الجهود العربية والأفريقية لمواجهة أزمة السودان   
الأحد 1429/7/24 هـ - الموافق 27/7/2008 م (آخر تحديث) الساعة 14:50 (مكة المكرمة)، 11:50 (غرينتش)

- الحلول المقترحة لمواجهة الأزمة وإمكانية تحقيقها
- هيبة القانون الدولي وانعكاسات القضية على ملف دارفور

علي الظفيري
سيف الدين البشير
عبد الوهاب الأفندي
 محمود رفعت
علي الظفيري:
أهلا بكم. نتوقف في حلقة اليوم عند تحركات الجامعة العربية والاتحاد الأفريقي لإيجاد مخرج للأزمة المتفاقمة بين السودان والمحكمة الجنائية الدولية التي طالب المدعي العام فيها باعتقال الرئيس عمر البشير. نطرح في الحلقة سؤالين، ما مصير الجهود العربية والأفريقية لاحتواء الأزمة بين الحكومة السودانية والمحكمة الجنائية الدولية؟ وكيف يمكن أن تساهم أزمة السودان الحالية في إيجاد تسوية نهائية لملف النزاع القائم في دارفور؟... منذ طلب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية اعتقال الرئيس عمر البشير انطلقت تحركات دبلوماسية على ثلاث جبهات، الخرطوم أرسلت وفودها في الجهات الأربع لتوضيح موقفها، الاتحاد الأفريقي طالب بتجميد أمر الاعتقال، أما الجامعة العربية فقد حملت أمينها العام خطة لاحتواء الأزمة أبرز ما فيها ما قيل إنه قبول سوداني بتشكيل محكمة سودانية خاصة لملاحقة المتورطين في انتهاكات دارفور.

[تقرير مسجل]

هشام يوسف/ مدير مكتب الأمين العام لجامعة الدول العربية- القاهرة: فيما يتعلق بموضوع تشكيل الحكومة محاكم خاصة تم الاتفاق على أن تسعى الحكومة للقيام بذلك إذا ما تطلب الأمر إقامة محاكم خاصة، وتم الاتفاق أيضا على أن تكون هناك متابعة من جانب الجامعة العربية والاتحاد الأفريقي لما يتم من نشاطات فيما يتعلق بهذا الموضوع وكذلك التشاور فيما يتعلق بشمولية القوانين التي ستحكم هذه المحاكمات وضمان أن تكون كاملة وتتعامل مع كافة المسائل المطروحة في هذا الشأن.

إيمان رمضان: الرقص أيضا قد يكون ممكنا في السياسة ككل شيء، لماذا يرقص البشير في دارفور؟ ربما تفاؤلا بفوز محتمل في لعبة دولية أو إظهارا لعدم اكتراث بمذكرة تطالب باعتقاله. البعض هنا يحتفي بالزائر فيما بدا تأييدا للشخص المتهم دوليا بالمسؤولية عن مأساة دارفور والبعض الآخر لم يبرح مكانه وهنا من الجوع والعطش والمرض في صحراء الإقليم. قد يحمل وجود البشير في دارفور رسالة ضمنية إلى لاهاي في وقت تميل فيه الاحتمالات نحو إصدار حكم دولي باعتقاله ومحاكمته بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية في الإقليم، نهاية محتملة لرئيس عربي، سيناريو أحدث إرباكا في الأوساط الرسمية العربية لأسباب قد تتعدى مسألة سيادة السودان وأحقيته في محاكمة زعمائه. من هذا المنطلق تداعى وزراء الخارجية العربية في اجتماع طارئ في مقر الجامعة العربية قبل بضعة أيام بحثا للبشير عن مخرج لأزمته، انتهى الاجتماع بخطة لم يكشف عنها بعد حملها في اليوم التالي الأمين العام للجامعة العربية متوجها إلى الخرطوم، لقاءات خرجت منها الجامعة العربية بطرح إنشاء محاكم داخلية خاصة إن دعت الضرورة لمحاكمة متهمين بارتكاب جرائم في دارفور كان البشير قد رفض تسليمهم للمحكمة الدولية. وعلى خط مواز لتحركات الجامعة العربية في السودان دعا الاتحاد الأفريقي مجلس الأمن الدولي إلى تجميد التهم الموجهة للبشير محذرا من خطر محدق باتفاق سلام لم يجن السودان ثماره بعد وانعكاس ذلك على إحلال السلام في دارفور وما تم إنجازه على طريق ما يسمى الإصلاح الديمقراطي في السودان. ثلاثة أشهر هي كل ما بقي أمام الجميع في السودان وخارجه للإجابة على تساؤلات كثيرة أبرزها هل ستحقق محكمة الجنايات الدولية العدالة المطلوبة لإحلال سلام مفقود في إقليم مزقته صراعات الكبار، أم سيحققها الإبقاء على البشير رئيسا متعهدا كما يقول بجلب السلام لدارفور؟




[نهاية التقرير المسجل]

الحلول المقترحة لمواجهة الأزمة وإمكانية تحقيقها

علي الظفيري: ومعنا في هذه الحلقة من الخرطوم سيف الدين البشير رئيس تحرير جريدة السودان فيجين، ومن لندن عبد الوهاب الأفندي الخبير في مركز الدراسات الديمقراطية من جامعة ويست مينيستر، ومن باريس الدكتور محمود رفعت أستاذ القانون الدولي في جامعة السوربون، مرحبا بكم جميعا. نبدأ معك السيد سيف الدين البشير من الخرطوم، تقييمكم أنتم في السودان لما بذلته المؤسستان الجامعة العربية والاتحاد الأفريقي في هذه القضية؟

سيف الدين البشير: بالنسبة لنا في الخرطوم نتصور أنها المرة الأولى بالنسبة للمنظومة العربية التي تتجاوز فيها أو من المرات النادرة التي تتجاوز خانة الإدانة والشجب نحو وضع خطة محددة جدا لمواجهة أزمة محددة ودون استخدام المزيد من لهجة الاستفزاز للمجتمع الدولي أو للمنظومة الدولية وبالتالي فيبدو واضحا أن الجامعة العربية تقف موقفا غير قابل للمساومة وإن كان سيمضي عبر آليات وعبر مؤسسات وعبر خطة لبلوغ أهداف محددة..

علي الظفيري (مقاطعا): ما هي الخطة أستاذ سيف الدين؟

سيف الدين البشير: الخطة كما اتضح هي أنه سيتم التحرك على المستويات الدبلوماسية والسياسية والقانونية، على المستويات السياسية يبدو واضحا أن الجامعة العربية ستتحرك من خلال أمانتها العامة ومن خلال الأعضاء ذوي العلاقة بالدول المؤثرة في العالم في اتجاه مجلس الأمن بافتراض أن الأمر السياسي يبدأ من مجلس الأمن نفسه، على صعيد الحراك القانوني بدا واضحا أن جمهورية مصر مثلا رفدت الجامعة بالعديد من القانونيين وهم أصحاب رؤى تجاه قضايا الإحالة نفسها من مجلس الأمن إلى المحكمة الجنائية الدولية وما إذا كانت قضية الإحالة بحد ذاتها يمكن أن تمضي، وثانيا هذه الدفوع وثالثا السابقة نفسها ومجافاتها.. المعلوم من أن رؤساء الدول يجب أن يتمتعوا بحصانتهم حتى وإن نص إعلان روما على غير ذلك.

علي الظفيري: أستاذ عبد الوهاب في لندن يبدو أن فعلا خلاصة هذه التحركات والجهود العربية والأفريقية هي إيجاد محاكمات بديلة في السودان تحت رقابة طبعا عربية وأفريقية وأممية، برأيك هل سيكون هذا الأمر مقبولا من قبل المجتمع الدولي وبالتالي يكون بديلا لقضية استدعاء الرئيس البشير وإدانته وما يترتب على ذلك؟

عبد الوهاب الأفندي: بينما أوافق الأخ سيف الدين على أن الجامعة العربية أبدت مهنية عالية في هذا التحرك ربما لأن هناك إجماعا في الأمر لكن من الواضع أن تشكيل محاكم لن يكون كافيا ما لم يحظ بموافقة الحركات في دارفور. نحن حقيقة، أنا ومعي بعض الأخوة يعني من خارج السودان كنا التقينا مسؤولين سودانيين قبل ثلاثة سنوات قبل اتفاق أبوجا وطرحنا عليهم أنه كان يجب أن اتفاق أبوجا يحتوي على مادة أو على فقرات تتناول قضية الانتهاكات وكيفية التعامل معها لأن هذا الأمر كي يحسم داخليا لا بد أن يكون هناك إجماع سوداني عليه وأن يكون هناك موافقة من الحركات على المحاكم التي تتكون، إذا تمت موافقة سودانية سيكون هناك قبول لكن إذا لم تتم موافقة فلن يكون هناك قبول. أيضا سؤال مهم يعني أين كانت الجامعة العربية في الفترة السابقة وأين كانت الحكومة السودانية أيضا في الفترة السابقة؟ لم تبدأ الاتهامات حول دارفور بالأمس ولم تبدأ يوم الرابع عشر من يوليو الجاري، إنما بدأت قبل سنوات..

علي الظفيري (مقاطعا): أستاذ عبد الوهاب هذه نقطة مهمة تثيرها ولكننا ناقشناها أكثر من مرة عن دور الجامعة العربية الذي يأتي متأخرا في هذه القضية وقد يكون هذا المبحث منفصل. قضية حركات التمرد الآن يبدو أنها في وضع قوة أستاذ عبد الوهاب فبالتالي هل يبدو أنها ستقبل بهذا الحل؟ هل ستقبل بأن تتم محاكمات داخل السودان أم أنها ستستغل هذا الضغط الدولي وترفع من سقف مطالبها؟

عبد الوهاب الأفندي: طبعا في رأيي أنها ستستغل، في رأيي أنها يعني في الفترة الأولية.. الصوت بالمناسبة متقطع لا يصلني.. لكن يبدو أنها في الفترة المبدئية ستميل إلى التشدد لكن بعد فترة سيتضح أنه لن يحدث هناك شيء وأن الوضع هو على ما هو عليه، و أيضا بالنسبة للمجتمع الدولي لا بد في وقت ما أن يكون هناك تحرك في هذا الاتجاه، إذاً أتوقع خلال الأشهر القادمة أن لا يحدث شيء، أن يكون هناك تشدد من قبل الحركات.

علي الظفيري: دكتور محمود في باريس، هذه القضية يختلط فيها السياسي بالقانوني بالقضائي، برأيك هل هذا هو يعني هل يعد هذا  الأمر مخرجا حقيقيا، إنشاء محاكم خاصة ووجود رقابة على هذه المحاكم، وتوجيه اتهامات لأشخاص متهمين في هذه القضية، هل هذا يمكن أن يغلق ملف المطالبة من قبل محكمة الجنايات الدولية؟

المحاكم الداخلية التي ستنشأ والمزمع إنشاؤها في السودان إذا ما أخذت بنوع من الجدية فستجعل الأمر شرعيا للقضاء السوداني، إلا أن ميثاق المحكمة الجنائية الدولية ينص على أن المحكمة صاحبة اختصاص احتياطي وليس لها اختصاص أصلي في نظر أي دعوى جنائية
محمود رفعت:
طبعا، بطبيعة الحال المحاكم الداخلية التي ستنشأ والمزمع إنشاؤها في السودان إذما إخذت بنوع من الجدية الحقيقية بحيث توافرت لها شروط القضاء العادل من نزاهة ومن حياد والابتعاد عن الأهواء يمينا ويسارا فإن هذا سيجعل الأمر شرعيا للقضاء السوداني داخليا إلا أن ميثاق المحكمة الجنائية الدولية ذاته ينص على أن المحكمة صاحبة اختصاص احتياطي كقاعدة عامة وليس لها اختصاص أصلي في نظر أي دعوى جنائية محلية إلا في حالة واحدة وهي حالة عدم قدرة أو فعالية النظام القضائي الداخلي وهذا ما استند إليه أوكامبو حينما طالب بتوقيف الرئيس السودان عمر البشير، أن الجهاز القضائي السوداني هو سبّب دعواه على ذلك، أن الجهاز القضائي السوداني يتعرض لضغوط سياسية ويتعرض لضغوط من السلطة التنفيذية من شأنها أن تخل بعمله من ناحية ومن ناحية أخرى من شأنها أن تعرقل عمل القضاء أو سير العدالة ومن هنا دوّلت القضية، من قبل طلب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، دوّلت عن طريق مجلس الأمن وأحيلت إلى المحكمة على الرغم من عدم عضوية السودان في المحكمة لهذا السبب، للتشكك أو للتشكيك في الجهاز القضائي السوداني، فإذا ما أنشئت محاكم حقيقية قادرة على السير في القضية..

علي الظفيري (مقاطعا): نريد تفسيرا منك دكتور حول المعايير، أنت تعرف هذه قضية كما ذكرنا قضية سياسية قانونية، ما هي المعايير، أو ما هي الاشتراطات التي يجب أن تتحقق في هذه المحاكمات حتى يمكن أن نعيد اختصاص محكمة الجنايات الدولية إلى اختصاص احتياطي كما ذكرت وليس الاختصاص الأصلي طبعا في النظر في هذه الأمور؟

محمود رفعت: نعم، حقيقة الأمر أن الجهاز القضائي، أي جهاز قضائي، حتى يسير سيرا حقيقيا لا بد له من أمرين أولا ابتعاد السلطة التنفيذية عنه أو أن السلطة التنفيذية تكون ليست صاحبة سكين أو سيف مسلط على رقبة هذا الجهاز القضائي لأن هذا يخل بالجهاز القضائي ويفرغه من محتواه هذا رقم واحد، رقم اثنين أن تكون المحاكمات أو يكون السير في القضايا هو سيرا معلنا وليس بطريقة مخبأة لأن من شروط المحاكمة العادلة هي علنية المحاكمة رقم واحد، هي ضمان يعني أو ضمانات المحكمة العادلة هي الإشهار والإفصاح والإعلان إلا في بعض حالات ضيقة جدا يستلزم الأمر سرية لسير التحقيق على ما يرام، أن يكون بعد علنية المحاكمات أن يكون هناك قدرة للقاضي على توقيف أي شخص يرى القاضي فيه اتهاما ولا يحتمي هذا الشخص وراء منصبه السياسي ولا يكون في منأى عن يد القضاء ويد العدالة لأنه يشغل منصبا سياسيا أو لأنه مقرب من صاحب منصب سياسي، هذه أهم الشروط التي من الممكن أن تجعل المجتمع الدولي والأسرة الدولية..

علي الظفيري (مقاطعا): اسمح لي دكتور خلينا نسأل السيد سيف الدين البشير، يعني الحكومة في السودان هي الخصم والحكم، هل يمكن أن تتوفر مثل هذه الاشتراطات النزيهة والعادلة في محاكم أو محاكمات تقام في السودان وبالتالي يغلق ملف تدويل هذه القضية؟

سيف الدين البشير: لا يمكن القول بأن الحكومة السودانية هي الخصم والحكم فمن المعلوم أنه في أي دولة من الدول هنالك فصل تام بين السلطات، والسودان زهاء نصف القرن المنصرم عرف بأن له قضاء نزيه ومنفصل تماما عن السلطات الأخرى وعن تأثيراتها ولم يعرف عنه أي انحراف أو ميل في أي من القضايا ولكن القضايا في المقاوم الأول قبل ما ذكره الدكتور هي بحاجة أصلا إلى ادعاء عام، هي بحاجة إلى قضية ترفع وهنالك الكثير من القضايا التي رفعت بالفعل في مواجهة بعض من منسوبي قوات نظامية وغيرها واتخذت ضدهم أحكام، والآن حسب ما أوضحت الجامعة العربية أن السودان قد وافق إذا ما تطلب الأمر، موافقة السودان مشروطة بأنه إذا ما تطلب الأمر وتطلب الأمر يقتضي أن تكون هنالك أسانيد وبينات وادعاء ضد شخص محدد مهما كان من هو هذا الشخص يمكن أن يقدم للمحاكمة ونتصور أن القضاء السوداني يعمل بحيدة شديدة ونزاهة ومشهود له من العوالم الأخرى بما في ذلك الجامعة العربية..

علي الظفيري (مقاطعا): طيب أستاذ سيف الدين مضطر أتوقف لو سمحت مع فاصل ولكن قبل ذلك بشكل سريع مع السيد عبد الوهاب الأفندي في لندن، الآن أعتقد أن الصوت معقول، أستاذ عبد الوهاب هل هذا الأمر يعني باعتقادك أنه متاح يمكن للسودان أن يقيم حالة قضائية، محاكمات برقابة عربية ودولية؟

عبد الوهاب الأفندي: كما ذكرت إذا حدث إجماع سوداني على ذلك، الآن بصراحة طبعا معظم المعارضين غير مقتنعين بما قاله الأخ سيف من أن القضاء يعني مستقل وحتى لو كان القضاء مستقلا فإن الادعاء الذي ذكره هو جزء من الجهاز التنفيذي وحتى في الدول التي فيها انفصال للقضاء مثل أميركا رأينا أن التعامل مع التجاوزات التي يقوم بها الجنود دائما فيها شيء من المحاباة، فأعتقد أن الأمر يحتاج إلى إجماع سوداني على هذا الأمر.

علي الظفيري: الآن نتحول إلى فاصل قصير بعده نقرأ في كيفية مساهمة هذه الأزمة في إيجاد حلول حقيقية لملف دارفور العالق والمؤذي للسودان ولأيضا سكان وأهالي دارفور، تفضلوا بالبقاء معنا.


[فاصل إعلاني]

هيبة القانون الدولي وانعكاسات القضية على ملف دارفور

علي الظفيري: أهلا بكم من جديد. حلقتنا اليوم تبحث في تعقيدات الأزمة السودانية والمطالبة الدولية طبعا باعتقال الرئيس البشير. دكتور رفعت في باريس كأستاذ للقانون الدولي، تدخل القانون الدولي في قضية معقدة جدا وكارثية مثل قضية دارفور تعتقد أنه يساهم في فرض سطوة وهيبة القانون الدولي أم أنه يأخذنا إلى تعقيدات أخرى ربما تضعف هذه الهيبة وهذه الصورة التي يفترض أن تكون مثالية عن القانون الدولي؟

محمود رفعت: نعم، هو في حقيقة الأمر أن التدخل الأممي أو التدخل الذي تفرضه الأسرة الدولية في هذه الحالة إنما هو لإحقاق العدالة ودائما كما هو معمول به سيرا في هذا المضمار أن النوع الذي تتعامل معه هذه النوعية من المحاكم، أي المحاكم الدولية سواء المحاكم الدائمة مثل المحكمة الجنائية الدولية أو المحاكم المرحلية مثل محكمة يوغسلافيا ورواندا، هذه المحاكم تتعامل مع قضايا ذات طبيعة إجرامية عالية جدا، ويكون عدد الضحايا فيها عددا ضخما جدا وتكون المصلحة الممسوسة مصلحة ضخمة جدا حيث أنه يكون قد قتل وشرد وهجر آلاف إن لم تكن عشرات بل مئات الألوف في بعض الأحيان كما كان في حالة يوغسلافيا وفي حالة رواندا والآن القضية التي نحن بصددها، قضية دارفور في السودان، إذاً هنا تحقيق العدالة هو الأمر المطلوب وليس مسألة هيبة القانون الدولي..

علي الظفيري (مقاطعا): لكن الانتقائية يا دكتور، الانتقائية ألا تؤثر على هذه السمعة؟ حينما ترتكب جرائم في أماكن أو في دول يكون لها علاقة طيبة بمراكز الثقل العالمي لا يكون هناك حديث عن القانون الدولي أبدا لكن حينما تكون الدول على خلاف كحالة السودان مثلا يتم توظيف هذه الأدوات؟

محمود رفعت: نعم، هذا ما يعاني منه القانون الدولي ولكن علينا أن نفهم شيئا جيدا جدا أن القانون الدولي هو فرع من فروع القانون حديث الولادة ولا زال يخطو خطواته الأولى فهنا، هذا ما أردت أن أقوله قبل ملاحظة سيادتك، إن النظام الذي تقوم عليه الأمم المتحدة كتشكيل فيه كثير من العوار وفيه كثير من الإجحاف للموازنات الدولية حيث أن خمس دول هم الذين يسيطرون على القرار العالمي، هؤلاء الخمسة هم يمثلون في مغلبهم خطا واتجاها وسيرا معينا تقودهم الولايات المتحدة الأميركية بطريقة عملية، هنا في نوع من أنواع الإجحاف في التمثيل الدولي ولكن يبقى أيضا هنا على الرغم من هذه السلبية التي لا يمكن إغفالها يبقى دور القانون الدولي وتحديدا القانون الدولي الجنائي دورا مهما جدا فقد شاهدنا في قضية يوغسلافيا أنه أقام النصاب بعد ما كادت القارة الأوروبية أن تنزلق في حرب عالمية ثالثة وإبادة المسلمين فيها.

علي الظفيري (مقاطعا): أعتذر دكتور على مقاطعتك فقط لضيق الوقت مضطر لأتحول للسيد عبد الوهاب الأفندي في لندن، كيف يمكن أن تساهم أو يساهم مثل هذا التصعيد في القضية على إيجاد حلول حقيقية لملف دارفور أستاذ عبد الوهاب؟

الرأي العام العالمي عبئ تعبئة شديدة فيما يتعلق بأزمة دارفور، والمسؤولون الغربيون يعترفون ويقولون إننا نرى أن هذه المحاكمة وهذا الادعاء على الرئيس السوداني يعقد الأمور
عبد الوهاب الأفندي
: يعني طبعا هذا هو الإشكال، هذه المحكمة أصبحت ورطة بالنسبة.. وهذا يعيدني إلى النقطة الأولى  التي ذكرتها من أن تأخر الحكومة والجامعة العربية في التصدي للمشكلة أن الرأي العام الآن العالمي عبئ تعبئة شديدة فيما يتعلق بأزمة دارفور، والمسؤولون الغربيون الذين نتحدث معهم يعترفون ويقولون إننا نرى أن فعلا هذه المحاكمة وهذا الادعاء على الرئيس يعقد الأمور ونتمنى أنه لو هناك طريقة للخروج منها ولكن الرأي العام عندنا أصبح معبأ بصورة أننا كحكومات لا نجرؤ على أن نقول علنا إننا ضد المحكمة، هذه هي الورطة حقيقة أن بالنسبة للمحكمة هي أطلقت ولكنها خرجت من يد الجهات التي أطلقتها. ممكن، رأينا حقيقة أن الأثر المباشر لها أنها ركزت الاهتمام الرسمي السوداني الآن اليوم الرئيس كان في دارفور وعرض بعض العروض ويبدو أن الحكومة السودانية الآن مستعدة للتحرك والجامعة العربية مستعدة للتحرك، الاتحاد الأفريقي مستعد للتحرك، المجتمع الدولي مستعد للتحرك، هذا قد يكون الفائدة غير المباشرة لهذه القضية ولكنها ورطة حقيقية يعني من الناحية القانونية.

علي الظفيري: طيب، أستاذ سيف الدين البشير، الحكومة تحركت، الرئيس زار دارفور وهناك طبعا جهد سابق قامت به الدولة تجاه هذه القضية ومع الحركات المتمردة، يعني المسؤولية لا تحمل دائما على الحكومة فقط، تحمل أيضا على الطرف الآخر لكن أيضا ينظر على أن ما قدمه النظام في الخرطوم ليس كافيا وأنه هو من أوصل الأمور إلى هذا المستوى والآن يطلب دعما عربيا وأفريقيا ودوليا؟

سيف الدين البشير: لا أتصور أن القول بأن النظام السوداني لم يقدم ما يكفي يمكن أن يكون عادلا، وقد سمعنا كثيرا من المراقبين الدوليين ومن المسؤولين الدوليين كفريق الوساطة إلياسون والدكتور سالم أحمد سالم وهما يتذمران دائما من رفض الحركات المتمردة الجلوس إلى طاولة التفاوض، والحكومة السودانية كانت منذ البداية قد عرضت من الداخل العديد من الفرص لإمكانية المضي في التفاوض وأتصور أن الذي يرفض التفاوض هو الذي يعقد الأمر، حاليا أتصور أن..

علي الظفيري (مقاطعا): طيب الآن أستاذ سيف الدين، الآن الأمور تصاعدت كثيرا وكما ذكر السيد عبد الوهاب عبئ الرأي العام الدولي تجاه السودان، هل يمكن أن تحدث الحكومة السودانية انقلابا في قضية تعاطيها مع ملف دارفور وبالتالي تسحب البساط من تحت الآخرين؟

الذي يمكن أن يحدث الانقلاب هو المجتمع الدولي نفسه لأن المجتمع الدولي هو الذي يستضيف هذه الحركات وهو الذي يغريها ويستدرجها  للمزيد من الشطط
سيف الدين البشير:
نعم ربما أنه كما ذكر الأستاذ عبد الوهاب الأفندي أن العالم نفسه يستشعر ورطة وبالتالي فالذي يمكن أن يحدث الانقلاب هو المجتمع الدولي نفسه لأن المجتمع الدولي هو الذي يستضيف هذه الحركات وهو الذي يغريها كل مرة ويستدرجها كل مرة للمزيد من الشطط وبالتالي هو الآن في ورطة كما تفضل الأستاذ عبد الوهاب الأفندي وأن هنالك مجموعات ضغط، ولا أقول الرأي العام الغربي ولكن هنالك مجموعات ضغط تضغط على الأنظمة الغربية، فالغرب نفسه يريد أن يتدخل بشدة وفي ظني أن الغرب سيجد نفسه هو الآخر في ورطة وسيفاقم من ضغوطه على الحركات المتمردة حتى تأوي بجدية إلى السلام، وفي ظني أن هذه الأزمة وتصعيدها لهذه المرحلة ربما حتى في السودان تستشعر كثير من قطاعات المراقبين أنه ربما يؤدي إلى تقريب الحل تماما، الحركات المتمردة ستجد نفسها أمام ضغط إقليمي ممثل في جامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي لأن المجموعتين ستجدان أنفسهما في المزيد من التأزم إذا ما تطاول أمد الأزمة وبالتالي فالجميع الآن يسعون وعلى رأسهم المجتمع الغربي الذي ظل هو ربما إحدى العقبات المقدرة في عدم قبول الحركات المتمردة لعروض السلام التي ظل يعرضها الجانب السوداني.

علي الظفيري: سيف الدين البشير رئيس تحرير جريدة السودان فيجين من الخرطوم، السيد عبد الوهاب الأفندي الخبير في مركز الدراسات الديمقراطية في جامعة ويست مينيستر من لندن، ومن باريس الدكتور محمود رفعت أستاذ القانون الدولي في جامعة السوربون، شكرا لكم جميعا. بهذا تنتهي هذه الحلقة من برنامج ما وراء الخبر بإشراف نزار ضو النعيم ودائما المساهمة في اختيار مواضيعها عبر البريد الإلكتروني indepth@aljazeera.net

غدا إن شاء الله قراءة جديدة في ما وراء خبر جديد، شكرا لكم على طيب المتابعة وإلى اللقاء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة