الاتحاد الأوروبي والدروس المستفادة عربيا   
الثلاثاء 1426/2/18 هـ - الموافق 29/3/2005 م (آخر تحديث) الساعة 12:01 (مكة المكرمة)، 9:01 (غرينتش)

- الاتحاد الأوروبي.. المسيرة التاريخية
- التجربة التكاملية والمشكلات السياسية

- التجربة الأوروبية واختلاف الواقع العربي

- المشروع التكاملي العربي وتحديات الوحدة


خالد الحروب: مشاهديَّ الكرام مرحبا بكم إلى هذه الحلقة الجديدة من برنامج الكتاب خير جليس، كتاب اليوم يتناول السؤال الدائم وربما المرير التالي، كيف ولماذا توحدت أوروبا رغم اختلاف لغاتها وتعدد صراعاتها وما هي العِبر المستفادة من تجربتهم؟ عنوان الكتاب الاتحاد الأوروبي والدروس المستفادة عربيا وفي مقابل النجاح الأوروبي لماذا فشل العرب؟ لماذا فشلوا في الوحدة رغم الدين الواحد واللغة الواحدة والهموم المشتركة الواحدة؟ عنوان الكتاب قلنا الاتحاد الأوروبي والدروس المستفادة عربيا من تأليف الدكتور حسن نافعة أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة فأهلا وسهلا به.

الاتحاد الأوروبي.. المسيرة التاريخية

حسن نافعة-أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة- مؤلف الكتاب: أهلا وسهلا.

خالد الحروب: آهلين دكتور حسن، أستضيف أيضا لمناقشة الكتاب الدكتور نصيف حِتِّي رئيس بعثة الجامعة العربية في باريس فأهلا وسهلا به أيضا.

نصيف حِتِّي- رئيس بعثة الجامعة العربية في باريس: أهلا.

خالد الحروب: آهلين نصيف، دكتور حسن إذا بدأنا مباشرة في الكتاب أولا الهدف من الكتاب، ثانيا إن استطعت أن تجمل لنا التطورات الرئيسية في مسيرة الاتحاد الأوروبي مع إلقاء الضوء على المفاصل التاريخية في هذه المسيرة؟

"
الهدف الأساسي من الكتاب هو أن يعرض للمواطن العربي مسيرة التجربة الأوروبية في الوحدة والتكامل بكل مشكلاتها وكيف استطاعت أوروبا أن تتغلب على هذه المشكلات
"
               حسن نافعة
حسن نافعة: نعم يعني هو الهدف الأساسي من الكتاب أن أعرض للقارئ العربي مسيرة التجربة الأوروبية في الوحدة والتكامل، أن أشرحها كما هي بكل مشكلاتها وكيف استطاعت أوروبا أن تتغلب على هذه المشكلات.. لكني كنت أحاول أن أعرض التجربة الأوروبية للأسف الشديد ليست هناك كتب كثيرة تتناول بالتحليل هذه التجربة أو تفهم هذه التجربة فأحد الأهداف الرئيسية أن أعرض للقارئ العربي كيف بدأت هذه التجربة؟ ما هي المشاكل التي قابلتها؟ كيف تغلبت عليها وكيف وصلت أوروبا إلى ما هي عليه الآن؟ لكن أنا كنت أدرس هذا وفي ذهني سؤال كبير، اللي تفضلت حضرتك به نحن في العالم العربي بدأنا تجربة في التكامل قبل التجربة الأوروبية هُم نجحوا ونحن أخفقنا فأنا كنت أدرس التجربة الأوروبية وفي ذهني هذا السؤال المُلِح لماذا نجحوا هُم وفشلنا نحن وبالتالي كنت أريد أن أتعمق في دارسة التجربة الأوروبية بطريقة تؤدي إلى الإجابة على هذا السؤال، لماذا نجحوا هم ولماذا فشلنا نحن؟ ولذلك يعني في الكتاب أنا أستعرض في الفصل الأول اللي هو بادئ فكرة كيف بدأت التجربة الأوروبية كفكرة، فكرة الوحدة الأوروبية قديمة جدا لكن أناقش سؤال أساسي لماذا ظلت هذه الفكرة غائمة وعائمة وأطروحة نظرية..

خالد الحروب [مقاطعاً]: نعم الآن لحين نناقش مع الدكتور نصيف أيضا كل هذه الأسئلة ولماذا نجحت لكن إذا سألتك بإيجاز شديد المفاصل التاريخية.. المراحل المهمة جدا بعد الحرب العالمية الثانية؟

حسن نافعة [متابعاً]: بعد الحرب يعني كانت فكرة.. فكرة لم تصادف أي تطبيق، بعد الحرب العالمية الثانية كان من الممكن أن تنتقل الفكرة من الحيز النظري إلى الحيز التطبيقي فيه، بعض الحرب العالمية الثانية السياق العالمي والسياق الإقليمي أعطى إمكانية لكي تنبع تجربة ذاتية في التكامل والمفكر العبقري الفرنسي جون مونيه الذي استطاع أن يطلق هذه الفكرة لأنه كان لابد لكي تنطلق هذه الفكرة أن تبدأ بحل معضلة الأمن أو عُقدة الأمن الفرنسي الألماني وبالتالي نقطة الانطلاقة الرئيسية..

خالد الحروب: طبعا المتوارثة عن الصراع خلال الحرب العالمية الثانية والصراع بين هتلر وأوروبا وتحديدا فرنسا.

حسن نافعة: بالضبط وبالتالي هو فكَّر في أن تكون يعني موضوع الفحم والصلب هو القطاع الذي تنطلق منه عملية التكامل، لماذا قطاع الفحم والصلب؟ لأن قطاع الفحم والصلب إذا وُضع تحت مؤسسة أوروبية مشتركة يحقق هدفين، الهدف الأول لأن قطاع الفحم والصلب هو الذي يغذي الصناعات العسكرية فبالتالي إذا وضعت هذا القطاع تحت سلطة أوروبية مشتركة فيمكن أن تخفف من المخاوف الفرنسية وفي الوقت نفسه تعطي لألمانيا فرصة إعادة الاندماج مرة أخرى في أوروبا وتنطلق مع فرنسا وبالتالي كان هذا يمكن أن توافق عليه فرنسا وتوافق عليه ألمانيا وهنا انطلقت الجماعة الأوروبية للفحم والصلب في سنة 1950 ثم بعد فترة، يعني حاولوا إنهم يعني بالقياس إلى تجربة الفحم والصلب..

خالد الحروب: يعني أهم شيء كان فيها التدريج، خلينا يعني نواصل ربما هذا بعد قليل، أسأل دكتور نصيف أولا رأيك في الكتاب بشكل عام، الفكرة المطروحة فيه هل هي مُلحَّة هل نريد هذه المسألة أم أن عندنا صيرورة أخرى مختلفة وربما الفائدة منها يعني قليلة؟ ثم تعليق على هذه الصيرورات كما أوردها الكتاب، تطور الاتحاد الأوروبي.

نصيف حِتِّي: يعني أولا أهنئ الأخ الدكتور حسن على هذا العمل، حقيقة عمل ضروري في توقيته وفي مادته ومضمونه بشكل خاص لماذا برأيي بشكل سريع أولا الاتحاد الأوروبي.. سيرة الاتحاد الأوروبي، مسيرة الاتحاد الأوروبي تمثل أحدث تجربة وأهم تجربة، أحدث من حيث غِناها في المرحلة الحالية وليست أحدث من حيث انطلاقها ولكن فيه حركة حيوية في علمية الاتحاد الأوروبي وهي عملية مستمرة وأيضا ذاهبة نحو المزيد من النجاحات، فيه حركة سياسية مستمرة، إذاً هذا بحد ذاته شيء مهم، الشيء الثاني المهم جدا أنه هذا هو أو هذه هي حاليا أنجح تجربة كقطب دولي مشكَّل من دول مختلفة تحافظ على سيادتها في مجال وتتخلى طوعا عن سيادتها في مجالات أخرى، المنظمات الإقليمية الأخرى ولا أتوقف فقط عند الجامعة العربية لم تصل إلى هذا الحد لكن فيه نقطتين أساسيتين جدا لمسهم بشكل واضح دكتور حسن في كتابه المنطلقات.. دعني أقول المنطلقات الفلسفية، المنطلق الأول معروف في علم السياسة الدولية هو الوظيفية الجديدة، أن ننطلق بإرادة سياسية من الأدنى نحو الأعلى، النقطة الثانية هي فلسفة نسميها الفلسفة المرحلية أو التدريجية، يعني لا نسارع إلى استباق الأمور، نبني خطوة.. نمشي خطوة نبني عليها ونتحرك نحو شيء أوسع كما ذكر دكتور حسن بكتابه فيه عمليتين مترابطين في جدلية الترابط بين الاثنين، التوسع والتعمق في الوقت ذاته.

خالد الحروب: نسأل الدكتور حسن هذه.. لدينا نقطة مهمة جدا في الكتاب بارزة وأنت تعرضت لها أكثر من مرة، هي قصة التدريج والبداية من الصغير والبناء عليه أكبر فأكبر إلى غير ذلك.

نصيف حِتِّي: الأقل إثارة.


التجربة التكاملية والمشكلات السياسية

خالد الحروب: الأقل إثارة.. الأقل خلافية، الآن مقارنة بالمسألة العربية بمسائل ومشروعات الوحدة العربية كيف ترى المسألة؟ كانت هناك طروحات كبرى يعني يجب أن نبدأ بالتوحيد القصري من فوق ثم..

حسن نافعة: بالضبط يعني هذه مسألة مهمة جدا بس أنا بأجاوب على سؤال آخر، بمعنى أنه هل الوظيفية ممكنة في العالم العربي؟ وهل التدرُّجية ممكنة في العالم العربي؟ لكي تكون التدرجية ممكنة بمعنى أن إحنا لابد أن نعزل التأثير السلبي للسياسة على الاقتصاد وهذه مسألة بالغة.. يعني معقدة جدا في العالم العربي لأن العالم العربي بتركيبته مختلف عن التركيبة الأوروبية، أنت بتعمل حركة وحدة أوروبية بين دول نضجت قوميا ودول ديمقراطية، أنت عندك في العالم العربي الدول ليست دول قومية بالمعنى أنه كل دولة ليست متبلورة في دولة قومية بالمعنى الأوروبي وما عندناش دول ديمقراطية الوحدة السياسية.

خالد الحروب: نسأل الدكتور نصيف حول هذه النقطة لأنها مركزية، النقطة المركزية تقول في كتاب الدكتور حسن أن هناك مفهوم الدولة غير ثابت وغير مستقر ومازالت الدول العربية دول قيد التشكل.

حسن نافعة: هشَّة نعم.

خالد الحروب: هشَّة، فيما التجربة الأوروبية دول ثابتة وعن وعي كامل انطلقت نحو مشروع التكامل، نحن في الأدبيات العربية القومية هناك مسألة التجزئة يعني أنت إذا قَوَّيت هذه الدول أنت تكرِّس التجزئة، فهناك مسألة معقدة أنه إذا أنت تريد أن تُقوِّي هذه الدول حتى تنتقل إلى الاتحاد فأنت تُرسِّخ من التجزئة فهناك قدر ما من الاضطراب في الفكر، ما رأيك؟

"
الجامعة العربية عندما نشأت جرى التأكيد في الاسم على جامعة الدول العربية للتأكيد على سيادة الدول واستكمالها
"
             نصيف حِتِّي
نصيف حِتِّي: صح هو أساسا في مرحلة التكون ما كان ممكن أن نقارن بين الجامعة وبين الاتحاد الأوروبي لأنه الجامعة عندما نشأت وجرى التأكيد في الاسم على جامعة الدول العربية للتأكيد على سيادة الدول واستكمال سيادة هذه الدول وأعتبر كثير من أصحاب التيار القومي حينذاك أنه هذه عملية تُفتِّت، تُكرَّس أو تُشرعِن تفتيت، يعني النظرة إلى الدولة العربية ليس كنظام إنما كمكوَّن قانوني جغرافي، كانت مرفوضة أنه هذه ذات شرعية في الفكر القومي، هذه هي خصوصية كانت قائمة في بالنظام العربي ربما مازالت قائمة، التناقض الذي كان مطروحا بين منطق الدولة الوطنية ومنطق الأمة التي يُعبِّر عليها من يستطيع أن يدَّعي شرعا أنه يتحدث بأسم منطق الأمة في مرحلة معينة، أنا أعتقد أنه مع الوقت بدأنا نخرج من هذا ليس نحو الطلاق بين المنطقين إنما نحو إيجاد نوع من التوافق بين المنطقين بحيث أن منطق ما يجمعنا لا يعني أنه هذا الجمع الوجداني التراثي القومي سمِّيه ما شئت يتحول إلى سياسة مشتركة، بالعكس علينا أن نبدأ بالبناء من تحت ولا نأتي من فوق، هذه فرق أساسي في التجربة في حين أن في أوروبا الدولة الوطنية مكتملة وقائمة لم يكن هذا مطروح..

حسن نافعة [مقاطعاً]: طيب أنا عايز أضيف هنا نقطة مهمة جدا هو أنه يعني لابد إذا أردنا أن نطلق تجربة فعَّالة للتكامل أن ننطلق من القبول بوجود الدولة القُطرية كما هي بمشكلاتها وبالتالي لا يمكن لأي تجربة تكاملية أن تنطلق..

نصيف حِتِّي [مقاطعاً]: وذات شرعية كاملة.

حسن نافعة [متابعاً]: إلا إذا كان يعني هناك فائدة للجميع إذا دولة من الدول أحسَّت أن التجربة التكاملية تضرها ضررا مطلقا لن تدخل فيها على الإطلاق.. وبالتالي لابد أن تكون هناك تجربة تكاملية يعني يعتقد الجميع أنها تفيدهم كلهم مش بالضرورة بنِسب متساوية ولكن الجميع مستفيد من هذه التجربة حتى ولو كانت درجة الاستفادة درجة متباينة ولكن إذا حس الجميع أن هناك استفادة من التجربة التكاملية يمكن للجميع أن.. لكن المعضلة هنا إيه؟ المعضلة هنا كيف تستطيع أن تحمي التجربة التكاملية من المشكلات السياسية؟ في أوروبا كان هناك حماية لهذه المسألة انطلقت التجربة النظام الدولي حماها والنظام الإقليمي حماها لأنه ما كانش فيه أي دولة أوروبية تستطيع أن تغير الحدود على سبيل المثال أو تدخل في مشكلات مع دول جارة لأن هذا حمته، يعني حماه نظام الاستقطاب.

خالد الحروب: مشاهدينا الكرام نتواصل معكم بعد هذا التوقف القصير.


[فاصل إعلاني]

التجربة الأوروبية واختلاف الواقع العربي

خالد الحروب: مشاهديّ الكرام مرحبا بكم مرة ثانية نواصل معكم نقاش كتاب اليوم الاتحاد الأوروبي والدروس المستفادة عربيا من تأليف الدكتور حسن نافعة، دكتور حسن توقفنا عند المقارنة بين سياقات مختلفة وهذا أتخيل يعني شيء مهم في الكتاب السياق التاريخي، السياق الدولي، السياق الإقليمي وغير ذلك، ما الذي تريد أن تقوله في عقد هذه المقارنة وفق السياقات المختلفة؟

"
التجربة الأوروبية ليست قابلة للنقل بشكل أوتوماتيكي داخل المنطق العربي ولكن هناك دروسا لا يمكن أن تتجاهلها
"
               حسن نافعة
حسن نافعة: أردت أن أقول إنه الواقع الأوروبي غير الواقع العربي ولكن دراسة التجربة الأوروبية دراسة مهمة جدا تستطيع أن تستخلص منها دروس مفيدة للتجربة العربية بمعنى أن التجربة الأوروبية ليست قابلة للنقل بشكل أوتوماتيكي داخل المنطق العربي ولكن هناك دروس لا يمكن أن تتجاهلها، بمعنى أنه أوروبا بصرف النظر عن السياق الدولي الذي كان مواتيا في التجربة الأوروبية وليس مواتيا في التجربة العربية، بصرف النظر عن السياق الإقليمي الذي كان مواتيا في التجربة الأوروبية وليس مواتيا في التجربة العربية لكن السياق الذاتي بقى.. اللي هو كيف نجحت أوروبا أنه حتى لو كان هناك سياق دولي ملائم وسياق إقليمي ملائم ما كان يمكن أن تنطلق التجربة الأوروبية.. التجربة الأوروبية انطلقت لأنها أبدعت في مجال المؤسسات، كيف تحُلّ التناقض بين الدول المختلفة أوروبيا، في أوروبا فيه دول قوية ودول ضعيفة، فيه دول كبيرة ودول صغيرة، فيه دول فقيرة نسبيا ودول غنية وبالتالي فيها كل الإشكاليات اللي موجودة في العالم العربي، كيف استطاعت أوروبا بعملية مؤسسية مركبة ومهمة أن تنجح في هذا الأمر؟ فأنا بوضَّح في الكتاب التقنيات المختلفة المؤسسية على وجه التحديد الذي مكََّنت أوروبا من أن تَحل كل هذه المشكلات فلابد للدول العربية أن تتحول إلى دول ديمقراطية في الأساس، تتحول إلى دول مؤسسات تنتقل من دولة الشخص إلى دولة المؤسسة لأنك أنت إذا عايز تقيم نظام إقليمي على مستوى العالم العربي هو نظام مؤسسي بطبيعته، كيف يمكن أن تقيم نظاما مؤسسيا إقليميا وأنت ليس لديك مؤسسات في الداخل، ابنيِ مؤسسات الداخل تستطيع أن تنطلق منها إلى مؤسسات إقليمية.

خالد الحروب: طب دكتور نصيف تعليقك على هذه السياقات المختلفة خاصة السياق الذاتي والتاريخي أنه هذه دول مكتملة، هذه دول ناضجة ودول ديمقراطية هذه مسألة حيوية أنه من دون ديمقراطية لن تستطيع التقدم نحو الوحدة..

نصيف حِتِّي : أساسية جدا فعلا، أساسية جدا إذا ما فيش مُساءلة في الداخل في الوحدات المكوِّنة لهذا التنظيم أو لذاك التنظيم فلا يمكن أن تكون هنالك مُساءلة على مستوى التنظيم ونسقط فيما نحن ساقطون فيه عادة وهو الانفصام بين القرار المشترك دائما والسياسات الوطنية، هذه عِلَّة العلل في السياسة العربية المشتركة بينما في أوروبا هناك نظام مُساءلة على مستوى المؤسسات وذكرَ الدكتور حسن في كتابه.. أشار إلى هذا الشيء لأنه هنالك ثقافة تقوم على نظام المساءلة مهم جدا، فيه ثقافة سياسية تقوم على نظام المساءلة، بِدِّي أبعد عن جَلد الذات أو ترحيل المسؤولية على الآخر، في مرحلة النشأة ثلثي الدول العربية كانت تحت الاستعمار، إذاً نشأة مختلفة، الاتحاد الأوروبي كانت البيئة أساسية داعمة، في المنطقة العربية كانت بيئة متنافرة لكن ما بعد ذلك هنالك قضية النضج السياسي، هنالك قضية أساسية أعتقد ومهمة جدا علينا مع الوقت أن نُقِر ونستقر فيما أُسمِّيه ثقافة التعاون السياسي.. ثقافة التعاون السياسي ثقافة البناء على مصلحة مشتركة، توسيع هذه المصلحة ثقافة النَفَس الطويل في العمل السياسي، الثقافة التراكمية هذا للأسف غير موجود.. غير موجود في المعارضات قبل أن يكون غير موجود في السلطة بصراحة، يعني نحن بشكل عام مثقفينا بشكل عام في المعارضات.. ما زال الطرح كل شيء أو لا شيء ما زلنا في نظرية الإسقاط من فوق علينا بشكل أساسي أن نبني على المصلحة مش عيب أن نبحث عن المصلحة..

خالد الحروب [مقاطعاً]: إذاً الثقافة تقريبا استبدال ديكتاتورية بأخرى حتى المعارضة عندما تحصل على سلطة..

نصيف حتى [متابعاً]: للأسف هي منطق تفكير، منظومة تفكير معينة.


المشروع التكاملي العربي وتحديات الوحدة

خالد الحروب: تعيد إنتاج الديمقراطية، إذا سألت الدكتور حسن تحديدا حول فكرة مهمة الحقيقة أيضا في السياقات المختلفة وخاصة السياق الدولي، قلت أن بالنسبة للتجربة الأوروبية السياق الدولي تقريبا التوحد كان لضبط النفس، أوروبا خاضت حرب ضد ذاتها حتى تُفكك النزعة الحربية والعسكرية فيما بينها وتنزع نزعة سلمية بينما الوحدة العربية وفكرة القومية العربية كانت بهدف خوض أو الدفاع في حرب ضد الخارج.

"
العالم العربي مختلف عن الدول الأوروبية فكان موحَدا ويحس أنه ينتمي إلى فكرة قومية واحدة،  فالإشكالية الرئيسية هنا أن أوروبا التي ليس لها ماض نجحت بينما العرب الذين لهم ماض لم ينجحوا
"
            حسن نافعة
حسن نافعة: يعني هنا فكرة محورية يعني مختلفة كُلية، أوروبا كانت لا تريد أن تتوحد لأنها تنتمي إلى شعب واحد أو لديها قومية واحدة، تريد أن تستعيد ماضي مُشرف أو تليد على العكس أوروبا تريد أن تتغلب على ذلك، يعني دخلت حروب طاحنة الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية ووجدت أن فكرة الدولة القومية ومحاولة دولة كبيرة في أوروبا أن تسيطر على الآخرين تكررت، التجربة نابليون مثلا حاول ثم حاول هتلر ودفعت أوروبا العالم كله إلى حروب مدمرة دُمرت أوروبا مرتين فكانت الوحدة وسيلة لكي تنقذها من نفسها، تنقذها من حروبها الطاحنة، العالم العربي مختلف العالم العربي كان موحَدا ويحس أنه ينتمي إلى فكرة قومية واحدة ويريد أن يستعيد هذا ولكن في نهاية المطاف بصرف النظر عن البواعث الأساسية القضية أو الإشكالية الرئيسية هنا أن أوروبا التي ليس لها ماضي نجحت بينما العرب الذين لهم ماضي لم ينجحوا.

خالد الحروب: هذا سؤال دائما أيضا يطرح هل كان العالم العربي موحدا فتم تقسيمه أم أنه كان خاضع لإمبراطوريات عثمانية ثم بريطانية..

حسن نافعة: في مراحل طبعا.

خالد الحروب: المغرب العربي مثلا تونس والمغرب وكذلك..

حسن نافعة: يعني نبُص على مسألة مهمة ما كانش فيه عالم عربي قبل الفتوحات الإسلامية وبالتالي الذين انطلقوا من الجزيرة العربية انطلقوا برسالة سماوية إلى آخره.. ولكن حدث شيء مهم جدا ومختلف أنه فيه أجزاء من اللي إحنا بنسميها العالم العربي النهارده مش بس دخلت في الدين الإسلامي ولكن ثقافتها القديمة ولغتها القديمة انتهت وتبنَّت الثقافة العربية وبالتالي أصبحت تتحدث بلسان عربي، الإسلام انتشر في أماكن مختلفة خارج العالم العربي، الحضارات الأخرى استوعبت الإسلام في نسيجها الثقافي بعكس العالم العربي، العالم العربي أصبح الثقافة العربية هي الثقافة السائدة وبالتالي عندما حاول العالم العربي.. العالم العربي توحد داخل إمبراطوريات إسلامية ثم حاول أن ينسلخ بعد ذلك لكن أحس أنه كعرب كناس يتحدثوا اللغة..

خالد الحروب: كتلة متجانسة.

حسن نافعة: كتلة متجانسة.

خالد الحروب: في التجربة العربية كأننا أمام وفرة وفائض من عوامل الوحدة إلى درجة سالبة..

نصيف حتى: صح.

خالد الحروب: إلى درجة مخيفة، إلى درجة تُخيف من الوحدة..

نصيف حتى: من الحب ما قتل.

خالد الحروب: ومن الحب ما قتل، مثلا في التجربة الأوروبية لغات مختلفة كل بلد عنده شخصية مميزة فلذلك لا تتوقع أن أهل بلجيكا يهاجروا إلى بريطانيا لأنها أغنى منها مثلا، بينما نحن اللغة المشتركة والهمّ المشترك والقضايا المشتركة تخيف الأنظمة والدول من أنه سوف يحدث تدخل في شؤونها بشكل قاتل.

حسن نافعة: ولذلك تلاقي التجربة الأوروبية لا تتحدث عن وحدة أبدا.

نصيف حتى: شوف المفارقة الكبيرة أساسا وأعود بعد ذلك إلى المفاهيم المفارقة الكبيرة، جون مونيه باني الوحدة الأوروبية مهندسها قال "لو عليّ أن أبدأ من جديد لبدأت من الثقافة"، المخزون الثقافي الوجداني الانتمائي أيا كانت حدته درجته زخمه مهم جدا لكن، إذا قارنت بشكل سريع أقول أن نحن أصحاب هُوية فاقدي لمشروع مستقبلي بينما أوروبا مشروع يُبنى يبحث عن هوية ويريد بناء هوية، لماذا نعود إذاً إلى مشكلة مفاهيم؟ عندما نتحدث أو يتحدث الأوروبيون أو نتحدث عن وحدة أوروبية نتحدث عن وحدة تُبنى بعمل مشترك وليست إسقاطية وليست وحدة اندماجية، أوروبا لا تطرح فكرة وحدة اندماجية، مفهوم الوحدة في الخطاب السياسي وفي الثقافة السياسية الأوروبية تختلف عن مفهوم الوحدة عندنا، مفهوم الوحدة هو المشترك وليس الواحد، الأوروبيون يتحدثون عن بناء سياسة مشتركة الكل يحافظ على دوره، على التنوع على ما هو مشترك طبعا..

حسن نافعة: التنوع في إطار الوحدة دي مسألة مهمة جدا مش هوية واحدة، في أوروبا لا يبحثون عن هوية واحدة هوية أوروبية عامة..

نصيف حتى: ليست إلغاء الآخر..

حسن نافعة: ليست إلغاء الآخر إنما المحافظة على خصوصية في إطار التنوع..

نصيف حتى: المهم إنماء الآخر.

حسن نافعة: التنوع مصدر غنى مصدر..

خالد الحروب [مقاطعاً]: نعم كما ذكرت في الكتاب دكتور التخوف عند البلدان.. عند عدد من البلدان العربية من كل قصة الوحدة وفكرة الوحدة أنها دول صغيرة وأحيانا غنية جزء كبير منها وهي مطموع فيها من الدول الكبرى مثلا والفقيرة والأخ الأكبر فهي ليس هناك معادلة تحل التخوفات والمخاوف والهواجس الحقيقية الموجودة.

حسن نافعة [متابعاً]: هذه هي المشكلة إذا ثبت أن هناك تجربة تكاملية تُدعِّم الدولة، بمعنى أن الدولة لا يجب عليها أن تخاف من تجربة تكاملية، بمعنى إذا التجربة التكاملية قوَّت الدولة وقوة الدولة صَبَّت في إطار تقوية التجربة التكاملية هذا يحل الإشكالية لكن المشكلة إن الدول العربية تتعلل بسيادتها مثلا في مواجهة الآخر العربي أو في مواجهة فكرة التجربة التكاملية العربية بينما هي عندما تتحدث مع أميركا أو مع أوروبا تستطيع تقدم تنازلات ولا تتحدث عن السياسة وهي مختَرَقة حتى النخاع، مطلوب على العالم العربي أن يفكر بطريقة مختلفة إنه عشان تبني تجربة تكاملية لابد أن تتنازل عن جزء من السيادة لصالح السياسة المشتركة..

خالد الحروب: سيادة جماعية.

نصيف حِتِّي: مصلحة مشتركة.

حسن نافعة: لصالح ما هو عربي مشترك وما هو عربي مشترك يجب أن يوظَف لخدمة الدولة، تقويتها التي يجب أن تصب بخدمة المجموع هذه القضية مهمة جدا.

خالد الحروب: نعم نصيف يذكر الدكتور هنا بتفصيل مهم ومفيد جدا البنية المؤسساتية للاتحاد الأوروبي إن هناك المجلس، أحيانا يكون مجلس على مستوى القمة أو مجلس وزاري.

نصيف حِتِّي: صح، نعم.

خالد الحروب: كل الوزارات مشتركة ثم المفوضية الأمانة العامة مثلا أو والبرلمان، البرلمان الأوروبي الذي كده الآن، هل بالإمكان الاستفادة من هذه المؤسساتية في الواقع العربي الحالي خاصة أن هناك مشروعات مطروحة مثل البرلمان العربي وغير ذلك؟

نصيف حِتِّي: صح دعني أقول كل مشروع لزيادة دور أو طابق في البناء العربي تبقى مهمة لكن مش هذا الأصل، الأصل تبلور إرادة سياسية وقناعة سياسية بأن المشترَك العربي يحمي الوطني ويعززه وهذا يأتي كنقيض له لأنه الموضوع ليست يعني عملية نوايا وليس فقط إنشاء مؤسسات.. المؤسسات تأتي بعد ذلك، من المهم أن نفكر بمؤسسات لكن إذا لم يكن هنالك نظام مساءلة على المستوى المؤسسي العربي يحفظ القرار، يعطي للقرار صدقيته، يجعل القرار متواضعا، نحن قراراتنا تصاغ دائما بشكل إنشائي ومناشَدي، لا يحمل القرار العربي بشكل عام مضمون عملي، المفروض مضمون عملي يجري البحث له والتوصل إليه سرعة اتخاذ القرارات العربية، السرعة الفائقة دليل على أن هذا القرار لم يجد طريقه للتنفيذ، الأوروبيون قد يستمرون أيام وليالي وأشهر في البحث في قرار بسعر الطماطم.. البندورة هذا مش عيب، يعني نحن نَفَسنا قصير كما ذكرت في العمل السياسي العمل المشترك بدَّك نَفَس طويل، ثم نقطة أخيرة جدا يجب أن يُبنى ذلك على المصلحة المشتركة إذا استطعنا أن نخلق، في أوروبا اليوم لنقل أن دولة تريد أن تنسحب من الاتحاد الأوروبي المجتمع المدني الأوروبي على المستوى الأوروبي يحمي الوحدة يشكل القاعدة المصلحية والوعاء السياسي الواعي لأهمية الحفاظ على هذه الوحدة.

خالد الحروب: نعم.

نصيف حِتِّي: نحن لا يوجد هذا عندنا.

خالد الحروب: نختم بدقيقة واحدة للدكتور حسن، يعني إذا أردت أن تُلخص وتقول المدخل إلى مشروع عربي تكاملي هو هذا يعني بإيجاز يعني ما هي الخطوة الأولى؟

حسن نافعة: إن المشروع التكاملي العربي لا يمكن أن يُناقض الدولة العربية وعلى العالم العربي أن يفكر من هذا المنطلق، أنه مطلوب تجربة تكاملية تحقق مصلحة الدولة ومصلحة المجموع ككل ولكن لا يمكن أن أقيم هذه التجربة التكاملية من دون أن يكون هناك نظام مؤسَسي على مستوى كل.. الدكتور نصيف بيتكلم على فكرة المساءلة أنا بتكلم على فكرة المؤسسات، إذا لم تكن هناك مؤسسات مش مطلوب قرارات مزاجية علينا أن نخرج من فكرة القرار الشخصي، القرار الذي يعبِّر عن الإرادة الشعبية أريد أن أختتم بأن أقول لا توجد..لا يوجد تناقض بين طموح الشعوب في الوحدة لكن الشعوب مُغيَّبة عن فكرة الوحدة، لو أن الشعوب لها مؤسسات تعبِّر من خلالها عن طموحاتها تستطيع أن تبني نظاما إقليميا فعليا.

خالد الحروب: نعم شكرا جزيلا دكتور حسن.

حسن نافعة: شكرا.

خالد الحروب: ومشاهديّ الكرام شكرا لكم أيضا على مرافقتكم لنا، جليس هذا اليوم الذي كان كتاب الاتحاد الأوروبي والدروس المستفادة عربيا من تأليف الدكتور حسن نافعة أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة والذي أشكره على تفضله بالقدوم إلى باريس هنا.

حسن نافعة: شكرا.

خالد الحروب: ومشاركتنا في هذه الحلقة كما أشكر الدكتور نصيف حِتِّي رئيس بعثة الجامعة العربية في باريس وشكر أيضا إلى زملائنا في مكتب الجزيرة هنا في العاصمة الفرنسية ومع تحيات مُعدّ البرنامج الزميل عبد المعطي الجعبة وتحياتي خالد الحروب دُمتم بألف خير.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة