فينوس خوري غاتا   
الاثنين 1428/7/23 هـ - الموافق 6/8/2007 م (آخر تحديث) الساعة 13:31 (مكة المكرمة)، 10:31 (غرينتش)

- تجربة لبنانية بلغة فرنسية
- الحياة في باريس وتحديات الإبداع

تجربة لبنانية بلغة فرنسية

فينوس خوري غاتا – شاعرة وروائية: امرأة عجوز تنحني إلى الأرض تقتلع القراص بيديها العاريتين ترمي بها إلى الهامش وتوقف لتقول لي بأنها أمي أنا مجبرة على تصديقها بسبب القراص حدث ذلك في الماضي القريب منذ نصف قرن عند حلول الشتاء كان القراص قتحم نوافذنا يمنع النهار من دخول غرفنا يسخر من المصباح كنا نتقاسم مع أمي رائحة عشب مجنون رائحة الأمطار كانت تؤجل دوما إلى الغد عملا يفوق طاقتها شمرت عن ساعديها بعد موتها لتقتلع العشب تنهداتها ليست علامة تعب بل رضى لإنجاز المهمة تمسح جبينها بطرف ثوب أكلته الأرض، خلقت بشمال لبنان بدائرة بشارفي وأحلى وأجمل ذكرياتي آتيين من هذه الضيعة ضيعة جبران خليل جبران كنا نمضي ثلاثة أشهر الصيف حرين بأرقض بالجلالة نعربش على الشجر نقطف الفواكه من الشجرة ونأكلها دخري ضيعة كثير جميلة بآخر شهر أيلول كان.. كنا مجبورين نرجع على بيروت ذكرياتي عن بيروت كثير قاسية لأنه أبي كان قاسي وكان كثير نظام عسكري عندنا بالبيت أخي كان شاعر كان عمره 18 سنة لما ترك بيروت وراح على فرنسا كثير متأكد إنه فرنسا راح تنشر له أشعاره فرنسا ما نشرت له أشعاره فرنسا علمته إنه على المخدرات رجع على لبنان كثير مريض ما عاد كتب دخل مستشفى بعد مستشفى بعد مستشفى يوم اللي عرفت إنه فائدة ما راح بحياته بقى يكتب شعر كتبت محله كتبت على دفتره كتبت مع ستايله تبعه بقلمه ومن وقتها ما توقفت حتى خبرت قصة أخي بكتاب اسمه بيت على حافة الدموع يمكن لو أخي كان كفى يكتب يمكن ما كتبت ما كنت كتبت تأثيره علي كان واضح إنه هو لازم هو ما عاد يكتب لازم حدا يكتب محله، تزوجت من رجل أعمال ومال غير لي كثير حياتي من يوم للآخر تركت حي بسيط وناس بسيطين لمجتمع ثري فيها كوكتيلات وعشوات وسهرات مهمة مع وزراء ومع ناس أثرياء وعندهم يخوت كبيرة وعندهم مع سفراء سبع سنين عشت هذه الحياة كنت كثير مبسوطة بحالي لأنه شيء جديد كان علي بعد سبع سنين تغيرت لقيت إنه عم بأفقد روحي صرت جسد بلا روح وطموحي أنا كان بالأول إنه أصل على هذا العالم الثري لمن عرفت حياته لهذا العالم الثري شو بعد طلع على بالي إنه أرجع على بساطة حياتي الأولى بس مع الكتابة ومازلت لحد هلا الكتابة أهم شيء في حياتي، أيامها عم بأتعلم بكلية الآداب ببيروت وأكتب أشعار بالوقت ذاته بعدها بسنين التقيت بسعيد عقل كان بعدني متزوجة جديد وقلت له أنا بأعرفك أنت سعيد عقل الشاعر سعيد عقل بأعرف لك بعض أشعارك من على الغائب وقال لي أنتِ مين يا حلوة؟ قلت له أنا بأكتب أشعار بس ما بأنشر قال لي راح آجي أعمل لكِ زيارة جاء لعندي فرجته أشعاري أخذهم تحت باطه ما بأنسى هي أبدا كان عندي ولدين وقتها عمري 22 سنة أخذ أشعاري تحت باطه بعد ثلاثة أسابيع قال لي هينشروا في الإديثيون كاثوليك عند البارجيزويت سعيد عقل هو اللي نشر لي أول أشعاري أشعار فيهم مكتوبين بطريقة طفولية ما بحياتي بأذكرهم ما بحياتي بأقول إنه كتبت الوجوه الناقصة من بعدها صار عندي حظي كان إنه أتت كاتبة مهمة من باريس وعملت محاضرة في بيروت وأخذت الأشعار اللي نشرت في بيروت وفرجتهم للناشر المهم بيير سيغييرس قال بأنشر الأشعار اللي هتكتبهم في المستقبل راح زربت حالة ثلاثة أشهر ببشري وكتبت مجموعة شعرية اللي مهمة اللي كان اسمها الأراضي المستنقعة ونالت على جائزة أهل الأدب في فرنسا.

[تعليق صوتي]

تمتلك الشاعرة والروائية اللبنانية فينوس خوري غاتا تعريفها الخاص لمفردات اللغة والمهجر والحب والفن، تعريف فيه قدر من نزق مكتشفها الشاعر سعيد عقل وفيه بعض من اكتئاب أخيها ولمسة باردة من قسوة الأب وأخرى لازمة من انكسار الأم فيه نسمة منعشة من هواء ضيعتها ومشهد الحجر الناعم على قبر جبران وفيه إعصار ناري يعصف ببيروت ويقتل روح الوطن، اللغة وعاء فينوس تكتب بالفرنسية ديوان شعر أو رواية كل سنة ولكنها تكتب تجربة لبنانية خالصة تكتب بفرنسية تختبئ العربية داخلها والمهجر هو حيث تختلق الروح كانت بيروت مهجرا حين ما كان أبوها يقسو عليها وبشري هي الجنة المفقودة وباريس مكان ملائم لاجترار التجربتين بلا انقطاع والحب هو استسلام كامل لأهواء القلب الانفصال عن المقاول المليونير والارتباط بطيب أهل الأدب والفن سعيا للتشبث بحقيقة النفس والفن هو طوق النجاة الوحيد.

فينوس خوري غاتا: حنيني للشرق للبنان جعلني أكتب كل رواياتي وأحداثها بتدور بهذا الشرق كل أبطال رواياتي.. بطلات رواياتي لأنه كل النساء بنانيات عربيات بأفرش فرش عربي سجادة عربي بأطبخ طبخ عربي أصحابي دائما بيأتوا هون لحتى يأكلوا أكل عربي لبناني حنيني للبنان كمان كان يجعلني أفكر إنه الصفحة البيضاء هذه صارت وطني لازم أعبئها أضخاص جايين من بلدي أموات بلدي لأنه مائتان ألف شخص ماتوا بالحرب هؤلاء المئتان ألف شخص اللي ماتوا بالحرب جلعت منهم أشخاص رواياتي جعلتهم يعيشوا من جديد يعني بيكفيني إنه أفتح الكتاب لحتى ألاقيم بيتركوا الصفحة البيضاء بيتركوا الصفحة وبينزلوا على الشارع وبيمشوا كأنهم أحياء.


[فاصل إعلاني]

الحياة في باريس وتحديات الإبداع

"
أول الأعمال التي كتبتها بفرنسا تتحدث عن الحرب الأهلية لأنه ما كان لدي شيء أفكر فيه غير الحرب
"
فينوس خوري غاتا: الحرب الأهلية جعلت ملحق النهار يجي على باريس مع أنسي الحاج، أنسي الحاج أعطاني هدية كبيرة أيامها أعطاني زاوية بملحق كنت أترجم كل أسبوع أما شعراء فرنسيين للعربي مع نبذة من حياتهم كثير كنت مرتاحة بهذا الشغل ومن بعده ما عدت أتوقف عن الترجمات صرت أترجم العرب الشعراء العرب للفرنسيين ترجمات كثيرة مجلات أكثر من عشرين مجلة من أولها لآخرها ترجمت لأدونيس وأنسي الحاج للمغوط ولسياب ولكل شعراء العرب بعدين انقطعت لما رجع ملحق النهار لبيروت أنقطعت عن الترجمات وصرت أشتغل بالفيغاغو كناقدة أدبية شغلي بالفيغاغو جعلني أقرأ بس كتب بالفرنسي وضيعت اللغة العربية اللي كنت بأعرفها بتظل شيء عشرين سنة ما بتقرأ بلغة ما بتتكلم فيها تتركها كل اللغة بقى كل ما يطلبوا مني الراديوهات العربي واللبنانية أما الصحف إنه أتكلم عن شغلة أنا ناشلة لـ17 رواية و17 مجموعة شعرية إنه لا ما بأتكلم بالعربي أنا عربيتي كثير صارت ضعيفة ما بأعرف شو جعلني هلا إنه أقبل يمكن لأنكم لطفاء كثير ولأنكم عم بتسهلوا لي المهمة عم بتساعدوني لألاقي كلمات هربت مني، أول الأعمال اللي كتبتها بفرنسا تخبر الحرب الأهلية ما كان فيني أفكر بشيء غيره يعني كان ضجة حول قمر ميت بتخبر الحرب وبعده الأموات لا ظلال للأموات كمان الحرب وبعدين صار فيه هدنة هيك بلبنان وجاءت تضيق لي كانت بايتة على خط التماس وانبسطت إنه شوفتها لأنه فكرتها ميتة ماتت لأنه ما عاد عندي من أخبارها وخبرتني كل شيء صار عندهم بالبناية وكثير نقلت هذه اللي خبرتني إياه على الصفحة البيضاء وصار كتاب اسمه عشيقة الوجيه وبتخبر قصة امرأة تركت زوجها من بعد ما ولدت طفلة وراحت لعند عشيقها من الجهة الثانية من خط التماس كل شيء يأتيني من لبنان كان يصير كتابة تحت قلمي.

[تعليق صوتي]

فينوس وعبر حياتها الممتدة في باريس ترصد عمليا تغير نظرة الوسط الأدبي الفرنسي للأدباء ممن يكتبون بالفرنسية وهم غير فرنسيين، حتى التسعينيات كانت قمة نجاح الواحد من هؤلاء هو أن يبدو فرنسيا حتى ولو اقتضى الأمر منه ارتداء قناع أو بتر ملامح هويته المغايرة، فينوس خوري لم تقترف هذه الخطيئة قط حتى قبل أن يتغير المشهد وتصير أجمل الروايات المكتوبة بالفرنسية خلال السنوات العشرين الماضية هي روايات للقادمين من خارج فرنسا ويصير نجوم الرواية الفرنسية هم أصحاب الأقلام الساخنة من مصر والجزائر والمغرب والسنغال وكندا ومن لبنان طبعا لبنان التي تنثرها فينوس خوري شعرا ونثرا ملتهبا في سماء باريس.

فينوس خوري غاتا: من وصولي لفرنسا بلشت أنشر كل سنة كتاب أما رواية أما مجموعة شعر وحسيت حالي متحررة من بلادي ومن نظر العائلة عنا من نظر لمواطنين صرت أخبر أشياء ما كنت بأستجرأ أخبرها لولا كنت بعدني عايشة بلبنان مثلا أكتب بيت على حافة الدموع اللي ترجم للغات عديدة من كنت استجرأت كتبته ولو كنت أنا عايشة بلبنان تحررت بوجودي بفرنسا من نظر غيري علي بيت القراص أخبر قصتها الامرأة المسنة اللي أنا بأريد أتزوج وبتعيش بين الكتب وكان فيه صيفية كثير في الشعوب من أربع سنين فكان حالي أنا لوحدي عايشة بهذا الحي كان بس ضوئي بيتي يضيء بالليل كلهم كانوا هربوا من باريس ومنشان هيك كان عندي شجاعة أخبر حياتي مسيرتي وأشياء ما كنت بأخبرها لو ما كنت مفكرة حالي وحيدة بالعالم تقريبا وبأخبر الأشخاص الثلاثة اللي حبيتهم واللي كثير عندي حنين لهم أخي وأمي وزوجي زوجي يجي كل يوم من خلال الشباك كان بدي أكتب يجي هيك كأنه شعاع شمس وجاي عليه غبار يقع على صفحتي البيضاء كأنه جاي عم بيتكلم معي بده يعرف شو صار ببنته شو صار ببيته ليه.. ليه تركت البيت للي كنا عايشين فيه ليش جئت على بيت غيره وعلى حيز غيره أمي بتيجي بتقف وراء كتفي وبتصير تقرأ علي أمثولات كتابة هي اللي كانت ما بتعرف تكتب ولا تقرأ طلعت اموات مهمين كانوا بحياتي وجبتهم على بين صفحات كتبي، أم لا أهمية لها تعبر السنين بمريلتها الباهتة الممسحة بيد وكرامتها باليد الأخرى مصباحها ذو الفتيلات الثلاث يحتفي بالليل تتمدد على التراب المرصوص لتصغي لتنفس الأموات والصراخ الرياح الباطنية الزمن هناك يدعو إلى التأمل الغسيل المنتظر على الحبال تعلقه النساء عاليا كي لا تعشش فيه الحشرات الرفش بيد والقلم باليد الأخرى أعشب قصيدة كتبت بين يقظة ونوم أحارب حلزون نعوت ثمينة العشب ينبت على شراشفي الكلمات المتمردة تجتاح حديقتي أعشب أشذب أقتلع أغرس من جديد في نومي يلقاني النهار متعبة كحقل حرثه نورج صدئ، ليل القراص هو امتداد لبيت القراص لأنه لما انتهيت من كتابة بيت القراص حسيت حالي إنه مش شبعانة إنه بعد عندي أشياء لازم أقولها وما فيني أقولها بالنثر لازم أقولها بالشعر لأنه الشعر عنده طريقة هيك سرية فيك بيقبل الأسرار بيقبل الأشياء الغامضة بقى مجموعة شعرية ترجمت هلا للإنجليزي وترجمت للعربي على يد زهيدة درويش أستاذة في جامعة طرابلس، كتبت ترجمت للغات عديدة ترجمت للروسي للكوري للسويدي للأكراني للإسباني وغيره من اللغات بس أهم شيء كان لي هو كتابي عشيقة الوجيه اللي تدور أحداثه على حول خط التماس خلال الحرب الأهلية فتحت لي أبواب كثيرة وخصوصا جائزة فوادو فرانكفورت مدينة فرانكفورت السنوية من بعدها صار هين علي إنه أترجم لمن بيترجموا لك كتاب واحد ببلد بيصير الكتب من الحالة بتيجي واحد وراء الثاني منشان هيك معروفة بكل هذه البلاد كل ما بيظهر لي كتاب بيغرس عند المترجمين ذاتهم وهن نساء في لونين وبستوكهولم وبإسبانيا والأشخاص ذاتهم بيترجموا لي صاروا بيعرفوا كتابتي كيف بدهم يعالجوها وهذه الكتب لما بتظهر باللغات الأجنبية بتجعلني أسافر لحتى أساعد على بيع الكتاب بيعملوا مهرجان أمام حول الكتاب بقة منشان هيك بأسافر كثير السنة الماضية سافرت لاثنين وعشرين مدينة أجنبية ولهذا السبب بأكتب كثير بالطائرات وبالترينات وبالأوتيلات، السنة الماضية كنت بأميركا دعاني البن كلوب كان فيه مهرجان كبير للبن كلوب وكنت آخذه من سفرة لي ببلد يرجمون الزانيات فيه قصة تعلق بقلبي ما كانت تتركني كنت بأميركا كان لازم كل يوم أروح على مهرجانات أسمع غيري كيف عم بيقروا أشعارهم لأنه مهرجان شعر كثير مهم أنا كنت أقف بغرفتي وما أفتح بابي غير الساعة خمسة ستة لأروح أسمع شي شاعر إما شاعرين كل نهار عم أخبر هذه المرأة اللي بضيعة بقرية قرب الصحراء أحبت رجل غريب وقبيلتها بدها ترجمها وهي منتظرة طفل بقى أخذت هذه القصة معي لحد إنه يوم من الأيام فتحت شباك غرفتي بالأوتيل الأميركي بتعطي عليك سنة آف نيو تعجبت إني شوفت غاراتسيال وشوفت سيارات وفكرت حالي إنه أنا راح أفتح أشوف مدينة قرية خوف والصحراء.

[تعليق صوتي]

صار للشاعرة التي وصفها سعيد عقل بالحلوة أحفاد ولكنها مازالت حلوة المرأة اللبنانية المبدعة ابتكرت لعبة تشبه الشعر استطاعت بها الصمود ثلث قرن بعيدا عن ضيعتها محونة في الفضاء الباريسي بأنواره المصطنعة فينوس تستدرج عالمها الغائب عنها وتدخله باريس يمكن ببعض الدهاء الأنثوي والموهبة الشعرية أن تتوحد بشري وباريس وفينوس تحتاجمها معا متافعلين كالروح والجسد اختلت موازين اللعبة المبدعة مرة واحدة بين يديها الرقيقتين حينما فقدت زوجها الطبيب الفنان جون غاتا المبدع المؤمن الأكبر بموهبة زوجته وحتى ساعتها لم تفكر فينوس في العودة إلى لبنان وقالت لنفسها كيف يكتب الإنسان في مدينة تشبه غرفة واحدة كبيرة بلا جدران يعيش فيها مليون شخص معا يراقبون أنفسهم بلا هوادة باريس ظلت محور ارتكازها ومستقرها باريسها التي تحتوي على بيروت وبشري بداخلها.

فينوس خوري غاتا: عائلتي مشتتة من أربع أولاد ثلاثة عايشين بلبنان فيه عندي بس ياسمين وولادها موجودين بباريس لما بكون بأحس حالي عايشة بوحدة وتعيسة بأكتب بأعبيء الصفحة البيضاء بأشخاص وبأصدقا وبمواطنين لأنه كل القصص بتيجي منهم ورواياتي بتيجي منهم من بلادي الصفحة البيضاء هي صارت وطني، بلادهم تترائى من خلال الغسيل المنشور على حبالنا احجبوا البيت خلف البيت ادفنوا الأرض في لأرض سيحمل الغرباء الجدران كاريزما حطب على ظهور داباتهم سيشربون عرق الأشجار الأخصر صمغ المناجم الأسود دم الصخور الرمادي البلاد تحت أقدامهم ستسحل صوب الشمال الجنوب المسيج بالأسلاك الشائكة سيصبح غربا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة