التطهير العرقي   
الأربعاء 1435/4/13 هـ - الموافق 12/2/2014 م (آخر تحديث) الساعة 19:07 (مكة المكرمة)، 16:07 (غرينتش)

تطرق الجزء الثالث من السلسلة الوثائقية "النكبة" بلغة الإشارة لموضوع "التطهير العرقي"، وبيّن أن التهجير الرئيسي وقع في النصف الأول من عام 1948، فنصف الفلسطينيين الذين أصبحوا لاجئين  طردوا من منازلهم بحلول مايو/أيار 1948.

ونصف القرى التي تم تدميرها في نكبة 48 دمرت قبل 15 مايو/أيار من العام نفسه. فقد تمت السيطرة على خمس مدن، وتم تدمير مائتي قرية وارتكاب عشرات المجازر.

بحلول عام 1947 كان قد مضى على الانتداب البريطاني في فلسطين ثلاثة عقود حيكت خلالها مؤامرات لتشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين ومنح اليهود "الجنسية الفلسطينية"، وتدريب الصهاينة على فنون القتال الحديثة، وتسليحهم، وإجهاض إضراب عام 1936 التاريخي.

بالإضافة إلى سحق ثورة الفلسطينيين من 1936 إلى 1939، وإصدار قرار التقسيم لتختم تلك الحقبة بقرار بريطانيا إنهاء انتدابها بعد أن منحت ما لا تملك إلى من لا يستحق، وباعت للحركة الصهيونية عتادا وسلاحا تضمن طائرات، بل تركت لهم بنى تحتية جاهزة وكادرا من الموظفين اليهود مكنهم، فور جلاء الانتداب، من إعلان إقامة دولة مكتملة الأركان لا ينقصها سوى أهلها الطبيعيين.

 الجزء الثالث يستخلص أن النكبة وقعت قبل عام 1948 (الجزيرة)

في 8 مايو/أيار 1947 خاطب ممثل الوكالة اليهودية الجمعية العامة للأمم المتحدة قائلا "حين نتكلم عن دولة يهودية فليس في مخيلتنا أي دولة عنصرية أو متعصبة لدين، بل دولة تقوم على أساس المساواة الكاملة في الحقوق لكل سكانها دون تمييز في الدين أو العرق ودون سيطرة أو إخضاع".

ولكن كل ما أورده ممثل الوكالة كان مجرد ذر للرماد في عيون المجتمع الدولي، إذ كانت النية مبيتة لإنشاء دولة يهودية، فعبارة "دولة يهودية"، حسب المفكر الفلسطيني عزمي بشارة، تعني حكما "ترانسفير" (طرد السكان)، والترانسفير مترتب على قيام الدولة اليهودية، الأمر الذي يعني "أرضا أكثر وعربا أقل".

بعد أقل من مائتي يوم من خطاب ممثل الوكالة اليهودية، تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29/11/ 1947 قرار التقسيم الذي لم يملك اليهود قبله أكثر من 5.5% من مساحة فلسطين، فمنح لهم نصف مساحة فلسطين، وأغفل القرار ذكر كلمة "فلسطين"، وجعل أمر إنشاء دولة عربية شيئا غير قابل للتطبيق، وذلك بتقطيع أوصال أراضيها لأسباب أخرى عديدة أقلها كي لا تتمكن من الدفاع عن نفسها.

ما التطهير العرقي؟
قدم المؤرخ الإسرائيلي د. إيلان بابيه في السلسلة الوثائقية تعريفا جامعا مانعا للتطهر العرقي: "التخلص نهائيا من مجموعة عرقية كاملة من المكان الذي تعيش فيه، ثم محو هؤلاء من المكان كتاريخ، واستئصالهم من الذاكرة، وأخيرا ضمان أنهم لن يعودوا أبدا".

كيف بدأ التطهير العرقي؟
وحسب بابيه أيضا -وهو صاحب كتاب قيم يحمل عنوان "التطهير العرقي"- فإن "مجموعة صغيرة من قادة الصهاينة كانوا يلتقون بانتظام أسبوعيا على مدار عام (من فبراير/شباط 1947 إلى فبراير/شباط 1948) يخططون لتطهير فلسطين عرقيا. لم يتخذوا هذا القرار في يوم. مع كل أسبوع كانت قناعتهم تزداد بأن هذا الطريق "الصحيح أمامهم".

في العاشر من مارس/آذار 1948 كان الاجتماع الحاسم للهاغناه في تل أبيب حيث وضعت اللمسات الأخيرة على خطة "دالت" التي رسمت فيها تفاصيل "التطهير العرقي" بدءا بطرد الفلسطينيين ونزع أملاكهم.

video
ما أساليب التطهير العرقي وأدواته؟
التفجيرات الإرهابية للمباني العامة والمنشآت الحيوية، والقتل الفردي على الطرق باستخدام المستعربين، والاحتلال المباشر للقرى والمدن، واقتراف المجازر كمجزرة دير ياسين والطنطورة وجامع دهمش في اللد، وإجبار عشرات الآلاف من الأهالي على الخروج من قراهم. وكان كل ذلك يتم تحت سمع وبصر الجنود البريطانيين.

المنهج الذي اعتمدته المنظمات الصهيونية في عملية تهجير الأهالي كان يتلخص في حصارها وقصفها من ثلاث جهات والإبقاء على المنطقة الرابعة مفتوحة، وذلك لترويع السكان وقتل أكبر عدد ممكن ثم إجبار من يتبقى على الفرار من تلك الجهة غير المحاصرة.

ولم يقتصر الأمر على الإنسان، بل نهبت المنازل بمحتوياتها، ولا سيما المكتبات العريقة كمكتبة السكاكيني ونقولا زيادة، ولم تسلم من النهب الممنهج حتى المكتبات العادية حيث تودع اليوم في المكتبة الخاصة بالجامعة العبرية في القدس.

مَنْ يدرسُ متفحصا وقائع تلك العقود الثلاثة للانتداب البريطاني (1920-1948) يدرك أن الأحداث الجسام لم تقع مصادفة، ولم تكن منعزلة عن بعضها، وإنما هي سلسلة أمسكت برقاب بعضها بعضا وأفضت في نهاية المطاف إلى قيام دولة إسرائيل برعاية بريطانية ودولية، ليتمخض عن ذلك مع نهاية عام 1948 تهجير أكثر من 850 ألف فلسطيني إلى الشتات.

قد يكون أهم نتيجة خلص إليها هذا الجزء من سلسلة النكبة هو أن النكبة وقعت قبل عام 1948 بكثير.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة