كوسوفا.. الحزن الدفين   
الأحد 1427/8/9 هـ - الموافق 3/9/2006 م (آخر تحديث) الساعة 15:04 (مكة المكرمة)، 12:04 (غرينتش)

- الطريق إلى حقل الدموع
- المذابح الصربية والحزن الدفين في كوسوفا

- الراقدون في انتظار موعد العدل


كوسوفا

يوغوسلافيا سابقاً

أبريل – نيسان

2006

أسعد طه: ولمّا كنا نعيش على الأرض ولمّا وقع ما وقع طال غيابكم فاشتد شوقنا، كنا نحلم بكم ليل نهار نتخيلكم أمامنا نحادثكم نضحك معاً ونبكي ثم نخرج إلى العَلم نسير في الطرقات نحمل العَلم وصوركم، جميلة صوركم نتحدى بها رذيلة الصمت نهز بها عروشهم وحين نعود في المساء كنا ندرك أنكم لن تعودوا وأن ديارنا ستظل باردة وأن عزاءنا أن الوطن قد عاد وأن القصاص ليس على الأرض والعدل ليس على الأرض وإنما هنا في السماء فطوبا لكم ولنا ولهم سوء الحساب.

الطريق إلى حقل الدموع

مشارك أول: نهاركم سعيد، أين قرية مييا؟

مشارك ثان: مييا إلى الأمام مباشرة الطريق معبّد حتى تصل إلى المقابر.

مشارك أول: نعم أنا أريد هذه المقابر.

مشارك ثان: المقابر، نعم على اليمين مباشرة سترى المقابر.

مشارك أول: شكراً جزيلاً.

مشارك ثان: هناك قبور كثيرة.

أسعد طه: في الطريق إلى حيث وقعت الواقعة رحت أطرد من رأسي ما حام حولها من ساسة وسياسة، الآن لا يشغلني ما إذا كانت المنطقة اسمها كوسوفو كما ينطقها الصرب أو هي كوسوفا كما ينطقها الألبان ولا أفكر بحقيقة الصراع التاريخي بين الطرفين ولا أبحث في إحصاءات تفيد أن 98% من السكان هنا هم ألبان ولا يعنيني كثيراً أن المنقطة باتت تحت حكم دولي منذ تدخل حلف شمال الأطلسي لطرد الجيش الصربي، كل ما يشغلني وقائع هذا الحدث ثم إنني أريد أن أفهم كيف يمكن لسلطة ما أو لقوة ما أن تصدر هكذا حكماً في حق هكذا عدد من الناس؟

بسيم: أشكركم على هذه الزيارة كي ترونا وتزورنا وترون كيف حدثت هذه المذبحة وكانت أكبر مذبحة وقعت في كل كوسوفا، مليون واحد قتل وثلاثمائة سبعة وسبعين شخص.. مكان الحادث ليس هذا..

أسعد طه: أينعم لكن هنا المقبرة طبعاً.

مشارك ثالث: هنا المقبرة.

أسعد طه: مقبرة الذين دفنوا الذين أتوا من..

مشارك ثالث: أتوا من.

أسعد طه: الحكاية طويلة، قال المترجم على لسان الرجل لقد احتلت صربيا كوسوفا مع بداية الحرب البلقانية عام 1912 ومن حينها وهي تعاني قهر الاحتلال، في زمن يوغوسلافيا وأيام تيتو ربما كان الأمر أقل سوء لكن مع تولي ميلوسوفيتش الحكم وقراره الشهير بإلغاء الحكم الذاتي الذي كانت تتمتع به كوسوفا انقلبت حياة الألبان جحيماً، طرد من الوظائف تجويع وإهانة اعتقال وتعذيب قتل، أما هذه الحادثة بالذات فقد وقعت حين كان آلاف الألبان يفرون من الجحيم الصربي على حد قول الرجل إلى البلدان المجاورة.

مشاركة أولى: أمس اكتَمَلت سبع سنوات منذ فارقني ابني وإخواني، إخواني الخمسة وابني سادسهم فارقتهم ولم أعرف عنهم شيئاً، لم أعرف شيئاً على الإطلاق عندما عُدنا من ألبانيا عرفت أن قالوا لي إن هناك احتمالا للعثور عليهم كانوا يأتون من الصليب الأحمر ويسألوننا عنهم وأخذوا فحوصاتنا فحص الـ (DNA) لكن لم يجد نفعاً وهكذا.

مشاركة ثانية: هو أخي، أخي.

مشاركة أولى: اليوم هو يوم عيد ميلاده السابع والعشرون عندما فٌقِد كان عمره 20 عاما منذ سبع سنين فقدته.

مشاركة ثانية: نحن كنا بنات كثيرات بعد خمسة بنات رزقنا بأخوين اثنين، أنا كنت الكبيرة وأنا ربيتهم طردنا إلى الجبل الأسود وألبانيا ثم ذهبنا إلى سويسرا، تكلمت معه عبر الهاتف كان في جاكوفا عند الخالة لم يستطع أن يتكلم معي كثيرا لأنه كان حزيناً جداً، قال لي.. أختي الكبيرة أنا تعيس جدا لأنني لا أستطيع الخروج والمسكين أبداً لم يتحسَن، من وقتها لم نره أبدا منذ عام فقط وصل جثمانه على الأقل نأتي إلى هنا ونخفف حزننا عليه قليلا، اليوم عيد ميلاده.

مشارك رابع: يا رجال لا داعي لتصويري كنت أفضّل أن أموت أنا بدل ابني لكن ماذا أفعل؟

أسعد طه: لماذا أتردد في الذهاب إلى حيث وقعت المذبحة؟

مشارك: في الحقيقة أنا خائف يتملكني رعب شديد صحيح أن المذبحة وقعت قبل سنوات ولا وجود الآن للجناة إلا أن المسألة ليست في الشعور بالخطر وإنما إحساسي بأنني سوف أقف على أرض قُتل فوقها حوالي 400 شخصا دفعة واحدة.

(حقل الدموع)

بسيم: في هذا المكان الذي نحن فيه كان الجيش متمركزاً هنا في الأسفل وفي هذه الناحية الثانية طابور الناس المدنيين أتوا من ناحية هذا الطريق فقط من هذا الاتجاه فقط إنه كان الممر الوحيد الذي يُسمح للمدنيين المرور به هذا الطريق وعندما أتي الطابور هنا أوقفوهم بدؤوا بأخذ الذكور من سن 11 سنة حتى الشيخ البالغ 75 أو 80 سنة وأثناء عملية الفرز قالوا لمَن يريدونهم أن يدخلوا إلى الوادي وأن يضعوا أيديهم هكذا ويدخلوا في ذلك الوادي أما القسم الذي بقي في الطابور من كبار السن فقالوا لهم أنتم تستطيعون أن تتابعوا السير للذهاب إلى ألبانيا.

"
قوات الصرب والجبل الأسود والجيش والشرطة اقتحموا بيوتنا وطردونا وقالوا اهربوا لأن قوات حلف الناتو سوف تقوم بقصفكم فهربنا إلى الشارع
"
  مشارك

مشارك خامس: بتاريخ السابع والعشرون من شهر إبريل/نيسان هذا الشهر جاءت قوات الصرب والجبل الأسود الجيش والشرطة واقتحموا بيوتنا وطردونا من بيوتنا وقالوا اهربوا لأن قوات حلف الناتو سوف يقوم بقصفكم الآن ونحن خرجنا وهربنا، خرجنا إلى الشارع ثم بدأنا نمشي في الشارع البعض على قدميه والبعض راكبا على عربة بالحصان والبعض على عربة باليد والبعض على الجرار وبدأنا نمشي وعندما وصلنا إلى مييا هناك.

بسيم: يعني هذا المكان الذي نراه كان مزدحما بالناس كانوا في طوابير.. وأيديهم هكذا خلفهم وقالوا لهم استمروا بالمشي حتى نأمركم بالوقوف.

مشاركة ثالثة: خرجنا مع أزواجنا، مع حماتي التي عمرها تسع وسبعون سنة الآن أثناء مشينا كنا نسمع طلقات الأسلحة التي لم تنقطع أبداً.

مشاركة رابعة: أربعة أخوة لي قتلوا وابنان لأخي تمنّينا أن يعودا أحياء لم يكن لدينا أي أمل، بقيت النساء والأطفال الصغار والأم العجوز تنتظر رفات أبنائها.

مشارك خامس: أوقفونا وكان ابني جالسا هنا وأنا كنت هكذا فهم جاؤوا وأمروا ابني أن يستلقي وكذلك الباقون ثم وضعونا هناك في أرض منبسطة.. مرعى.

اسعد طه: أيضا أنا أفهم إن كانوا الضحايا مسلمين ومسيحيين؟

مشارك ثان: صحيح.

مشارك خامسة: يا ويلي أغلقوا دارك يا ماما.. يا ابني، يا ويلُ أمك طوال حياتها يا ويلي أنا.

مشاركة ثالثة: وعندما اقتربنا من المكان أوقفوهم وأول مَن أوقف كان أخو زوجي الأكبر سنا عمر لأنه كان الأول ثم بعد ذلك أوقفوا الجميع حينئذ بدأ الأطفال والنساء بالصراخ.

بسيم: ويفهم كيف كان وضعهم وهم كانوا يعرفون ماذا ينتظرهم لأن الجيش كان على حالة الاستنفار وهم كل لحظة كانوا ينتظرون الأمر بإعدامهم وحتى العائلات التي ذهبت إلى ألبانيا كانت أيضاً تعرف ماذا ينتظر هؤلاء لكنهم لم يستطيعوا فعل أي شيء لأن الجيش قال لهم إن مَن يحاول أن ينقذ أحداً من أفراد عائلته سوف يموت ولن يجني شيئا آخر، من شدة الخوف بدأ الناس بدؤوا يفقدون تركيزهم وعقلهم من شدة الخوف وأصبحوا بحالة نفسية مزرية.. لأنهم كانوا على يقين بما ينتظرهم.

مشارك سادس: وأنزلوني أنا وأولادي ثم قالوا لي قم أنت يا عجوز ليس لنا فائدة من قتل العجائز، أوقفوني بالقوة وأنا رفضت أن أترك أولادي الثلاثة وهم على الأرض، أين أذهب في الثمانين من عمري أين أذهب؟ قالوا لي قم وجاء أحدهم وركلني وأعادني إلى الجرار، أخذوا أولادنا وأجبرونا على أن نكمل طريقنا.

أسعد طه: كان هذا هو طريقك؟

بسيم: نعم في هذا الطريق الذي نمشي فيه الآن صفّوهم في طابور.

مشارك خامس: وعندما كانوا يُدخلونهم في تلك المجموعة كانوا يأمرونهم بربط أيديهم هكذا وراء رقابهم ويوجهونهم مقابل بعضهم البعض والحرس وهم الصرب كلهم كانوا يحملون رشاشا هكذا.

بسيم: وقد استغلوا هذه الناحية لأن هذه الناحية كانت محاطة بهذا الجبل لكي لا يعرف حلف الناتو ماذا يحدث للمدنيين وهنا كانوا مصفوفين بالدور بدءاً من المقبرة كانت الصفوف، لا أستطيع أن أقول كم كان عددهم لكن كانت صفوف كثيرة متوازية كانت صفوف ملصقة ببعضها البعض وهم في حالة جلوس مثل هذا الوضع وكانوا مقيدين وبدأ الإعدام لكل واحد رصاصة في رأسه وهكذا أعدموا الجميع برصاصة في الرأس ثم زيادة على الإعدام أخذوا المطرقة وبدؤوا يضربونهم على رؤوسهم كي يشفوا الغيظ والحقد، عندما أتينا نحن وجدنا أجزاء من الرؤوس محطمة في هذا المكان.

مشاركة سادسة: والله.. عندما ذهبنا إلى ألبانيا وتركت أبنائي هناك كانوا هكذا.. كلّهم هذا يكفيني ألما وأثناء الطريق كنت أبكي.


المذابح الصربية والحزن الدفين في كوسوفا

أسعد طه: أخرج إلى الشارع أتنفس الصعداء ليس أقسى من الشعور بالعجز في مواجهة دموع الأرامل والثكالى غير أن الحياة تستمر، حركة ونشاط يوحيان لك أن الناس هنا سعيدة، ربما تبدو كذلك لزوال الاحتلال لكن حقيقة الأمر أن حزناً دفيناً يطل من عيونهم، سر في أي شارع وادخل أي بيت وأطرق أي باب وستسمع وسترى ما لا يمكن أن تتخيله.

"
فور انتهاء الحرب أسسنا جمعية نداء الأمهات هدفها المطالبة الدائمة لمعرفة مصير  المختطفين
"
نسريتا كومنوفا

نسريتا كومنوفا: أنا اسمي نسريتا كومنوفا، فور انتهاء الحرب مع فقدا أحبائنا أسسنا جمعية نداء الأمهات ومطلبنا الدائم من خلال الجمعية هو التعرف على مصير أحبائنا المختطفين، أنا شخصياً فقدت ابني الوحيد ألبيون الذي حتى الآن لم أجده، فقدت صهري زوج البنت اسمه غزيم وهو ترك ابنته صغيرة في عمر شهر واحد والآن هي بلغت سبع سنوات وأيضاً فقدت ابن أختي فردوس.

بسيم: عندما أنهوا المجزرة حاولوا أن يأخذوا الجثث ويذهبوا بها في هذه الناحية من الجبل كي يجدوا مكاناً في الجبل يدفنونها فيه حتى يخفوا أثر هذه الجثث لكنهم مع ذلك خافوا إنه ربما يراهم أحد من الجبل، ربما يستطيع أحد أن يرى الحفر التي تُحفر فلذلك رجعوا وأدخلوها في الشاحنات ونقلوها إلى أماكن مجهولة لكن نحن فهمنا أنهم أرسلوها إلى صربيا.

مشاركة خامسة: ماذا فعل بنا الصرب؟ جفّت قلوبنا، تركوا نساء بلا رجال، تركوا يتامى ماذا نقول نحن عجائز ليس لدينا ما نقوله نحن نربي أولادهم اليتامى.

مشاركة سابعة: العلاقات بيننا كانت حسنة ليس مع أبي فقط لكن معهم جميعاً، مع عمي لم نخجل أبداً، ابن عمي كان نظيري في العمر وأخي أكبر مني بسنة نفتقدهم جميعاً، تمنينا أن يأتوا أحياء لكن بقى لنا اثنان.. أخي وعمي.

توم رشماني: أنا توم رشماني من قرية كورنيتس، في 27 أبريل من سنة 1999 فقدت ابني وتسعة من الأقرباء، ابني كان أغرون أبناء العم باشكي وماريان وبالي، الثاني غزيم ومانولي وفران.. ميكالي، يعني عائلتنا فقدت عشرة من أفرادها ولكن الذين فعلوا الأسوأ كانوا الصرب من سكان كوسوفا الصرب الذين يتكلمون الألبانية واحد منهم كان ميلابتزي وبعض الأسماء الأخرى التي نسيتها الآن، ابني قتله بردراغ ميشنوفتش جاري الأقرب.

مشارك رابع: أخذوا ماسار وخمسة من إخوانها، مثل النساء ذهبت عند الشيخ والعراف والساحر لتعرف ما إذا كان ابنها على قيد الحياة، قلت لها يا زوجتي عندما علمتُ أنهم أخذوه عَرِفت ما حلّ به لكنها كانت محاولة.. أمل.

مشاركة خامسة: تركوا لنا البيوت فارغة قتلوا الشباب ضيّعوهم، أشكر الله على وجود عظامهم على الأقل نعرف أين مكان قبورهم، الآن عرفتم أنتم ما جرى لنا وماذا فعلوا، لم يكن عندهم رحمة ولا شيء.

أسعد طه: أتذكر فجأة أن الحادثة لم تكن بالأمس وإنما وقعت قبل ما يزيد عن سبع سنوات غير أن الناس ما زالوا يأتون إلى المقابر كل يوم وكل وقت يبكون وينتحبون كأن مصيبتهم قد وقعت للتو، يرحلون.. أبقى وأفكّر هؤلاء الأهالي على ما هم فيه من حزن أفضل حالاً من آخرين على الأقل فإن ذويهم هنا يرقدون هنا تحت التراب، انتبهت للفكرة هناك ما هو أشد آلماً من الموت ومن فقدان العزيز.

[فاصل إعلاني]

بسيم: أحد الأطفال قال لأبيه.. كيف تتركني وأنت تعرف ماذا ينتظرني؟ حاول أن ينقذ ابنه لكن الجنود ضربوه بأسلحتهم حتى سال دمه وقالوا له لا يمكنك الرجوع عليك فقط أن تتابع الطريق وقد بقى صوت الطفل يرن في أذن أبيه طول حياته.. كيف تتركني؟ الصوت بقى يرن.. كيف تتركني؟ وهذا شيء مرعب.

أسعد طه: يخبرني بسيم أن مواطنين صرب من المعارضين للحرب هم الذين أبلغوا المنظمات الدولية عن وجود مقبرة جماعية في صربيا اكتُشف لاحقاً أنها تضم ضحايا هذه المذبحة، السلطات الصربية تعيد الجثث على دفعات صغيرة وأحياناً تكتفي بإرسال بعض الأشلاء.

نسريتا كومنوفا: نحن نحاول، حاولنا أن نفعل كل ما كان بوسعنا لمدّ يد العون لكل أم ولكل أب مع أن هذا ليس في أيدينا لكن على الأقل علينا أن نضغط على المجتمع الدولي الذي في النهاية ربما حررّنا، طرد المجرم من كوسوفا لأن الهدف الصرب كان إبادتنا قتلنا لكن لحسن الحظ لم يتضرر الكل مثل بعض العائلات واليوم هم يعيشون أحراراً لكن أرواحنا لست حرة لأننا وبعد مرور سبع سنوات لا زلنا نعيش في القلق والانتظار.

بسيم: وكما قلت سابقاً إن بعض المصابين زحفوا إلى الوادي في محاولة أخيرة للهرب ولأن السكان هنا كاثوليك يربّون الخنازير فقد ذهبت تلك الخنازير إلى أجسادهم وبدأت تنهش فيها وهذا كان شيئاً مرعبا،ً كانوا يأكلون أجسام الناس.. كان أمراً لا يصدّق.

نسريتا كومنوفا: لديّ ابن وحيد لكنه عاد، تم دفنه بتاريخ الثلاثين من الشهر التاسع لكن الألم لم يهدأ، لا زلت أتألم لأن المجموعة المكونة من ستة أشخاص التي خُطفَت كان من بينهم ابن أختي وصهري تُذكرنا دائماً بما حدث.

مشاركة سادسة: والله أبنائي كانوا طيبين.. أما أنا.. لكن ماذا أفعل؟ أنا لازلت حية أما هم فأين؟ أبكيهم كثيراً.. يا ويلي، حتى في الليل أقوم وأبكي عليهم لأنني أمهم.

نسريتا كومنوفا: في اليوم الذي أرادت الشرطة أخذهم كلنا كنا خائفين لكن في ذلك اليوم الخوف كان أشد في القلب.. وهو رأى أباه يشرب ماء بالسكر وقال يا أمي لماذا يشرب أبي الماء بالسكر؟ قلت لأننا كلنا خائفين، في ذلك اليوم شعر هو بشيء في قلبه لثلاث مرات ناداني كل نصف ساعة في المطبخ ويقول أمي تعالي إلى هنا وكانت حركته سريعة نشيط.. يا حسرتي لماذا لم أرفع رأسي وأنظر إليه ولو لمرة واحدة؟ كان يقول أمي اليوم أنا خائف، وصل خوفي هنا فقلت له يا آلبؤون ربما لا يدخلون في البيت وناداني مرة ثانية وقال لي وصل الخوف هنا ومرة ثالثة قال أمي الخوف وصل إلى هنا.. قلت الويل لأمك لا أعرف ماذا سأفعل لك، لا أعرف أين أرسلك؟ قال هل يمكنك أن تعطيني حبة مهدئ؟ أعطيته حبة بنسيدين لكنه كان كبيراً فلم تؤثر فيه وقال يا أمي هذه الحبة لم تفعل شيئاً وبعد نصف ساعة امتلأ البيت بالشرطة.. كنا نجلس في غرفة أخرى لأنه كان علينا نحن النساء المحافظة على الرجال لأنهم هدفهم.

توم رشماني: الآن لا توجد متعة وأنت تتجول في القرية ولا أن تزور عائلة ما، كل شيء مظلم.. وفيما يتعلق بالذين كانوا من سني في هذه القرية وهم اثنان وثلاثون بقيت أنا فقط ولم يبق أحد، إذاً.. عندما لا تجد بجانبك المقربين إليك ولا تلتقي بمن هم في سنك أولئك الذين ولدت وترعرعت معهم فمن الصعب أن تستمر في الحياة.

مشاركة سادسة: شكراً لكم آلاف المرات.. سأذهب لأنني تعبت شكرا لكم والله يرعاكم.

توم رشماني: أذهب كثيرا إلى مييا أزور القبور.. أتحدث معهم وهو عمل جيد جداً وهناك في المقبرة حياة أيضاً، أشعر بالراحة أكثر مادام لدي على الأقل قبر الابن وقبور الأعمام والأحفاد وأقربائي الآخرين لأنني على الأقل أراهم.. أشعر كأنني أراهم.

نسريتا كومنوفا: دائما هو يظهر أمام وجوهنا وحين نزور القبر ننظر إلى صورته وكأنه يقول لنا أنا لم أمت لا تحزنوا ولا تبكوا هكذا.. أشعر وكأنه يعطيني القوة لكن حين نرى القبر يذبحنا ونفقد الأمل وفي هذه اللحظة نشعر بأنه ليس بيننا، لا فائدة من النظر إلى باب لا يدخل منه أرتان بابتسامته التي نفتقدها الآن، لا أعرف.. وعندما نعود من القبور لا أستطيع أن أوجه له ظهري حتى لا أراه بل أمشي إلى الخلف هكذا..


الراقدون في انتظار موعد العدل

أسعد طه: على هذه الشاكلة فارق الضحايا الحياة وعلى هذه الشاكلة دُفنوا، في المقبرة تعاودني تلك المشاهد، في المقبرة ما يدعوك للتأمل.. من المعتاد أن للمسلمين مقابرهم وللمسيحيين مقابرهم لكن تلك كانت لي هي المرة الأولى التي أشاهد فيها مقبرة مشتركة وكأنها تقول التطرف لا دين له، لقد قتل الصرب المسيحيون.. الألبان المسيحيين كما قتلوا الألبان المسلمين، بالطبع مقابر المسلمين أكثر لأنهم يشكلون الغالبية العظمى من السكان فكان ضحاياهم أكثر، يأتي الأهالي لزيارة أقربائهم ترى العائلة أمام القبر تُحادث فقيدها وكأنه ما زال حيا يا، ولدي لماذا لم تشاركنا عشاءنا مساء أمس، يا ولدي هل انتهيت من أداء واجبك المدرسي، الراقدون هنا يختلفون عن الراقدين في مقابر أخرى أنه في وضع غير مستوى وضع مخيف أملته طلقات الرصاص.

نسريتا كومنوفا: لكن الألم الذي عندنا يصعب على أي إنسان تحمّله، صعب أن تمرّ عليك أربع وعشرون ساعة دون الأولاد.

مشارك خامس: يا ولينا انظر.. انظر لهؤلاء الشيوخ الحكماء في القدم كانوا يقولون يا حسرة مَن يموت أبناؤه ويبقى هو هكذا، قال الحكماء العادلون والآن أنا أنظر الحمد لله الآخرون عندهم أحد موجود أما أنا فعندي هذا فقط.. عندي الشيخوخة، هؤلاء هم أبناء عمي، هذا والحمد لله قد ترك ثلاثة أبناء، ثلاثة أبناء وبنتين وبيته مملوء وهم يكبرون ويعملون وعندهم كل شيء، هذا ترك ابنين يعملان جيداً وهذا كذلك مثله وهناك ابن أخي انظر.. انظر.. ترك عمّين وأبوه مفقود وعماه هما حيّان في سويسرا وعنده أخ لا يزال صغيراً وهذا هو وهكذا.. نرجو العون من الله إن شاء الله يعيننا الأمر صعب.. صعب جداً، لو كانت إرادة الله أن يساعدنا العالم كله وخاصة أميركا لكي يمنحوننا ما نستحق من أجل هؤلاء من أجل دمائهم لا من أجل أي شيء أن يعطونا الاستقلال وسوف أسعد أكثر من إحيائهم مرة ثانية.

أسعد طه: هنا تُجري عائلات الضحايا تحليلات لتعرّف وفقها على جثث ذويهم التي تصل في حالة مشوهة.

جلوش ندرتسي: أسمي جلوش ندرتسي من راموتس أنتظر أبي تم إيقافه في قرية مييا بتاريخ 27/4/1999.

بلريم سلماني: أسمي بلريم سلماني من قرية دوبروش محافظة جاكوفا، اليوم جئت هنا أنتظر أخي بوريم سلماني أبي وأخي الثاني باقي لقد دفناهم من قبل.

شفكية سلماني: أنا شفكية سلماني من قرية دوبروش جئت هنا من أجل أخي بوريم سلماني وسبق أن دفنت أبي جم سلماني قبل سنة كذلك أخي باقي سلماني دُفن قبل ستة أشهر، الآن أنتظر أخي الثاني بوريم سلماني.

ميرا: أنا ميرا من قرية راموتس أنا أم جلوش، أنا هنا من أجل زوجي.

بسيم: أرجوكِ أريد أن أذهب وحدي مع بلريم.

شفكية سلماني: لا والله لقد جئت إلى هنا لأجل ذلك.

بسيم: اسمعيني.

شفكية سلماني: وأنا كذلك حضرت من قبل عند استلام أخي باقي.

بسيم: أنا أعرف.

شفكية سلماني: ما المشكلة؟

بسيم: أرجوكِ أنت مثل أختي، أولاً أنت تعرفينني سأذهب وحدي مع بلريم وسيكون كل شيء منتهي، أقول لك مرة أخرى..

شفكية سلماني: لا.. لا.

بسيم: لا اسمعي بسيم، أقول لك وكأنك بمثابة أختي، لا نريد أن نطيل وانتهى الأمر.

شفكية سلماني: جيد أنا أريد فقط ملابس..

بسيم: لا توجد ملابس، لا توجد ملابس أنا أقول لك لو جدت الملابس لوافقت هل تفهمين؟ لكن لا توجد الملابس لهذا أقول لك فقط بلريم.

شفكية سلماني: لماذا لا توجد الملابس؟

بسيم: أرجوك لا توجد الملابس، لجميع الحالات هذه المرة لا توجد لهم الملابس هكذا جاؤوا.. وأنت تعرفين كيف جاؤوا مثل ما جاؤوا.. هل تفهمين؟ لهذا أرجوك.. لا يوجد ما تشاهديه الأمر صعب نحن نعرف ذلك وسأذهب مع بلريم وهذا أفضل لكن في النهاية هذا حقك وأنا لا أستطيع أن أمنعك لو تسمعي كلامي لا تأتي معنا.

شفكية سلماني: أنا أريد أن أذهب معكم هل أنت أقوى مني؟

بسيم: بلريم أقوى.

شفكية سلماني: لا والله هو ليس أقوى مني.

مشارك سابع: دعها تقرر هي بنفسها هي راشدة وتعرف ماذا سوف ترى هناك.

بسيم: نعم هي عاقلة وراشدة لكن ليس، هل تفهمنا؟ في النهاية أنا أطلب منها ما هو أفضل لها، لماذا هل تظن أنني..

شفكية سلماني: لماذا هل أنت أقوى مني؟

بسيم: أنا أعرف جيداً.. أنا أعرف جيدا كيف الوضع هناك، جيد عندما هو يكون معي هو قوي لهذا كوني مطمئنة.

شفكية سلماني: جيد أنا سأقف عند النافذة وسأنتظرك، من أجل هذا أنا جئت إلى هنا.

بسيم: أعتقد أنه سيكون قويا معي هذه مسؤوليتي.

شفكية سلماني: لا أعتقد أنه سوف يحتمل.

بسيم: انتهى الأمر لقد اتفقنا أنا أقول إنه سيكون قوياً.. أنت الآن تعرفين.

شفكية سلماني: أنا أفهمك جيداً.

بسيم: من دون مشاكل، هل اتفقنا؟ هكذا بدون مشاكل وبدون القلق.

نسريتا كومنوفا: من ذلك اليوم الذي جاء الخبر أن آرتون رجع أنا كنت قد أنهيت بعض الإجراءات في مختبر راهوفيتس لكي نرى الجثة، قلت في نفسي لن أخبر العائلة حتى لا يروهم عظاما وتبقى في مخيلتهم الصورة الجميلة فقط وأنهيت الإجراءات، لكن زوجي عندما ذهبنا إلى المختبر قال أنا أريد أن أفتح الصندوق وأن أرى أبني، في تلك اللحظة حاولت أن أبعد البنات لأنهن صغيرات وسيكوّنن عائلات لكن حتى هن لم يبتعدن وأجبرنا أن نفتح الصندوق لكن ماذا سترى؟ العظام فقط.. لم يبقى عنده الجمال.

بسيم: أعانكم الله وإن شاء الله يقويكم.

مشارك ثامن: هذا كان حظنا ماذا نفعل.. يوم سعيد.

شفكية سلماني: يوم سعيد.

27 أبريل / نيسان 2006

السلام عليكم يا مريم يا ممتلئة نعمة الرب معك مباركة أنت في النساء ومباركة ثمرة بطنك يسوع يا قديسة مريم يا والدة الرب صلي لأجلنا نحن الخطاة الآن وفي ساعة موتنا آمين.

أسعد طه: اختلفت المقبرة عن أول يوم زرتها فيه لقد كبرت واتسعت ومازالت تنتظر المزيد، غريبة مقابر الشهداء غير موحشة تكاد تشم فيها رائحة الجنة، إنها بمثابة أماكن انتظار إلى أن يحين موعد السماء موعد العدل والقصاص، ارقدوا إذا في سلام لن يزعجكم أحد بعد الآن هذه حركتكم الأخيرة بعد سكونكم الأبدي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة