الانتخابات الفرنسية   
الاثنين 1425/11/30 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:15 (مكة المكرمة)، 14:15 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

مالك التريكي

تاريخ الحلقة:

05/05/2002

- مظاهر الأزمة السياسية والثقافية التي تعصف بفرنسا
- أسباب استشراء الفساد في فرنسا

- أشكال الانحدار الوطني الفرنسي

مالك التريكي
مالك التركي: عندما يكون الفوز بولاية رئاسية ثانية مجرد فوز بالدور نصف النهائي فذلك لأن الاقتراع هو علي الرئاسة، أما الرهان فهو علي البرلمان. تساؤلات حول التعبئة المدنية الفرنسية من أجل إنقاذ الديمقراطية وحول احتمالات استمرار الزخم إلي غاية إنقاذ الجمهورية بضمان فوزها في الدور النهائي في الانتخابات التشريعية الشهر القادم.

أهلاً بكم، علي غرار صفوة قليلة من الأمم ابتليت فرنسا بألم الوعي المسبق بمكمن المأساة في التاريخ، ولهذا فقد كان كُتَّابها سباقين قبل الأغراب إلي الإعلان بأن فرنسا هي الآن رجل أوروبا المريض، تماماً كما كان من أمر تركيا قُبيل سقوط الدولة العثمانية، وليس هناك من مفارقة إلا ظاهرياً في أن يكون مفهوم الدولة لدي الفرنسيين علي هذا النحو من النسبية التاريخية، أي غير بعيد عن مفهوم الدولة لدى ابن خلدون باعتبارها كائناً تنتظمه سنن الحياة والمرض والممات، فبخلاف بريطانيا مثلاً دالت دولة الفرنسيين خلال القرنين الماضيين ما لا يقل عن ست مرات، حيث تعاقب علي حكمهم نظامان إمبراطوريان وأربعة أنظمة جمهورية وستة وعشرون نصاً دستورياً فضلاً عن أنه لا يزال بينهم قوم تهفو أفئدتهم حنيناً إلي التاج والصولجان، وها أن جمهوريتهم الخامسة تواجه الآن خطر الفناء رغم أنها من بدائع الهندسة الدستورية، إذ بلغ التلازم الوثيق بين استقرار النظام السياسي واستتباب السلام الاجتماعي في التجربة الفرنسية حداً جعل أصحاب مقولة الرجل المريض لا يعللون إزمان المرض إلا بإحدى فرضيتين دستوريتين، إما أن تكون العلة في دستور عام 58 بالذات، أو أنها تكمن في تحريف الدستور عن مقاصده، ويري هؤلاء أنه علي الإجابة علي هذا السؤال يتوقف حل أزمة النظام السياسي الفرنسي بحيث يستدعي الحل إما تغيير النصوص أو استبدال الرجال، ولكن فرنسا لم تصل بعد إلي هذه المرحلة المتقدمة في محاولة العلاج الجذري لأزمة النظام السياسي، بل غاية ما في الأمر في المرحلة الحالية أن فرنسا مدعوة للانتباه حتى لا تحجب عنها شجرة الدراما المحيطة بالانتخابات الرئاسية غابة الرهان السياسي الحقيقي للأعوام الخمسة القادمة، ويتمثل هذا الرهان في وصل من قطع بين روح القوانين الدستورية وواقع الممارسة السياسية وصلاً يقوم علي العودة إلي الأصل، وذلك بمنح الرئيس في الانتخابات التشريعية الشهر القادم الأغلبية البرلمانية اللازمة للممارسة الفعلية للحكم. فهل تبذل فرنسا الجهد الكافي لبلوغ هذه الدرجة، أي الدرجة الصفر من الإصلاح السياسي؟ مصطفي سواج يتناول مظاهر الأزمة السياسية والثقافية التي تعصف بفرنسا فتخيل لكثير من أبنائها أن لم يعد لها من شأن بين الأمم.

مظاهر الأزمة السياسية والثقافية التي تعصف بفرنسا

تقرير مصطفي سواق: "المعركة لا تنتهي باقتراع الخامس مايو" بمرارة قالها رئيس الحكومة الفرنسية السابق (ألن جوتي) وهو يحث الفرنسيين علي الاقتراع، ربما كان (جوتي) يدعو مواطنيه إلي مراجعة قناعتهم الوطنية وتشكيل وعي جديد لتقليص الخسائر، فلطخة العار قد أصابت صورة الجمهورية وعلي الفرنسيين أن يستيقظوا من حُلم فرنسا الاستثنائية ومن حنين رمانتيكي يسكن يمينهم ويسارهم لعظمة تلاشت عام 62 موعد آخر حلقة في مسلسل أفول إمبراطورية ذات تاريخ متبع بالانتصارات والانكسارات. انتصار جاك شيراك في انتخابات الخامس مايو لا يحل المشكلة إذن، كما أن تقدم اليمين المتطرف مجسداً في فوز (جون ماري لوبان) إلي المرتبة الثانية لم يكن إلا أحد أعراض أزمة حقيقية أكثر تعقيداً وخطورة يجسدها تصدع خطير في ضمير فرنسا الثقافي في وعيها بذاتها هوية وقيماً وفي موقفها من الآخر عرقاً وثقافة، وفي تغاضيها المطرد عن قيم الجمهورية التي كانت تمثل العامل المشترك بين الفرنسيين بمختلف ايديولوجياتهم، في وصفهم الحالة الفرنسية يستعمل سياسيون واقتصاديون مفردات كالشلل والداء والمشاكل والكارثة والكآبة ونحوها، مشيرين إلي تخلف فرنسا عن الركب الأوروبي فيما يتعلق بمناصب العمل والقدرة الشرائية الفردية ومعدل الدخل الفردي، كما يشيرون إلي ارتفاع معدل الجريمة وتكاثر النزاعات العمالية والعنف المرتبط بالإضرابات والفقر وفشل إدماج المهاجرين خاصة ذوي الأصول العربية في المجتمع الفرنسي، غير أن بعض الكتاب الفرنسيين يتحدثون الآن صراحة عن تدهور الأمة الفرنسية أو انحدارها، ويعبر (باسكال بروكنر) عن بعض ملامح هذه الحالة قائلاً: إن فرنسا تعيش الآن مزيجاً فريداً من الغطرسة وكراهية الذات، إننا نجمع بين غرور لايباري موصول بذكري الثورة الفرنسية وإمبراطوريات نابليون والاستعمار وبين الافتقار إلي الثقة في نفوسنا، وهما سمة الأمم المتداعية. وقد تعود هذه الحالة المرضية إلي التغيرات الأقليمية والدولية كالنفوذ المتزايد للاتحاد الأوروبي، والعولمة، وتراجع الدور الفرنسي عالمياً، واتساع الهيمنة الأميركية عسكرياً واقتصادياً وثقافياً، أو إلي حتمية تاريخية حولت فرنسا إلي هذا البلد الصغير الغريب جداً كما وصفه رجل الأعمال الفرنسي ( جون ماري مسيبي ) رئيس شركة ( بيفندا يونيفرسال ) وهو متجه إلي الولايات المتحدة. غير أن للحالة وجهاً آخر يتمثل في أزمة مؤسساتية تعيشها فرنسا منذ سنوات بدأت منذ بداية الجمهورية الخامسة وهي أزمة تضرب في عمق المؤسسات الدستورية الفرنسية وليست مجرد خلل في آلياتها ويؤكد (إيف ميني) بلهجة تكاد تكون يائسة أن الشروط المسبقة لأزمة سياسية ومؤسساتية تجمعت كلها، ولا يمكن تجنبها إلا بمعجزة. بل إنه يتحدث عما اسماه الموت المزدوج للجمهورية الخامسة، معتبراً أن (لوبان) هو الوحيد المنتصر وسط الأطلال التي خلفها زلزال الحادي والعشرين من أبريل الماضي، وأن الأسوأ لم يحل بعد فهو آت مع الانتخابات التشريعية، ويعتبر (ميني) أن نتائج انتخابات الحادي والعشرين من شهر أبريل كانت رصاصة الرحمة التي قضت علي ما تبقى من مكسب الجمهورية الخامسة الأساسيين وهما: إسهام الجنرال شارل دوغول في نظام سياسي عمل رغم عيوبة العديدة وفق منطق رئاسي قبلة وواصلة (فرنسوا ميتران)، وإعادة الهيكلة السياسية والحزبية والأيديولوجية التي واكبت التجديد المؤسساتي وتفاعلت معه، المراقبون يتشائمون من الانتخابات التشريعية المقبلة مهما كانت نتائجها، فإذا حصل اليمين المعتدل بزعامة شيراك علي الأغلبية البرلمانية يكون ذلك إيذاناً بتداعي فرنسا اليسارية الليبرالية ومؤشراً علي تسريع الهرولة يميناً مما قد يشجع علي تعزيز اليمين المتطرف، أما إذا تمخضت الانتخابات عن أغلبية يسارية كما هو الحال الآن فإن وضع التعايش أو المساكنة سيتكرر مرة أخري برئيس جمهورية يميني ورئيس حكومة يساري وهو وضع أصاب النظام السياسي بالشلل أكثر من مرة، فقد تعايش الرئيس الفرنسي الراحل ( فرنسو ميتران ) مع رئيس حكومته آنذاك اليميني (جاك شيراك) بين عامي 86 و 88، كما تعايش ( ميتران ) بعدها مع رئيس حكومته اليميني أيضاً (إدوار بالادور) بين عامي 93 و 95 قبل أن يتكرر الأمر مرة ثالثة بتعايش طويل بين (جاك شيراك) نفسه ورئيس حكومته (اليونيل جوسبان) منذ 97 حتى اليوم.

لم يفكر الجينرال دوغول وأنصاره عندما شكلوا دستور الجمهورية الخامسة في مساوي احتمال التعايش، حيث يتحدث خصمان سياسيان باسم فرنسا، فالهدف كان منع المؤسسة الرئاسية سلطات أوسع تمكن الرئيس من تنفيذ برنامجه الأنتخابي باعتباره صاحب أقوى شرعية في البلاد، شرعيته مكتسبة بالاقتراع الشعبي المباشر وتستمر 7 سنوات، مقابل شرعية جمعية وطنية عريقة لكنها أقصر عمراً إذ تدوم 5 سنوات وتتشكل من شرعيات مجزئة بعدد أفرادها 577، وهكذا وفي ظل مؤسسة تنفيذية منقسمة وبرلمان قليل الفعالية ونظام انتخابي مرتبك وظاهرة حزبية متشذرة وشعب متغطرس لكنه مفتقر إلي الثقة بذاته وبمستقبله أمام عالم يزداد انفتاحاً علي الهيمنة الثقافية الانجلوسكسونية يبدو فعلاً أن الفرنسيين في حاجة إلي معجزة لاستعادة توازنهم عبر مصالحة مع الذات أولاً ومع الآخر ثانياً، وعبر إصلاح جذري للخلل الذي يعطل قاطرة المؤسسة السياسية الفرنسية .

مالك التريكي: إذن يعاني النظام السياسي الفرنسي من أزمة حادة بلغت بالبعض حد القول بأن هذا النظام ربما يستنفذ أغراضه إذا استمر الناخبون في إيقاع الجهورية في شرك المساكنة، وذلك باختيار رئيس من لون سياسي وأغلبية برلمانية تنبثق عنها حكومة من لون سياسي آخر. لبحث قضية أزمة النظام السياسي الفرنسي أجرى برنامج ( قضايا الساعة ) حواراً مع (المحلل السياسي والأستاذ الجامعي في باريس) دانييل بن سعيد. حيث تعلق السؤال الأول بما إذا كان الجهد التعبوي المشهود من أجل إنقاذ الديمقراطية في الانتخابات الرئاسية إن كان له من معني إذا لم تتوحد أغلبية الناخبين مرة أخري في الانتخابات التشريعية الشهر القادم حول غاية أساسية هي إنقاذ الجهورية هذه المرة بمنح الرئيس الأغلبية اللازمة لممارسة الحكم.

دانييل بن سعيد: نعم، من وجهة نظري الأمر يمثل مأزقاً فعلاً، فمؤسسات الجمهورية الخامسة والدور المنوط برئيس الجمهورية بحاجة إلي المراجعة، وهذه الانتخابات تتميز بشكل خاص بأنها تفرض التوحد من أجل إفشال مرشح يمثل خطراً علي الحريات الفردية ذو مرشح عنصري وحاقد علي الأجانب، وستكون الدورة الثانية للانتخابات فرصة (لشيراك) لتحقيق فوز ساحق وهو ما حاول استغلالة بشكل ديماجولي عندما قال: إن فوزه في هذه الانتخابات الرئاسية لا يكتمل إلا بفوز أنصاره في الانتخابات البرلمانية، وقد تكون المساكنة بين اليمين واليسار قد زادت هذه الأزمة تعقيداً.

مالك التريكي: هذه الأزمة في النظام السياسي أستاذ دانييل بن سعيد تمس كل السلطات السياسية، تمس المنصب الرئاسي، تمس المنصب الحكومي، وتمس الوظيفة البرلمانية، حيث أن البرلمان لم يعد يقدر علي مراقبة الحكومة بسبب المساكنة، أليس من المنطقي للرئيس شيراك أن يُنادي بتمكينه من الأغلبية اللازمة للحفاظ علي روح دستور الجمهورية الخامسة، أليس هذا منطقياً؟

دانييل بن سعيد: من الناحية المنطقية يمكن للرئيس أن يُطالب بأغلبية رئاسية، لكن هذه الأزمة لا ينقص من هنالك شيئاً، وهي أزمة لها جذورها في نظامنا السياسي، فهناك نوع من الطلاق ونوع من القطيعة بين مختلف المؤسسات التي تشكل نظامنا الجمهوري، بل إن هناك أيضاً نوعاً من القطيعة بين الناخبين وبين الحاكمين، وتجسد ذلك بشكل واضح في السنوات الأخيرة، وظهر من خلال التجارب من خلال الـ20 سنة الماضية التي لم يمثل فيها الناخبون ولم يستجيبوا بشكل واضح لتطلعات الناخبين، وأنا أعتقد إننا اليوم بحاجة إلي إعادة التوازن لمؤسساتنا الدستورية.

أسباب استشراء الفساد في فرنسا

مالك التريكي: هذه الأزمة البنيوية عبرتم عنها الآن بانعدام الثقة بين الناخبين والحاكمين أو القطيعة بينهما، أليس من أهم مظاهر هذه القطيعة أن هنالك استشراءً كبيراً للفساد في كل الطبقة السياسية يمينها ويسارها؟

دانييل بن سعيد: الرشوة والفساد، الفساد منتشر في فرنسا ويمكن أيضاً أن نقول: إنها منتشرة بشكل خاص في مصالح الدولة والمصالح العامة، فهناك أيضًا انحطاط في القيم وفي الأخلاق، لوحظ خلال السنوات الأخير، لكن الفساد والفضائح التي نراها حُل بعضها على المستوى القضائي، لكن المشكلة إنها مشكلة أخلاقية تمس ديناميكيتنا الاجتماعية، وتمس رؤيتنا ونظرتنا إلى الشيء العام، وقدرتنا على التسيير.

مالك التريكي: هنالك مسألة أخرى ربما تكون من أسباب استشراء الفاسد هو أن الطبقة السياسية الفرنسية كلها بجميع اتجاهاتها متخرجة من نفس المدرسة تقريباً التي هي المدرسة الوطنية للإدارة (لينا)، هذه طبقة لها مصالح ربما تتجاوز المصالح الحزبية، أي أنها تقطع الطريق على الاختلافات الحزبية، لأنها مصالح طبقة واحدة حسب.. حسب ما يقول (تروتسكي) الذي كان ينتمي إلى حزبه (جوسبان) رئيس الوزراء الخارج من..من الحكومة الآن.

دانييل بن سعيد: طبعًا عندما أقول إن هناك قطيعة فمعني ذلك إن الوسط السياسي وسط فاسد، وقد تحدث الكثير من علماء الاجتماع وتحدث الكثير من الباحثين عن هذا الفساد المستشري في الطبقة السياسية بمختلف فئاتها وتوجهاتها، ولذلك الكثير لا يرون فرقًا كبيرًا بين (جوسبان) وبين (شيراك)، وأنتم ترون إنه من الواضح الآن أن خمسة ملايين فرنسي قد صوتوا لصالح اليمين المتطرف، وهذا دليل على الأزمة، ودليل على استشراء الأزمة التي تعتبر الرشوة والفساد أحد مظاهرها، وهذا الفساد مستشري حتى في الأوساط الشعبية التي لم تعي بعض.. بعد حق الوعي لهذه المشكلة، حتى نرى أن.. أن الخطاب المتعلق بالمهاجرين والخطاب المتعلق بالفقر خطاب يتسم بالديموجية في الكثير من نواحية سواء تعلق الأمر باليمين أو باليسار، و..

مالك التريكي [مقاطعاً]: من مفارقات.. أستاذ دنييل بن سعيد من مفارقات هذه الانتخابات أن الرئيس (شيراك) مدعو الآن إلى أن يكون منقذ قيم الجمهورية، هو الآن ذُكر اسمه في ما لا يقل عن سبعة تحقيقات في قضايا الفساد، هل تعتبرون أنه مرشح للدفاع عن القيم الجمهورية التي كانت مهددة بسبب اليمين المتطرف؟

دانييل بن سعيد: لا لا لا إطلاقاً، لا أعتقد إن (شيراك) مؤهل للدفاع عن قيم الجمهورية وهذا مظهر عن مظاهر أزمة مؤسساتنا السياسية، على كل حال الناس.. المواطن الفرنسي اليوم يصوت (لشيراك) لأنه يمثل أخف الضررين، لكنه لا يمثل بحال من الأحوال تشييداً لتطلع الشعب الفرنسي والمواطن الفرنسي الرأي

مالك التريكي: اليسار.. اليسار يتحمل مسؤولية الأستاذ دانييل بن سعيد، ليس اليمين فقط، اليسار يتحمل مسؤولية، حيث أن السنوات الخمس الماضية التي حكم فيها (جوسبان) بينت أن اليسار يستطيع أن يحكم ربما بقدر من النزاهة، ولكنه لا يعالج المشكلات الأساسية للمجتمع، المشكلات البنيوية الهيكلية للمجتمع الفرنسي لاتزال قائمة.

دانييل بن سعيد: لا لا لا، على كل حال أنا متفق معكم فالدساتير التي تم الاتفاق عليها والقضايا التي تمت إثارتها قضايا تتعلق بأمور كثيرة منها الهجرة، ومنها الاصلاحات الاجتماعية المختلفة، وهذه أمور تختلف عليها مختلف الأحزاب السياسية، لكن برنامج الحزب الاشتراكي وبرنامج الأحزاب اليسارية بشكل عام لها ميزة بالنسبة لبرامج الأحزاب الأخرى، وهذا لا يعني إنني أنفي وجود الأزمة التي أشرت إليها، لكنه ينبغي ألا نغفل المشاكل الكبرى التي نواجهها اليوم، والتي تجعل التنافس السياسي محصورًا بين أشخاص محددين من بين الكثير من يتطلعون إلى لعب دور أساسي في حياتنا العامة في فرنسا، ونحن الآن نلاحظ أن جميع المرشحين يهمشون الشباب خاصة الشباب المنحدر من أصل مغاربي، وهذا مظهر من مظاهر الأزمة وهو من الأمور التي تدعو إلى انتشار الجريمة، إذن هناك أزمة سياسية وأزمة أخلاقية يعيش فيها الحزبان الكبيران في فرنسا.

مالك التريكي: بداية الانحدار، على هذه الخلفية التشاؤمية العامة جرت الحملة الانتخابية في فرنسا، اليسار يتهم (شيراك) بأن لديه رؤية قاتمة تكاد تكون أفولية عن فرنسا ومستقبلها، و(شيراك) يتهم بأن عهد اليسار في الحكم هو عهد الانحدار المنذر بالسقوط، العهد الذي أصبح فيه أداء فرنسا كارثيًا قياسًا حتى بصغيرات الأمم الأوروبية، فهل هي مجرد حالة سيكولوجية جماعية أم أنها البداية الفعلية لأفول فرنسا كقوة سياسية واقتصادية؟

[فاصل إعلاني]

أشكال الانحدار الوطني الفرنسي

مالك التريكي: يعتقد الفرنسيون أن التاريخ قد انتدب بلدهم لمصير لا نظير له، وأن ثقافتهم قد بؤتهم مكانة فريدة بين الأمم، ولهذا فإن لديهم رادارات استشعار مبكر لكل ما يمكن أن يُفسر ولو من بعيد على أنه من نُذر الوهن أو ذهاب الهمة، وهكذا فإن الأمة التي سبق لها أن نعمت بما سُمى بالثلاثين المجيدة، أى بعقود التألق الاقتصادي والاستقلالية السياسية من نهاية الحرب العالمية الثانية حتى منتصف السبعينيات قد مرت بعدها بفترة اختار بعض الاقتصاديين تسميتها بالثلاثين البائسة، ويبدو أن هذه الفترة التي ما زال في عمرها بضعة أعوام قد أفضت تدريجيًا لعهد جديد أصبح كثير من الساسة والمثقفين يسمونه الآن عهد بداية الانحدار. حول قضية الانحدار الوطني الفرنسي أجرى برنامج (قضايا الساعة) حوارًا مع (الأستاذ الجامعي في باريس والكاتب في مجلة لوموند دبلوماتيك) جيلبير الأشقر، حيث تعلق السؤال الأول بما إذا كان من الصحيح أن التفويض الممنوح للرئيس في السنوات الخمس القادمة سيكون تفويضًا منقوصًا بسبب تجنبه الخوض الجاد والصريح في الأسباب الحقيقية لهذا الانحدار.

جيلبير الأشقر: يعني بحسب شو المقصود بالانحدار، يعني إذا المقصود بالانحدار سمعة فرنسا من حيث مؤسساتها الداخلية، فواضح إنه الأزمة الحالية تنعكس على .. على الدور الفرنسي، لكن إذا نظرنا لمثلاً الولايات المتحدة الأميركية، لا شك إنه اللي حصل حول انتخاب (جورج دبيلو بوش) كان أزمة بعد أشد في المؤسسات يعني من ناحية ما مما يجري في فرنسا حاليًا، ولكن هايدا لم ينقص من وزن الولايات المتحدة ودورها، لا بل رأينا بعد 11 أيلول، 11 سبتمبر كيف هالدور يعني أصبح أكثر يعني تثبيتًا في الوضع العالمي، فباتصور إنه الموضوع الأساسي هو يعني دور فرنسا ودور أوروبا بشكل عام في.. في الوضع العالمي الحالي.

مالك التريكي: الانحدار المقصود حسب الخطاب السياسي المتداول حاليًا في فرنسا، واليمين واليسار يتحدث عنه، الانحدار هنا سواء (شيراك) أم (جوسبان)، (جون بيرشيفا نمو) كلهم يتحدثون على الانحدار المقصود به الانحدار في الدور السياسي أوروبيًا ودوليًا والانحدار، الاقتصادي، ربما نأتي على الاقتصاد في مرحلة لاحقة، لكن الدور السياسي أوروبيًا بدأت فرنسا تحس أن التكافؤ بينها وبين ألمانيا بدأ يتراجع وأن ألمانيا أقوى منها سياسيًا الآن، دوليًا لم يعد لفرنسا ذلك الأشعاع حتى في منطقة معتبرة قريبة منها هي الشرق الأوسط، هذا هو المقصود.

جيلبير الأشقر: يعني بأتصور إنه المشكلة الأساسية مش.. مش هي دور فرنسا تجاه مثلاً ألمانيا بقدر ما ضُعف الدور الفرنسي في محاولة لعب أو دفع سياسة مستقلة على الصعيد الأوروبي في وجه سواءً ألمانيا أو بريطانيا أو إيطاليا أو أسبانيا بحكوماتها الحالية، يعني فيه انعزال نسبي بالمحاولات الفرنسية في الإبقاء على شيء ما من.. من دور مستقل لأوروبا في الوضع العالمي، هذا هو الموضوع في رأيي الأساسي فالمشكلة الأساسية هي.. هي الموقف الأوروبي العام، وفي هذا المجال ممكن نقول إنه فرنسا في محاولة لعب هذا الدور تراجعت هي بالذات كثيرًا يعني، الرئيس الفرنسي الحالي رئيس ينتمي بالاسم إلى الديجولية كتراث.

مالك التريكي: فيه رأي يقول إن المشكلة ليست في الشخصيات السياسية، هو أن الحلم الديجولي باستمرار الاستقلالية ايزاء الولايات المتحدة عامة وبالحفاظ على ما يُسمى بمكانة فرنسا بين الأمم أمر مستحيل الآن في ظل التغيرات الاستراتيجية والعولمة، المشكلة بنيوية وليس.. ولا تتعلق بشخص حتى لو كان غير (شيراك) ربما.. ربما لا يستطيع أن يحقق هذا الهدف الآن.

جيلبير الأشقر: ممكن يعني برأيي الوجهين صحيحين، يعني أكيد فيه عوامل بنيوية أساسية، والعامل البنيوي الأساسي هو انهيار الاتحاد السوفيتي بكل وضوح، يعني وجود الاتحاد السوفيتي ووجود ما يسمى بيعني ازدواجية القطبين، يعني على الصعيد العالمي كان يؤدي إلى نوع من التوازن بين القوى العظمى ويفسح يعني مجال.. هناك مجال من..يعني هامش من المناورة ومن الاستقلالية ليس فقط أمام دول كفرنسا، بل أيضًا أمام دول العالم الثالث، ورأينا مثلاً حركة عدم الانحياز منذ منتصف الخمسينات أو منذ.. في الستينات يعني تعبر عن هذا الهامش أو استغلال هذا الهامش القائم من الاستقلالية في المناورة بين القطبين، وواضح إنه انهيار أحد القطبين وبقاء قطب واحد ودخولنا في امبراطورية وحيدة القطب على الصعيد العالمي كما نحن يعني نشهد اليوم يعني ضيق الهامش القائم، لكن من جهة أخرى إذا بننظر للوزن الاقتصادي لأوروبا، للاتحاد الأوروبي في.. في المجال العالمي واضح إنه ليس هناك من دور سياسي يتناسب مع هذا الدور أو الوزن الاقتصادي، من هذا.. من هذه الناحية يعني طبعًا أوروبا في درجة أحسن شوية من اليابان، لأن اليابان معروف إنه كان هي طبعًا حاليًا اليابان في أزمة عميقة، لكن اليابان كان عملاق اقتصادي وقزم سياسي يعني، وإلى حدٍ ما يعني أوروبا تقزم نفسها سياسيًا في.. في تذيلها المستمر تجاه الولايات المتحدة، وهنا مشكلة إرادة سياسية، ومشكلة طقم.. طاقم سياسي على الصعيد الأوروبي والفرنسي وليست فقط مسألة بنيوية.

مالك التريكي: ما تخشاه فرنسا الآن أن ما يسمى بالانحدار سواءً أن المسألة واقعية أم سيكولوجية ما يُسمى بالانحدار له مظهر اقتصادي أيضاً، فإحصائيات المفوضية الأوروبية أخيراً بينت أن معدل الدخل الفردي في فرنسا – الذي كان من أعلى المعدلات في أوروبا- تراجع إلى الدرجة الثانية عشرة، لم يبق وراء فرنسا إلا اليونان والبرتغال وأسبانيا، وقد أصاب ذلك الطبقة السياسية كلها بالذعر.

جيلبير الأشقر: كما.. نعلم يعني إنه في العلاقات الدولية المهم مش الدخل الفردي، المهم الوزن الاقتصادي العام، يعني الناتج القومي أو المحلي العام، وإلا لو ننظر من حيث الدخل الفردي فلازم تكون الصين يعني من يعني دولة إلها دور أقل من.. من سويسرا مثلاً، وواضح إنه الوضع مش هيك يعني، ففرنسا.. سواءً فرنسا يعني دور فرنسا لا يزال.. يعني لا تزال فرنسا إحدى أهم الدول أولاً أهم الدول.. إحدى أهم الدول في الاتحاد الأوروبي والعامل الآخر يعني غير الاقتصاد هو العامل العسكري ومن حيث القوة العسكرية لا تزال فرنسا يعني تُعد بين أهم القوى عسكريًا على الصعيد العالمي من حيث الميزانية وحجم الجيش.

مالك التريكي: وبهذا سيداتي سادتي تبلغ حلقة اليوم من (قضايا الساعة) تمامها. دمتم في أمان الله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة