تداعيات انتقادات بابا الفاتيكان للإسلام   
الأحد 1427/8/24 هـ - الموافق 17/9/2006 م (آخر تحديث) الساعة 14:31 (مكة المكرمة)، 11:31 (غرينتش)

- أسباب تصريحات البابا
- أثر التصريحات على الحوار الإسلامي المسيحي


محمد كريشان: السلام عليكم، نتوقف في هذه الحلقة عند تصريحات بابا الفاتيكان التي قال فيها إن العقيدة في الإسلام تقوم على أساس أن إرادة الله لا تخضع لمحاكمة العقل أو المنطق ولمَّح فيها إلى أن الإسلام انتشر عن طريق السيف وليس الإقناع ونطرح تساؤلين اثنين، ما الذي دفع بابا الفاتيكان لإطلاق هذه المقولات عن الديانة الإسلامية؟ وكيف سيكون أثر ما قاله البابا على مستقبل العلاقة بين الإسلام والمسيحية؟

قال بابا الفاتيكان بنيديكت السادس عشر في محاضرة ألقاها خلال زيارته إلى ألمانيا إن العقيدة في الإسلام تقوم على أساس أن إرادة الله لا تخضع لمحاكمة العقل أو المنطق ولم يكتفِ البابا بهذه المقولة التي يبدو أنها ستكون مقدمة لجدل طويل بل اقتبس مقتطفا من كتاب إمبراطورٍ بيزنطي يدَّعي فيه ذلك الإمبراطور بأن محمد عليه الصلاة والسلام لم يأت إلا بما هو سيئ وغير إنساني كأمره بنشر الإسلام بحد السيف.

أسباب تصريحات البابا

[تقرير مسجل]

أكثم سليمان: الجدل ما يزال محتدما حول مقاصد بابا الفاتيكان عندما تطرق مؤخرا في محاضرة في جامعة ريغينز بورج إلى ما اعتبره البعض مقارنة بين المسيحية والإسلام، بنيديكت السادس عشر تناول في المحاضرة جدلية العلم والإيمان لكن استشهاده بكتاب من القرن الرابع عشر ينتقد فيه الإمبراطور مانويل الثاني الدين الإسلامي ورسوله والجهاد جعل الأنظار تتركز على رؤية البابا للإسلام رغم أن انتقاده الأول كان للعلمانية.

[شريط مسجل]

بنيديكت السادس عشر: العقل الذي يصم أذنيه عن وجود الله ويضع الدين في خانة الثقافات الهامشية هو عقل غير قادر على إدارة حوار الحضارات.

أكثم سليمان: تصريح ضاع في خضم الجدل حول ما اعتُبر انتقادا للإسلام وضاعت معه مواقف برز فيها الفاتيكان كمعارضتها للحرب على العراق ورفضه للإساءة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم إبان أزمة الرسوم الكاريكاتيرية في الدانمارك، لكن السؤال يبقى قائما داخل الكنيسة وخارجها عن ما دفع البابا إلى نبش الكتب القديمة.

آنيا ميدلبيك فارفيك – كلية علم اللاهوت – جامعة برلين: عندما يتحدث البابا عن الجهاد في وقت تسود فيه صورة أحادية في وسائل الإعلام عن الدين الإسلامي فإنني لا أرى ضرورة للعودة إلى مخلفات القرن الرابع عشر المليئة بالصور السلبية.

أكثم سليمان: جسور الحوار والتواصل بين الأديان لم تتعزز بالتأكيد في بحر التصريحات والتداعيات، منتقدو البابا من داخل الكنيسة يشيرون إلى أهمية مراعاة حساسيات الآخرين وضرورة الالتفات إلى انفضاض الأتباع عن الكنيسة بدلا من الدخول في نقاشات نظرية لا تفيد.

مشارك أول: لا أدري إن كان من حق الكنيسة الكاثوليكية تحديد الدين الأفضل أو الواجب اتباعه.

مشارك ثاني: لو كنت عالم دين ودرست الأديان لعشر سنوات فلربما وجدت فروقا لكن الأديان برأيي متشابهة.

أكثم سليمان: فالدين، أي دين برأي رجل الشارع في أوروبا هو في نهاية الأمر خارطة طريق لمَن شاء، قال، قصد، قرأ من كتاب، فُهِم أم أسيء فهمه، الأكيد أن للحديث بقية وأن زيارة البابا القادمة إلى تركيا ستكتسب على خلفية تطورات الأخيرة أهمية إضافية، أكثم سليمان، الجزيرة، برلين.

محمد كريشان: ومعنا في هذه الحلقة من القدس الشرقية رئيس قسم الدراسات الدينية في جامعة بيت لحم الأب الدكتور جمال خضر ومن القاهرة رئيس جامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية بولاية فرجينيا الأميركية الدكتور طه جابر العلواني، أهلا بضيفينا، نبدأ من القدس والأب الدكتور جمال خضر، دكتور البعض يعتبر ما قاله البابا هو تعبير عن توجهاته الفكرية على عكس البابا يوحنا بولس الثاني الذي كان يؤمن أكثر بالحوار بين الأديان، هل هذا دقيق؟

جمال خضر – رئيس قسم الدراسات الدينية – جامعة بيت لحم: مساء الخير أولا لجميع المشاهدين.

محمد كريشان: مساء الخير.

جمال خضر: أعتقد أن هنالك إساءة فهم لهذا الخطاب أو لهذه المحاضرة وهي محاضرة أكاديمية ألقيت في جامعة وهذه المحاضرة تتعلق بموضوع العلم..

محمد كريشان: هو حضرة الأب نعتذر منك لأنه الصوت غير جيد وسنحاول أن نصلح هذا الخلل، القاهرة الدكتور طه جابر العلواني، جريدة لوموند الفرنسية وصفت البابا بنيديكت السادس عشر بأنه يفضل المواجهة الفكرية على عكس البابا السابق، هل هذا.. في هذا الإطار يمكن أن يُفهَم تصريحه؟

طه جابر العلواني – رئيس جامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية – ولاية فرجينيا الأميركية: أخي الحبيب أود أولا أن أستبعد الكنائس الشرقية كلها وأضعها بعيدا عن كل ما سيدور في هذه الحلقة، الأمر الثاني أود أن أذكِّر بأن البابا بنيديكت هناك أسباب كثيرة دفعته إلى قول ما قال أو اختيار هذا الموضوع للحديث عنه في ألمانيا بالذات فألمانيا فيها اثنين مليون مسلم تركي يقيمون فيها وهو ذاهب أيضا إلى زيارة تركيا، الأمر الثاني أن هذا البابا منذ أن أُعلن تنصيبه اختار اسما يستدعي إلى الذهن بابوات خاضوا صراعات كثيرة وحققوا انتصارات للكنيسة فأراد أن يشير إلى ذلك، الأمر الثاني أن كثيرا من الدراسات التي صدرت حول شخصيته كانت تشير إلى أنه طامح إلى أن يحقق مثلما حقق سَلفه الذي اقترن اسمه بالإطاحة بالشيوعية والتعجيل بزوالها فلعل البابا الحالي أراد أن تكون معركته هذه المرة ضد الإسلام لعله يدخل نادي القديسين من أوسع الأبواب، السبب الثالث في نظري أنه أراد أن يرسل برسالة إلى أميركا التي تراجعت فيها سمعة الكنيسة الكاثوليكية في السنوات الأخيرة نتيجة دعاوى قضائية وفضائح ومشاكل أثيرت ضد كثير من رجال الدين الكاثوليك الذين اتُّهموا بالاعتداءات الجنسية على الصغار من رواد الكنائس وقد مرت فترة برزت فيها..

محمد كريشان: يعني دكتور.. لو سمحت لي دكتور.. لو سمحت لي فقط يعني آخذ رأي الأب الدكتور جمال خضر في هذه المسائل العديدة التي ذكرتها لا سيما وأنك استبعدت منذ البداية الكنائس الشرقية ولا أدري لماذا؟ تفضل حضرة الأب.

"
البابا معروف بنزاهته الفكرية ومعروف بقيادته للكنيسة وبانفتاحه أيضا على الإسلام، لذلك هنالك إساءة فهم للمحاضرة التي ألقاها البابا ولا علاقة بالقضايا الأكاديمية التي طرحها في خطابه بالقضايا السياسية
"
جمال خضر

جمال خضر: أعتقد أنه هنالك مبالغة في تحميل هذا الخطاب أو هذه المحاضرة لمعاني لا تحملها، أولا البابا معروف بنزاهته الفكرية ومعروف بقيادته للكنيسة وبانفتاحه أيضا على الإسلام وعلى الجميع وهو بابا للحوار للجميع ولا علاقة بالقضايا الأكاديمية التي طرحها البابا في خطابه بالقضايا السياسية التي تُذكر أحيانا، الموضوع هو موضوع حوار الإيمان المسيحي مع العلمانية الغربية وهذا الهدف الأول لهذه المحاضرة التي ألقيت في جامعة ألمانية وما ذِكر الإسلام في البداية إلا من خلال إعطاء مثال على هذا الصراع اللي موجود.. الذي كان موجودا دائما حتى في المسيحية بينما يريده الله وإرادة الله وما بين العقل البشري وهل هنالك توافق ما بين العقل البشري وإرادة الله وهذا كان موضوع المحاضرة، هو أعتقد أن هذا موضوع مطروح على المسيحي ومطروح على المسلم ومطروح على كل صاحب ديانة خصوصا في هذا العالم العلماني الذي يريد استبعاد الدين من الحياة العامة واستبعاد الدين وعلوم الدين من مفهوم العلم أيضا وهذا كان موضوع الخطاب ومن خلاله.. من خلال هذه المناظرة التي ذُكرت في القرن الخامس عشر ويذكر فيها عن هذا الموضوع، هل هنالك توافق ما بين العقل البشري وما بين الإرادة الإلهية، بمعنى آخر هل يمكن.. هل هناك توافق بين النقل والعقل؟ هل يمكن للعقل أن يناقش في هذه القضايا كلها؟ وهذه هي المواضيع الأكاديمية البحتة في..

محمد كريشان [مقاطعاً]: ولكن حضرة الأب.. يعني حضرة الأب كان يمكن.. يعني عفوا كان يمكن الخوض في هذه المسائل دون الاقتباس الانتقائي الذي يجعل البعض يفهمه في سياق عدائي، حضرة الأب تسمعني؟

جمال خضر [متابعاً]: نعم الآن.

محمد كريشان: سمعت السؤال؟ لا يسمعه يعني سنعود إليك، الدكتور طه جابر العلواني، نفس السؤال هل ترى فيما اقتبسه أمرا انتقائيا؟

طه جابر العلواني: أخي أنا أولا استبعدت الكنائس الشرقية لأني أعتبر أن الكنائس الشرقية بما فيها الكاثوليكية أكثر فهما للإسلام وأكثر وعيا به وأن الإسلام إذا كان يُشكل في الشرق دينا للمسلمين فهو لغير المسلمين ثقافة، كما أن البابا ليس بأستاذ جامعي أو شخصية أكاديمية مجردة لكي يجلس يحاضر بهذه الطريقة، هو الآن يمثل الكنيسة..

محمد كريشان [مقاطعاً]: هو كان كذلك في فترة من الفترات يعني.. كان كذلك في فترة من الفترات..

طه جابر العلواني [متابعاً]: كان في فترة ولكن الآن تغير الموقف، الآن تغير الموقف وأصبحت لكلمته أبعاد أخرى كثيرة جدا وبعيدة تمام البعد عن هذا الكلام، أنا أظن أن في..

محمد كريشان: ولكن دكتور يعني حتى.. يعني حتى.. لو سمحت لي أنا آسف على المقاطعة، يعني ما الذي يبرر الغضب الذي بدأ الآن يظهر هل لأنه يعني أشار إلى العقيدة على عكس ما كان يشار سابقا من تصرفات ربما لبعض المسلمين ربما فيها رأي مختلف يعني؟

طه جابر العلواني: أولا هذه الإشارات أو التلميحات، هذه تلميحات خاطئة لا تليق برجل يتبوأ مثل هذا المنصب، هو إذا كان قد درس مقارنة الأديان وتاريخ الأديان فهو يستطيع أن يدرك ببساطة شديدة أنه ليس هناك دين على وجه الأرض قد أعلى من العقل ومهامه واحتج به وأعطاه مكانته مثل الإسلام وأوروبا مدينة لابن رشد ولعلماء المسلمين الذين أوجدهم الإسلام حتى في نهضتها ودائماً لما نحاور الأصدقاء الكاثوليكيين من الكنيسة الكاثوليكية في الغرب، دائماً يقولون أنتم من جلبتم العلمانية والعقلانية إلى أوروبا من طريق ابن رشد والمدارس الإسلامية، فأنتم المسؤولون عن تهميش الكنيسة ونحن لم نكن حينما نقلنا العقل والعقلانية والعلم إلى أوروبا نريد بها تهميش الكنيسة ولكن العلم والعقل جزء لا يتجزأ من ديننا من معتقداتنا، نحن نعتبر الرأي حجة ونعتبر العقل دليلاً شرعياً..

محمد كريشان: دكتور، هناك..

طه جابر العلواني: فكيف يليق بحَبْر أعظم مثله أن يتجاهل هذه الحقيقة؟

محمد كريشان: دكتور هناك نقطة مهمة ذكرتها قبل قليل وأريد أن نأخذ رأي الأب دكتور جمال خضر فيها وهو أنه ربما ما جرى هو مؤشر على اصطفاف البابا في جو عالمي وسياسي الآن ضد الإسلام والتيارات الإسلامية وحتى ضد المسلمين إلى درجة أن البعض قال وهنا أقتبس بأن الباب إنما يريد أن يستفيد من الظرف السياسي الحالي في مسعى لتسجيل نقاط دينية، هذا الاقتباس لأنجريد مادسون وهي أستاذة دراسات إسلامية في شمال أميركا.

جمال خضر: لا أعتقد أن هنالك.. أن هذا الخطاب يدخل ضمن هذا الإطار، الموضوع هو أن الديانة كديانة هي المهاجمة في الغرب وفي العالم العلماني، هنالك توجهات لا أحد يشكك في استعمال العقل في الإسلام وهذا يشهد له التاريخ ولا يحتاج إلى دليل على ذلك ولكن لا نستطيع أن ننكر أيضاً أن هنالك توجهات تريد تعطيل العقل في سبيل هدف معين، يقولون هذا ما يريه الله وبهذه الحجة يستطيعون أن يمرروا ما يريدون..


أثر التصريحات على الحوار الإسلامي المسيحي

محمد كريشان: ولكن هذه التيارات.. يعني هذه التيارات إسلامية يمكن محاججتها كخط سياسي كإيديولوجيا ولكن هناك فرق بين هذا وبين الحديث عن العقيدة الأساسية للمسلمين، هنا الفرق يعني؟

جمال خضر: الحديث لم يكن عن العقيدة الإسلامية، الحديث كان خلال الاستشهاد بهذا الكتاب القديم من خلال هذا الحوار ومن خلال الموقف العدائي للإمبراطور في ذلك الوقت لكي يثبت نقطة فيما يتعلق بعلاقة العقل والإيمان، فالموضوع الوارد في محاضرة البابا لا يعني ولا يخص ولا يتوجه إلى الإسلام كإسلام كديانة ونحن جميعاً نعرف هذه الديانة ونعرف العلاقة الطويلة ما بين المسيحية والإسلام وأعني بشكل خاص مسيحيي الشرق طبعاً، فالموضوع ليس انتقاداً لكل الإسلام ولكن لنجلس معاً لنتحاور، لنطرح هذه المواضيع فيما بيننا ولنرى هل فعلاً هنالك تعطيل للعقل في سبيل أو بحجة أن هذه إرادة الله، لنأخذ التاريخ مثلاً على سبيل المثال هنالك حروب دينية حروب تمت باسم المسيحية حروب تمت باسم الإسلام، لنراجع التاريخ لنعيد قراءة التاريخ من جديد لنرى ما هو دور العقل؟ ما هو دور الإنسان وحقوق الإنسان وكل هذه الدلائل التي يطرحها العالم المعاصر..

محمد كريشان: هو موضوع العقل.. حضرة الأب موضوع العقل هذا يعني مسألة مطروحة يعني قديمة جديدة يعني إلى درجة أن التصريحات البابا بنيديكت السادس عشر حول الإسلام والنبي الرسول الكريم أثارت الكثير من الجدل بسبب أنها ربما جاءت في خضم بروز مصطلحات من قِبل.. من قبيل عفواً، الفاشية الإسلامية التي أطلقها سياسيون غربيون، من هنا ينظر البعض إلى تصريحات البابا الأخيرة على أنها ربما هي بمثابة التأصيل الفكري والديني لهذه المصطلحات.

[تقرير مسجل]

مازن إبراهيم: العقل والإيمان، بوابة جديدة قديمة يهاجَم الإسلام من خلالها فها هو البابا بنيديكت يوجه سهام نقده إلى الإسلام من خلال نفيه إمكانية جمعه العقل والإيمان، كلام يحمل طابعاً فلسفياً إلى أنه يأتي في سياق من الهجمات التي يتعرض لها الإسلام، أبرزها ما جاء على لسان الرئيس الأميركي من بروز لما وصفها بالفاشية الإسلامية، مقولة بوش السياسية وما تلاها من إسباغ لبعد فكري عليها من قبل البابا لم يأتيا من فراغ بل يضربان عميقاً في تاريخ الفكر والفلسفة الغربية التي تعتقد أنها أوجدت حلاً لهذه الإشكالية يقوم على اعتبار أن العقل للغرب في مقابل الشرق، إشكالية رفضها الفكر الإسلامي المعاصر كما القديم الذي يرى في الدين الإسلامي توأمة بين الإيمان والعقل، هجوم البابا لم يستهدف الإسلام فقط، بل طال بسهامه الفلسفة الغربية المعاصرة التي اشتطت في رأيي تحليلاتها بعيداً عن الإيمان وهو يضمر بقوله هذا رغبة في العودة إلى الينابيع الفلسفية للمسيحية التي زاوجت بين العقل والإيمان مع القديسين أغسطينوس وتومل إكوين، إلا أن هذه المقاربة أغفلت ذكر المصدر الأساسي للعقلانية المسيحية التي قامت على مدماك الفلسفة اليونانية لاسيما الأرسطوطاليسية ومنطقها، جوهر الإغفال هو آلية انطلاق هذه العقلانية التي جاءت لتمحو ما قامت به محاكم التفتيش المسيحية في العصور الوسطى حين أحرقت الكتب وقامت بحملات صيد الساحرات ناهيك عن تكفير عالم كجاليليو الذي قال بدوران الأرض، ما أغفله البابا هو البوابة العربية الإسلامية التي فتحت أمام المسيحية باب المنطقة عبر الأندلس التي صدَّرت فكر العلامة بن رشد الذي شكَّلت كتبه وترجماته المنطق الأرسطي المدخل الغربي إلى العقل والإيمان وهو ما بات الغرب نفسه يستخدمه اليوم لتقريع الإسلام على ما يراه لا عقلانية تُسيِّر أحكامه.

محمد كريشان: كما هو متوقع تصريحات البابا بدأت في إثارة ردود فعل في باكستان، في تركيا، منظمة المؤتمر الإسلامي أصدرت بيانا انتقاديا لهذه التصريحات أيضاً، الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي أيضاً أصدر بيانا طويلا، هنا نسأل الدكتور طه جابر العلواني في القاهرة عن رأيه فيما قاله جيل كيبل وهو خبير فرنسي في قضايا الإسلام، قال بأن هذا الخطاب قد يحمل المسلمين على المزيد من التطرف، ما رأيك في مثل هذا التقدير؟

"
لمد أواصر الصداقة والتفاهم والتعاون بين المسلمين والكاثوليك شكلت لجان مشتركة وهيئة مشتركة لمقاومة التوجهات العلمانية من المسلمين والأساتذة الكبار من الكاثوليك، وكل هذه الجهود أحبطت بتصريحات البابا
"
طه جابر العلواني

طه جابر العلواني: أرجو أن لا تكون لدينا ردود أفعال غير مدروسة على هذا الخطاب، فالخطاب البابا يحاول في محاضرته أو خطابه أن يمد الجسور مع المسيحية اليهودية أو المحافظين لأن الكنيسة الكاثوليكية في أميركا خاصة تعاني من أزمة كبيرة خانقة وقد سبق أن تعرض الكاثوليك في تلك البلاد إلى نوع من الاضطهاد فلعله يحاول وحاول بهذه المناسبة إحدى عشر سبتمبر أن يرسل هذه الرسالة لجهات معينة في الولايات المتحدة من أجل أن ينقذ سمعة أو إمكانات التعاون مع الكنيسة الكاثوليكية ولكنه للأسف الشديد في هذا قد أحبط جهودا كثيرة قد قام بها عبر عشرين عاما أو تزيد رجال دين أميركان من الكاثوليك وأساتذة جامعيون مع مسلمين وشكلوا لجانا مشتركة لمد كثير من أواصر الصداقة والتفاهم والتعاون بين المسلمين والكاثوليك وهناك حتى هيئة مشتركة لمقاومة التوجهات العلمانية من المسلمين والأساتذة الكبار من الكاثوليك أمثال لويس كانتوري وجون أزبيزيتو وجون فول وأمثالهم، هذه الجهود كلها الآن من الصعب جدا أن تستمر في ظل تصريحات الحَبر الأعظم هذه التي تسيء إلى كل هذه المحاولات.

محمد كريشان: نعم، الأب دكتور جمال خضر ما رأيك في مثل هذا التحليل؟

جمال خضر: أعتقد أن قراءة للنص وللنص كاملا يعطي معنى لهذا الكلام الذي ورد عن الإسلام، هي نقطة انطلاق لطرح الموضوع ولطرح قضية تعامل الدين مع العقل، هذا هو الموضوع الأساسي وليس موضوعا سياسيا وليس موضوع كسب لآراء البعض أو اتخاذ مواقف، مواقف الكنيسة الكاثوليكية معروفة ومواقفها من عشرات السنوات وجميعنا نعرف مواقف البابا يوحنا بولس الثاني وأيضا البابا الجديد نستطيع أن نرى الموقف بشكل عام ولا نستطيع أن نحطم كل هذا الماضي الجيد الذي بنيناه معا في سبيل استشهاد خاطئ من محاضرة ومن نقطة انطلاق لمحاضرة لطرح هذا الموضوع.

محمد كريشان: ما هو الأب.. يعني ربما السياق العالمي يجعل من أي إشارة الآن في مناخ متوتر الكثيرون فسروه على أنه نوع من الالتحاق بالتوجه السياسي للمحافظين الجدد وكأن البابا الجديد يريد أن يكون له اسم كما كان للبابا الذي قبله في محاربة الشيوعية، هذا هو الإشكال يعني؟

جمال خضر: هنالك حساسية في المواضيع في السياسة في العالم اليوم نعم، هذه موجودة وأفهمها ولكني أوجه دعوة لكي نجلس معا ولكي نتحاور معا ولنبحث هذه المواضيع معا، لا أحد يشكك في الإسلام ولا في استعمال العقل في الإسلام، هنالك مشاكل تطرح على الديانة كدين، في تاريخها لدينا الحروب الدينية في حاضرها اليوم في علاقتها مع العالم المعاصر ومع العلمانية هنالك مواضيع مهمة جدا، بدل من هذا النقاش العقيم لنجلس معا ولنبحث هذه الأمور لما فيه خير الإسلام والمسيحية معا في هذا العالم المعاصر الذي نعلم جميعا أنه يبتعد عن الدين ويبتعد عن الله ويبتعد عن القيم الدينية فلتكن هذه المحاضرة مناسبة لإعادة الدراسة وللجلوس معا وليس للاتهامات المتبادلة.

محمد كريشان: نعم، دكتور علواني هل يمكن فعلا أن تكون مناسبة في الاتجاه الإيجابي وتجنب التصعيد؟

طه جابر العلواني: أنا أستطيع أن أتقبل ما قاله زميلي إذا خطَّأ الفاتيكان كما خطَّأ زميلي البابا فيما قاله، فإذا أصدر الفاتيكان بيانا يُخطِّئ البابا فيه فيما قاله فآنذاك يكون لكل حادث حديث، نحن طلبنا من البابا الجديد أن يعتذر عن الحروب الصليبية كما سبق للفاتيكان أن اعتذرت لليهود سنة 1965 عن قضية صلب السيد المسيح، فطالبنا بالاعتذار عن الحروب الصليبية التي لم نشنها نحن، فكيف يُتَّهم دين على الدوام هو الذي يهاجم وأهله الذين يُهاجَمون ويُحارَبون في عقر دارهم؟ كيف يُتَّهم هذا الدين بالعدوانية؟ الأمر الآخر الذي أود أن أقوله لإخواني وزملائي في هذا المجال والمهتمين بتاريخ الأديان أنه لا يمكن للمسيحية واليهودية أن يثبتا وجودا تاريخيا للسيد المسيح أو سيدنا موسى أو للتوراة أو للإنجيل بدون الإيمان بمحمد وبالقرآن، فكيف يمكن لهم أن يتجرؤوا على مثل هذا القول الذي ينفى أية إمكانية لأي حوار أو تفاهم بعد اليوم.

محمد كريشان: شكرا لك دكتور طه جابر العلواني رئيس جامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية بولاية فيرجينيا الأميركية، شكرا أيضا للأب دكتور جمال خضر رئيس قسم الدراسات الدينية في جامعة بيت لحم وبهذا نصل إلى نهاية حلقة اليوم من برنامج ما وراء الخبر بإشراف نزار ضو النعيم، كالعادة نذكِّركم بإمكانية المشاركة في اختيار المواضيع عبر إرسال المقترحات إلى عنواننا الإلكتروني indepth@aljazeera.net، غدا بإذن الله قراءة جديدة فيما وراء خبر جديد، في أمان الله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة