فيدل كاسترو .. كوبا بين الثورة والدولة   
الاثنين 1425/11/30 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:21 (مكة المكرمة)، 14:21 (غرينتش)

مقدم الحلقة

غسان بن جدو

ضيف الحلقة

فيدل كاسترو، رئيس كوبا

تاريخ الحلقة

21/09/2000


غسان بن جدو:

فيدل كاسترو
غسان بن جدو
سؤالي الأول: كوبا الآن كوبا في الوقت الحاضر، هل يعتقد السيد (فيدل كاسترو) بأنها لا تزال كوبا الثورة أم كوبا الدولة؟

الرئيس فيدل كاسترو:

أعتقد أن كوبا اليوم أكثر ثورية من أي وقت مضى، لأن التجربة والمعرفة تراكمتا لديها، وهي تعرف مشاكل العالم معرفة جيدة، وكلما تعمقنا في معرفة هذه المشاكل كلما ازداد وعينا بالظلم في العالم، ونحن في بلدنا تقدمنا كثيرًا وعندما نقوم بأي عمل كان، لا نشعر أبدًا بالرضا التام عنه، لأننا نسعى على الدوام إلى تحسين عملنا وإتقانه. اجتمعت أمس مع مجموعة من الشبان، لافتتاح برنامج حاسوبي، لكنه لم يكن افتتاحًا بكل معنى الكلمة، ذلك أن هذا البرنامج قائم منذ أكثر من ثلاثة عشر عامًا، بل كان لبدء مرحلة جديدة من البرنامج لتحديث جوانب منه ولتجديد الأجهزة وغير ذلك، وأنا قلت لهم إن ما حققناه اليوم لم نكن نحلم به عندما بدأنا نضالنا الثوري، صحيح أنه كانت لدينا أفكار كثيرة وأحلام كثيرة، لكن الواقع تجاوز هذه الأحلام، وكنت أكلمهم عن برامج جديدة، فثورتنا تدخل مرحلة جديدة، ومعها تولد أحلام جديدة، لِمَ تحدثت إليهم عن الأحلام؟

لأننا عندما افتتحنا أول ناد للحاسوب ذكرني أحدهم أني قلت عندئذ: إني أتمنى أن يصبح عدد الناس الذي يستخدمون الحواسيب مئات الآلاف من الأشخاص ثم قال لي: إن حوالي مائتين خمسين ألف شخص بين صغار وشبان وكبار يستخدمون الحاسوب اليوم بفضل هذا البرنامج، واليوم لن أحلم بمئات الآلاف بل سأتحدث عن الملايين من الكوبيين الذين سيتعلمون استخدام الحاسوب، ومن بينهم مليونان وأربعمائة ألف طالب بين صغار ومراهقين وطلاب جامعيين، هذا مثال على سير ثورتنا، أنت تحلم بشيء ما، ويمكن أن يأتي اليوم الذي يصبح فيه الواقع أكبر بكثير مما حلمت به، وعندما يمكنك أن تبدأ أحلامًا جديدة..

لنعد إلى ما قلته لك في البداية عن كوبا، فهي اليوم أكثر ثورية لأن لديها خبرة أكبر، وقد تكونت لديها ثقافة ومعرفة أوسع وروح أكبر، وهذا نتاج نضال دام أكثر من أربعين عامًا ضد عدو هو أقوى دولة في العالم، وقد اجتزنا كافة الاختبارات بنجاح، فواجهنا المخططات الإرهابية، وغزو المحاربين المرتزقة، وخطر الحرب وخطر الهجومات المباشرة على مدى سنوات طويلة، وصمدنا عبر حصار دام أكثر من أربعين عامًا، ونحن نمر عبر فترة حصار مزدوج دام عشر سنوات، ولو لم يكن لدى شعبنا روحه الوطنية ووعيه الوطني لما استطاع أن يصمد، حصار جيراننا في أمريكا الشمالية، وعندما انهار المعسكر الاشتراكي للاتحاد السوفييتي.. نعم أمريكا عندما انهار المعسكر الشيوعي والاتحاد السوفييتي عام 90م 91م خسرنا أسواقنا ومصادر تموين الأجهزة والتكنولوجيا والمحروقات، وكنا نتقاضى آنذاك أسعارًا معقولة لصادراتنا، وبعد اختفاء الاتحاد السوفييتي أصبحنا نخضع لحصار مزدوج، لأن التجارة اختفت تقريبًا مع هذه البلدان، وكان علينا أن نبحث عن طريقة لمواجهة هذا..

أنا لا أستطيع أن أتخيل، ولا أذكر أنه كان في التاريخ مقاومة مثل مقاومة الشعب الكوبي الذي تمتع بروح وطنية ووعي ثوري، الجميع في أوروبا وفي جميع أنحاء العالم اعتقد أن ثورتنا لن تستمر إلا أيامًا أو أسابيع، لكنها صمدت عشر سنوات، وهي اليوم تزداد قوة، أما في المعسكر الآخر، في معسكر الأعداء، فقد ظهر نوع من التشاؤم أمام وضع اقتصادي اجتماعي صعب في العالم، وانتهت موجة الفرح التي عمت في تلك الحقبة.

غسان بن جدو:

سيد كاسترو.. سيادة الرئيس يبدو أن ثمة مشكلتين حتى الآن في كوبا، أولاً المشكلة الاجتماعية الاقتصادية، صحيح أنكم تتفضلون بتحابي حصول تقدُّم وتطور، ولكن يبدو أن المواطن الكوبي لا يزال يعيش مشكلة اجتماعية، بدليل أن حتى مستوى المعيشة منخفض هنا، المشكلة الثانية هي المشكلة السياسية، يعني بعد أربعين أو واحد وأربعين سنة من انتصار الثورة هنا، ودولتكم مستقرة وحكمكم مستقر وأنتم شخصيًّا ما شاء الله 41 سنة في الحكم ولديكم مكانة كبيرة هنا في كوبا، فلماذا نجد أن الصوت المعارض للحكم في كوبا مرتفع خارج كوبا وليس في كوبا، لا توجد أحزاب سياسية، لا توجد تعددية، لماذا بالتحديد؟

الرئيس فيدل كاسترو:

آه.. لقد طرحت عليَّ أسئلة كثيرة، في البداية سألت عن المشكلة الاقتصادية الاجتماعية، وهنا علينا أن نفرق بين المشكلتين الاقتصادية والاجتماعية، فصحيح أننا نواجه صعوبات اقتصادية، قبل قليل تحدثنا عن أوروبا، عندما لا يشتري أقوى بلد في العالم وأغنى بلد وأكثر بلد تقدمًا في مجال التكنولوجيا، عندما لا يشتري منا شيئًا ولا يبيعنا شيئًا، ويشن ضدنا حربًا اقتصادية في جميع أنحاء العالم، ويمارس ضغوطًا على جميع دول العالم لكي لا يكون بينها وكوبا أي تبادلات تجارية، ولكي لا تستثمر في كوبا، يجب أن نقر بأن ما قمنا به في مجال التنمية الاقتصادية والاجتماعية ليس بالقليل. خلال فترة من الزمن كانت لدينا أسواق المعسكر الاشتراكي والاتحاد السوفييتي، وفجأة اختفى كل ذلك، هل تعرف أنت أي بلد في العالم في أمريكا اللاتينية أو في أوروبا كان يمكن أن يجتاز مثل هذه المحنة؟ هل تعرف مثل هذا البلد؟ قل لي اسمه قل لي! أي بلد يمكن أن يصمد هكذا أربعين عامًا؟

اثنين.. كوبا لديها أعلى نسبة من المدرسين والأساتذة الجامعيين في العالم بالنسبة لعدد السكان، ولديها واحدة من أعلى النسب في العالم من الأطباء للفرد الواحد، لقد تمكنت كوبا من تطوير قطاعها الصحي إلى مستوى الدول الأكثر تقدمًا في العالم على الصعيد الاجتماعي، كما حققت كوبا تطورًا ثقافيًّا كبيرًا فمن نسبة الأمية كانت تبلغ 30% استطعنا أن نصل إلى متوسط تعليمي حتى الصف التاسع، وهو مستوى لم تبلغه أي بلد في أمريكا اللاتينية، ولا في أي بلد من بلدان العالم الثالث، يمكنك أن تجد مستوانا الثقافي التعليمي الصحي الاجتماعي، ولا حتى في أي بلد من العالم هناك هذا المستوى من التطور في مجال الرياضة والتربية البدنية والوعي الدولي الذي يتمتع به أطباؤنا ومدرسونا، لديهم قدرة كبيرة على التعاضد، من وجهة النظر الاجتماعية كل المواطنين يتمتعون بحماية نظام الضمان الاجتماعي، ولا يوجد مواطن واحد غير محصن بهذا الضمان، وفي أسوأ الفترات التي مررنا بها لم نغلق مدرسة واحدة ولا عيادة، وفي فترة العشر سنوات الأخيرة التي كانت الأصعب علينا تخرج ثلاثون ألف طبيب، من بينهم عدد كبير يمكن له أن يقدم خدمات كبيرة إلى دول أخرى من العالم، حتى الولايات المتحدة لا تستطيع تقديم ما لدينا، الولايات المتحدة لا تستطيع إرسال ألفي طبيب إلى أمريكا الوسطى أو ثلاثة آلاف طبيب إلى إفريقيا، ليس لديهم أو ليس لديها الأشخاص القادرون على الذهاب إلى هذه الأماكن وتقديم خدماتهم، فليس لديهم الوعي والثقافة والمعرفة والصحة والتربية البدنية، وهذا مقياس لمستوى المعيشة، فالاقتصاد لا يقاس فقط بأرقام الاقتصاد الكلي، مستوى المعيشة لا يقاس بالمعايير المادية وحدها، الثقافة والمعرفة والنتاج الفكري والصحة أكثر أهمية من أي حاجة مادية في الحياة، أو على الأقل تتمتع بنفس أهميتها، ونحن على الأقل ليس لدينا أطفال يمشون حفاة في الشارع، أو أطفال مهجورون في الشارع، الأشياء التي نجدها في نيويورك وفي مدن أمريكية أخرى، التمييز العنصري، هذه المشاكل غير موجودة لدينا.

أنت تحدثت عن المعارضة، ولا أحد يعرف أين هي هذه المعارضة، هناك مجموعات صغيرة جدًّا تدعمها الولايات المتحدة ومنظمات ذات مصالح إمبريالية، إنها مجموعة صغيرة، صغيرة جدًّا.. ليتك كنت موجودًا لتشاهد بنفسك التحرك الشعبي خلال السبعة الأشهر التي بقي الطفل الكوبي محتجزًا خلالها في الولايات المتحدة.. ملايين الناس نزلوا إلى الشوارع، ويمكن أن أعطيكم أشرطة سجلت عليها هذه المسيرات، وبإمكانكم بثها إذا أردتم لكي ترى كم هو موحد شعبنا، كم هو مناضل، هذه المجموعات الصغيرة تنتشر في الخارج لماذا؟ لأن وسائل الإعلام الغربية والولايات المتحدة تنتشر لها ما تريد، أما هنا فلا أحد يعرفها أو يدعمها إطلاقًا.

نحن لدينا حزب واحد لكنه لا يرشح ولا يُنتخَب، لدينا نظام انتخابي قد يكون من المفيد أن تتعرف عليه، ففي هذا النظام يقوم المواطنون أنفسهم بترشيح ممثلي التقسيمات الانتخابية، هناك أربعة عشرة ألف مندوب يمثلون جميع التقسيمات، وهؤلاء المندوبين يشكلون جمعيات البلدية، الحزب لا يرشح هؤلاء الأشخاص بل المواطنون هم الذين يرشحونهم، فقط المواطنون، لنقل في إحدى مراكز العاصمة الانتخابية قد يكون عددهم ألفًا وخمسمائة ناخب يرشحون ممثليهم ويوافقون عليهم، ومن ثم ينتخبهم الناخبون، ويجب أن يكون عدد المنتخبين اثنين على الأقل، ولا ينبغي أن يتجاوز ثمانية من كل مركز انتخابي، هؤلاء الأربعة عشر ألف مندوب الذين يشكلون كل في بلديته، الجمعيات البلدية هم يرشحون وينتخبون بدورهم إدارة البلديات المحلية، وهم يرشحون مندوبين إلى الجمعيات الإقليمية ومندوبين إلى الجمعية الوطنية، ويجب أن يتم التصويت بشكل سري ومباشر هذا شيء لا يوجد في أي بلد آخر بكل صراحة، من بين ستمائة نائب في الجمعية الوطنية هناك خمسون في المائة 50% تقريبًا من مندوبي التقسيمات الانتخابية، أي من أسفل الهرم، نحن فخورون بنظامنا الانتخابي وهو أكثر ديمقراطية من ذلك الموجود في الولايات المتحدة الأمريكية، وحتى في الدول التي تتبع نظامًا برلمانيًّا من الذي يعد لائحة المرشحين؟ إنهم رؤساء الأحزاب، وبعد ذلك لا يستشيرون الشعب، ولا يمكن تغيير أي من المنتخبين.

غسان بن جدو:

هناك قضية رأي وتعبير، يعني هل مسموح بنقد السيد كاسترو في كوبا؟ هل مسموح انتقاد السيد كاسترو في كوبا؟

الرئيس فيدل كاسترو:

لو شاهدت برامج الدائرة المستديرة التي تعرض على التلفزيون لوجدت أننا نعرض أجزاء من برامج تلفزيونية أمريكية ينتقدوننا فيها، ويمكنك أن تتخيل طبيعة شعبنا، إنه شعب ثوري، ما رأيك في أن وسائل الدعاية التي تستخدمها المعارضة هي وسائل الإعلام الأمريكية ووسائل إعلام الغرب وهم أعداء الثورة الكوبية؟ أما وسائل الدعاية التي تستخدمها كوبا فهي وسائل الثورة، وطبعًا لا يمكن لهم أن يستخدموا هذه الوسائل، لكن هناك مائة ساعة من البث الإذاعي كل أسبوع موجهة إلى كوبا من الولايات المتحدة الأمريكية، وهم يواصلون رسائلهم وتصريحاتهم عن طريق الإذاعة إلى كوبا، بينما وسائل الإعلام داخل كوبا تسيطر عليها الثورة، فنحن بلد محاصر ومغلق ويتعرض للاعتداءات، لذلك من حقنا أن نستخدم جميع الوسائل للدفاع والحفاظ على الثورة، ليس فقط على الصعيد الاقتصادي، وإنما أيضًا على الصعيد السياسي والفكري، نحن نخوض معركة فكرية كبرى ضد الولايات المتحدة الأمريكية وضد الغرب، وسؤالك يضخم ما سميته بالمعارضة، هذه المعارضة عبارة عن مجرد مجموعات صغيرة من الأشخاص الذي يتقاضون أجرهم من الولايات المتحدة لمعارضة كوبا.. لا، الثورة لديها قوتها ونحن في كوبا لدينا آراؤنا العفوية الطبيعية، نستطيع أن نقيس مدى حماس الشعب، وأن نعرف ما هي أفكاره بخصوص كافة المواضيع، أنا أؤكد لك أنها آراء طبيعية وليست مفروضة، آراء تتعلق بالمشاكل الأساسية للثورة الكوبية هناك أكثر من 95% من الناس يدعمون سياسات الثورة بكل جوانبها، وما تسميه أنت معارضة لا وجود له إطلاقًا، هذا وهم، ما قلته لي يؤكد ما أقوله لك الآن، فهذه المجموعات وجدت لأداء هذه المهمة بالتحديد التي ذكرتها لك، فأنت تعرفها جيدًا، أما هنا فلا أحد يعرفها.

إن النظام الانتخابي الموجود لدينا والذي شرحته لك قبل قليل يمكن أن يسمح لهذه المجموعات لو أن لديها قوة فعلاً أن تصل إلى السلطة، وأن تصل إلى الجمعية الوطنية، وتتحدث هنا على التلفزيون، وهنا يمكن لهم أن يشاركوا عن طريق ترشيح وانتخاب ممثلين عنهم، في هذا النظام الانتخابي يمكن لأي قوة حقيقية لمعارضة حقيقية أن تسيطر على السلطة وأن تحصل على دعم الشعب.

غسان بن جدو:

تذكر سيادة الرئيس بأنه حتى في عهد الاتحاد السوفييتي السابق، كان الوضع يبدو جميلاً، وكان يبدو أن الشعب كله مع نظام الحكم الشيوعي في موسكو، ومع ذلك عندما انهار انهار فجأة واحدة، ووجدنا أن المعارضة كانت تحت القمقم، كانت مختبئة وفجأة ظهرت، ألا تخشى أن هذا الأمر يمكن أنه يكون حاصل في كوبا أيضًا؟

الرئيس فيدل كاسترو:

هذا لن يحدث أبدًا في كوبا لأننا لم نرتكب الأخطاء التي ارتكبوها هناك.

غسان بن جدو:

ما هي الأخطاء الكبرى التي ارتكبها الاتحاد السوفييتي وأدت إلى انهيار النظام الشيوعي؟

الرئيس فيدل كاسترو:

الأخطاء كثيرة، وليس من السهل أن أشرحها لك، أنت قلت لي أن المقابلة مدتها نصف ساعة، وإذا كنت سأحدثك عن هذه الأخطاء فسأحتاج إلى ثلاث ساعات، والأمير في انتظاري، من بين هذه الأخطاء نشر البيرقراطية بشكل كبير على جميع الأصعدة، وفقدان الاتصال المباشر مع الشعب، وهذا لم يحدث أبدًا في كوبا، فالمبادرات الشعبية مستمرة، والاتصال المتواصل مع الشعب لا ينقطع.. قلت إني في السلطة منذ عشر سنوات طويلة، أنا أناضل منذ واحد وأربعين عامًا ضد أقوى دولة على وجه الأرض، وضد الحصار الذي فرضته على كوبا، ضد أفكارها، كنا مستعمرة لهذا البلد، ونحن الآن بلد مستقل ليس فقط من الناحية القانونية، بل من الناحية الأيديولوجية والسياسية، نحن ندافع عن ثقافتنا أفضل من أي بلد آخر على وجه المعمورة، لأن معظم البلدان الأخرى فقدت ثقافتها بعد أن دمرتها الثقافة السطحية التي تنتشر بشكل واسع جدًّا في جميع أنحاء العالم، ما هي الأفلام التي تعرض على التلفزيون في أوروبا وفي بلدان العالم الثالث؟ إنهاء برامج وأفلام من إنتاج نظام رأسمالي لا يمت لنا بصلة، ولا توجد بينه وبين نظامنا أي قواسم مشتركة، بالعكس فنحن اكتشفنا إمكانيات الاشتراكية، الاشتراكية ووحدة الشعب هما ما مكننا من المقاومة، أنا أتحدى أي شخص في العالم من أي بلد كان أن يشرح لي كيف كان يمكن لكوبا أن تصمد وحدها خلال أكثر من أربعين عامًا لولا الاشتراكية ووحدة الشعب؟ وكيف قاومت محاولات تدمير نظامها السياسي؟

هذا هو السؤال الحقيقي الذي ينبغي طرحه بدلاً من التحليلات السطحية للأمور، وإن ما فعله شعبنا الكوبي هو مفخرة حقيقية لنا خلال هذه السنوات، اسمح لي أن أقول لك إن السلطة لا يمكن الدفاع عنها هنا بالقوة، بل عن طريق إجماع الشعب ودعم الثورة إضافة إلى التكتيك الصحيح للنضال.. لا تنسى أننا كنا محاربين وأنه لم يبقَ منا في لحظة من اللحظات سوى سبعة رجال معهم سبعة بنادق، وخلال سنتين استطعنا معهم سبعة بنادق، وخلال سنتين استطعنا أن نقهر جيشًا كان مؤلفًا من سبعين - ثمانين ألف رجل خلال سنتين فقط، وانطلاقًا من لا شيء ناضلنا، وطبعًا ما كان لنا أن ننتصر لو لم نتبع التكتيك الصحيح، ولو لم نحظ ونحافظ على دعم الشعب لنا، لولا هذا الدعم ما كان بإمكاننا أن ندافع عن الثورة أمام قوة بحجم الولايات المتحدة الأمريكية، ونحن لم ندافع باستخدام أسلحة نووية أو طائرات أو أسطول بحري، بل دافعنا عن الثورة بفضل ملايين الرجال والنساء المستعدين للموت، ولا شك في أنك تعرف أنه عندما تقرر البلدان الصغيرة أن تناضل بإمكانها أن تقهر أي قوة عظمى، والأمثلة على ذلك كثيرة: فيتنام وبلدان أخرى في العالم، الجزائر قهرت الجيش الفرنسي، الفلسطينيون يقاومون خلال أكثر من أربعين عامًا تحت الاحتلال، اللبنانيون قاوموا في بلدهم الصغير، واليمنيون ناضلوا أيضًا ضد الاستعمار البريطاني، هذا يثبت أنه عندما يتبنى أي شعب قضية ما ويدافع عنها حتى النهاية لا يمكن قهره، كوبا قاومت حتى نالت الاستقلال، وتحولت إلى أكثر بلدان العالم حرية، أتعرف لماذا؟ لأن كوبا لا تعتمد على صندوق النقد الدولي ولا على البنك الدولي، ولا تعتمد بأي شكل من الأشكال على الولايات المتحدة، نحن نستمتع باستقلال تام، وبالحق في قول الحقيقة، وهذا لا يستمتع به أي شعب آخر في العالم.

غسان بن جدو:

جيد سيادة الرئيس ما تتحدث به عن المقاومة وهذا التاريخ، لا نناقش هذا الأمر وخاصة ما يتعلق بحروب الاستقلال.. أنا ما أقول لك الآن..

الرئيس فيدل كاسترو [مقاطًعا]:

ماذا بتريد؟ بتريد أن تعطيني نصيحة؟!

غسان بن جدو:

لا.. لا.. لا، أنا أسألكم أنتم شخصية وتعيشون، تجربة ونحن نستفهم منكم.. الاتحاد السوفييتي..

الرئيس فيدل كاسترو [مقاطًعا]:

السؤال الأخير.. السؤال الأخير.

غسان بن جدو:

السؤال قبل الأخير لو سمحت.. الاتحاد السوفييتي سقط، النظام الاشتراكي في الصين لم يبق منه إلا الاسم، يعني بكلمة سيادة الرئيس هل تعتقد بأن النظام الشيوعي لا يزال صالحًا للحكم؟

الرئيس فيدل كاسترو [مقاطعا]:

هذا مبالغ فيه .. هذا مبالغ فيه

غسان بن جدو:

هل النظام الشيوعي لا يزال صالحا للحكم للمستقبل؟ تعتقدون؟

الرئيس فيدل كاسترو:

يؤسفني أن أجيبك بنعم، النظام الشيوعي هو النظام الأكثر عدلاً، ويتمتع بأوسع آفاق مستقبلية، أنت شاب وسوف تعيش وترى كم سيطرأ من تغييرات على العالم، لأن النظام السياسي والاقتصادي المفروض على العالم غير قابل للاستمرار، وسوف يخرج العالم عن السيطرة، وعندها يجب استبدال هذا العالم الأناني بعالم أكثر عدلاً يمكن أن يعيش فيه سكان الأرض البالغ عددهم اليوم ستة مليارات، والذين سيصبحون تسعة مليارات خلال أربعين أو خمسين عامًا، من أجلهم يجب الحفاظ على الطبيعة وعلى شروط الحياة التي يدمرها تمامًا النظام القائم اليوم، فهو يغير المناخ ويسمم البحار والمياه والأرض، العالم الحالي يسير نحو الانتحار ويجب إنقاذه.. سؤالك الأخير..

غسان بن جدو:

أنتم سيادة الرئيس بادرتم بمصافحة الرئيس (بيل كلينتون) في نيويورك، هل أن كوبا مستعدة لمصالحة تاريخية مع الولايات المتحدة الأمريكية؟

الرئيس فيدل كاسترو:

هناك خطأ في سؤالك، لقد خدعوك فأنا لم أتخذ أي مبادرة..

غسان بن جدو [مقاطًعا]:

هكذا ذكر في نيويورك..

الرئيس فيدل كاسترو:

نعم أنا أعرف ماذا قوالوا في نيويورك.. بعد الغداء طلبوا منا التوجه إلى إحدى الصالات، وأنا كنت أنتظر حتى يخرج الآخرون، وكانت هناك طاولات على اليمين وعلى اليسار، وبينها ممر ضيق من ناحية اليمين، وكنا حوالي سبعة أو ثمانية ننتظر هناك، ونظرت حوالي فإذا بي أرى كلينتون أمامي ولم يكن لدي خيار للخروج سوى المرور أمامه، وطبعًا ما كنت سأركض للخروج بسرعة، ولا كان يمكن لكلينتون أن يفعل ذلك، فهذا عيب وجبن، تابعت السير، وعندما مررت من أمامه سلمت عليه ومددت يدي أيضًا لمصافحته بكل كرامة واحترام، وهو فعل الشيء ذاته، وأنا أشعر بالرضا التام عن تصرفي هذا، دعني أذكرك مثلاً بما اسمه عرفات، هو رجل ثوري ولا أعتقد أن أحدا يمكن أن ينفي ذلك، أليس كذلك؟

قبل عدة سنوات، الجميع كانوا يصفونه بالإرهابي ومجرم وغير ذلك، واليوم كل زعماء الدول الغربية يسلمون عليه باحترام، كلينتون يقضي يومًا كاملاً مجتمعًا معه، الأشياء نسبية في هذه الحياة، كلينتون لم يخسر أي شيء، ولم أخسر أنا أي شيء، وأنا أشعر فعلاً بالرضا لأني تصرفت بشكل لائق وسلمت عليه، أضف إلى ذلك أن كلينتون هو أمريكي مثقف، وعنده مؤهلات سياسية معينة، يجب أن أتوخى الموضوعية، وأعتقد أن تصرف كلينا كان صحيحًا، نحن مستعدون لإحلال السلام مع الولايات المتحدة الأمريكية لكن ذلك لا يعتمد علينا وحدنا، نحن لم نقدم أي تنازل أبدًا، واليوم لا نعتمد عليهم في أي شيء، ونعيش اليوم في ظروف أفضل من تلك التي عشنا فيها قبل عشر سنوات، هناك أمر مهم جدًّا أغلبية الرأي العام الأمريكي تعارض الحصار المفروض على كوبا، وتعارض سياسة أمريكا الخارجية، فهي فشلت 41 عامًا تكفي لإثبات هذا الفشل، أنا أريد العيش بسلام مع العالم بأجمعه، بغض النظر عن الأفكار السياسية والدينية والفلسفية..

غسان بن جدو [مقاطًعا]:

مستعدون لمصالحة تاريخية مع الولايات المتحدة الأمريكية؟

الرئيس فيدل كاسترو:

أنا لا أعرف ماذا تعني عبارة مصالحة تاريخية، لن أتصالح مع النظام الرأسمالي، لن أتصالح مع الفلسفة الإمبريالية، مع الشعب الأمريكي والحكومة الأمريكية بقدر ما يحترمون مبادئ الآخرين، إذا احترموا حقوق الآخرين ومبادئهم، فنعم نحن مستعدون لإحلال السلام معهم، لكن هذا لا يسمى مصالحة، بل تعايش حضاري مع بلد جار، يعيش نظامًا مخلفًا، وفلسفة مختلفة عن فلسفة شعبنا، أنت أشبه بصحفي من هناك، من الغربيين الذي يطرحون هذه الأسئلة، وأنا سوف أقول ذلك لسمو الأمير..

غسان بن جدو [مقاطًعا]:

أبدًا.. أبدًا سيد كاسترو.. نحن هنا معك، حتى نطرح الرأي الآخر من أجل أن نفهمك أكثر.

الرئيس فيدل كاسترو:

سوف أقول لك الحقيقة، أنا مسرور وصريح، ولا أهرب من أي سؤال، ولن أكذب أبدًا، وسوف أستمر على هذا المنوال حتى أموت، الأمير هو من حدثني عنك ومدحك، لذلك قبلت بإجراء المقابلة معك وإلا لما قبلت، لكنك الآن نسيت سمو الأمير وسرقت منا الوقت.

غسان بن جدو:

شكرًا كثيرًا سيد كاسترو على هذه الفرصة الاستثنائية، أنا أعلم جيدًا بأن وقتكم مزدحم جدًّا، وكنا نتمنى أن نخوض في أكثر من قضية لأنكم شخصية ثورية وفلسفية..

الرئيس فيدل كاسترو [مقاطًعا]:

يمكن لنا أن نتحدث في شتى المواضيع يومًا ما، لكن أطلب منك أن تبث المقابلة كاملة بدون أي حذف أو تقطيع، لأنك سألت أسئلة واقعية، وأنا شعرت بأنه لم تكن لديك كل المعلومات اللازمة، لماذا؟ لأن القنوات التلفزيونية الغربية والأمريكية تصلكم هناك وتخفي عنكم المعلومات.

غسان بن جدو:

قلت لكم من جديد: إنها قضية الرأي الآخر، ليست قضية معلومات، شكرًا لكم.. شكرًا لكم مشاهدينا المحترمين على حسن المتابعة، أرجو أن تتخذوا لنا كل الأعذار، كان لقاءً استثنائيًّا مع رجل استثنائي في ظروف استثنائية، اضطررنا أن نغير الجهاز والكاميرا وكل شيء، شكرًا لكم على حسن المتابعة، وإلى لقاء آخر بإذن الله، في أمان الله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة