برونيسلاف غيرميك .. منظمة الأمن والتعاون الأوروبية   
الجمعة 1425/4/15 هـ - الموافق 4/6/2004 م (آخر تحديث) الساعة 5:46 (مكة المكرمة)، 2:46 (غرينتش)
مقدم الحلقة أحمد كامل
ضيف الحلقة برونيسلاف غيرميك، رئيس منظمة الأمن والتعاون في أوروبا
تاريخ الحلقة 06/01/1999


برونيسلاف غيرميك
أحمد كامل
أحمد كامل:

خلَّف انهيار جدار (برلين) وتفكك حلف (فاسوفيا) واقعاً في أوروبا، فرض على دولها، وتنظيماتها السياسية،والاقتصادية، والعسكرية تغيراً جذرياً في أهدافها، وفي هياكلها.

في لقاء اليوم مع السيد برونيسلاف غيرميك (وزير خارجية بولندا، الرئيس الحالي لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا) نستعرض الواقع الجديد في القارة

الأوربية، السيد غيرميك شكراً لتلبية دعوتنا.

برونيسلاف غيرميك:

شكراً.

أحمد كامل:

سؤالي الأول يتعلق بالوضع في كوسوفا، ومهمة مراقبي منظمة الأمن والتعاون في أوروبا في إقليم كوسوفا؟

برونيسلاف غيرميك:

أعتقد أن المجتمع الدولي بمجمله يجب أن يواجه وضعاً استثنائي إلى حد

كبير، ونحن نحاول أن نستبق انفجار صراع، يمكن أن يكون مأسوياً، وفي بعض جوانبه وصل الصراع في كوسوفا إلى المأسوية، وفي المحصلة وبعد كر وفر في كوسوفو، وبعد أن لجأت السلطات اليوغسلافية إلى العنف ضد سكان منطقة الألبان، وبعد أعمال يمكن وصفها بالأعمال الإرهابية من طرف منظمة (جيش تحرير كوسوفو) نجحنا بشكل ما في فرض وقف إطلاق النار، أو التوصل إلى هدنة.

وفرضنا اتفاقاً يشكل المجتمع الدولي طرفاً فيه، حيث يشير إلى المرجعية

السياسية، والأخلاقية التي يمثلها قرار مجلس الأمن الدولي حول كوسوفا، وتطبيقاً لهذا القرار كلفت منظمة (الأمن والتعاون) في أوروبا بمهمة إرسال ألفي مراقب يسمون المدققين، لأن مهمتهم هي التدقيق في مدى تطبيق قرار مجلس الأمن.

أحمد كامل:

قلتم إن الوضع الحالي يشبه الهدنة، هذا الوضع المؤقت إلى متى يمكن أن يستمر انتظار الحل السياسي، وهل سيبقى مراقبي منظمة الأمن والتعاون في أوروبا في إقليم كوسوفو إلى الأبد؟

برونيسلاف غيرميك:

نحن حققنا أشياء يجب ألا نقلل من قيمتها أو أهميتها، فعشرات الآلاف من الألبان لجؤوا في برد الشتاء إلى الجبال والغابات، هرباً من هجمات القوات اليوغسلافية، وكانوا مهددين بالموت، هؤلاء الناس رغم أن بيوتهم في غالب الحالات كانت محروقة، وقراهم مدمرة، عادوا في معظمهم إلى بيوتهم، يمكنني أن أقول: إن هذا يشكل نجاحاً لكن الحوار السياسي يبدو بعيداً جداً، فالطرفان يعلنان أن المقترحات غير مقبولة.

وهنا يوجد خطر أن يؤدي التزام طرف بالحصول على الاستقلال الوطني

الكامل، والتزام الأخر بضمان السيادة الإقليمية ليوغسلافيا، أن يؤدي بالأمور إلى مأزق، ولتوضيح الأمور ببساطة شديدة، هذا يعني أن الخطاب السياسي والتعابير والكلمات يمكن أن تعيق الحوار الإنساني، الحوار الذي يمكن أن يؤدي إلى

حل.

لذلك نحن اقترحنا التخلي عن هذه المفاهيم السياسية، مثل: الاستقلال أو الحكم الذاتي، والبدء بالحديث عن مشكلات محددة، مثل: كيف نحترم الدين؟ كيف نحترم اللغة في المدارس؟ كيف نضمن استقلال المؤسسات؟ كيف نحدد العلاقة بين (بريشتينا) و(بلجراد)؟ أقصد العلاقة السياسية، كيف نضمن قيام مؤسسة برلمانية، وسلطة تنفيذية؟ ولكن لأجل تحقيقه لا يكفي توفر الإطار، وإنما توفر الإرادة السياسية لدى الطرفين.

أحمد كامل:

هذا التحسن الذي تتحدثون عنه في الوضع في إقليم كوسوفا، ألم يكن ثمرة الضغط الذي مارسه حلف شمال الأطلسي؟ ألم يزل الوضع في حاجة الآن وبالمستقبل لاستمرار هذا الضغط من أجل الوصول إلى تقدم أكثر جدية؟

برونيسلاف غيرميك:

أنا مقتنع شخصياً إنه لولا ضغط الناتو لما حصل شيء، لولاه لما توفر هذا الحد الأدنى من النوايا الحسنة بفرض هذا الشكل من الهدنة، لأنه كان يوجد ضغط وجدت هذه النتيجة، والمسألة المطروحة هي هل هذا الضغط سيكون ضرورياً الآن، وطوال مسيرة السلام في كوسوفا؟

أحمد كامل:

هل هذا يعني أن الناتو يجب أن يظل مستعداً دائماً للتدخل في هذه المنطقة التي تخلق الكثير من المتاعب له ولأوروبا؟

برونيسلاف غيرميك:

جوابي هو نعم، مع أنني أدرك جيداً أن هذا الجواب يمكن أن يزعج بعض الأوساط، والدوائر السياسية التي لا تريد رؤية الناتو وهو يتدخل في مثل هذا الوضع، ولكني أعتقد وبكل بساطة، وبطريقة واقعية جداً أن السلام يجب أن يحل، وإذا لم توجد وسائل أخرى غير الضغط العسكري، فيجب أن يفرض السلام بالضغط العسكري.

أحمد كامل:

يجري الحديث الآن عن دور الناتو في تحقيق الأمن لأوروبا، وبالنظر إلى ما أسفرت عنه قمة (سان مالو) من اتفاق فرنسي بريطاني بهذا الشأن، هل تعتقدون إن أوروبا تتجه نحو خلق دفاعاً أوروبي بحت؟

برونيسلاف غيرميك:

أعتقد إن الناتو يعيش لحظة هامة جداً، وتوسيع الناتو الذي سيشمل خلال بضعة أسابيع (بولندا)، وجمهورية (التشيك) و(هنجاريا) سيغير أجواء الناتو، وبناءه الداخلي، وأكاد أقول: يغير فلسفته، وبفضل ذلك يمكن أن نقول: إن الناتو هو الحلف الأكثر صلابة، وضماناً في أوروبا، إنه حلف دفاعي جماعي، وليس منظمة أمن جماعي، أكرر إنه حلف دفاع جماعي، ولكنه بنفس الوقت إنه من الصحيح إن هذا الحلف في حالات (البوسنة والهرسك) و(مقدونيا) والآن (كوسوفا) يشارك في هياكل أمن جماعي.

ويمكن أن نتساءل أولاً عن نطاق عمل الناتو؟ جوابي هو أن ساحة عمل الناتو هي الساحة الأوروبية الأطلسية، أي التراب الأوروبي مع حضور الولايات المتحدة، التساؤل الثاني وهو سؤال أكثر أهمية، هو كيف الدول الأوروبية الأعضاء في الناتو بعد خمسين عاماً من السلام الذي ضمنه هذا الحلف

الدفاعي، كيف لها أن تأخذ علي عاتقها بطريقة ما الدفاع عن السلام في أوروبا أي عن السلام الأوربي؟

لا أعتقد أن هذا السؤال يندرج، أو يمكن أن يندرج في إطار مناهضة الوجود الأمريكي في أوروبا لأن تجربة القرن العشرين تظهر أنه عندما كانت الولايات المتحدة غائبة عن أوروبا، فإن أوروبا لم تكن قادرة وحدها على إحلال

السلام، وكانت الولايات المتحدة مضطرة للتدخل..

أحمد كامل [مقاطعاً] :

ولكن -عفواً- في ذلك الوقت كان يوجد تهديد كبير جداً، لكن الآن لا يوجد خطر يهدد أوروبا لدرجة لا تستطيع فيها لوحدها الدفاع عن نفسها؟

برونيسلاف غيرميك [مستأنفاً] :

أعتقد أن التهديد إذا اعتبرنا أنه وجود عدو، فهذا انتهى، لا يوجد عدو في الوضع الحالي بعد زوال إمبراطورية قامت على مبدأ النظام الشمولي، أعتقد أنه لا يمكننا القول بأنه يوجد عدو، لكن المشكلة الخطيرة الآن هي عدم الاستقرار.

أحمد كامل:

إذا أردنا أن ننظر إلى المسألة من منظار خارجي، البعض في بلادنا مثلاً لا يستطيع أن يفهم كيف يمكن للدول كبيرة (كألمانيا) و(فرنسا) و(بريطانيا) وهي قوى اقتصادية هامة، ألاَّ تجد الوسائل الذاتية لدفاع عن نفسها؟

برونيسلاف غيرميك:

أعتقد أنه يمكننا أن نقول أن بلداً كبريطانيا يملك الأسلحة النووية، يمكنه أن الدفاع عن نفسه، لأنه يملك هذا المخزون من الأسلحة النووية، التي تخلق استقراراً سياسياً متواصلاً، ألمانيا لا تملك ذلك، فرنسا نعم، أعتقد أن محادثات (سان مالو) ونتائج هذا اللقاء بين بريطانيا وفرنسا تغير حالة الأشياء.

أحمد كامل:

هل أنتم مع دفاع أوروبي؟

برونيسلاف غيرميك:

بولندا بلد أوروبي بانتمائه الطبيعي، لدينا إحساس بالمصلحة المشتركة

لأوروبا، ونحن ندعم هذا الجهد نحو الدفاع الأوروبي، ولكن بنفس الوقت نقول بوضوح تام: إن التجارب المأساوية لبولندا تجعلنا بحاجة للإحساس بالأمن والأمان، والحلف الأطلسي يعطينا هذا الإحساس بالأمن والأمان، والحلف الأطلسي يعطينا هذا الإحساس بالأمن.

أحمد كامل:

بوضوح أكثر هل تشكل روسيا تهديداً بالنسبة لكم؟

برونيسلاف غيرميك:

روسيا يمكن أن تصبح تهديداً لأوروبا وبالنسبة لبولندا، بحكم أننا جيران، ما يمكن أن يغدو خطراً، ليس روسيا بحد ذاتها، وإنما عدم الاستقرار والفوضى في روسيا.

أحمد كامل:

ولكن إبعاد روسيا عن الاتحاد الأوربي، وعن الناتو ألا يغذي هذا التهديد، وهذه التيارات الخطرة في روسيا؟

برونيسلاف غيرميك:

نعم، أنا دائماً ضد الاستبعاد، أعتقد أنه سيكون جيداً أن تكون المؤسسات الدولية مجمعة، لذلك عندما واجه الناتو مشكلة التوسيع، وضم بولندا

للحلف، استقبلنا باهتمام كبير، وبارتياح كبير توقيع الميثاق المؤسس للعلاقات الخاصة بين روسيا والناتو، وهو ما يسمح لممثلي روسيا وساستها بأن

يتحدثوا، ويتحاورا مع الناتو في (بروكسل) في مقر الحلف، وهذا أمر جيد

جداً.

الاتحاد الأوروبي لم ينشأ ضد روسيا، والناتو أقيم ضد الاتحاد

السوفيتي، وليس روسيا، إذن لنبحث مع انتهاء هذا القرن عن استخلاص العبر من درس الماضي، البحث في المستقبل عن مواطن التهديد ومواطن

الفرص، روسيا يمكن أن تكون في جانب الفرص، وهو ما أتمناه.

أحمد كامل:

كما أشرتم فإن بلاداً أصغر من روسيا بكثير، لا تجد مكاناً لها في الاتحاد الأوروبي، ولا في الناتو، فقط ثلاث دول شرقية قُبلت في الناتو والاتحاد الأوروبي معاً، بالنسبة لهذه الدول غير المقبولة، ألا ترون أنها تعاني من الإحساس بالإقصاء؟ وتجد نفسها مضطرة للتفتيش عن خيارات أخرى؟

برونيسلاف غيرميك:

أعتقد أنه من المهم عدم الشعور بمشاعر الاستبعاد، أي الإقصاء والإبعاد عن المؤسسات الأوروبية أو الغربية، فهذا أمر أساسي، بولندا سواء في الاتحاد الأوروبي أو الناتو تطالب بمبدأ الباب المفتوح، نحن ندعم حق جيراننا بالحصول على مكان في التنظيمات الأوروبية الكبرى.

أحمد كامل:

بالنسبة لمعايير الانضمام، تبدو معايير الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي موضوعية وواضحة الوضع الاقتصادي، على هذا الأساس اختار الدفعة الأولى من ست دول، ثم دفعات أخرى متتالية، أما بالنسبة لناتو، فلماذا اختار ثلاث دول فقط وعلى أي أساس؟

برونيسلاف غيرميك:

بالنسبة للاتحاد الأوروبي، هناك معايير (كوبنهاجن) لعام 93، التي تطلب احترام مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان، ومن ضمنها حقوق الأقليات العرقية، أما بالنسبة لمعاهدة (واشنطن) فإنها تتطلب أن تكون البلد مستوفياً لهذه المعايير الديمقراطية، وأن يتمتع باستقرار داخلي، وأن يكون قادراً على المشاركة في تحقيق أهداف الحلف، أي أن يملك قدرات ذاتية، وعسكرية، واقتصادية، وسياسية تمكنه من المساهمة في تحقيق أهداف الحلف الأطلسي.

تسألني لماذا فقط بولندا وهنجاريا وتشيكيا سميت في (مدريد) باعتبارها أول مجموعة تنضم لناتو؟ حسناً، إن ذلك كان لسببين، الأول هو أن الحلف الأطلسي يخشى بحالة توسيع من أن يوجد نوع من تمييع للحلف، وتراجع في قوته الداخلية، إذا قبل فجأة بلاد كانت سياسياً وعسكرياً في معسكر آخر، وغير معدة مطلقاً للبقاء في إطار الحلف الأطلسي، أما السبب الثاني فهو أن هذه الدول الثلاث -تشيكيا وهنجاريا وبولندا- مثلت في مسيرة التحول عن النظام الشيوعي الحالات الأكثر نجاحاً.

أحمد كامل:

بالنسبة لعملية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، لنأخذ ألمانيا الشرقية كمثال، منذ ثماني سنوات أنفقت ألمانيا الغربية 600 مليار دولار للنهوض بألمانيا الشرقية، ومع ذلك يوجد حتى الآن فارق واضح في المستوي الاقتصادي بين الشطرين، ماذا ننتظر بولندا من انضمامها إلى الاتحاد الأوربي؟ وهل يدرك الشعب البولندي بأنه لن يصل فجأة إلى المستوى الاقتصادي لدول الاتحاد؟

برونيسلاف غيرميك:

بولندا لا تنتظر تحولاً اقتصادياً شبيهاً بحالة ألمانيا الشرقية، فما حصل من تدفق هائل للأموال من ألمانيا الغربية نحو المقاطعات الشرقية الخمس، لا يمكن أن يتكرر في حالة بولندا، نحن نعرف ذلك، ما نريده هو جعل الفارق في مستوى الرفاه بين بلاد كبولندا، ومتوسط الرفاه في الاتحاد الأوروبي أقل مأساوية، وليس الاتحاد الأوروبي هو الذي بقوم بهذه المهمة، بل بولندا التي تسجل منذ ست سنوات معدل نمو يتراوح ما بين 5% و7%.

أحمد كامل:

هل أنتم قلقون من أن الحكومة الألمانية الجديدة تتحدث عن مسيرة انضمام أبطأ مما كانت تطالب بها حكومة (كول)؟

برونيسلاف غيرميك:

نأمل بألاَّ تغير الحكومة الألمانية الجديدة الأولويات الاقتصادية والسياسية

لألمانيا، ليس لأن على ألمانيا أن تحب بولندا، فبين الدول علاقات الحب أضعف بكثير منها بين البشر، وإن ما نريده هو أن ترى ألمانيا أنه من مصلحتها أن تنضم بولندا إلى الاتحاد الأوروبي، ولهذا السبب فإن من مصلحة ألمانيا أن ترى بولندا وهي تقترب أكثر فأكثر من الاتحاد الأوربي، وأن تصبح عضواً فيه في أقرب وقت ممكن.

أحمد كامل:

من المتفق عليه إذن أن الفارق في المستوي الاقتصادي بين بولندا والدول المرشحة للانضمام إلى الاتحاد الأوربي، وبين الدول الأعضاء -حالياً- في الاتحاد لن

يزول، إذن من المقبول منذ الآن أن يوجد في الاتحاد الأوربي مستويين اقتصاديين لدوله الأعضاء، ألا تعتقدون أن ذلك يفقد الاتحاد تجانسه؟

برونيسلاف غيرميك:

أعتقد أنه يوجد تفاوت كبير في مستوى الرفاه داخل الاتحاد الأوربي، فعندما نقارن بين جنوب إيطاليا بلكسمبرج، وعندما نقارن بهولندا، دون الحديث عن ألمانيا وفرنسا، نجد مستويات مختلفة للرفاه، لا مستويين بل عدة مستويات، أعتقد إنه يجب التأقلم مع حقيقة أن هذه الفوارق تشكل جزءاً من صورة الوضع الاقتصادي الأوربي، ولكن يجب ألا تكون هذه الفوارق مأساوية، وأعتقد أنه من مصلحة الاتحاد الأوروبي تجنب مثل هذه الفروقات الكبيرة.

وبالنهاية الاتحاد الأوروبي لم ينشأ لقياس حجم البيض والموز، بل هو نشأ من أجل السلام، ومن أجل ضمان السلام، ومن منطلق أن قاعدة السلام الصلبة من الرفاه والعدالة الداخلية، عندما يوجد اختلاف كبير في مستوى الحياة، فإن البؤس يمكن أن يسبب الحرب، إذن بهذا التفكير أعتقد أن الاقتصادي يجب أن يدمج بقوة ضمن السياسي، ويجب البحث عن المصالح المشتركة.

أحمد كامل:

سؤالي الأخير يدور حول علاقات الشمال بالجنوب، إذا نظرنا إلى حلف الناتو نرى أنه يفتح بابه عضويته لدول جديدة، ويقيم علاقة شراكة مع كل دول شرق أوروبا، وبنظرة جغرافية نجد أن خارطة دول الشراكة من أجل السلام مع

الناتو، تمثل تماماً القسم الشمالي من الأرض، هل تتجه الأمور نحو بناء جدار برلين بين الشمال والجنوب؟

برونيسلاف غيرميك:

سيكون من الخطر جداً أن يعمق توسيع حلف الناتو الفارق بين الشمال والجنوب، من المهم جداً أن يتقلص الفارق في مستوى المعيشة، والوضع السياسي بين الشمال والجنوب، في البداية عند نشوء الشراكة الأوروبية الأطلسية يمكن أن أقول لكم: إننا لم نكن نعرف بالطبع ما معنى هذه الشراكة، بدت لنا حلفاً أطلسياً للفقراء.

الآن نرى أنه ضمن هذا الإطار توجد دول (كأوزبكستان) وروسيا

تشارك، وترى تحقيق مصالحها، وترى فوائد لها، أعتقد أن النتيجة الأهم هي أنه لا يوجد جدار برلين ضمن هذا الفضاء، نعم توجد فوارق، هذه الفوارق يمكن أن تكون أحياناً كمية، وأحياناً نوعية، لكن يجب ألا يوجد جدار، وخاصة يجب ألا يوجد إقصاء أو تهميش، لأنه عندما ننظر إلى العالم من منظار علاقة الشمال بالجنوب، فإننا سنجد أن المشكلة الحقيقية ليست الفارق الاقتصادي.

فدول الجنوب وغالبيتها كانت ضحية نظم استعمارية، لا تعاني فقط من مشكلة الفقر، وإنما أيضاً من الإقصاء أي التهميش، وعدم المساهمة في تطور العالم، وفي التنمية الاقتصادية، أعتقد بحزم أنه لا الناتو ولا الاتحاد الأوروبي يخلق جدار

برلين، وإنما علي العكس، يخلق هياكلاً وأطراً مرنة مفتوحة وشفافة، لا يوجد جدار، ولا أريد أن تكون بولندا بانضمامها إلى الناتو ملزمة بإقامة جدار على حدودها مع روسيا البيضاء، أو (أوكرانيا) اللتين لم تصبحا عضوين في الناتو، أو مع (لتوانيا) أو مع (سلوفاكيا) وآمل أنه في سياق تطور العالم، سينظر إلى الجدران على أنها إرث من الماضي.

أحمد كامل:

هل توافقون على حديث (ويلي كليس) الأمين العام السابق للحلف الأطلسي عن الخطر الإسلامي والخطر القادم من الجنوب؟

برونيسلاف غيرميك:

أعتقد أن الخطر ليس خطر الجنوب، وليس الخطر الإسلامي، أنا لا أؤمن بتصادم الحضارات، أو صراع الحضارات، الخطر يكمن في ظواهر يمكن اعتبارها أمراضاً سياسية مثل: التعصب، لكن التعصب ليس طابعاً لحضارة ما، فمن يقرأ القرآن يعرف إلى أي درجة يمثل حضارة تسامح وسلام، والتعصب يظهر في حضارات مختلفة جداً.

إذن ما يجب فعله هو إيجاد مفاهيم مثل: ثقافة التسامح، وثقافة السلام، وألا نعتبر هذه المفاهيم شعارات، أو بلاغات سياسية محضة، تلقى في البرلمانات والمهرجانات، بل أن تتحول هذه المفاهيم إلى سلوك على المسرح الدولي، أعتقد أن هذا ممكن.

أكثر من ذلك أعتقد أننا عندما ننظر الآن إلى تاريخ العالم مع نهاية القرن العشرين، نرى أنه توجد من جهة نزاعات قائمة على كره متأصل، أو حقد عرقي، أو حقد ديني، ولكن بنفس الوقت توجد مسيرة اندماج هائلة، ومسيرة تتخطى حدود القارات والحضارات، وأحب دائماً أن أطرح مثال بلادي

بولندا، بولندا التي شهدت في القرنين السادس والسابع عشر تعايش الكنائس الكاثوليكية مع مساجد المسلمين، ومعابد اليهود، والكنائس الأرثوذكسية مشكلة بيئية ثقافية مشتركة.

الآن ومع الهجرة الكبيرة الموجودة في الدول الغربية، أعتقد إنه يجب التأقلم مع وضع جديد، وهو أن البيئة الثقافية الأوروبية والبيئة الثقافية للشمال، هي بيئة متعددة الثقافات، هذا لا يجب اعتباره كارثة، بل على العكس، خلاصة القول إذن هي إنه يجب أن نرى الخطر، ولكن يجب أن نحدده بشكل جيد، ولا يجب أن نبتعد عن النظرة المسبقة التي تغلق المجتمعات، والأمم، والمنظمات الدولية واحدة ضد الأخرى.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة