رفسنجاني.. الضغوط الغربية على إيران   
الاثنين 1425/11/29 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:21 (مكة المكرمة)، 14:21 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

غسان بن جدو

ضيف الحلقة:

هاشمي رفسنجاني: رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام

تاريخ الحلقة:

17/09/2003

- رؤية إيران لتطورات أزمة العراق وكيفية مساعدتها في حلها
- المخاوف الإيرانية من تطويق أميركا لها وتهديداتها

- موقف إيران من تطورات الساحة الفلسطينية

- تعاطي إيران مع مواقف أميركا وأوروبا من ملفها النووي

- طبيعة الحوار بين أميركا وإيران ومدى جديته

- طبيعة العلاقات الإيرانية العربية وآفاق مستقبلها

- موقف إيران من حزب الله في ظل الضغوط الدولية

- طبيعة مسيرة الإصلاحات الداخلية في إيران ومسألة الانتخابات

غسان بن جدو: مشاهدينا المحترمين، سلام من الله عليكم.

هي تطورات محلية وإقليمية ودولية عدة لمعرفة تطورات ومواقف القيادة الإيرانية، كان لابد لنا أن نتوجه إلى أحد أركان هذه القيادة بامتياز آية الله الشيخ أكبر هاشمي رفسنجاني (الرئيس السابق ورئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام)، مرحباً بكم آية الله شيخ هاشمي رفسنجاني.

سيدي، إذا بدأنا من الخارج التطورات العراقية أنتم ترونها بشكل كبير، كيف تنظرون إلى هذه التطورات في العراق الآن؟

رؤية إيران لتطورات أزمة العراق وكيفية مساعدتها في حلها

هاشمي رفسنجاني: بسم الله الرحمن الرحيم، إني قلق من الوضع الحاصل في العراق وليس لدي بشكل عام انطباع طيب إزاء ما يجري هناك، وما أراه من حالة مع وجود الأميركيين والبريطانيين لا يبشر بمستقبل جيد، هناك كارثة حقيقية حاصلة في العراق، ويجب على المخلصين المقتدرين في العالم والمنطقة أن يبادروا لإيجاد حل لها، الوضع الراهن في العراق أسوأ وليس لإنسان أن يتفاءل بشأنه إطلاقاً.

غسان بن جدو: لماذا أنتم يائسون من الوضع في العراق؟

هاشمي رفسنجاني: طبعاً نحن لسنا يائسين ولابد من حل هذه المعضلة يوماً، ولن يبقى الوضع هكذا إلى الأبد، ولو استمر الوضع بهذا المنوال ستكون العواقب وخيمة للعراقيين ولشعوب المنطقة خصوصاً، ولربما حتى بالنسبة للمحتلين أيضاً، ذلك لأن المرء عندما يتأمل الوضع الحالي يدرك أن أميركا لا تمتلك حلاً، فهي إذا كانت تريد إدارة شؤون العراق مباشرة، فهي لا تستطيع إدارة شؤون بلد كالعراق، لأن عليها جلب قوات من الخارج وهذا ما لا يطيقه الشعب العراقي، كما أنهم لا يستطيعون أن يقدموا شيئاً، وإذا أرادوا البقاء في العراق وإناطة الأمور إلى العراقيين فهذا لا يروق للأميركيين، فما هي النتائج التي سيحققونها من ذلك؟ إنهم إذا تخلوا عن الأمر ستؤول النتيجة إلى عكس أهدافهم، وإذا كانوا يظنون أن بوسعهم العثور على عملاء من عراقيين مطيعين لأوامر أميركا، فإن هذا أيضاً مجرد وهم، لأن الشرفاء لا ينصاعون لأوامر الأميركيين ولا يقومون بما يخدم مصالح أميركا، حقيقة قد يوجد أشخاص يفتقدون الأصالة وأنانيين جداً وضعفاء ويخضعون لأوامر أميركا لكنهم عاجزون عن فعل شيء، وعلى أي حال وأياً كانت أهداف أميركا في العراق فيبدو أنها لم تتحقق لحد الآن، إذا افترضنا أن أميركا تتخلى عن العراق وتغادره، فذلك الأمر يبدو مستبعداً جداً، لأن الأميركيين جاءوا إلى العراق مع كل ما كلفَّهم ذلك من نفقات وضجة لتحقيق أهدافهم في المنطقة والعالم، وفي أميركا ذاتها، وهذا كله سيذهب هباءً، وعليه فإننا نجتاز ظروفاً صعبة حقاً في المنطقة وأنا لا أرى حلاً، أنتم لا تجدون مثيلاً في العالم وفي عصرنا هذا -على أقل تقدير- لبلد يحتل بلداً آخر بالقوة العسكرية ويستطيع إدارة شؤونه، هذه الحالة غير مسبوقة، وليس لأميركا نموذج أو إطار تعتمده، وعليها المبادرة والابتكار غير أنها أثبتت أنها ليست أهلاً لذلك.

غسان بن جدو: أنتم كإيران دولة إقليمية كبرى، أنتم دولة مجاورة للعراق، الأوضاع في العراق تؤثر في إيران بشكل أو بآخر كان سلبياً أو إيجابياً، الآن أنتم أعتبرتم بأن الأوضاع الآن في العراق هي سلبية، ما الذي يمكن أن تقوم به إيران للتخفيف أكان من وطأة معاناة العراقيين أو المساهمة في إيجاد حلٍ ما للعراق؟

هاشمي رفسنجاني: مع وجود أميركا وبريطانيا وفي ظل الحالة السائدة في علاقاتنا معهم وهي انعدام الثقة، مع وجود هذا لا يسعنا من الناحية العملية القيام بعمل ما سوى إرسال مساعدات للمواطنين، وهذا ما نقوم به، لكن ما لا يروق للأميركيين بأن يتم توزيع مساعدات هناك باسم إيران، بوسعنا المحافظة على حدودنا، بحيث لا تلحق بنا أضرار عبرها، وهذا أيضاً ما نقوم به، نستطيع تقديم النصح لأصدقائنا هناك بما من شأنه ألا يجعل الوضع يسوء أكثر وتؤول إلى الانفلات، ونحن نستطيع القيام بمثل هذا العمل أو أن بعض أصدقائنا هناك وقد يتولون مسؤوليات وإذا ما استفسرونا أو طلبوا المشورة نساعدهم ومن ذلك ما يحصل فعلاً.

غسان بن جدو: أليس هذا موقفكم هذا هو حياد سلبي تجاه العراق؟

هاشمي رفسنجاني: بالنتيجة ليس أمامنا سبيل آخر، ماذا كنتم ستفعلون لو كنتم في موقعنا؟ إذا كانت لديكم فكرة اقترحوها علينا.

غسان بن جدو: طبعاً أنا لست في.. في موقع القيادة ولا في موقع القرار بطبيعة الحال، ولكن أي مراقب عندما يلحظ بأن إيران هي فقط تنتظر.. تنتظر أن الآخرين يستشيرونها، فهذا ربما يدفع إلى السؤال التالي شيخ رفسنجاني بشكل صريح، هناك من يحلل ويقول التالي: إن إيران الجمهورية الإسلامية حالياً من مصلحتها أن يكون هناك لا استقرار وفوضى في العراق، حتى تلجأ إليها الولايات المتحدة من أجل أن تساعدها بشكل ما في إيجاد حل في العراق، هل أنتم في هذا الوارد أم لا؟

هاشمي رفسنجاني: كوننا لا نريد بقاء أميركا في العراق هذا صحيح، نحن بالتأكيد لا نريد أن تكون الظروف في العراق بالشكل الذي يشجع الأميركيين على التواجد في هذا البلد، إنني أؤيد هذا المقطع من مقدمتكم، أما أن يكون الثمن لذلك مشكلاتٌ للشعب العراقي وانعدام الأمن والاستقرار والخدمات وتفشي الأمراض والبطالة والتخلف، فهذا كله يجعلنا نشعر بالمرارة، نحن نتطلع إلى اليوم الذي يخلص العالم إلى نتيجة أن شؤون العراق يجب أن تدار من قبل أهله في ذلك اليوم سترون كم ستتواجد إيران على الساحة وكيف سنقدم كل ما بوسعنا من عون ومساعدة.

غسان بن جدو: فخامة الرئيس، هل أن إيران مستعدة للمساهمة أو المشاركة في قوات سلام في العراق؟

هاشمي رفسنجاني: ليس تحت إشراف أميركا، والأمر يختلف إذا تولت منظمة الأمم المتحدة مسؤولية ذلك، طبعاً نحن لا نحبذ ذلك بأن تتولى الأمم المتحدة أمور بلد حر كالعراق كوصية ومسؤولة، كان مثل هذا في زمن الاستعمار القديم، غير أن أميركا والحال هذه ألقت الحجر في البئر، ونجم عن ذلك مشكلات، في الظروف الراهنة قد يكون الحل المناسب والعملي إناطة إدارة الأمور إلى الأمم المتحدة بحيث تدعو هذه المنظمة الدول التي تتضح لها حسن نواياها للمشاركة، وقتها سنشارك.

غسان بن جدو: أنتم زرتم هنا .. وزارة الخارجية.. مسؤول في وزارة الخارجية الإيرانية زار مجلس الحكم الانتقالي في بغداد، هل أن إيران تعترف في مجلس الحكم الانتقالي في بغداد، وكيف تتعاطى مع هذه قوة الأمر الواقع الآن في العراق؟

هاشمي رفسنجاني: طبعاً لحد الآن ليسوا حكومة بحيث تكون بحاجة للاعتراف بها ما حصل بالفعل أن جماعة اجتمعوا مع بعضهم بموافقة أميركا، نحن نعتقد أن هذا القدر من تواجد الشعب العراقي في إدارة شؤون بلدهم مفيد للعراقيين ونحن واكبناهم من الناحية العملية، على هذا المستوى بعثنا بوفد تحادث معهم وأكثر أولئك المتواجدين هناك يؤيدوننا في قرارة أنفسهم، لو لم تكن أميركا فوق رؤوسهم لكان هذا المجلس مقبولاً تماماً بالنسبة إلينا، لكن والحال إنهم تحت إمرة أميركا، فالتعاون معهم أمرٌ صعب.

غسان بن جدو: هناك اتهام آخر.. هذا سؤال أخير فيما يتعلق بالعراق أن إيران الجمهورية الإسلامية حريصة على أن تصدِّر بشكل ما نموذجها في الحكم إلى العراق بغالبية شيعية وعلى نمط الحكم الإيراني الإسلامي تمام، هل هذا صحيح أم لا؟

هاشمي رفسنجاني: طبعاً نحن نتطلع إلى أن يكرس المسلمون أينما كانوا عملهم للإسلام وتطبيق أحكامه، لكن ليس لنا أي خطة أو مساعي كي يقيم الشعب العراقي حكماً كالذي لدينا، هذا يعتمد على رغبتهم. وإذا ما شخصوا أنه الطريق الصواب، فسيمضون فيه وإلا فإنهم سيسلكون طريقاً آخر، غير أنني لا أعتقد أن إسلام الشعب العراقي أضعف مما لدى الشعب الإيراني، وبشكل عام العراقيون كما نعرفهم أناس متدينون شيعة وسنة، حتى الأكراد والتركمان الذين نعرفهم أناس مسلمون، طبعاً في الأجواء الحرة في العراق سيسود الإسلام هناك، على أقل تقدير لو تُرك للشعب.. لو تركت حرية الخيار، فلن تكون حاجة لدفعهم وحثهم من جانبنا.

المخاوف الإيرانية من تطويق أميركا لها وتهديداتها

غسان بن جدو: طب شيخ رفسنجاني القوات الأميركية كانت هنا فقط في الخليج.. في المياه، الآن القوات الأميركية في العراق، في أفغانستان، في آسيا الوسطى، أنتم مطوقون تماماً من القوات الأميركية هل تخشون هذه القوات الأميركية بشكل صريح أم لا؟

هاشمي رفسنجاني: نحن لا نخشاهم إطلاقاً ونعتقد أنهم في طوق الحصار الإيراني.

غسان بن جدو: كيف ذلك؟

هاشمي رفسنجاني: في المحصلة هم أكثر عرضه للفرز منا، نحن مقتدرون في دارنا وعلى أرضنا غير أنهم متورطون في مكان يبعد عن وطنهم آلاف الكيلومترات، وكل ما لديهم عرضة للمخاطر في هذه المنطقة، عندما أقول إنهم في محاصرتنا أقصد في محاصرة الشعوب، ونحن إحدى تلك الشعوب إن الأميركيين ألقوا بأنفسهم في مكان محفوف بالمخاطر، إنهم لم يكونوا يتصورون أن الأمر سيؤول إلى ما هو عليه الآن، انظروا إلى أفغانستان بعد مضي عام ونصف العام، فأي أمن تعيشه القوات الأميركية في أفغانستان أما العراق فهو عالم آخر، وعليه لِمَ الخشية؟ وأميركا هي التي يجب أن تشعر بالخوف والخشية.

غسان بن جدو: لكن حتى العراق.. النظام العراقي كان في بيته، وأميركا أتته وقضت عليه. يعني ليس بالضرورة أن أي نظام يكون في بيته يستطيع أن يواجه قوة، خاصة إذا ما كانت قوة عظمى كالولايات المتحدة الأميركية.

هاشمي رفسنجاني: كيف يكونون في بلدهم والناس ليسوا معهم؟ نعم لو تتقبل غالبية الشعب هذا الأمر يشعر الأميركيون بالأمان هناك، غير أنني لا أحتمل حتى 1% من الشعب يرضى بتواجد وهيمنة أميركا إلا بالحد الذي يقصي صدام من الساحة ويفضي إلى الخلاص من شر نظام مستبد، كنا نقول أيضاً قبل بدء الحرب إننا نؤيد الإطاحة بصدام، وغالبية العراقيين كانوا يؤيدون ذلك، أما أن تحل أميركا وقواتها العسكرية محل صدام، فهذا ما لا يرضاه الشعب، والعراقيون غيورون ومسلمون شجعان، ونحن لا نجد شعباً يرضى بالاحتلال أو أن يعيش المحتل على أرضه بأمان.

غسان بن جدو: طيب شيخ رفسنجاني، بقطع النظر عن الخوف أو عدم الخوف من القوات الأميركية، أنتم كقيادة إيرانية، هل تنظرون بجدية للتهديدات أميركية ولتحذيرات إسرائيلية ضد إيران؟

هاشمي رفسنجاني: أنتم تعلمون أننا منذ خمسة وعشرين عاماً بعد انتصار الثورة الإسلامية نواجه هذه التهديدات، ولقد اعتدنا على أساليب أميركا، فمتى توقفت التهديدات الأميركية؟ وحتى قبل انتصار الثورة حيث كان الأميركيون حاكمين في إيران، والجيش والشرطة والاستخبارات كلها كانت في قبضتهم، ولم يكن بأيدينا أي شيء ونكافح دون أن نمتلك هذه الوسائل كنا وحدنا مع شعبنا، ومع ذلك لم نكن نخشى أميركا، طبعاً الأمر ليس كما تظنون، فأميركا لا يسعها كيد الشر لنا، لقد جاءت إلى العراق وأفغانستان ولن تزج بنفسها في ساحةٍ كإيران بالغة الخطر والصعوبة، قبل ذلك كنا نفكر بهذه الطريقة، وعلى أي حال جنون المبهورين بقوتهم يستدعي الاهتمام، فقد كان الإمام يقول يجب أن تخشوا الثور الوحشي الذي يمتلك قرنين في رأسه ويفتقد العقل.

غسان بن جدو: لكن طبعاً تعلمون بأن إيران تقريباً هي العنصر الأساسي الذي يزعج إسرائيل في هذه المنطقة الآن، على الأقل هذه.. هذا ما نسمعه من تصريحات المسؤولين الإسرائيليين، وهذا ما نقرأه في صحف إسرائيل، هل تخشون تهديداً إسرائيلياً مباشراً لاسيما ما يتعلق بمفاعل بوشهر النووي؟

هاشمي رفسنجاني: ليس لدينا هذا الهاجس إطلاقاً، وإذا ما ارتكبت إسرائيل هذه الحماقة فستتلقى صفعة من إيران لن تستطيع نسيانها لسنوات بل على مدى التاريخ، إنهم يطلقون هذا الكلام في إطار حرب نفسياً، ونحن نستمع لهم.

موقف إيران من تطورات الساحة الفلسطينية

غسان بن جدو: لعلَّ هذا مدخل لي سيادة الرئيس أن أسألك كيف تنظرون للتطورات في فلسطين الآن داخل الساحة الفلسطينية؟

هاشمي رفسنجاني: الوضع سيئ، نحن نشاهد الشعب الفلسطيني المظلوم وقد انتهى بلا ملاذ، في داخل فلسطين جاءوا بما يُسمى بخارطة الطريق، وقَّعت عليها روسيا والأمم المتحدة، الدول العربية لا تفعل شيئاً خشية أو يأساً في مقابل هذا إسرائيل لا تصغي لكلام أحد إطلاقاً.

لقد شاهدتم أنه من أجل تنفيذ خارطة الطريق جاء (بوش) بنفسه وجاء أميركيون كثيرون، ومع ذلك لم تطبِّقها إسرائيل حتى اليوم، ولم تعمل بالاتفاقات التي كانت تقطعها على نفسها، اختاروا بأنفسهم أبو مازن، ولم يعيِّروا أهمية حتى لمقترحاتها، ثم إنهم لم يصنعوا حلاً للاجئين والهاربين والمشرَّدين ولا حتى للقدس ولا للمستوطنات، وإسرائيل تواصل بناء ما تسميه بالجدار الأمني، يلحقون كل هذا الظلم على الشعب الفلسطيني ولا من يعترض على ذلك، لكن ما أن يقوم الفلسطينيون بأي عمل تثور ثائرتهم على الشعب الفلسطيني ويدينونه، أي شيء أسوأ من هذا؟ وما يبعث على الأمل هو أن هناك جماعة من الشعب الفلسطيني صمَّمت على الصمود حتى لو كلَّف أعضاءها أرواحهم، وإذا ما استمرت هذه الحالة فإن أميركا ستكون مجبرة على الاستسلام في يومٍ ما.

غسان بن جدو: هل ترون بأن إمكانية السلام مع إسرائيل بهذه الطريقة غير ممكنة إطلاقاً أم لا؟

هاشمي رفسنجاني: باعتقادي أن إسرائيل لن تجنح إلى السلم إطلاقاً، إسرائيل لم تحقق بعد أهدافها في المنطقة وكذلك أميركا، وليس مستبعداً أن ما يحصل من أعمالٍ في العراق وهنا يجري لحساب بقاء إسرائيل، إنهم يريدون تثبيت الوضع لصالحهم هناك، ولا يوجد أي مؤشر على أن إسرائيل تستطيع العيش بأمانٍ وسلامٍ مع شعوب المنطقة وخاصة مع الفلسطينيين، وإذا لم يُوضع حلٌ لخمسة أو ستة ملايين فلسطيني يعيشون خارج وطنهم فلن يكون هناك سلامٌ في العالم مع هذا الوضع، يجب إعادة هؤلاء إلى أوطانهم، وواضح أن إسرائيل ترفض هذا الأمر، لم يقدِّموا حلاً لحد الآن، كنا قد قلنا عن إخلاصٍ وحرص أن سبيل الحل قد يكون في حصولِ تنسيق دولي تقبل به أميركا وبريطانيا، وذلك بأن تتولى الأمم المتحدة الأمر، وتُجرى انتخابات واستفتاء بمشاركة جميع الفلسطينيين وكذلك اليهود الذين جاءوا إلى إسرائيل، وأيًّا كان الاختيار فسيقبل به الجميع ويدعمه، وقد يكون هذا هو سبيل الحل.

غسان بن جدو: نعم، لكن ما الذي يمكن أن تفعله إيران العالم العربي.. العالم الإسلامي على الأقل في هذه المرحلة قبل أن نصل إلى مرحلة انتخابات عامة والتي يُقال أن هذا الأمر قد لا يحصل مطلقاً، لأن إسرائيل لا يمكن أن تُفرِّط في قوتها وقدرتها الحالية لفائدة انتخابات ربما تعلم نتيجتها سلفاً، ما الذي يمكن أن تفعله إيران العالم العربي.. العالم الإسلامي؟ لماذا أنتم مكتوفي الأيدي فخامة الرئيس؟

هاشمي رفسنجاني: بالإمكان دعم هؤلاء الفلسطينيين الذي يكافحون من أجل الاستقلال، نحن نستطيع ذلك، وكذلك بقية المسلمين وبقية الدول الأخرى سيكون بوسعها تقديم هذا الدعم، إننا إذا قمنا بذلك فإن هؤلاء الفلسطينيين ستكون لهم القدرة على نيل حقوقهم.

[فاصل إعلاني]

تعاطي إيران مع مواقف أميركا وأوروبا من ملفها النووي

غسان بن جدو: فخامة الرئيس، هناك الآن من يقول إن الولايات المتحدة الأميركية نجحت بشكلٍ ما في إبعاد إيران عن أي فعل ومبادرة خارج أراضيها بالضغط المستمر وبإحراجها المستمر، آخر علامات هذا الإحراج وهذا الضغط هو ما يتعلق بالملف النووي حتى أن الولايات المتحدة الأميركية يبدو أنها نجحت بضغوطها على أوروبا في تعديل موقف أوروبا في تعاطيها معكم أنتم كإيران في الملف النووي بالتحديد؟ كيف ستتاعطون بشكل أساسي مع هذا الملف خاصة وأن السيد (خافيير سولانا) الذي كان بينكم هنا في طهران تحدث بلغة تحذيرية صريحة: على إيران أن تتخذ العبرة مما يحصل؟

هاشمي رفسنجاني: هذا ليس بالأمر الجديد، فالأميركيون تصرفوا معنا هكذا منذ بداية الثورة، لقد رأينا الحصار، ورأينا الحرب، ورأينا المقاطعة والحظر، ورأينا الحرب النفسية، ورأينا امتعاض الأوروبيين مرات عديدة، كل ذلك رأيناه، ومع ذلك فإننا نمضي في طريقنا قدماً، ووضعنا الحالي أفضل من أي وقت مضى، وعملنا في الداخل أكثر، كما أن أمامنا سبل عمل أفضل على الصعيد الدولي، أما فيما يرتبط بالتقنية النووية ليس هناك شيء جديد، والأميركيون يثيرون هذه الضجة، وهذا الأمر بدأ قبل الثورة وكان مقرراً بناء عشرين محطة ذرية وإعداد الوقود الذري في داخل إيران وإيجاد صناعة نووية مستقلة غير عسكرية ذات أغراض سلمية، وخُصَّص لهذا الغرض مليارات الدولارات، وقد بدأ العمل في ثلاث محطات وقتذاك، اثنان منها في بوشهر والثالثة في دارخوين، ثم أوقفنا العمل، وإبَّان الحرب لم يكن بوسعنا عمل شيء وبعد انتهاء الحرب بدأنا العمل وكان هدفنا هو أن يكون لنا جزءٌ مما كان مقرراً في السابق وبدلاً من عشرين محطة تكون لنا سبع محطات بطاقة سبعة آلاف ميجاوات تقريباً وخططنا لإعداد الوقود اللازم في أصفهان التي لدينا فيها مشروعاً في الحال الحاضر كان هذا الموقع موجوداً في السابق، في هذا الموقع نعمل على إعداد الوقود اللازم، أما اكتشاف اليورانيوم فقد بدأ العمل به في السابق، ونواصل العمل فيها حالياً، وقد أعلنَّا مرات عديدة أن أغراض المشروع سلمية، إنهم لا يريدون أساساً أن تكون لإيران هذه التقنية، وهذه هي الحقيقة، ونحن مصمِّمون على أن نمتلك هذه التقنيات، ولن يستطيع أحد منعنا من ذلك.

غسان بن جدو: لكن كيف ترون الموقف الأوروبي الآن في تعاطيها مع هذا الأمر، خاصة كما قلت لكم خافيير سولانا كان يتحدث بلغة تحذيرية؟

هاشمي رفسنجاني: لقد كنا دوماً نسمع لمثل هذه المفردات، نحن لا نخشى من مثل هذه التهديدات، ما عساهم فاعلون، نحن ماضون في عملنا، ولسنا تابعين لهم، علماؤنا منهمكون في عملهم وسنصنع الوقود اللازم في يومٍ ما، وسنشغل محطاتنا.

غسان بن جدو: لكن ألا تخشون أن تصاب علاقاتكم مع أوروبا ببعض الأضرار؟

هاشمي رفسنجاني: نحن نأمل ألا يرتكب الأوروبيون هذا الخطأ الكبير، لقد رأوا مراتٍ عديدة أن الأميركيين يسعون لتحقيق أهدافهم، وهم يجب أن يهتموا بمصالحهم ومصالح شعوبهم، ولو افترضنا أنهم جادون نحن لن نضل طريقنا بسبب مواقفهم، بل إننا سنمضي قدماً.

غسان بن جدو: طالما فخامة الرئيس دائماً يبدو أن محور تحليل كل المسؤوليات الخارجية في الولايات المتحدة الأميركية بعد كل هذه السنوات إذا أردنا أن نلخِّص قناعاتكم أنتم كقيادة إيرانية، ما الذي تريده أميركا من إيران الجمهورية بالتحديد.. إيران الجمهورية الإسلامية، تغيير النظام أم.. أم ماذا بالتحديد؟ وما الذي تطلبونه أنتم كقيادة إيرانية الآن من الولايات المتحدة الأميركية؟

هاشمي رفسنجاني: أميركا لم تؤيد الحكم الشعبي والإسلامي في إيران منذ البداية، ولم توافق على ذلك في أي وقت مضى، عندما شكل أنصار مصَّدق حكومة شعبية نسبياً رأينا أنهم دبَّروا انقلاباً عسكرياً وأقصوا تلك الحكومة، وقبل ذلك جاءوا برضا خان إلى إيران وفرضوه وعطَّلوا الحركة الدستورية، وبالنسبة لثورتنا فقد قاموا ما استطاعوا بتخطيط الانقلابات والحرب وإثارة الاضطرابات والاغتيالات والمقاطعات والحظر، كي لا تبني الثورة ركائزها، ولا يهمهم إسلام الأشخاص، وما يهمهم هو ألا يكون إسلام يحكم هكذا كانوا دائماً، وهذا ما يريدونه قد يتحدثون في تصريحاتهم عن تغيير السلوك والتعامل وما إلى ذلك ويقصدون من ذلك أن نستسلم لأميركا، وأي تغيير آخر في السلوك والتعامل لن يرضيهم، كونوا واثقين من ذلك ونحن لا نشك في هذا، نحن لا نريد من أميركا شيئاً خاصاً، نحن نريد من أميركا ألا تكيل الشر للجمهورية الإسلامية وتذعن لوجود دولة مستقلة حرة ثورية في إيران اختارها الشعب وأن الأمر لا يعنيها.

طبيعة الحوار بين أميركا وإيران ومدى جديته

غسان بن جدو: واشنطن قالت إن الحوار مع إيران لم يعد مجدياً، أنتم في طهران ترون أن الحوار مازال مجدياً مع واشنطن أم لا؟

هاشمي رفسنجاني: نحن نعتقد بأن الأميركيين راغبون جداً في التحادث مع إيران، ولقد رأيت شخصياً طيلة هذه المراحل والد السيد بوش والسيد (ريجان) وغيرهما يبعثون لنا بإنجيل يحمل توقيعهم ويبعثون بكبير مستشاري البيت الأبيض وبكعكةٍ ومفتاحٍ وما إلى ذلك، وأنتم تتذكرون هذه الأمور، إنهم يريدون التحادث معنا، وإذا كانوا يقولون غير ذلك الآن، فذلك لأنهم يريدون تشويق إيران للتحادث.

بالنسبة لنا كان وهذا رأيي الشخصي أنه يجب على أميركا إبداء إشارة تثبت حسن نواياها تجاهنا كي نبدأ الحديث معهم، وأنا لا زلت معتقداً بوجهة النظر هذه.

غسان بن جدو: شيخ رفسنجاني، لعلكم تابعتم بأنه كتب قبل مدة قصيرة في لندن بأن الشيخ هاشمي رفسنجاني أرسل موفداً من قِبَله للحوار سري مع الولايات المتحدة الأميركية، ولكن يبدو أن واشنطن ليست راغبة أو ليست مستعدة، هل تؤكد أو تنفي هذا الأمر؟

هاشمي رفسنجاني: هذا كذب محض أو صنيعة تفكيرهم وحربهم النفسية، لست حالياً في موقع المسؤولية لأُوفد أحداً، ولم أقم بعملٍ انفرادي في أي وقت من الأوقات، ولو كان مثل ذلك، فقبل كل شيء يجب أن يعلم به المرشد، إذ هو الذي يصادق على القرار الذي يتخذه النظام، وبعد ذلك لست أنا الذي يوفد أحداً، بل إن رئيس الجمهورية هو الذي يتولى الأمر.

أعتقد أن مثل هذه الشائعات تُبثُّ لغرض خاص، وعندما كنت رئيساً للجمهورية لم أعيِّن أحداً في أي وقت من الأوقات للتحاور مع الأميركيين.

طبيعة العلاقات الإيرانية العربية وآفاق مستقبلها

غسان بن جدو: شيخ رفسنجاني، فيما يتعلق بالعلاقات الإيرانية مع العالم العربي، طبعاً نحن نعلم جيداً حتى خلال فترة رئاستكم كنتم دائماً حريصين على تعزيز وتعميق الروابط بين إيران والعالم العربي، في السنوات الأخيرة تحسنت هذه العلاقات، أولاً كيف تنظرون إلى هذه العلاقات الإيرانية العربية، ولماذا حتى هذه اللحظة لم تصل العلاقات الإيرانية المصرية -على سبيل المثال- إلى مستوى من الرقي المأمول الذي كان متوقعاً قبل مدة؟

هاشمي رفسنجاني: فيما يرتبط بالدول الإسلامية وخاصة العربية الأساس في سياستنا هو أن تكون أخوية وأرقى من ودية، هذا ما يجب قوله، وطلبه الدستور منا، والأسباب التي لا تخفى عليكم هي وجود أيادٍ دخيلة تخل بهذه السياسة، فمنذ البداية كانت سياستهم تجعلهم يرون خطر إيران مقدَّماً على خطر إسرائيل، لهذا السبب بدأت حرب العراق علينا، أنتم ترون أشياء كثيرة من هذا القبيل، وهم لديهم إمكانيات عديدة لإرباك خططنا، وأعني بذلك أعداءنا الأساسيين، لكن وبالرغم من ذلك تُبذَل مساعي حثيثة، ولدينا علاقات جيدة، وإذا لم نقل إنها ممتازة، فإنها ممتازة نسبياً، طبعاً نحن غير مقتنعين بهذا المستوى، وأعتقد أنه يجب أن تكون أفضل مما هي عليه، ومصر من بين هذه الدول، طبعاً مصر أوجدت في مرحلةٍ ما (كامب ديفيد) وعلى إثرها أقدمنا على قطع العلاقات، لأننا كنا نرى أن ذلك يشكل ضربة قاسية للقضية الفلسطينية، وأن كامب ديفيد قصمت ظهر الجهاد ضد إسرائيل، لقد قرر الإمام وقتذاك قطع العلاقات، وبعد رحيل الإمام لم يكن من السهل علينا تغيير سياسات الإمام الصريحة، وبالتالي فإن الأمر بحاجة لتمهيد، حسناً الوضع تغيَّر الآن، لقد حصلت ظروف مستجدة في إيران، وهناك كثيرون ممن يرون ضرورة إقامة علاقات عادية وتعاون مع مصر، وهؤلاء يعتقدون أن ذلك يشكل مفتاح الحل لبعض المشكلات في المنطقة، وأنا شخصياً من بين هؤلاء.

غسان بن جدو: يعني أنتم مع تطبيع كامل العلاقات مع مصر؟

هاشمي رفسنجاني: بلى، أنا شخصياً أعتقد ذلك يجب أن تكون علاقاتنا مع مصر عميقة تماماً، ويجب تفعيل هذه العلاقات، ولكن هناك في إيران من لا يزال متأثراً بالتداعيات السلبية لكامب ديفيد.

غسان بن جدو: لكن ليست مصر هي الوحيدة -فخامة الرئيس- التي لها علاقة مع إسرائيل، لماذا مصر بالتحديد، الأردن لها علاقة، والملك الأردني في طهران.. زار طهران؟

هاشمي رفسنجاني: أنا أيضاً أعتقد بهذه الحجة، طبعاً في مصر أيضاً لديهم بعض المسائل، القضية ليست من جانبٍ واحدٍ فقط، أحياناً نحن نتقدم خطوة وهم يتراجعون، وكذلك العكس، ولكني شخصيا أعتقد أنه يجب تسوية المسألة كما حصل مع المغرب لقد التقيت شخصياً مع رئيس الوزراء المغربي ووضعت حلاًّ للمسألة، علاقاتنا مع السعودية كانت متوترة، فوضعنا حلاً للمسألة مع الأمير عبد الله الذي تصرف بحكمة.

موقف إيران من حزب الله في ظل الضغوط الدولية

غسان بن جدو: آخر سؤال فيما يتعلق بالقضايا الدولية والخارجية فخامة الرئيس يتعلق بحزب الله في لبنان، هناك ضغوط الآن على حزب الله، وهل أن إيران باختصار شديد لا تزال تنظر لحزب الله كقوة رئيسية وكحليف ولا يمكن أن تتخلى عنه أم لا؟

هاشمي رفسنجاني: بالتأكيد إننا نعتبر حزب الله في لبنان أحد أصدقائنا الجيدين خارج إيران، إنهم أناس قريبون جداً منا من حيث المعتقد، أناس جيدون ومجاهدون شجعان حقاً، عملهم هو الدفاع عن بلدهم، إسرائيل بالتالي تمثل خطر حقيقياً، إنهم حققوا مفخرة للعالم العربي لم يحققها أي بلد عربي لحد الآن، لقد هربت إسرائيل من جنوب لبنان بهذه الحالة من الذل، هذا مؤشرٌ على قوة عظيمة موجودة هناك، وفي داخل لبنان المسؤولون يرتبطون معهم بعلاقة صداقة، لهم مقاعد في البرلمان، طبعاً هم مستقلون ولا صلة لهم بنا سوى أننا نكن لهم الود.

غسان بن جدو: كيف ذلك فخامة الرئيس؟ كيف لا توجد علاقة؟ يعني هي ليست فقط علاقة صداقة، هناك علاقة حلف حقيقي؟

هاشمي رفسنجاني: كوننا نشاطرهم الفكر، وإنهم شيعة ونحن شيعة، وكوننا نساعدهم فهذا ما لا يمكن نكرانه، هذه هي حقيقة موجودة غير أننا لا نتدخل في عملهم، قد يظن البعض أنهم يعملون بإمرتنا، ولكن ليس الأمر كذلك، إن لديهم مجلس شورى، وهم الذين يختارون، إنهم أناس ناضجون ورشيدون، فلماذا يسألوننا عن قضايا لبنان؟

طبيعة مسيرة الإصلاحات الداخلية في إيران ومسألة الانتخابات

غسان بن جدو: طيب فيما يتعلق بالقضايا الداخلية هنا في إيران باختصار شديد، فخامة الرئيس، خلال الفترة الماضية هناك شيء، شعار رفع في إيران اسمه الإصلاحات، كيف ترى مسيرة الإصلاحات؟ نجحت.. فشلت.. تقدمت.. تأخرت.. أين هي مسيرة الإصلاحات؟

هاشمي رفسنجاني: إن أي نظام وأي مجتمع وأي أُسرة يجب أن تمارس الإصلاح مع نفسها دائماً، وتحرص على أن يكون غدها أفضل من يومها، وأنها إذا ما فعلت ذلك ستنجح، حسناً أنا أعتقد أن الأمر ينطوي على مسائل الانتخابات والأبعاد السياسية أكثر مما ينطوي عليه من مضمون عملي، والإصلاح في إيران سيكون على الدوام أيًّا كان الذي يقوم به.

غسان بن جدو: على ذكر الانتخابات أنتم تذكرون فخامة الرئيس بأنه قبل سنوات جانب كبير من التيار الإصلاحي وقف ضدكم في انتخابات مجلس الشورى الإسلامي، الآن عندما نتحدث إلى بعض الإصلاحيين يقولون لنا خفية أو حتى بعض الكتابات أنهم كأنهم ندموا على ما فعلوه بكم في تلك الانتخابات خاصة وأن ما يسمى بالتيار الآخر يعني التيار المحافظ المتشدد، الآن يقال بأنه يُحكِم قبضته على هؤلاء الإصلاحيين، هل أن الشيخ هاشمي رفسنجاني ممكن أن يعود إلى الساحة بقوة، خاصة إذا لجأ إليه الطرفان المحافظين.. المحافظون والإصلاحيون؟

هاشمي رفسنجاني: أولاً: أن يحملوا عليَّ يوماً ويندمون بعد ذلك، فالأمر لا يختلف بالنسبة لي كثيراً، لقد واجهنا طيلة عمرنا الأصدقاء والخصوم، هذا أمر طبيعي في المستوى الذي نحن فيه.

كنت أرجح بعد فترة رئاستي للجمهورية أن يدخل الشباب ساحة العمل، الشبان الذين يحملون أفكاراً جديدة ويتمتعون بطاقة أكبر وتطلعات أكثر ليتولوا إدارة شؤون البلاد، كان يسوءني دائماً أن يبقى من قام بالثورة إلى آخر عمره في مسؤوليته، هذا التوجه تبلور لدينا عندما كنا شباناً، ورغبتي هي أن أكون في هذه الأعمال الثانوية بمسؤولية أقل ليدير الآخرون شؤون البلاد، وأقوم بمساعدتهم، وأنا لازلت أعمل في هذا الاتجاه، وأراه صحيحاً، أما أن يكون أحدهم على علاقة طيبة أو سيئة معي، المهم أن يكون جيداً بالنسبة للبلاد، ولا يهمني أكثر من ذلك.

غسان بن جدو: يعني هل أفهم من ذلك أنكم لن تكونوا مرشحاً جديداً لرئاسة الجمهورية؟

هاشمي رفسنجاني: بكل تأكيد فإن خياري الأول هو عدم العودة إلى العمل التنفيذي إطلاقاً.

غسان بن جدو: إطلاقاً.

هاشمي رفسنجاني: هذا خياري الأول، بمعنى أني سأحاول تشجيع مجيء شبان بأفكار وطروحات جديدة يتسنى لهم خلق تغيير ما.

غسان بن جدو: لكن ماذا إذا طلب منكم معاودة العودة إلى منصب رئيس الجمهورية؟

هاشمي رفسنجاني: حسناً، يطلب مني ذلك دائماً، لكني أرى في الوقت الحاضر مجيء آخرين.

غسان بن جدو: فخامة الرئيس، آخر سؤال أقول لكم بشكل صريح تقريباً، قبل.. عندما كنتم رئيس الجمهورية كان هناك مؤتمر صحفي قبل عدة أشهر من الانتخابات الرئاسية كنت حاضراً في ذلك المؤتمر سئلتم التالي: لماذا فخامة الرئيس هاشمي رفسنجاني -وقتذاك- الشباب في إيران لا يشعرون بأمل؟

أجبتم وقتذاك: هذا سؤال غير صحيح وغير دقيق، هناك أمل كبير لدى الشباب الإيراني، بعد أشهر اكتشفنا بأن الشباب الإيراني كأنه انتفض وانتخب آنذاك الرئيس محمد خاتمي، الآن أسألكم بشكل صريح فخامة الرئيس هاشمي رفسنجاني، هل تعتقد بأن الشعب الإيراني الآن يشعر برضىً وبأمل حول السياسة الحالية لنظام الجمهورية الإسلامية أم لا؟

هاشمي رفسنجاني: صحيح تماماً أنني أجبت على ذلك السؤال، ولم يحصل نقيض ما قلته، هل إن انتخاب السيد خاتمي كان خلافاً للثورة؟ لم يكن كذلك، نصف أعضاء حكومتي كانوا رواد تلك الخطوة.

لقد كنت أتوقع ذلك، وبالتالي فإنهم جزء من النظام، وكانوا مسؤولين فيه، وهم الذين تقع عليهم المساءلة، وعليه لم يحصل شيء خارج المتوقع، الشعارات التي رفعها أرضت الشباب أكثر مما كان يقوله منافسوه، وبالتالي كان يتحدث من جو آخر يحبِّذه الشباب والسيدات، واستطاع تعبئة قطاع كبير، وقد اختلف الأمر بعض الشيء منذ ذلك الوقت إلى الآن.

خلال هذه السنوات الست الأخيرة، وبفعل دعايات الحرب النفسية وجَلْد الذات التي شهدها النظام، كلا الجناحين قاما بعكس صورة قاتمة -كما قال السيد خاتمي- وهوَّلوا الثغرات عبثاً، كما قزَّموا المكتسبات والمنجزات في ظلٍ يثير من هم أصغر سناً مشكلات ينبغي القيام بحملة إعلامية لدرء هذه الأخطاء عن أذهان الشباب، وأنا أرى أن النظام الإسلامي ناجح، وأننا بأيدينا أربكنا أنفسنا، ويجب إصلاح هذا المنحى.

غسان بن جدو: ما هي كملتكم الأخيرة أكان على الصعيد الداخلي أو الصعيد الخارجي؟

هاشمي رفسنجاني: كلامي بشكل أساسي مع مشاهدي برنامجكم هو أنكم ترون مع مجيء أميركا وبريطانيا إلى المنطقة فإن فتنة كبرى باتت تتهدد المجتمع الإسلامي ودول المنطقة، كان هناك من يظن أن أميركا قوة لا تهزم، وأنها تأتي عن حسن نية لتحرير شعبي العراق وأفغانستان، ما حصل أثبت أن ذلك وهم، وأن الأميركيين يسعون لتحقيق أهدافهم، وأن كل ما يجري من مصائب اليوم على الشعب العراقي لم يستطع أن يليِّن قلوب الأميركيين ويجعلهم يفكرون بحلولٍ للناس.

الشيء الوحيد الموجود حالياً في العراق هو نظام الحصص الذي كان موجوداً من قبل ضمن برنامج النفط مقابل الغذاء، وهناك احتياطي مالي يأخذونه ويعطونه للناس، ولو أنهم سَلَبوا الناس ذلك فلن يكون لهم غذاء، يبدو أنه شيئاً فشيئاً يمكن استيعاب مدى الضرر والأذى الناجم عن الظل المشؤوم للاستعمار والاستكبار على الناس والشعوب، يجب أن تتحد الأمة ويتعاون الجميع مع بعضهم، وإسرائيل بالتالي هي فتنة نستطيع بتعاوننا أن نضع حلاً لها، كما علينا أن نرجئ ونؤخِّر تنفيذ طموحاتنا الداخلية الصغيرة، وذلك إلى ما بعد الانتهاء من كل هذه المصائب.

غسان بن جدو: شكراً لكم فخامة الرئيس أكبر هاشمي رفسنجاني على هذا اللقاء.

شكراً لكم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة، وإلى لقاء خاص آخر بإذن الله، مع تقديري لكم غسان بن جدو، في أمان الله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة