الطريق إلى فلسطين لعماد الدين خليل   
الأحد 1431/1/10 هـ - الموافق 27/12/2009 م (آخر تحديث) الساعة 12:49 (مكة المكرمة)، 9:49 (غرينتش)

- اتباع نظرية تراكم الجهد في الطرح التاريخي
- الرؤية التوحيدية ونقطة البداية في مسيرة تحرير فلسطين

اتباع نظرية تراكم الجهد في الطرح التاريخي

 
عماد الدين خليل
عماد الدين خليل:
حاولت أن أطرح تسلسل وقائع الحروب الصليبية أو المقاومة الإسلامية للغزو الصليبي من خلال إطار جديد ينطوي على بعد فني أدبي، لقاء بين أستاذ في التاريخ الإسلامي مع طلبته في قسم التاريخ في كلية الآداب لمدى ثلاثين محاضرة يلتقون فيها يوميا في الساعة الحادية عشر لكي يواصلوا الحوار وهذا الحوار يشترك في بنائه الأستاذ مع الطلبة، الطلبة متميزون اختارهم الأستاذ وهم عشقوا هذا الموضوع وأرادوا أن يوغلوا في تفاصيله أكثر فأكثر مما يعطى عادة في المدارس والمعاهد والجامعات وأن يعينهم أستاذهم على تقديم المزيد الذي يتحرقون للتعرف عليه بعدما سبروا يعني بعدما عرفوا شيئا أوليا عن الحروب الصليبية. فأما البعد الموضوعي الجديد في هذا الكتاب والذي قد لا نكاد نجده في البحوث الأخرى، أن البحوث الأخرى تعاملت مع جوانب من الحروب الصليبية حينا مع هذه المرحلة أو تلك حينا مع هذا الإقليم أو ذاك حينا مع هذه الإمارة أو تلك حينا مع هذا القائد أو ذاك، أما هنا فمحاولة لتنفيذ ما يمكن اعتباره نظرية جديدة في الطرح التاريخي يمكن تسميتها بمبدأ تراكم الجهد، كيف نتابع جهود عدد كبير من القادة الذين توزعوا في أقاليم شمالي العراق والجزيرة الفراتية والأناضول والشام وفلسطين وبنى بعضهم جهده على البعض الآخر وصولا إلى الناصر صلاح الدين الذي قدر له أن يستثمر هذا التراكم في الجهد العسكري والسياسي والعقائدي الذي نفذه هؤلاء القادة على مدى ما يقرب من 50 عاما وينتهي الأمر إلى معركة حطين الفاصلة 583 هجرية التي كسر فيها الناصر صلاح الدين العمود الفقري للقوات الصليبية في مملكة بيت المقدس وأن يدخل القدس فاتحا محررا بعد ما يقرب من الثمانين سنة من استيلاء الصليبين عليها. الحديث عن الناصر صلاح الدين معروف وقد قيل فيه الكثير ولكن تفسير قدرة صلاح الدين على تحقيق هذا الإنجاز الذي أعقب دخول بيت المقدس أعقب في الحقيقة فيما يسميه العسكريون باستثمار الفوز مضى صلاح الدين منطلقا لإسقاط الحصون الصليبية بشكل سريع ومدهش الواحد بعد الآخر بحيث أنه لم يتبق للصليبيين في الشام وفلسطين سوى شريط من الأرض لا يتجاوز عمقه تسعة كليومترات وطوله حوالي 90 كليومترا على الساحل اللبناني السوري الفلسطيني. فما الذي مكن صلاح الدين، محاولة للرجوعback  flash إلى الوراء إلى البدايات الأولى التي مكنت القادة الإسلاميين في الموصل في حلب في دمشق فيما بعد في القاهرة من تحقيق هذا الإنجاز الكبير؟ نظرية التراكم وتدور المحاضرات في خط صاعد للحديث عن واحد واحد من هؤلاء القادة وما حققه من إنجازات فكانت البداية مع ولاة الموصل السلاجقة الذين لعبوا دورا في تحقيق الانتصارات الأولى على الحملة الصليبية الأولى التي قدرت في سنوات معدودات على أن تشكل أربع كيانات صليبية استعمارية في ديارنا في الرها في ديار بكر أو الجزيرة الفراتية، في أنطاكية في أقصى شمالي غربي بلاد الشام، في طرابلس اللبنانية وفي مملكة بيت المقدس حيث شكلت مملكة وليست إمارة هي المسؤولة عن الإمارات الثلاث الأخريات، أربع كيانات شكلت. مقاومة هذه الكيانات الجديدة وهؤلاء الغزاة الجدد تمت في بدايات الأمر على من.. انطلق قادة بيئتين في الحقيقة شاركوا في المجابهات الأولى للصليبيين ومهدوا الطريق فيما بعد لاثنين من القادة الذين مهدوا بدورهم الطريق لصلاح الدين وهما عماد الدين زنكي وابنه نور الدين محمود، ولكن الضوء لم يلق بما فيه الكفاية على الذين سبقوا عماد الدين زنكي ونور الدين محمود وهم كلهم من ولاة الموصل السلاجقة.

الرؤية التوحيدية ونقطة البداية في مسيرة تحرير فلسطين

عماد الدين خليل: البداية الحقيقية -وهذا ما كان يدور دائما بين الأستاذ وطلبته- البحث عن البدائل الحقيقية التي فتحت الطريق أمام زنكي وابنه نور الدين محمود ومن ثم الناصر صلاح الدين عام 518 حيث تلقت حلب حصارا قاسيا من إمارة أنطاكية المجاورة أريد به إسقاط هذه المدينة وفتح الطريق إلى البوابة العراقية واختراق الجزيرة الفراتية والوصول إلى العمق العراقي، وكانت إمارة حلب بدون أمير يومذاك وتولى أمر قيادة المقاومة الشعبية فيها القاضي أبو بكر بن الخشاب الذي لعب دورا خطيرا في مجابهة الصليبيين ولكن القوات لم تكن متكافئة وكاد الصليبيون 518 هجرية أن يسقطوا المدينة لولا أن تداركها القاضي أبو بكر بأن شكل وفدا سريا خرج سرا من حلب إلى الموصل والتقى بأميرها أقسنقر البرسقي وأقنعه بالمجيء لإنقاذ حلب. دخول أقسنقر البرسقي لحلب وكسر الحصار الصليبي عنها يعتبره المؤرخون المعاصرون وعلى رأسهم المؤرخ البريطاني المعاصر يعتبر كبير مؤرخي الحروب الصليبية سيمون رانسيمان في كتابه crusaders and history the يعتبرها نقطة البداية الحقيقية لتحرير فلسطين، لماذا؟ لأنها شكلت نواة الوحدة التي سيقدر لها أن تفتح الطريق إلى فلسطين، الوحدة بين الموصل وحلب، الموصل كانت بعيدة عن المجابهة إستراتيجيا وسوقيا وعسكريا لكن انضمام حلب إليها مكنها من أن تملك عمقا إستراتيجيا في قلب ديار الشام قريبا من الإمارات والوجود الصليبي، ثم بدأ مسلسل المقاومة يتصاعد إلى أن ظهر عماد الدين زنكي بعد ثلاث سنوات من قيام البرسقي بتوحيد المدينتين، وعماد الدين زنكي كان يحمل رؤية إستراتيجية واضحة يحدثنا عنها في تصريحاته المتواصلة والتي دونها ابن الأثير في كتابه الباهر الذي يتحدث فيه عن تاريخ الموصل في عصر زنكي والأتابكة الذين أعقبوه، يقول يطرح جملة من التصريحات تعبر عن أن الرجل كان داهية من الدواهي وكان يملك رؤية إستراتيجية بعيدة تقول بأن التحرير الحقيقي لن يتم قبل التوحيد، ومارس جهدا استمر عشرين سنة في تحقيق فكرته عن توحيد الطاقات الإسلامية في المنطقة التي آلت في نهاية الأمر إلى إسقاط أولى الإمارات الصليبية قياما وهي الرها، حررها وكان هذا عملية تحرير الكبرى الأولى للكيانات الصليبية الأربع فكأن وجودهم في بلاد الشام فقد إحدى قوائمه وأخذ يهتز. ولما اغتيل عماد الدين زنكي عام 540 وتسلم الراية من بعده ابنه نور الدين محمود، نورالدين محمود أضاف إلى الرؤية التوحيدية لعماد الدين زنكي بعدا جديدا في حركة المقاومة الإسلامية، ما هو هذا البعد؟ هذا البعد هو تشكيل دولة إسلامية وأمة مجاهدة تنتظر اللحظة المناسبة لمجابهة العدو، يعني جملة أنشطته التربوية والسياسية والإدارية وفعالياته حتى الاقتصادية كانت تصب في فكرة بناء دولة وأمة قديرة على المجابهة والفعالية. وهو كان نموذجا أعلى يحتذى به في سلوكه الشخصي في تجرده في عمق تقواه في كونه خليفة راشد سادس فعلا كما أجمع المؤرخون على هذا، يعني إذا كان عمر بن عبد العزيز بإنجازاته المدهشة والتزامه قليل النظير يعتبر الخليفة الراشد الخامس فإن هذا الرجل اعتبر الخليفة الراشد السادس بسبب قدرته على التجرد الذاتي والتقوى العميقة والفاعلية والذكاء والعقلية المدهشة في الأداء وقدرته على تنزيل مفاهيم ومبادئ الشريعة الإسلامية على واقع الحياة، إعادة بناء الحياة بناء إسلاميا وبناء الأمة بناء جهاديا وبهذا مهد الطريق في نهاية الأمر إلى أن يصل إلى دمشق ويخرج منها أمراءها الضعاف الذين كانوا يتعاملون مع الصليبيين ويوحد بلاد الشام ويهيئ الطريق، وكان يحلم في الحقيقة حتى أنه أمر بعض كبار فناني حلب بأن يصنعوا محرابا في غاية الأناقة لكي يضعه في المسجد الأقصى عندما يتم تحريره، يعني كان في نيته أن يحرر القدس فعلا وقد استطاع تحقيق هذا من خلال ضابطه المتألق الذي تربى في أكنافه والذي بدأ يتألق منذ كان شابا في ظلال نور الدين محمود وهو الناصر صلاح الدين الذي قدر له أن يذهب إلى مصر فيسقط الخلافة الفاطمية عام 565 ويضيف مصر إلى الشام. تاريخيا كانت دائما وحدة مصر والشام هي المفتاح الأساسي لانتصاراتنا في المنطقة إزاء الغزاة، وقد حقق نور الدين هذا الإنجاز الذي لا يقل أهمية في حقيقة الأمر وفي بعده التاريخي عن تحرير القدس والدور الذي مارسه الناصر صلاح الدين. كانت الأسئلة تتوالى وبناء المحاضرة -كما بدأت حديثي أول مرة- يتم بين الأستاذ وطلبته، يكلف الأستاذ أحد الطلاب بكتابة تقرير أو قراءة تقرير عن هذا القائد أو ذاك، عن هذا الجانب من إنجازات نور الدين محمود أو ذاك ثم يتتم الحديث الأستاذ نفسه من أجل إعطاء حيوية للعرض والخروج من مأزق العمل التاريخي الصرف الذي قد يقود القارئ إلى الملل.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة