برهان علوية.. السينما أداة للتعبير   
الاثنين 1427/4/3 هـ - الموافق 1/5/2006 م (آخر تحديث) الساعة 16:49 (مكة المكرمة)، 13:49 (غرينتش)

- رحلة الذات بين كفر قاسم وهوامش الحرب
- منفى بيروت والبحث عن الهوية

برهان علوية- مخرج سينمائي لبناني: حاسس برأسي ضجيج.. ضجيج كبير مش عم بأقدر أوقفه ها الضجيج، غيرت مدن، غيرت شوارع، غيرت بيوت، غيرت بلاد، غيرت أصحاب، تغيرت أنا ما قدرت أوقفه ها الضجيج، عمره 15 سنة من عمر الحرب.

رحلة الذات بين كفر قاسم وهوامش الحرب

[تعليق صوتي]

عندما أطلق الفتى المراهق برهان علوية العنان لمغامرته في العالم 1963 كان يظنها رحلة جغرافية ستطير به من بيروت إلى الكونغو فمصر ومن ثم باريس، لم يخطر له أبدا أنه يخطو خطوته الأولى في اتجاه مغامرة حياتية ورحلة ذاتية بدأت في مطار القاهرة ومازالت سائرة، خلالها تحول الفتى مناضلا مؤمنا بالصورة كسلاح أيديولوجي وبالسينما كوسيلة للدفاع عن القضية، فكان كفر قاسم تجربة روائية أولى تترجم تلك الأفكار.

برهان علوية: أنا بالنسبة لإيلي السينما كانت رحلة بذاتي، ما ابتدأت كرحلة بالذات، بالأول ابتدأت كرحلة.. كانت بالأول شيء ثاني عن قناعة، عن شيء مفيد، كانت قضية.

[مشهد من فيلم كفر قاسم]

جمال عبد الناصر: أيها المواطنون نحتفل اليوم باستقبال العيد الخامس للثورة.. باستقبال السنة الخامسة للثورة بعد أن قضينا أربع سنوات نكافح ونجاهد ونقاتل للتخلص من آثار الماضي البغيض الذي استبد بنا قرونا طويلة وللتخلص من آثار الاستبداد الذي تحكم فينا وللتخلص من آثار الاستغلال الأجنبي والاستغلال الداخلي، إننا اليوم أيها المواطنون ونحن نستقبل العام الخامس للثورة نستقبله أشد عزما وأمضى قوة وأشد إيمانا، المعركة ضد إسرائيل..

برهان علوية: بس بعدين اكتشفت إنه لا.. ها دي رحلتي جواتي وكل مرة كنت أعمل فيلم كنت عم بأكون بمحل ذاتي.. يعني عم بأكون من ضمن ها الرحلة ها دي بذاتي وعم بأعمل منها مش من براتها.

[تعليق صوتي]

ثم كان التحول الثاني من مناضل إلى سينمائي يبحث عن لغة فنية فجاء بيروت اللقاء عام 1982 شاهدا على التبدل.

برهان علوية: عملته عن الهوامش.. اللي عملته احتجاجا على الحرب ما فيه طلقة رصاص، الفيلم اللي بيصير بالحرب بجو الحرب بيضم الحرب ناس مهجرين بإحياء الحرب ما فيه رصاصة.

[مشهد من فيلم بيروت اللقاء]

برهان علوية: أنا عملت ببيروت ثلاث أربع أفلام كل فيلم من أفلامي كان بيقول كيف عايش ها اللحظة أنا ببيروت، كيف عايش بيروت بها اللحظة، يعني بيروت اللقاء كنت عايش أنا ببيروت كهامش.. على الهامش، اخترت هامش الحرب وحكيت عن هوامش بالحرب ما حكيت عن صلب الحرب.

[مشهد من فيلم بيروت اللقاء]

شخصية أولى بالفيلم: شو.. ليش هيك يا ابني؟ مش آشع؟

شخصية ثانية بالفيلم: بلا آشع.

شخصية أولى بالفيلم: هيك؟

شخصية ثانية بالفيلم: إيه هيك.

شخصية أولى بالفيلم: ليش هيك؟ شو عامل لك أنا؟.. أنا رجل مثل جدك.

شخصية ثانية بالفيلم: اختيار وماشي على الطريق.

شخصية أولى بالفيلم: ليش الاختيارية اللي بيمشوا على الطريق بتتقصدوهم؟

شخصية ثانية بالفيلم: اليوم الصبح جاك أعطاك عمره.. تعرفه لجاك شيء؟ ناقصك عمره حتى يعطيك عمره؟ كان عمره 19 سنة، أمرق من وشي أحسن ما أقوصك.

برهان علوية: حكيت على العلاقات اللي مش عم.. اللي هي على الهامش واللي هي خارج الجو المسعور العام المحارب المقاتل المتعصب واللي مش عارف شو وناس فصلت بيناتهم الحرب بدون ما يكون لهم علاقة بالحرب ولأن الحرب فصلت بيناتهم حولت علاقاتهم لها الشخص لها الشاب والبنت لنوع من الحب اللي هو جاء لأنه بعاد عن بعضهم، لأنه.. مش لأنه حبوا بعضهم.

[مشهد من فيلم بيروت اللقاء]

شخصية ثالثة بالفيلم: تيجي على الغربية؟

شخصية رابعة بالفيلم: نحن هون بنقول ما بنروح إلا إذا تحررت.

شخصية ثالثة بالفيلم: طيب أنتي بتقولي هيك كمان؟

شخصية رابعة بالفيلم: أنا رحت كثير وكلهم بيروحوا بس الحقيقة اليوم في كثير أشياء لازم أعملها وناس بدي أشوفهن بس بقدر أهرب شي ساعتين بعد الظهر إذا أنت بتيجي على الأشرفية.

شخصية ثالثة بالفيلم: وما لازم نخاف؟

شخصية رابعة بالفيلم: لا ليه ما في شيء، أنت وين؟

شخصية ثالثة بالفيلم: (Du cote de Sanayeh).

شخصية رابعة بالفيلم: ليك، الرينج مسكر، بتيجي عن غير طريق، ما في شيء أبداً.

شخصية ثالثة بالفيلم: بعدك تحبي الجرانادين بالصودا.

شخصية رابعة بالفيلم: أه والقهوة بعدها، أول إنبارح مرقت من أمامها، لأول مرة هاديك أيام، بدك نلتقى هناك الساعة اثنين؟

[تعليق صوتي]

قادته غربته الطويلة الطوعية إلى حديث الرسائل والمنفى في الفيلمين الوثائقيين رسالة من زمن المنفى ورسالة من زمن الحرب، في رحلته تلك كانت بيروت الثابت شبه الوحيد المحطة التي تلتقي فيها الطرقات ومنها تتفرع لذلك يسميها مدينة طريق.

[مشهد من فيلم رسالة المنفى]

شخصية أولى بالفيلم: المترو شيء مثل السحر وهم.. وهم كبير، المترو مصنع أوهام، المترو بالمدينة مثل الشرايين بالنسبة لنقط الدم، نحن نقط الدم، المترو مثل غرفة التظهير (Chambre noire) بيظهر الألوان وبيطلع الأحلام، بتتصور باريس بلا مترو، يمكن.. يمكن إنه بيروت لو فيها مترو ما صار فيها هيك، المترو بيدمج الناس ببعضها، بيخليها تسير جسم واحد، بيبطل فيه أنا وأنت، بيلغي المتاريس وخطوط التماس.

برهان علوية: هذا الفيلم رسالة من زمن المنفى هو التنقل بين.. بجو المنفى، يعني التنقل بين أشخاص عايشين المنفى ويمكن هم مش عارفين حالهم إنه بالمنفى، مش مدركين بعدهم إنه كانوا صاروا بالمنفى، أنا عملت هذا الفيلم وكان صار لي مدة كبيرة بره وكنت عارف حالي صرت بمنفى وحسيت قوة ها الشعور هذا وليش بيلح على الإنسان وليش بيصير المنفى محل.. ما عادش محلول.

[مشهد من فيلم رسالة المنفى]

"
فيلم "رسالة من زمن المنفى" عبارة عن رسائل من أناس منفيين لهم قصص وكل منهم يرى المنفى بشكل مختلف، فمنهم من شعر به كوطن جديد ومنهم من عرف أنه في منفى نهائي
"
برهان علوية: من شان هيك كان الديكور الأساسي أو المحل الأساسي لرسالة من زمن المنفى هو وسائل النقل.. هو محل ما بيتنقلوا الناس، محل ما بالمترو، بالـ(Train)، بس دائماً لما بتوصل على الآخر بتلاقي الشخص الرايح لعنده كمان هو بالمنفى، ما بتلاقي حالك بالنهاية، حاولت إنه أجمع بها الفيلم هذا كان عبارة عن إنه أجمع رسائل من الناس منفيين.. لهم قصص، كل واحد بمرحلة من مراحله، يعني فيه ناس واصلين هلا، فيه ناس صار لهم مدة ومبسوطين بالمحل اللي هم فيه بعدهم.. مش شايفينه منفى.. شايفينه وطن جديد وفي ناس عرفوا إن هذا مش وطن جديد إنما هذا منفى نهائي، هذا بعد نهائي، هذا انسلاخ نهائي.

[مشهد من فيلم رسالة المنفى]

شخصية ثانية بالفيلم: خلصني يا شيخ ما تعمل لي وطنية وما وطنية، وطنك اللي بيدبك.. وطنك اللي بيدبك، ما في غيره، فخليه يجيب مراته وأولاده ويجيي معك، شو قاعد عم يعمل هناك؟ لمين غيره صاحح له (Ticket) وفيزا وسكن له ولعائلته وما بيجي، ها خيي؟ العالم عم بتقتل بعضها ببيروت لتحصل على الفيزا وما عم تحصل عليها، إنبارح ساعة.. ساعة على التليفون وأنا أحكي معه، عل لي قلبي.. آخر شيء شو بيقول لي.. إنه يا باي هو حاسس إذا ترك بيروت إيه بده يموت.. خُد، أيوه بس هون في مشكلة واحدة.. في مشكلة واحدة إنه هون بيحكوا لهجتين يا باي، بيحكوا الـ(Wellon) والـ(Flamand) وشو ها المشكلة؟ شو ها المشكلة إنه هما يا باي شعب واحد بس بيحكوا لغتين، اللي هون نحن يا باي كلنا بنحكي نفس اللغة إيه وشو استفدنا؟


[فاصل إعلاني]

منفى بيروت والبحث عن الهوية

برهان علوية: لما رجعت على بيروت لاحظت إنه.. وعرفت إنه بتقدر تكون منفي بوطنك مش بس منفي بالخارج، مشان هيك عملت هذا الفيلم الثاني إليك أينما تكون لها الأشخاص اللي تركتهم ورائي.. اللي تركتهم واللي ظلوا بعضهم بالمنفى وعم بأخبرهم وين صرت أنا، يعني ووين ممكن يصيروا هم كمان.

[مشهد من فيلم إليك أينما تكون]

كريم غالي آخر مرة التقينا كان من خمس سنين بباريس، كان لنا سنين ما كان يمضي أسبوع بدون ما نساهر سوى لما نكون بنفس المدينة ودائما تحكي عن بيروت، يومها قلت لك بشكل مفاجئ أنا قررت أرجع على بيروت.. سكت أنت وحسيتك فوجئت وتضايقت وبعد شوي قلت لي بصوت واطي تبقى خبرني عن بيروت.

برهان علوية: لاحظ لاقيت إنه بيروت ما يعني صارت شيء ثاني تمام.. مختلف كل الاختلاف وصاروا اللي عايشين فيها كلهم تقريبا منفيين مش بس أنا، يعني بطلت ها المحل الجامع اللي في مشروع بيجمع الكل.. اللي في محل ساحة بيلتقوا فيها الكل، اللي في زمان ومكان تتعرف على نفسك فيهم وبيتعرفوا عليك فيهم.

[مشهد من فيلم إليك أينما تكون]

وين الناس؟ وين البنايات؟ وين راحت؟ كيف راحت؟ يا عزيزي ناس راحت لما قوصوها بنصف ساحة البرج، خافت وما عادت رجعت، البنايات انتظرت الناس 15 سنة تحت الرصاص والقذائف وبعدين يأست البنايات وقررت هي كمان تفل.. نزلت على البحر ورمت حالها بالبحر وصارت سنسول.

برهان علوية: يعني في بيروت الجغرافيا اللي هي موجودة بس بيروت الجغرافيا مش هي كل شيء، بيروت الحياة.. يعني بيروت الزمان اللي هي بيعبر على ها المكان، هذا المفقود أنا اللي بطل موجود واللي احتلوا شعور ثاني وأحاسيس ثانية وحياة ثانية ومصالح ثانية وناس بتطلع على بعضها بشكل ثاني.

[مشهد من فيلم إليك أينما تكون]

شخصية أولى بالفيلم: أنا بأتحداك إنه الحرب قريبة جدا، قريبة جدا الحرب، بيت شيفع، حاسسها حرب.. حاسسها إنه بيصير في حرب، حاسس إن في حرب، احتمال جيد جدا، أنا عم بحكي مش هلا بعدين، قريبة جدا جدا، إن كترت سنة ونصف.

برهان علوية: لقيت ناس بعد ثلاث سنين مما خلصت.. مما أعلنوا السلم، بعد ثلاث سنين وأربع سنين بعد بالشرقية والغربية ناس ما بيروحوا على الشرقية وناس ما بيروحوا على الغربية، بعد الحدود الآن.. في ذيب الغير مرئية موجودة وموجودة بقوة.

[تعليق صوتي]

في أفلام برهان علوية تحضر وسائل التنقل كأنها تجسيد حسي للرحلة الذاتية التي يخوضها في كل عمل، المترو، الطائرة، السيارة، كلها إذان بالانتقال إلى محطة جديدة في تلك الرحلة اللامتناهية من صعود الأفكار وسقوطها، من تفتح الأحلام وموتها ومن تبدل سينمائي وتحولاته.

[مشهد من فيلم إليك أينما تكون]

يا عزيزي من كل سهراتنا اللي كانت فيها بيروت مدار أحلامنا وذكرياتنا ما بقي في شيء ولا شيء، ما بقي من ها السهرات إلا الموسيقى اللي كنا بنسمعها لما يخلص الحديث وشوارع بيروت الفاضية هلا.

[تعلق صوتي]

لم يمر وقت طويل حتى اكتشف السينمائي المغامر أن رحلته هي دوران مستمر وأن مكانه هو اللامكان، خلال إقامته في مصر منتصف الستينيات تعرف بالمهندس المعماري حسن فتحي فتفتحت هموم جديدة لديه حول ثنائيات كالهوية والحداثة بين الماضي والمستقبل، فقد كان سفره من دون وجهة محددة وبدون مال هو التمرد الأول على كل الثوابت.

برهان علوية: دائما بالقرن الماضي كان صراع الحكي عن الهوية وكأنه إشكالية بين واحد بيقول الهوية هي الماضي والتاني بيقول الهوية المستقبل وكأنه ما في حاضر، المهندس شو بيعمر؟ بيحط حجر فوق حجر بيعمر فضاء.. (Space) والمخرج بيحط (كلمة بلغة أجنبية) لقطة فوق لقطة ليعمر زمان مش مكان.

[تعليق صوتي]

حياة برهان علوية سلسلة من الخيارات والصدف، اختار أن يتمرد على مورثه الاجتماعي فترك بيروت ولكن الصدفة هي التي قادته إلى باريس في أيار مايو 1968 تحديدا ليكتشف في ثروتها قضيته ويعرف عدوه ويعثر على وسيلته أي السينما ولكن اندلاع الحرب الأهلية في بيروت نسف آماله بالثورة وبالنصر وملأته بالشك، هكذا دخل بيروت الحرب والعزلة والتقسيم في بيروت اللقاء محملا بهواجس كثيرة وبيقين واحد هو أن اللغة السينمائية تحمل موضوع.

[مشهد من فيلم كفر قاسم]

شخصية أولى بالفيلم: العربي وين ما راح يظل عربي يعني يا بيحتقروه يا بيخاوفوا منه والحالتين ما بيقدر يرتاح، أنا درت وشوفت.. اسمعها مني.

شخصية ثانية بالفيلم: ولمتى راح تظل ها الحالة؟

برهان علوية: وعملت فيلم كفر قاسم قناعة بقضيته مش قناعة بالسينما.. يعني أنا ما عملته للسينما ولكن ظلت السينما بالنسبة لي وأنا عم بأعمل كفر قاسم أداة لدرجة إني تساءلت كثير وأنا عم ها الفيلم ده يا ترى مهم أكتر أعمل فيلم ولا ها المصاري.. يرحوا يشتروا فلوس عشان يقوموا الفيلم.

[مشهد من فيلم كفر قاسم]

شخصية أولى بالفيلم: علمتني ضربة الجلاد أن أمشي على جرحي وأمشي ثم أمشي وأقاوم، محمود درويش.

"
السينما هدف قائم بحد ذاته وعندما تكون السينما أداة تكون سينما ساقطة
"
برهان علوية: لا يمكن ضلت عمل مع السينما بها الخيانة إنه يستعملها أداة.. مش أداة السينما، السينما هدف قائم بحد ذاته وأن تكون السينما أداة بتكون سينما ساقطة وأنا عملت فيلم كفر قاسم..

[تعليق صوتي]

برهان علوية السائر دائما على طريق ما لا يدري في أي محطة هو اليوم، يكتب رسائل يومية من بيروت وإليها ويدرك سلفا أنه لن يتمكن من إرسالها كلها ولكنه لا يكف عن السفر الداخلي في رحلة تتجاوز المكان والزمان وتطوق إلى البداية دائما.

[مشهد من فيلم إليك أينما تكون]

فظيع شو أنت عنيد، وين ما رحلت شو ما شوفت ما في إلا بيروت، حامل صورها من بلد إلى بلد، من مدينة إلى مدينة كأنه حجاب، لكم مرة عمرت إلى بيروت برأسك ويجيب معها خبر.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة