جانيس كاربينسكي.. سجن أبو غريب   
الخميس 1426/11/1 هـ - الموافق 1/12/2005 م (آخر تحديث) الساعة 14:27 (مكة المكرمة)، 11:27 (غرينتش)

- القوات الأميركية والأوضاع داخل سجن أبو غريب
- المسؤول عن التعذيب بأبو غريب

- الجنرال ميللر ودوره في التعذيب بأبو غريب



محمد العلمي: مشاهدينا مرحبا بكم في لقاء اليوم، ضيفتنا الجنرال جانيس كاربينسكي، الجنرال المسؤولة عن أبو غريب أيام فضيحة التعذيب، الجنرال كاربينسكي كانت أكبر مسؤول عسكري أميركي يدفع ثمن الفضيحة وخُفضَت رتبتها العسكرية من جنرال إلى عقيد، جنرال مرحبا بك في هذا البرنامج.

جانيس كاربينسكي- المسؤولة السابقة عن سجن أبو غريب: شكرا جزيلا.

محمد العلمي: شكرا، لو بدأنا جنرال بأحد العناوين، هل فوجئتِ وكيف شعرتِ حينما سمعتِ أن وكالة المخابرات المركزية تشرف على شبكة واسعة من السجون السرية؟ وهل تعتقدين حسب معلوماتك كما يعتقد البعض أن عملية تعذيب تجري في هذه السجون كما جرى في أبو غريب؟

جانيس كاربينسكي: كل ما يمكنني قوله هو أنني أطّلعت على التقرير في الوقت نفسه الذي أطّلعت عليه أنت، بالتأكيد لم يكن لدي علم بوجود هذه السجون في أي مكان من العالم ولكن من المحتمل أن تكون هذه العمليات مشروعة كالاحتفاظ بهؤلاء الناس الذين قدّموا معلومات بهدف حمايتهم ولكننا حينما نسمع عن سجون سرية ولأننا لا نتوصل إلى الحقيقة إلا في وقت متأخر فإننا نستخلص تلقائيا من وجود التعذيب وإهانة المعتقلين بشكل سري ولكن من المحتمل أن يكون كل ذلك غير صحيح.

القوات الأميركية والأوضاع داخل سجن أبو غريب

محمد العلمي: جنرال لو انتقلنا إلى العراق.. أبو غريب، كيف انتهى بكِ المطاف على رأس أبو غريب وسجون عراقية أخرى؟

جانيس كاربينسكي: لم يسبق لوحدة عسكرية أن أشرفت على سجن مدني ولكن بما أن نظام السجون كان منهارا، كانوا بحاجة لوحدات عسكرية ولترميم السجن حتى يصبح صالح لإيواء بعض المجرمين العراقيين، رغم أن هذا لم يكن جزء من مهمتنا، لم يكن الجنود مؤهلين، فأوكلوا المهمة لوحدة من الشرطة العسكرية وفتحنا بالفعل سبعة عشر سجنا في العراق وذلك لإيواء المجرمين العراقيين.

محمد العلمي: بالنسبة لأبو غريب تحديدا، ألم يقل أحد لا نستعمل هذا السجن، في نهاية المطاف هذا السجن ارتبط اسمه بالتعذيب أيام صدّام حسين؟

"
قرار تحويل سجن أبو غريب إلى مكان للاستجواب لم تتخذه الشرطة العسكرية، إنما اتخذه كل من الجنرال ميللر والجنرال سانشيز القائد العسكري في العراق
"
جانيس كاربينسكي: هذا صحيح لم نرغب في استخدام أبو غريب لمدة أطول من ستين أو تسعين يوما على أبعد تقدير وذلك إلى أن يتم إعداد سجون أخرى حول بغداد لإيواء السجناء، تلقينا أوامر باستخدام أبو غريب كمؤسسة انتقالية لإيواء السجناء غير العنيفين لكي يتم نقلهم بعد ذلك إلى السجون الأخرى بمجرد توفّرها، إن قرار تحويل أبو غريب إلى مكان للاستجواب في العراق لم تتخذه الشرطة العسكرية ولكن الجنرال ميللر والجنرال شانسيز القائد العسكري في العراق هما مَن اتخذا هذا القرار.

محمد العلمي: نسمع دائما من رموز الحكومة الأميركية أن مواثيق جنيف لا تنطبق على معتقل غوانتانامو ولكنها على خلاف ذلك تنطبق على معتقلي الحرب وأسرى الحرب في العراق، ماذا حدث إذاً في أبو غريب؟

جانيس كاربينسكي: لقد التزمنا التزاما كاملا بمواثيق جنيف، ليس مع سجناء الحرب فحسب ولكن عند إعلان انتهاء الحرب في الأول من أيار بدأ إطلاق سراح الأسرى وكان لدينا عدد صغير منهم، كان لدينا بضع مئات من السجناء مع بداية مهمتنا الجديدة وكانت الأوامر تقضي باحترام مواثيق جنيف وهو ما فعله رجال الشرطة العسكرية الذين عاملوا السجناء بطريقة إنسانية وباحترام ولكن ما حصل أن مناقشة تمت في مكان ما في واشنطن ربما في البنتاغون أو مستويات أعلى ولم يشعر المشاركون بضرورة وصف الإرهابيين وشركائهم كسجناء وأنهم كانوا في خانة مختلفة من المعتقلين وبالتالي فإن مواثيق جنيف لا تنطبق عليهم، كانت تلك بداية التخلي عن مواثيق جنيف التي أدت في نهاية المطاف إلى ما رأيناه في الصور.

محمد العلمي: على ذكر الصور كيف شعرتِ حينما رأيتِ هذه الصور لأول مرة؟

جانيس كاربينسكي: رأيت الصورة لأول مرة في نهاية يناير من عام 2004، أصبت بالصدمة كباقي العالم حينما رأها لأول مرة، كانت الصدمة أكبر لأنني تعرفت على الجنود في الصور رغم أن بعضهم لم يكن تحت إمرتي مباشرة، إن التعابير التي كانت على وجوههم جعلتني أشعر بألم وشعرت بأن العالم ينهار من حولي، نعم شعرت بهذا حينما رأيت تلك الصور لأول مرة.

محمد العلمي: هل سمعتِ أو توصلتِ بأي إشارة من أي نوع قبل ظهور الصور عن أي عمليات تعذيب سواء من الجنود أو من المعتقلين أنفسهم؟

جانيس كاربينسكي: لم تصل إليّ أي إشارة أو همسة أو كلمة أو تنبيه مكتوب يوحي بضرورة التأكد مما يجري أثناء التحقيق، لأن المحققين لم يكونوا تحت إمرتي، إن عمليات التحقيق الاستخباراتية العسكرية تتم بشكل منفصل تماما عن عملية الاعتقال، يتم الفصل بين العمليتين لأسباب واضحة، لأن الأهداف المتوخاة منهما مختلفة ولكن حينما زاوجوا في أبو غريب بين عمليات الاعتقال والاستجواب بدأت المشاكل في التطور لأنني لم أكن مسؤولة عن زنازين التحقيق والاستجواب، بل في نوفمبر من عام 2003 انتقلت قيادة السجن إلى قائد وحدة الاستخبارات العسكرية.

محمد العلمي: كجنرال المسؤولة الأولى عن المعتقلات ليس في أبو غريب ولكن في العراق كما أشرتِ قبل قليل ألا تعتقدين أنك تتحملين بعض المسؤولية ما دمت المسؤولة الأولى عن المكان؟

جانيس كاربينسكي: كنت مسؤولة عن جميع المؤسسات السجنية ولم تصدر شكاوى من باقي السجون، إذ لم تكن بها عمليات تحقيق، لأن تلك العمليات كانت تتم في أبو غريب لوحده، حيث وقعت المشاكل وبرزت الصور التي التُقطت في عنابر الزنازين الواقعة تحت إشراف رجال الاستخبارات العسكرية، لكنني لا أستطيع أن أقول لك الأسباب التي دفعت بالجنود لانتهاك مواثيق جنيف كما هو واضح في الصور أو لماذا رفضوا تنفيذ التعليمات التي أعطيت لهم لأن الفرصة لم تسنح لي أبدا لسؤالهم وحينما حاولت قيل أن أولئك الجنود ليسوا تحت إمرتكِ ولكن تحت إمرة قائد الاستخبارات العسكرية.

محمد العلمي: ولكن تقولين في كتابك جيش سيدة واحدة في الصفحة أعتقد مائتين وواحد عن بعض أو إحدى المذكرات التي كانت معلقة في السجن تأكدوا من القيام بهذا، هل تذكرين ماذا كان في هذه المذكرة ومَن وقّعها؟

"
المذكرة التي وقع عليها وزير الدفاع الأميركي احتوت على قائمة صغيرة ببعض التقنيات للاستخدام أثناء عمليات الاستجواب، كاستخدام الأكياس لتغطية الرؤوس والأوضاع المؤلمة
"
جانيس كاربينسكي: كانت المذكرة معلقة خارج المكتب الإداري في عنبر واحد قرب المكتب الصغير للشرطة العسكرية داخل السجن وحينما علمت بوجود تحقيق في أبو غريب توجهت إلى السجن مباشرة وتحديدا إلى عنبر واحد، تحدثت مع رجال الشرطة العسكرية المتواجدين هناك وطالبتهم بإعطائي كل الملفات إلا أنهم أبلغوني أن جميع الوثائق صودرت في عملية التحقيق، كانت المذكرة معلقة على عمود خارج المكتب وموقّعة من طرف وزير الدفاع، كانت قائمة صغيرة بالتقنيات التي صادق عليها للاستخدام أثناء عمليات الاستجواب وتتضمن استخدام الأكياس لتغطية الرؤوس، الأوضاع المؤلمة، الموسيقى الصاخبة ليلا وعلى هامش للمذكرة كُتبت عبارة بخط اليد تقول تأكدوا من فعل كل هذا وكانت بنفس الخط الذي استُعمِل في التوقيع.

محمد العلمي: هل تذكرين مَن؟

جانيس كاربينسكي: نعم كان الوزير دونالد رمسفلد.

المسؤول عن التعذيب بأبو غريب


محمد العلمي: تقولين في الكتاب أيضا في الصفحة مائتين وثمانية سأبقى خلال بقية حياتي مؤمنة بأن الجنود في أبو غريب كانوا يتبعون الأوامر حينما أهانوا وعذّبوا المعتقلون، إذاً من المسؤول عن ما حدث في أبو غريب في نظرك؟


جانيس كاربينسكي: قلت دائما إن هؤلاء هم جنودي ولن أتخلى عنهم لأن الجميع تخلى عنهم، أعرف أن هؤلاء الجنود لم يستيقظوا يوما وقرروا تعذيب السجناء، ليندي انغلاند الشابة التي ظهرت في بعض الصور لم تحضر طوق ومِقوَد الكلب معها إلى العراق، أحد ما وفّر تلك المعدات، أعتقد أن الأشخاص الذين حضروا خصيصا إلى أبو غريب بعد زيارة الجنرال ميللر أولئك كانت لهم تجارب في غوانتانامو وأفغانستان، لقد أحضروا تلك التقنيات والمعدات معهم وأمروا هؤلاء الجنود بالقيام بممارسات محددة والتقاط الصور حتى يمكن استخدامها في عمليات استجواب لاحقة، إنني مسؤولة عن كل هؤلاء الجنود الذين عملوا تحت إمرتي، لكن قلت أيضا إن فوقي مسؤولين آخرين ولم يتحمل أحدهم سواء من كبار العسكريين أو المدنيين أي جزء من المسؤولية جراء الصور التي رأيناها.

محمد العلمي: هناك مَن يعتقد كما أشرتِ أن وزير الدفاع دونالد رمسفلد شخصيا وقّع على المذكرة وهناك مَن يعتقد أن وزير العدل حينما كان مستشارا قانونيا في البيت الأبيض أصدر ما يمكن أن يسمى بفتوى تبيح استخدام التعذيب، هل تعتقدِ أن عملية المحاسبة لم تصل إلى المستوى الأعلى الضروري؟

جانيس كاربينسكي: بالتأكيد لم تذهب إلى أعلى بما فيه الكفاية، كانت المعلومات متوافرة لكن لم تعط لنا، نعرف الآن ما حصل لأن المحاكم أمرت برفع السرية عن بعض الوثائق، نعرف أن الوثائق نوقشت على أعلى المستويات في حكومتنا وأتُخذ القرار تحديدا للتعامل بطريقة مختلفة مع الإرهابيين وأن مواثيق جنيف لا تنطبق على الحرب الكونية الجديدة على الإرهاب، هذا هو قرارهم، عليهم أن يقفوا ويتحملوا مسؤوليتهم تجاه تلك القرارات ولماذا اتخذوها، لكن حتى الآن لم نرى شيء من ذلك.

محمد العلمي: جنرال كما أشرنا قبل قليل أول أو أكبر مسؤولة عسكرية تقود الجنود الأميركيين في ساحة المعركة، خمسة وعشرين عاما في خدمة الجيش الأميركي، هل تعتقدين أنك استُخدمتِ كنعجة فداء إن صح التعبير لحماية هؤلاء المسؤولين الكبار هنا في واشنطن؟

جانيس كاربينسكي: أجل أعتقد كانوا جميعا على علم بتلك الصور منذ شهرين على الأقل قبل أن أشاهدها، بل اتخذوا قرارات، حددوا الأشخاص الذين سيتم تحميلهم المسؤولية، اختاروا الجنود السبعة واستخدموني أيضا، على كلٍ في كل مؤسسة عسكرية توجد رُتب بين الجنرال والجنود، لقد تجاهلوا كل ذلك وكل أولئك الناس وأنا بدوري أعمل تحت إمرة الكثير من رؤسائي ولم تتم مُساءلة أي أحد منهم حول معرفتهم بحدوث أمور كهذه.

[فاصل إعلاني]

الجنرال ميللر ودوره في التعذيب بأبو غريب


محمد العلمي: هناك مَن يرى أن الأمور بدأت تتدهور في أبو غريب بعد مجيء الجنرال ميللر الذي أتى بتجربته في غوانتانامو أكيد بأمر من واشنطن ربما لأن الظروف في أبو غريب لم تكن بالقسوة الكافية بالنسبة للمسؤولين هنا في واشنطن، هل توضحين لنا كيف ساءت الأمور بعد مجيء الجنرال ميللر من غوانتانامو إلى أبو غريب؟

"
الجنرال سانشيز أصدر مذكرته التي تسمح باستخدام أساليب أكثر قسوة في التعذيب بما فيها الكلاب، بعدما أبلغه الجنرال ميللر بأن تلك الأساليب كانت فعالة في غوانتانامو
"
جانيس كاربينسكي: أمران مهمان حدثا تقريبا في الوقت نفسه، الأمر الأول هو البدء في العمليات الميدانية التي أدت إلى اعتقال بعض الأشخاص المعينين، في تلك الفترة كانوا يذهبون إلى المكان يعتقلون كل مَن كان متواجدا في الغرفة والأمر الثاني في نفس الفترة تقريبا تم إيفاد الجنرال ميللر وفريقه من غوانتانامو إلى العراق للعمل مع المحققين العسكريين، إذاً ارتفع عدد المعتقلين من جهة وتزامن ذلك مع تعليم الجنرال ميللر وفريقه بقية المحققين لأساليب جديدة في التحقيق وبقي الجنرال ميللر حوالي عشرة أيام، بمجرد رحيله صدرت مذكرة من ثماني صفحات وقّعها الجنرال شانسيز قائد القوات في العراق تسمح بقائمة طويلة بتقنيات الاستجواب، الجنرال ميللر أبلغ على ما يبدو الجنرال شانسيز بذلك إلا أنني لم أكن في الاجتماع ولا أعرف بالضبط ما دار بينهما ولكن في سبتمبر وبعد رحيل ميللر أصدر شانسيز مذكرته التي تسمح باستخدام أساليب أكثر قسوة بما فيها الكلاب، على أن يحصلوا على إذن إذا كانت الكلاب غير مربوطة، الجنرال ميللر أبلغ شانسيز بأن تلك الأساليب في غوانتانامو كانت فعّالة، لقد أحدثت تغييرا جذريا تزامن مع زيارة الجنرال ميللر وبعد أسبوعين تقريبا بدأت أفواج المحققين المدنيين في الوصول إلى أبو غريب، أعرف أننا لم يسبق لنا أبدا في أي حرب سابقة استخدام محققين مدنيين، صحيح أننا نستعين بمترجمين مدنيين إلا أنها كانت المرة الأولى التي استخدمنا فيها محققين مدنيين.

محمد العلمي: هل كانوا عربا كلهم؟

جانيس كاربينسكي: كلا كان معظمهم من العرب الأميركيين ومن الأميركيين الذين كانوا يعيشون في العراق، كانوا جميعا من المتحدثين باللغة العربية، بعضهم كانوا من الأميركيين الذين يعرفون اللغة، جاؤوا للعراق كمتعاقد.

محمد العلمي: بعض الفلسطينيين الذين جربوا السجون الإسرائيلية أعربوا عن الاعتقاد بأن ما لاحظوه من الصور والإهانات الجنسية هي ما جربوه في المعتقلات الإسرائيلية، كنتِ قد أشرتِ في إحدى المقابلات مع الـBBC)) هيئة الإذاعة البريطانية بأنك التقيت مرة في أبو غريب ضابطا أو مواطنا إسرائيليا، ماذا عن.. هل في نظرك تقنية التعذيب تم تعلّمها في السجون أو من المشرفين على السجون الإسرائيلية؟

جانيس كاربينسكي: لا أعرف ولكن سنحت لي الفرصة للالتقاء بشخص قال إنه إسرائيلي وقد فوجئت عندما أخبرني بذلك لسبب بسيط هو أنه كان أمرا يثير الذهول رؤية إسرائيلي في العراق ولا أعرف أين تم تطوير تقنيات التعذيب ولكنني أعرف أنه لم يتم تلقين هذه التقنيات في المدارس العسكرية الأميركية، فالجنود لا يتلقون دروسا في الثقافة العربية لمعرفة ما يهين العرب، لا يعرفون مثلا أن الكلب يسبب إهانة كبيرة كما شاهدنا في الصور، إنهم تعلّموا تلك التقنيات في مكان ما لكنني لا أعرف أين.

محمد العلمي: مؤخرا ربما تابعت أيضا تم إحراق جثتين يُزعم أنهما كانا أعضاء أو عضوين في حركة طالبان، إذاً هذا ما تنقله الصور، هل تخشين من وجود هذه الممارسات على نطاق أوسع مما نتصور وأن ربما غياب الصور عن الانتهاكات الأخرى هي التي تحجب الحقيقة؟

جانيس كاربينسكي: أجل توجد تقارير لجنود عادوا من العراق يخبرون فيها ما شاهدوه في كل العراق، بل وما طُِلب منهم القيام به، لكن لا توجد صور، لا توجد فضائح بكل بساطة لأنه لا توجد صور، شاهدنا جميعا صور احتراق الجثتين وشاهدنا مع الأسف التأثير النفسي لتلك الصور واستغلال الجنود لها، كما شاهدنا أمورا تبعث على التقزز، لكن الفرق هنا هو أن قائد القوات في أفغانستان توجّه فورا إلى وسائل الإعلام وقال إننا شاهدنا الصور وإن هذا أمر غير مقبول وتصرف مشين لا ندعمه، على خلاف ما حدث في العراق، حيث تم الإطّلاع على الصور وبعد ذلك حاولوا التكتم بل التستر عليها ولكن حينما كُشف النقاب عن الصور بعد أربعة أو خمسة أشهر شعر الناس بالغضب الشديد بعد إطّلاعهم طبعا على الانتهاكات، لهذا أعتقد أنه كان علينا أن نتوجه إلى الإعلام فورا، بل كان علينا التركيز على الأمور الإيجابية التي قمنا بها، الشعور بالغضب مرده لكون الصور كانت بحوزة هؤلاء الناس ولم يُطلِعوا العالم عليها بأجمعه.

محمد العلمي: هل تشعرين ببعض المسؤولية لأنكِ أكدتِ أنكِ ساهمتِ في إخفاء ما يسمى بالسجناء الأشباح عن منظمة الصليب الأحمر الدولي في سجن أبو غريب؟

جانيس كاربينسكي: علينا هنا مرة أخرى أن نحتاط في استعمال الكلمات، لأننا عندما نُؤمر من طرف البنتاغون كتابيا بالاحتفاظ بأحد الأشخاص يتم تحديد ذلك الشخص بشكل واضح.

محمد العلمي: مَن في البنتاغون تحديدا أمر بذلك؟

"
قيل لنا إن الأوامر التي نتلقاها صادرة من البنتاغون أو من رمسفيلد، إلا أنهم لم يبلغونا قط أن عدم إدخال اسم أحد السجناء في سجلات المعتقل يعد خرقا لميثاق جنيف
"
جانيس كاربينسكي: كان الأمر يأتي عادة من أحد الأشخاص من مركز العمليات، لأننا كنا نُصر على معرفة مَن يُصدر الأوامر، قيل لنا في وقت لاحق إن الأوامر صادرة من البنتاغون أو من واشنطن أو من دونالد رمسفلد ويكون محتوى الرسالة هو نقل أحد المعتقلين إلى إشراف فرقة الشرطة العسكرية ويتم الاحتفاظ بذلك الشخص حتى إشعار آخر، إلا أنهم لم يبلغونا قط أن عدم إدخال اسم أحد السجناء في سجلات المعتقل يُعد خرقا لميثاق جنيف، لأن الاحتفاظ بأحد المخبرين خوفا على سلامته لا يوجد اسمه بالضرورة في السجلات، لهذا كانوا يختارون كلماتهم بعناية فائقة حتى لا يظهر وكأنهم ينتهكون ميثاق جنيف.

محمد العلمي: ما الذي صدمكِ أكثر من غيره في تجربتكِ في العراق؟

جانيس كاربينسكي: ما صدمني أكثر حينما رأيت أوضاع السجون، كانوا يريدون منا إعادة بناءها بنهاية يوليو ولكن حينما اطّلعنا على تلك السجون لأول مرة وأبلِغنا بضرورة ترميمها خلال تسعين يوما قلت إن هذا أمر مستحيل، لأن إعادة بناء بعضها قد يستغرق سنوات، صدمتني أيضا في بعض تلك المواقع سلوكيات بعض المتعاقدين المدنيين الذين كانوا يعملون في مقر السفير بول بريمر، لم تكن هناك معدات ملائمة أو التدريب الملائم ليس لوحدة الشرطة العسكرية فحسب بل أيضا لم يكن بعض الجنود يملكون فكرة واضحة عن مدة خدمتهم أو ما يسعون لتحقيقه هناك.

محمد العلمي: وماذا عن ادعاء كبار المسؤولين الأميركيين أن ما حدث في أبو غريب سلوك استثنائي لبعض الجنود في وردية الليل بدون مراقبة؟

جانيس كاربينسكي: حاولوا إقناع الجميع بأن الأمر يتعلق بسبعة جنود خارجين عن السيطرة، لكن في صورة واحدة فقط ظهر اثنان وثلاثون حذاء عسكريا فضلا عن بعض الأرجل الحافية، لكن عدد الأحذية العسكرية يعني وجود ستة عشر جنديا في تلك الصورة وبالإضافة إلى الشخصين تم تعريفهما كمدنيين بقي عدد من الجنود خارج المحاسبة والمسؤولية، علمنا فيما بعد عن سقوط قتلى خلال عمليات التحقيق في أفغانستان، نعلم أيضا عما حدث في غوانتانامو، كما نعرف عن عمليات انتهاك حدثت في أماكن أخرى من العراق، إذاً لا يمكن القول إن الأمر يتعلق فقط بسبعة جنود سيئين في وردية الليل، هذا لا يُصدَق.

محمد العلمي: إذاً جنرال هذا يقودني إلى هذا السؤال، كما أشرتِ قبل قليل هؤلاء الجنود لم يتعلموا أساليب التعذيب هذه في مدارس التكوين الأميركية، من أين جاؤوا كل هذا؟

جانيس كاربينسكي: علينا أن نتذكر أن الشرطة العسكرية لا تقوم بالتحقيق وما رأينا في الصور لا يُعد تحقيقا، لقد تم تهيئ الظروف لأخذ تلك الصور لهدف محدد، لاستخدامها لاحقا، إن جنود الوحدات الاستخباراتية يتلقون تدريبا يستمر لعام كامل تقريبا حول أفضل السُبِل للاستجواب وإطلاق الرهائن وغير ذلك، لكن الأشخاص الذين جاؤوا من غوانتانامو أو أفغانستان وكان معظمهم من المدنيين لم تكن لهم أدنى تجربة أو خبرة عسكرية في الاستجواب، لا أعرف أين تلقوا تدريبهم غير ما تلقوه أثناء القيام بعمليات الاستجواب.

محمد العلمي: جنرال لو يشاهدنا الآن معتقلون سابقون في أبو غريب أو بعض أقاربهم ماذا تقول الجنرال جانيس كاربينسكي لهؤلاء؟

جانيس كاربينسكي: سأقول لهم ضعوا ثقتكم في قوة التحالف وفي الجنود الذين سيفعلون ما هو ملائم وأن أحباءكم سيعامَلون بعدل وإنسانية، إنني أعتذر لكل ما رأيتموه في الصور الملتقطة في أبو غريب وأقول ركزوا بدلا على ما هو أفضل لبلدكم وعلى الأمور الإيجابية التي حققناها معا وطالِبوا دائما بالحقيقة، لأن الحقيقة جزء من الديمقراطية.

محمد العلمي: ولكن هل يمكنهم أن يثقوا في المسؤولين الكبار هنا في واشنطن الذين باركوا وأصدروا القرارات من أجل المصادقة على هذه السلوكيات في أبو غريب في غوانتانامو وغيرها؟

جانيس كاربينسكي: تذكر.. لقد صدرت التعليمات قبل بضع سنوات، أي في أعقاب الحادي عشر من سبتمبر وهي كانت كرد فعل على الرعب من الإرهاب، الآن نحن في عام 2005 في وضع مختلف، هذا لا يعني أننا قضينا على الإرهاب لكن الشعب الأميركي وشعوب العالم تطالِب بالحقيقة وبأجوبة على ما يطرحونه من أسئلة على كبار مسؤوليها مُطالبين إياهم بالكشف عن القصة كاملة وذلك لكي نتمكن من تطوير الثقة بيننا من جديد.

محمد العلمي: شكرا جزيلا مرة أخرى جنرال وشكرا لكم مشاهدينا، ضيفتنا كانت الجنرال جانيس كاربينسكي المسؤولة العسكرية الأولى سابقا عن سجن أبو غريب وأكبر مسؤولة عسكرية أميركية تدفع ثمن فضيحة سجن أبو غريب، حتى لقاء آخر هذا محمد العلمي يستودعكم الله من واشنطن وإلى لقاء جديد.


جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة