إعادة نشر رسوم مسيئة للرسول الكريم بالدانمارك   
الثلاثاء 1429/2/20 هـ - الموافق 26/2/2008 م (آخر تحديث) الساعة 10:18 (مكة المكرمة)، 7:18 (غرينتش)

- أسباب إعادة نشر الصور المسيئة وردود الفعل عليها
- العلاقة بين المسلمين والغرب.. الواقع والمستقبل


 
خديجة بن قنة
مصطفى الشنضيض
رفيق عبد السلام

خديجة بن قنة: مشاهدينا أهلا وسهلا بكم. نحاول في حلقتنا اليوم التعرف على ما وراء تواطؤ الصحف الدانماركية على إعادة نشر أحد الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للرسول الكريم بحجة التضامن مع راسمها بعد رواج شائعة عن اعتزام مسلمين اغتياله في الدانمارك. نطرح في حلقتنا تساؤلين، ما هي الرسالة التي أرادت الصحف الدانماركية توجيهها إلى المسلمين بعد إعادة نشر الرسم المسيء؟ وكيف ستنعكس هذه الخطوة على أوضاع المسلمين في الدانمارك وعلاقة الغرب بالعالم الإسلامي؟.... أدانت منظمة العفو الدولية وأحزاب من يسار الوسط ومحامون في الدانمارك، أدانوا بشدة قرار الحكومة الدانماركية طرد مواطنين تونسيين بدون محاكمة بعد اتهامهما ومواطن دنماركي من أصل مغربي بتهمة التخطيط لاغتيال صاحب الرسول الكاريكاتورية المسيئة للرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وكانت 17 صحيفة دنماركية أعادت نشر أحد تلك الرسوم تعبيرا عن تضامنها مع الرسام الكاريكاتوري كورد فيستر غارد بعد الإعلان عن محاولة اغتياله.

[تقرير مسجل]

المعلق: في تحد جديد لمشاعر المسلمين في العالم أعادت كبرى الصحف الدانماركية نشر صور مسيئة للنبي محمد عليه الصلاة والسلام، يظهر النبي الكريم في صحيفة برلينغسكي تدندي وغلاينز بوستن وغيرهما بمظاهر مغرقة بالعنف والبدائية، صور نشرت في السابق وأثارت ما أثارت من جدل واحتجاج وصل حد المقاطعة، واليوم يعاد نشرها وكأن في المسألة إصرار على الإساءة. هي إذاً عبثية الانتقام، بالأمس فقط اعتقلت السلطات الدانماركية ثلاثة مسلمين بتهمة التخطيط لقتل رسام الكاريكاتير صاحب الرسوم الساخرة، واليوم ترد صحف كبرى بإعادة التأكيد على الإساءة، كورد فيستر غارد هو أول من أظهر النبي محمد عليه السلام معتمرا عمامة على شكل قنبلة مشتعلة الفتيل، آخر تقليعة في تنميط الإسلام واتباعه في الذهنية الغربية، فقد ظهرت الصور ذاتها في نحو ستين مطبوعة مثلما ظهرت أفلام ومطبوعات وبرامج تلفزيونية كلها حملت الإيحاء ذاته. كثيرون ممن احتجوا على نشر الرسوم التي ظهرت لأول مرة عام 2005 اعتقدوا أن القضية باتت من الماضي، فموجات الاحتجاج كانت كبيرة حتى أنها وصلت إلى معظم أنحاء العالم وبلغت ذروتها بإغلاق البعثة الدانماركية في كل من دمش وبيروت، عشرات قتلوا في نيجيريا وباكستان وحملات المقاطعة طالت معظم المنتجات الدانماركية في كثير من البلدان العربية والإسلامية، كل هذه الحملات مع ضغوط دبلوماسية ومؤتمرات حوار لم تفلح في الإتيان باعتذار بحجة أن حرية التعبير مكفولة. لا شك أن هؤلاء يشعرون بالصدمة اليوم، صحيح أنهم سمعوا عن حرية تكيل بمكيالين، حرية مطلقة عندما يتعلق الأمر بانتهاك معتقد يؤمن به ربع سكان الأرض، إلا أنهم ليسوا مع العنف، مؤسسات المسلمين في الدانمارك قالت إنها لا تتفق مع أي تصرف يمس بأمن الأشخاص والبلاد لكنها لن تقبل الإساءة إلى دينها ونبيها، ستقاوم كما فعلت سابقا بطرق لا تخالف القانون.

[نهاية التقرير المسجل]

أسباب إعادة نشر الصور المسيئة وردود الفعل عليها

خديجة بن قنة: ومعنا في هذه الحلقة من كوبنهاغن الشيخ مصطفى الشنضيض مستشار الوقف الإسلامي في الدانمارك، وينضم إلينا في الأستوديو الباحث في العلاقات الدولية الدكتور رفيق عبد السلام، أهلا بضيفينا في هذه الحلقة. أبدأ معك شيخ مصطفى الشنضيض، أنت في الدانمارك يعني كيف تشرح لنا، كيف نفهم إعادة نشر صور أغضبت ربع سكان الكرة الأرضية قبل عامين؟

مصطفى الشنضيض: بسم الله الرحمن الرحيم، في الحقيقة الرسوم التي نشرت قبل ثلاث سنوات والتي أعيد نشرها في هذه المرة، إنما نرى أن هذه المرة هي إعادة تعبير أننا لم ننهزم، هم كانوا يتساءلون لماذا هذا الغضب؟ لماذا الشوارع قد خرجت للانتفاضات ضد الإساءة لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؟ هم لم ينسوا، المفروض أنهم لن ينسوا أن محمد صلى الله عليه وسلم هو محمد صلى الله عليه وسلم الذي أُهين وأن الشعوب التي غضبت في البداية هي الشعوب التي تغضب الآن، فهؤلاء عندما نشروا هذه الرسوم قالوا إنهم.. يعني هناك سيناريوهان كما ذكرت يعني في مرة ماضية قلت إنهم يريدون التغطية على الخطأ الجسيم الذي وقعت فيه المخابرات والبوليس الدانماركي في القبض على ثلاثة أبرياء ثم إطلاق سراحهم مثل قبل ستة أو سبعة أشهر عندما قبضوا على خمسة..

خديجة بن قنة (مقاطعة): لماذا تعتبرها خطأ، يعني هل يفتقد إلى الأدلة؟

مصطفى الشنضيض: يفتقد إلى الأدلة، هم أخرجوا وأطلقوا آخر واحد أمس في نفس اليوم في المساء وقالوا ليس لنا أي أدلة تجعلنا نرفع المسألة إلى القضاء، وهم يريدون أن يحاكموا الرجلين أو الشابين التونسيين بالإخراج من الدانمارك بدعوى القانون الجديد، قانون الإرهاب، قانون أو مادة 140، فالناس كلها مستاءة حتى وزيرة الاندماج الحالية السيدة هونبك كذلك هي قالت أنا في جد الاستياء لتطبيق هذا القانون على الناس بهذه الطريقة.

خديجة بن قنة: دكتور عبد السلام، يعني لو افترضنا حقيقة، وضيفنا من الدانمارك يقول إنه ليست هناك أدلة والمسألة هي قضية تغطية على فشل استخباراتي دنماركي، يعني لو افترضنا افتراضا حقيقة أن هناك ثلاثة مسلمين دبروا لعملية اغتيال، هل تصرف ثلاثة أشخاص بدون تفويض من المسلمين، ودائما أتحدث عن افتراض، يعاقب عليه مليار ونصف مليار من المسلمين في هذا العالم، كيف تنظر إلى هذه المسألة؟

"
إعادة نشر الرسوم المسيئة للرسول الكريم عمل مدبر ومنهجي لعزل الأقلية الإسلامية ولتوفير مناخات الكراهية والغضب وقطع كل جسور التواصل بين مجتمع الأقليات الإسلامية والأوروبيين
"
رفيق عبد السلام

رفيق عبد السلام:
فعلا هذه مشكلة، يعني حتى لو افترضنا أن ما جرى فعلا يتوفر على كل القرائن والأدلة بأن هؤلاء الشباب قد تورطوا في أعمال معينة موجهة ضد شخصية من الشخصيات العامة، ضد صحفي أو أي شخصية دنماركية، لكن هذا لا يبرر إعادة نشر هذه الرسوم الكاريكاتورية، فجأة وبفعل فاعل 17 صحيفة في نفس الوقت تعيد نشر هذه الرسوم الكاريكاتورية ويعلمون جيدا أن هذه الرسوم كانت وما زالت مستفزة لمشاعر ما يزيد عن مليار مسلم في مختلف مناطق العالم ومستفزة للأقلية الإسلامية في الدانمارك وللأقليات الإسلامية في أوروبا، أعادوا نشرها مجددا، هو عمل منهجي حقيقة الأمر لاستفزاز مشاعر المسلمين ولإثارة مشاعر الكراهية والغضب في مختلف مناطق العالم الإسلامي وفي مختلف العواصم الأوروبية، طبعا هذا لا يبرره منطق ولا عقل ولا حكمة سياسية يعني أن تصبح الأقلية الإسلامية مستهدفة في رموزها ومقدساتها بهذه الصورة هو فعلا عمل مدبر وعمل منهجي لعزل الأقلية الإسلامية ولتوفير مناخات الكراهية ومناخات الغضب وقطع كل جسور التواصل بين المجتمع الأقلي وبين المجتمع الأغلبي، على هذه الأطراف أن تدرك أن الأقليات الإسلامية أصبحت جزء من النسيج الأوروبي ولم تعد جسما غريبا، المشكلة أن هذه القوى، هنالك قوى كثيرة فعلا من صحف يمينية ومن قوى يمينية ومن أطراف كثيرة معادية للمسلمين تريد أن تحشر المسلمين في الزاوية وتريد أن تدفع المسلمين إلى ردود فعل غاضبة، ردود فعل غير عقلانية حتى تقيم الحجة بأن الجسم الإسلامي لا يمكن التعايش معه.

خديجة بن قنة: طيب،لنتحدث إذا عن ردود الفعل، الشيخ مصطفى الشنضيض، يعني كيف تصف لنا ردود الفعل في الدانمارك بالنسبة للرأي العام الدانماركي وقبل ذلك بالنسبة لكم أنت كمسلمين؟ يعني هل تشعرون بأن الدانماركيين ينظرون إليكم على أنه في الدانمارك ذي الخمسة ملايين مواطن هناك 200 ألف مسلم يشكلون خطرا عليهم؟

مصطفى الشنضيض: في الحقيقة هم يقولون ذلك، يعني في كثير صحف نشرت جزء من ذلك لكن الشعوب فعلا هي غاضبة من أجل هذا، حتى هناك بعض الشباب، شاب اسمه أنس بوتا الآن فتح صفحة إلكترونية لمن يريد أن يصوت ضد هذه الرسوم الكاريكاتورية. وهذا الصراع صراحة هو قديم، يعني أن أوروبا خصوصا بعد الثلاث سنوات الماضية لم تنس أن المسلمين انتفضوا بهذه الانتفاضة وقد اتهم الكثير من.. يعني حاول.. صحيفة يولس بوستن اتهام الصحف الأخرى بالجبن والخوف وعدم القدة على إخراج ما أخرجوه لكن وجدوا هذه الفرصة ليقولوا نحن نمتنع للصالح العام لدفع أي فساد أو أي ردة فعل لدولة الدانمارك ولكننا نحن الآن قادرون فقط من باب الحكمة أننا نرى لسنا في صراع فكري ولسنا في صراع حضاري، حتى في كل مرة نأتي وتستثمر مثل هذه الأفعال لصالح أحزاب سياسية أو لصالح أفكار من هنا وهناك، فبالتالي يعني أوروبا أنا لست ضد روبرت غيغن.. يعني أن ضد ما قاله روبرت غيغن، قديما قال إن أوروبا في مرحلة شيخوخة، أوروبا الآن تتحد ولكن المشكلة الآن إذا ما تحدثنا عن الدانمارك هم صراحة بعد أربعة قرون من الحرب من أجل حرية التعبير وغيرها، هم لا يريدون أن يهضموا أن هناك شيئا يعني لم يتخطوه في مسألة حرية التعبير، هم يريدون أن يثبتوا لأنفسهم لا لنا، نحن الحمد لله عندنا إبليس يعني الله أذن له أن يدافع عن رأيه لماذا لم يسجد لآدم فالحوار عندنا منذ بدء الخليقة إلى الآن شيء لم نفرط فيه بل شيء بالعكس نحن عندنا شيء اسمه واجب التعبير واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذه قضية حقيقة كل مرة يفتعلون شيئا جديدا من أجل، كما قال الأخ وأنا أشاطره الرأي، في أنه فصل الأقليات عن جذورها وعن أمتها التي تنبض كلها بالتوحيد.

خديجة بن قنة: نعم، لكن شيخ الشنضيض يعني أنت أشرت إلى رد الفعل الإسلامي داخل الدانمارك بكلمة الانتفاضة، يعني هذه الانتفاضة كما شهدناها قبل عامين داخل الدانمارك وخارج الدانمارك، يعني هل تراها ردة فعل طبيعية يعني لم تخل من الهيجان ومن إثارة العواطف بشكل مبالغ فيه؟

مصطفى الشنضيض: هو لا شك نحن في الدانمارك حقيقة عندنا بعض الشباب هم يقولون، لا ننسى أنه بعد حرق بعض السيارات أمس أو قبل أمس هذه مسألة كانت من أربعة أيام لا علاقة لها جذرية بالذي يحدث الآن، لكن هناك يعني بعض الأطراف المسلمة قد طلبت إذنا بالخروج في مظاهرة غدا وسوف يخرج الناس للتعبير عن غضبهم ولقول ما يستطيعون، لا تنسوا أننا نحن أقلية هنا لا يمكن أن نعبر كما تعبر الشعوب في بلداننا وأنا أنصح يعني كل إخواننا في البلاد الإسلامية أن ينضبطوا أكثر وأن يستمعوا إلى علمائهم والمسألة شورى بينهم، أما نحن هنا في الحقيقة المسألة تحت السيطرة..

خديجة بن قنة (مقاطعة): ألتقط منك كلمة انضباط وضيفي في الأستوديو أيضا يعيش في أوروبا، رفيق أنت تعيش في لندن، يعني فعلا كلمة الانضباط هل هي ما ينقض ردة فعل المسلمين، يعني وصف.. كثيرا ما يوصف المسلمون بأنهم غوغائيون في ردات فعلهم، هل هذا حقيقي؟

رفيق عبد السلام: للأسف فعلا في بعض الأحيان ردود فعل المسلمين قد يكون مبالغ فيها وتتحول إلى أفعال يغلب عليها الطابع الانفعالي والعاطفي، لا تلتزم بمقتضيات الحكمة والعقل والهدوء، لا شك أن هذا الأمر مستفز لمشاعر كل المسلمين، ما في شك أن شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم تتعلق بمقدسات أساسية عند المسلمين على اختلاف توجهاتهم وعلى اختلاف مذاهبهم وعلى اختلاف قومياتهم، ولكن هذا لا يبرر ردود الفعل الغاضبة والهوجاء التي تستغل بصفة عامة لمزيد من اتخاذ إجراءات وسياسات مضرة بمصالح المسلمين ومضرة بمصالح الأقليات المسلمة، الصورة النمطية التي تقدم في الصحافة الغربية الآن، أن المسلم هو نموذج لعملية الاحتجاج، أنه لا يستطيع أن ينضبط لضوابط العقل أو للاحتجاج السلمي والهادئ وكثيرا ما نرى في الفضائيات وعلى أعمدة الصحف والمجلات هذه المشاهد الغاضبة التي تريد أن تصور المسلمين في شكل غوغائي وفي شكل غير عقلاني. أقول يجب على المسلمين أن يلتزموا الحكمة في هذا الأمر وأن يلتزموا الهدوء وأن يبعدوا عن ردود الفعل الغاضبة وأن يسلكوا مناهج سلمية للتعبير عن احتجاجهم والتعبير عن غضبهم إزاء هذه المشاهد الاستفزازية بكل المقاييس.

خديجة بن قنة: نعم، لكن هل ستؤثر هذه الخطوة المتحدية وخطوة التحدي هذه هل ستؤثر على علاقة العالم الإسلامي بالغرب؟ نتابع هذه المسألة بعد وقفة قصيرة فلا تذهبوا بعيد.

[فاصل إعلاني]

العلاقة بين المسلمين والغرب.. الواقع والمستقبل

خديجة بن قنة: أهلا بكم من جديد. استدعت وزارة الخارجية الإيرانية، هذا ضمن ردود الفعل، استدعت سفير الدانمارك في طهران للاحتجاج على نشر صحف دنماركية مجددا أحد الرسوم الكاريكاتورية للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، وفي الدانمارك أعلنت المؤسسات والمراكز الإسلامية في بيان حصلت الجزيرة على نسخة منه حرص الجالية الإسلامية على أمن واستقرار الدانمارك رافضة العنف والإرهاب أيا كان مصدره، ووصف البيان الحملات الإعلامية والصور الكاريكاتورية المسيئة للنبي الكريم بالأعمال التي تولد العنف في نفوس بعض الناس وبينما أكد مسلموا الدانمارك تأييدهم لحرية التعبير شددوا على ضرورة عدم تجاوز هذه الحرية إلى استفزاز المسلمين عن طريق المساس بمعتقداتهم والإساءة إلى نبيهم الكريم، مؤكدين أن هذه الإساءة تؤثر سلبا على الوحدة الوطنية وما سموه بالاندماج الإيجابي، وفي الوقت الذي أدان فيه البيان ما وصفها بأعمال العنف، أدان كذلك المتسببين بأعمال العنف والدافعين إليه حسب ما ورد في البيان، وعلقت المؤسسات الإسلامية على الرسوم المسيئة للرسول محمد صلى الله عليه وسلم قائلة إنها لا تعكس حرية التعبير واعتبرتها ضربا من ضروب الإساءة والاستفزاز، وأخيرا دعا الموقعون على البيان كافة أطراف الأزمة إلى الحوار ونبذ الاستفزاز لتفويت الفرصة على من يريد ضرب الوحدة الوطنية على حد قولهم. أعود إلى الدكتور رفيق عبد السلام لنتحدث في هذا الجزء الثاني عن العلاقة بين المسلمين والغرب، علاقة يبدو أنها أصبحت في العشرية الأخيرة علاقة بالغة التعقيد، هل المسؤول عن تدهور هذه العلاقة هم المسلمون أم الغرب؟

رفيق عبد السلام: طبعا هذه العلاقة فعلا كما ذكرت بالغة التعقيد ولا يمكن إرجاعها فقط إلى السنوات العشرة الأخيرة ربما خلال القرنين الأخيرين إن جاز التعبير، هذه العلاقة كانت محكومة بالتوتر وتضارب العواطف وتضارب الصور النمطية وتضارب المصالح من الطرفين، الإرث الاستعماري ما زال فاعلا مؤثرا سواء لدى الطرف الآخر أو لدى الطرف الإسلامي، الجرح الاستعماري ما زال قائما عند أغلب الشعوب  التي خضعت للاستعمار وبما في ذلك الشعوب العربية والإسلامية، والحنين للحقبة الإسلامية أيضا ما زال يسكن قوى كثيرة في دول أوروبية وغربية كثيرة، ولكن لا شك أن هذه العلاقة أصبحت أكثر تعقيدا وأكثر عمقا، الأزمة أصبحت أكثر عمقا خلال العشرية الأخيرة وخاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، استغلت هذه الأحداث لشن حملة منظمة ضد الوجود الإسلامي، ضد الأقليات الإسلامية والصورة السائدة الآن في أوساط المسلمين أن هنالك حرب مزدوجة، حرب تجري على الأرض بعد احتلال أفغانستان سنة 2001 ثم احتلال العراق سنة 2003 ثم هنالك حرب رمزية إن جاز التعبير توجه ضد ثقافة المسلمين ضد دينهم ضد مقدساتهم ضد أنماط حياتهم، ولذلك أصبح أمرا سائدا وشائعا استفزاز المسلمين والتهجم عليهم في كل لحظة وفي كل يوم. القضية للأسف الشديد لم تعد قاصرة على بعض المجموعات اليمينية المتطرفة ولم تعد قاصرة على الصحافة الشعبية ما يسمى  Tabloidsبل أصبحت تتجه تدريجيا إلى أن تصبح السمة العامة أو الملمح العام الذي يتبع السياسة الغربية بصفة عامة ويتبع الإعلام والصحافة الغربية.

خديجة بن قنة: طيب شيخ مصطفى الشنضيض، هل أنتم في الدانمارك تشعرون فعلا أنكم أصبحتم مستهدفين وأن المسلمين بتعبير، أستعير هذا التعبير من المفكر فهمي هويدي، أن المسلمين أصبحوا ملطشة تعلق عليهم، شماعة تعلق عليهم كل مشاكل العالم؟

مصطفى الشنضيض: أنا أشاطر الدكتور فهمي هويدي في هذا الرأي، لكن أريد أن أقول، الذين يعيشون في الغرب ينبغي عليهم أن لا ينسوا دورهم التاريخي في وجودهم لهذا الغرب، أن لا يلتهوا فقط بتحصيل بعض الأشياء الدنيوية القاصرة وأن يفكروا إستراتيجيا في وجودهم ووجود أجيالهم في هذا الغرب، نحن الآن في تعداد 21 مليون، تركيا تعمل الآن، هذا النموذج التركي المتميز، يعمل الآن على دخول السوق الأوروبية أو الاتحاد الأوروبي، فبعد حين يعني كنا بعد عشرة أو عشرين سنة نصل إلى 140 إن دخلت تركيا، هذا عدد، هذا وجود حضاري حتمي حقيقي لا بد أن يعترف به الغرب، مهما حاول أن يحجم من المد الإسلامي أو المد.. المشكلة أنه الآن كلما حاول المسلمون أن ينظموا أنفسهم وأن يفكروا إستراتيجيا في بناء المؤسسات التعليمية والتربوية والمضي قدما في تقريب الحضارات وتقريب مفهوم التعايش ومفهوم، يعني صراحة لا يمكن أن أمر على ما قاله الإمام المقريزي في خطته، قال الكنائس التي بنيت بعد الإسلام يعني هي تضاعف يعني أكثر بكثير من الكنائس التي بنيت في البلاد الإسلامية قبل أن يدخل الإسلام. فبالتالي نموذج الأندلس، وساركوزي قال قبل أيام، إنه لو لا الإسلام في الأندلس ما كان يصل هذه الحضارة إلى فرنسا، وانهزام المسلمين في.. عبد الرحمان الغافقي في معركة بوتييه جعلت الحضارة تتأخر عن فرنسا لسبعة قرون. هذا من أقوالهم، فبالتالي نحن حقيقة لا ينبغي أن نُجر في كل لحظة إلى استفزاز من هذا النوع، صحيح أن محمد صلى الله عليه وسلم هو فوق رؤوسنا وهو لن نسمح لأي إنسان أن يتجرأ على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا شيء مقدس هو كما ننتفض اليوم أو كما..

خديجة بن قنة (مقاطعة): لن نسمح، لن نسمح يعني كلمة كبيرة وفضفاضة يعني ماذا يمكن أن نفعل؟ مرت الآن سنتان على النشر الأول لهذه الرسوم، ماذا فعل المسلمون؟

"
الحل في أن يتحرك العلماء لفتح قنوات حقيقية. كل سنة في دولة أوروبية مهرجان عن التعريف بالإسلام وعن سماحته وعن تعايشه وعن ما قدمه لأوروبا وعن استعداده للمشاركة الحضارية في القرن الواحد والعشرين
"
مصطفى الشنضيض

مصطفى الشنضيض:
أقصد أننا لا يأتي دور على المسلمين في عشرة سنوات أو بعد سوف نسكت مثلا نقول هذه زوبعة، دائما سوف نكون بالمرصاد فتح واسطة..طبعا مع القنوات القانونية المعروفة، لن نخرج عن إطار القانون، لن نخرج عن الشرعية الدولية، وهذه مسائل يعني مقررة عندنا، فإذا قلنا لن نسمح يعني سوف نحاول أن نقرب، وأنا يعني صراحة أستغل هذه الفرصة لأن أنادي علماء المسلمين، يعني شفنا كثير من العلماء ذهبوا من أجل صنمين بأفغانستان، فنتمنى أن مثل هذه القضية تجعل.. تكون سبب حقيقيا وهي الأولى وهي العمود أن يتحرك العلماء لفتح قنوات حقيقية. كل سنة في دولة أوروبية مهرجان عن التعريف بالإسلام وعن سماحته وعن تعايشه وعن ما قدم لأوروبا وعن استعداده للمشاركة الحضارية في القرن الواحد والعشرين.

خديجة بن قنة (مقاطعة): نعم لكن هذا لا يمنع والسؤال للدكتور رفيق عبد السلام، من أنه بمقابل هذا الإسلام المعتدل الذي تسعون في الغرب إلى التعريف به،  هناك أيضا تنامي التطرف للإسلام الأصولي، بين قوسين، وهو ما يؤدي في نظر الغرب إلى تنامي أيضا اليمين المتطرف، يعني لا نريد أن ندخل في من الأول الدجاجة أم البيضة، لكن كلاهما يؤدي إلى الآخر؟

رفيق عبد السلام: لا شك أن ظاهرة التطرف والأعمال العنفية مضرة بالوجود الإسلامي وهناك مشكلة حقيقية وعلى الجسم الإسلامي الرئيسي أن يتحمل مسؤوليته في عزل هذه المجموعات لأنها مضرة فعلا بالوجود الإسلامي وأن يعمل على تغليب صوت الحكمة والاعتدال وفتح جسور التواصل والحوار لأنه لا توجد بدائل أخرى لا توجد خيارات أخرى، يجب أن نراهن على المستقبل، الوجود الإسلامي مكون صميم من مكونات الوجود الأوروبية، كثير من القوى الأوروبية الآن وخاصة قوى التطرف اليميني وقوى التعصب لا تقبل هذه الحقيقة وترى هذه الحقيقة مرة على عقلها وقلبها أن يكون الوجود الإسلامي جزء من النسيج الأوروبي ولكن هذه مسألة وقت، الوجود الإسلامي أصبح حالة مكينة، جزء من النسيج الاجتماعي والثقافي الأوروبي وهنالك قوى كثيرة كما ذكرت لا تريد أن تقبل هذه الحقيقة، وليس هناك خيارات كثيرة، الخيار المطروح والمتاح هو فتح جسور التواصل والحوار والمراهنة على المستقبل، لأن الوجود الإسلامي هو وجود مستقبلي وهو وجود نامي وهنالك أيضا ما يبشر بخير أيضا أنه لا يمكن تقديم المشهد الأوروبي أو المشهد الغربي ككتلة صماء وموحدة كلها تقف في مواجهة الوجود الإسلامي، هنالك قوى اعتدال وهنالك قوى سماحة وقوى انفتاح تراهن على الحوار والتواصل مع الوجود الإسلامي والمؤسسات الإسلامية.

خديجة بن قنة: طيب سؤالي الأخير موجه إلى الضيفين معا، وأبدأ معك الشيخ مصطفى الشنضيض، هذه الثقافة العدائية في الغرب للمسلمين إلى أي مدى تعيقكم أنتم في الدانمارك، يعني تعيق عملية اندماجكم في المجتمع الدانماركي؟

مصطفى الشنضيض: في الحقيقة هذا العنف المتولد وكما قال الدكتور يعني صراحة أحيانا هذه الرسومات هي التي تولد أمثال هذه الخلايا أن تتنامى في المجتمع الغربي وتعرقل.. فإذن نحن أمام طرفين، أمام نقيضين، أمام يمينين يعني إن صح التعبير، فهؤلاء يولدون أمثال هؤلاء حتى يفكروا في عملية هنا وهناك تؤخرنا عشرة أو عشرين سنة عن العطاء الذي نحاول أن نخطط له ونحاول أن نمضي قدما في تحقيق الأهداف المرحلية ثم الهدف الأسمى، فبالتالي صراحة مثل هذه الأمور ولا شك أنها دائما، يعني الآن المرة الماضية أخذت منا سنة أو سنة ونصف كلها من وقتنا وجهودنا، صرفتنا عن إنشاء البنية التحتية الحقيقية لتواصل الأجيال في المستقبل، فنحن كأقلية في الدانمارك نعاني من مسألة إن سمحت لي أخت خديجة..

خديجة بن قنة: باختصار لو سمحت.

مصطفى الشنضيض: نرى أن بريطانيا وفرنسا لهم خبرة طويلة عندما استعمروا بلداننا فلهم خبرة عندك هناك الجيل الرابع والخامس المتنامي هناك في فرنسا وبريطانيا. في الدانمارك يعني الدانمارك بلد صغير صراحة لم تتح له الفرصة أن يتعرف على ثقافتنا من قرب، أن يتعرف على حضارتنا فبالتالي نحن في الحقيقة عندنا عبء كبير لأننا الجيل نحن الجيل بين الجيلين أول جيل جاء إلى الدانمارك..

خديجة بن قنة (مقاطعة): عفوا شيخ لأنه لم يبق معي إلا ثوان، باختصار شديد تشعرون بأن هناك مشكلة اندماج، هل بعد كل هذا نتساءل؟

رفيق عبد السلام: نعم هناك مشكلة اندماج ولكن على السياسات الغربية والسياسات الأوروبية أن توفر الأرضية المناسبة التي تدفع المسلمين إلى مزيد من الاندماج والتواصل مع المجتمع الأغلبي، لا شك أن هذه السياسات المستفزة وهذه الحملة الإعلامية وهذا الانفجار الإعلامي في وجه المسلمين لا يساعد على التواصل وعلى اندماج الأقليات الإسلامية في محيطها الطبيعي وبصورة سلمية وهادئة.

خديجة بن قنة: شكرا جزيلا لك الدكتور رفيق عبد السلام الباحث في العلاقات الدولية كنت معنا في الأستوديو، أشكر أيضا ضيفي من كوبنهاغن الشيخ مصطفى الشنضيض مستشار الوقف الإسلامي في الدانمارك شكرا جزيلا لك. وبهذا نأتي مشاهدينا إلى نهاية هذه الحلقة من برنامج ما وراء الخبر بإشراف نزار ضو النعيم، لكم منا أطيب المنى والسلام عليكم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة