطق الصناعية التركية التي تدخل صادراتها السوق الأميركية دون ضرائب، فهم -على سبيل المثال- يشترطون أن نستخدم القماش الأميركي لصناعة الملابس في هذه المناطق الصناعية التركية، وهذا يزيد التكلفة على المنتج التركي، فلا يستطيع منافسة الأسواق الأميركية، وإذا تخلوا عن شرطهم هذا مثلاً سنتمكن من بيع كميات أكبر من الملابس، وعوائد ذلك تتجاوز الخمس مليارات المعروضة، فالنسبة لنا التخلي عن هذا الشرط أهم من حصولنا على هبات نقدية، ولذلك فإن موضوع المطالبة بحصةٍ من بترول العراق أمرٌ غير وارد، ولكن من أين ستحصل أميركا على هذه المبالغ التي ستعوض بها الدول المتضررة؟ وكيف؟ فإننا لا نعرف ولا نريد أن نعرف.

يوسف الشريف: عندما دعيتم إلى اجتماع اسطنبول بدأت هناك محاولات لحل الأزمة سلمية، وكان هناك جو من أن الأزمة قد تحل بالفعل سلمياً، وبدأ الاتحاد الأوروبي يتحرك، والدول العربية تتحرك، لكن الآن خلال الأسبوع الماضي ومن خلال تعقيب الإعلام لهذه المفاوضات بينكم أنتم وواشنطن والولايات المتحدة، آمال الحل السلمي تراجعت تماماً، هل نفهم أنكم إذا توصلتم مع الولايات المتحدة إلى تفاهم حول شمال العراق، حول دخول الجنود الأميركيين إلى شمال العراق والأراضي التركية فإن هذا نهاية العمل لحل سلمي؟

يشار ياكش: على العكس تماماً، نحن لم نتوقف عن مساعينا للوصول إلى حلٍ سلمي للمسألة العراقية، ولكن الإعلام هو الذي ركَّز على موضوع المفاوضات مع أميركا، ونسي الموضوع الآخر، وبالرغم من ضيق الوقت: إلا أننا لم نفقد أملنا في التوصل إلى حلٍ سلمي، فرياح الحل السلمي تهب وبشدة على جميع أنحاء العالم، ولكن إذا ما وقعت الحرب رغماً عنا ورغم رفضنا لها فإن علينا أن نحمي مصالحنا من هذه الحرب التي لسنا طرفا فيها، ولن نتخلى عن أمل التوصل إلى حلٍ سلمي حتى آخر لحظة.

يوسف الشريف: يعني دخول الجنود الأميركيين إلى الأراضي التركية في حال توصلتم إلى تفاهم وإلى شمال العراق قبل صدور قرار من مجلس الأمن هل سيبقى بعد ذلك أمل؟ يعني ألا ترى أن هذا يعني بداية الحرب بالفعل؟

يشار ياكش: من الواضح أن القرار الذي سيتخذه مجلس الأمن لن يكون واضحاً، أي أنه لن يقول بأن الأمم المتحدة تسمح لأميركا بضرب العراق، وعلى الأغلب، فإن القرار الجديد سيشبه إلى حدٍ كبير القرار 1441، يعني أنه سيوجِّه لوماً للعراق، ويتهمه بخرق قرارات الأمم المتحدة، ولذلك فإن قراراً جديداً يصدر عن الأمم المتحدة لن يقدم كثيراً أو يؤخر، وهو لذلك لن يشكل أو يوفر أو حتى يلغي وجود شرعية قانونية للعمل العسكري ضد العراق، والاتفاقات الدولية والشرعية الدولية ليست نصوصاً يقدمها المحامي إلى المحكمة للحكم استناداً لها، وإنما هي اتفاقات سياسية، والقرار السياسي بشأنها يُدلي به البرلمان، فالبرلمان سيشير إلى توفر الشرعية الدولية وضرورة التحرك من أجل حماية المصالح الوطنية بهذا الشأن، في مثل هذه الظروف الدول هي التي تخلق هذه الشرعية وليس الأمر باستشارة المحامي ليشير علينا إن كانت هناك شرعية أم لا.

التفاهمات التركية العربية حول موقف تركيا من الحرب ضد العراق

يوسف الشريف: هل تتوقعون تفهماً من العالم العربي لدخول الجيش التركي إلى شمال العراق في مثل هذه الحرب في حال وقعت الحرب واضطر الجيش التركي أو دخل الجيش التركي إلى شمال العراق كما تجري الآن التفاهمات وفتحت تركيا قواعدها للجيش.. للجيش الأميركي في تلك اللحظة؟ هذا أولاً، وثانياً: ماذا حصل بشأن اجتماع دمشق و.. وإعلان اسطنبول؟ هل هذه الأمور تم نسيانها، أم أن العرب فضلوا أن تكون هذه.. أن تكون الجامعة العربية هي الأولى بحل العراق ونسوا هم تركيا واسطنبول؟

يشار ياكش: سأبدأ أولاً بالرد على سؤالك الأخير، فقرارات اجتماع اسطنبول لم تُترك للنسيان، والتشاور يجري بيننا دائماً مع الدول التي حضرت الاجتماع، قبل أيام اتصلت بالسيد فاروق الشرع للتشاور معه بشأن الخطوة المناسبة القادمة، وأشار إلى اجتماع وزراء الخارجية العرب الذي سيعقد وسيتبعه قمة عربية، وطلب أن ننتظر ما سينتج عنهما، وبعد ذلك تحركت ألمانيا وفرنسا في مجلس الأمن، وأعتقد أنه يجب أن تعطى الفرصة أولاً لهذه التحركات ومتابعة نتائجها، كما أن اجتماع دول عدم الانحياز قد انضم إلى هذه التحركات التي تهب في وجه الولايات المتحدة، أما فيما يتعلق بموضوع دخول الجيش التركي شمال العراق فإننا لن ندخل هناك لنستولي أو نحتل المنطقة، ولكننا كما قلت عشنا تجربة مريرة عام 91 حيث تدفق مئات الآلاف من المهاجرين الأكراد الهاربين من عذاب صدام، واضطررنا إلى فتح حدودنا أمام هؤلاء اللاجئين، لأننا ما كنا لنغلق حدودنا أمام هذه المأساة الإنسانية، وقدمنا لهم المعونات الغذائية والمأوى والدواء قدر المستطاع، والغرب تركنا نواجه هذه المشكلة بمفردنا دون أن يساعدنا، والآن نحن نتوقع أن تتكرر هذه المأساة إن وقعت الحرب، وعليه فإن الجيش التركي سيوقف حركة اللاجئين المتوقعة في أقرب نقطة لانطلاقها داخل الحدود العراقية، وذلك بعد بداية الحرب، ويجب ألا ننسى أن من بين اللاجئين كانت هناك عناصر من حزب العمال الكردستاني الذين تسللوا إلى تركيا، ولذلك فإننا عازمون على ألا يتكرر ما حدث في الماضي، وهذا أمرٌ يخص تركيا أكثر من الدول المجاورة، ولذلك فإنني أؤكد مجدداً وأقول: بأن هذا الإجراء سيتم في حال اندلعت الحرب وليس قبل ذلك، أي ليس كإجراءٍ وقائي، وإنما بعد دخول الأميركيين العراق، وليس بهدف المشاركة في الحرب وإنما لأغراض إنسانية، أتمنى ألا نُضطر إلى إطلاق حتى رصاصة واحدة هناك.

يوسف الشريف: سيادة (وزير الخارجية التركي) يشار ياكش شكراً جزيلاً لك على هذا اللقاء.

يشار ياكش: أهلاً وسهلاً، شكراً.

يوسف الشريف: إلى هنا نأتي إلى نهاية هذا (اللقاء الخاص) شكراً لكم، وإلى اللقاء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة