صفقة رفع الحصار عن عرفات وموضوعات أخرى   
الجمعة 1425/4/16 هـ - الموافق 4/6/2004 م (آخر تحديث) الساعة 2:27 (مكة المكرمة)، 23:27 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

جميل عازر

تاريخ الحلقة:

04/05/2002

- صفقة رفع الحصار عن ياسر عرفات
- تاريخ إسرائيل في رفض قرارات الأمم المتحدة

- تناقضات الديمقراطية والتطرف في الهند واستفتاء الباكستانيين لتمديد رئاسة مشرف

- استغلال روسيا لموضة حرب الإرهاب في حربها ضد الشيشان

- احتفالات عيد العمال وخطر عودة اليمين المتطرف إلى الحكم

جميل عازر

جميل عازر: مشاهدينا الكرام، أهلاً بكم إلى هذه الجولة في (الملف الأسبوعي)، وفيه

- عرفات طليق الجناح بعد الحصار، فهل تعود المياه إلى مجاريها في صفوف السلطة الوطنية الفلسطينية؟
- إسرائيل وتحدياتها للأمم المتحدة تاريخ طويل من الرفض لقرارات مجلس الأمن والاستهتار بالمجتمع الدولي.

-وشبه القارة الهندية بين تناقضات الديمقراطية والتطرف في الهند واستفتاء الباكستانيين لتمديد رئاسة (مشرَّف).

صفقة رفع الحصار عن ياسر عرفات

إذاً رفع الإسرائيليون الحصار عن مقر ياسر عرفات في رام الله، وأوهموا الجميع بأنهم حلوا القضية الفلسطينية برمتها، وهذا ليس واقع الحال بالطبع، ولكن الصفقة التي أُبرمت مع الرئيس الفلسطيني كانت بمثابة دق إسفين في صفوف السلطة الوطنية، لأن حكومة (شارون) لا تزال تدمر ما هو أسوأ لعرفات وفريقه، وإذا أُضيف إلى هذا كله رفض إسرائيل استقبال لجنة تقصي الحقائق المؤودة، وحل هذه اللجنة قبل أن تباشر مهمتها سيكون لدى منتقدي صفقة الإفراج عن ياسر عرفات أكثر من مبرر، بينما ينتظر العالم الإفراج عن كنيسة المهد ومن فيها ومعرفة ما حل في جنين ومخيمها.

عرفات يرفع يده بعلامة النصر أثناء مغادرته مكتبه لأول مرة بعد الحصار

تقرير/سمير خضر: أخيراً وافق شارون أو ربما أُجبر على فك الحصار عن عدوه اللدود، ياسر عرفات خرج من بين أنقاض مقره المحاصر بالدبابات لتتلقفه الجماهير التي خرجت لتحيته.

البعض يرى في ذلك انتصاراً، والبعض الآخر يعتقد أن ثمن الصفقة كان باهظاً، وإن كانت آثار ونتائج هذه الصفقة لن تظهر على المدى القريب، أولاً: كانت هناك قضية ستة من الفلسطينيين المحاصرين مع عرفات، أربعة منهم حوكموا وأُدينوا بتهمة قتل الوزير الإسرائيلي (رحبعام زئيفي)، والخامس هو أحمد سعدات (زعيم الجبهة الشعبية التي ينتمي إليها قتلة زئيفي) وسعدات يعتبر نظرياً الرجل الثاني في منظمة التحرير الفلسطينية، أما السادس فهو فؤاد الشوبكي مسؤول المالية في الأمن الوطني، والذي تتهمه إسرائيل بالوقوف وراء شحنة الأسلحة التي ضبطتها على متن السفينة (كارل A)، كل هؤلاء دفعوا جزءاً من الثمن، لكن الثمن الأكبر كان من نصيب مخيم جنين الذي ستصبح مأساته نسياً منسياً، فالأمم المتحدة أعلنت رسمياً إفلاسها أمام إسرائيل، وقرر أمينها العام حل لجنة تقصي الحقائق التي شكلها والتي قضت نحبها قبل أن ترى النور، أما حصار كنيسة المهد فيبدو أن فصول نهايته لن تُكتب بشكل مغاير لما جرى في رام الله، ثم يتساءل الجميع: وماذا بعد؟ ولم يتأخر الجواب، إذ جاء من المكان الوحيد القادر على الإجابة، واشنطن ترى اليوم أنها دخلت الشرق الأوسط من أوسع أبوابه، فزمان التردُّد قد ولى، ولا يهم هنا الأسباب التي دفعت الولايات المتحدة إلى التخلي عن تحفظاتها في هذا الشأن، فالمهم أنها بدأت تخطط للمستقبل بالتنسيق طبعاً مع (آرييل شارون) والفكرة المطروحة اليوم تتلخص بالعمل على محورين متوازيين، الأول: الدعوة إلى مؤتمر دولي جديد للسلام وإن كانت أهدافه والنتائج المتوخاة لا تزال غير واضحة المعالم، ولكن أغلب الظن أنه سيكون مسوَّغاً لجمع إسرائيل مع ما تسميه واشنطن بدول السلام في المنطقة، مثل: مصر والأردن وبشكل خاص السعودية، التي يتحرق الإسرائيليون شوقاً لفتح قنوات اتصالٍ معها، أما المحور الثاني فيتمثل في حملة دولية لإعادة بناء ما دمرته آلة الحرب الإسرائيلية، وعلى رأسها أجهزة الأمن الفلسطينية على أن يترافق ذلك بتغيرات جذرية في بنية السلطة الفلسطينية، وهذا لا يعني سوى شيء واحد أن يتخلص عرفات من عدد من معاونيه الذين تتهمهم واشنطن بالفساد تارة وتبأجيج المشاعر ضد إسرائيل تارةً أخرى، إسرائيل شارون لن تترك بالطبع مفاتيح اللعبة في يد واشنطن وحدها، وربما أن واشنطن لا تريد أيضاً الانفراد في هذا الشأن، أما الفلسطينيون فلم يبق أمامهم سوى الانتظار تماماً كما كان عليه الحال منذ أكثر من نصف قرن.

تاريخ إسرائيل في رفض قرارات الأمم المتحدة

جميل عازر: والانتظار وليس التنفيذ أصبح من خصائص قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالقضية الفلسطينية بوجهٍ خاص والصراع العربي الإسرائيلي عامة، وها هي حكومة شارون لم تخرج عما أصبح قاعدة في طريقة تعامل الإسرائيليين مع المنظمة الدولية، فتمكنت من إملاء موقفها بأن بادر الأمين العام للأمم المتحدة إلى وأد لجنة تقصي حقائق ما وقع من فظائع في مخيم جنين، وكما نجحت إسرائيل بدعم من الولايات المتحدة في تغيير قرار الجمعية العامة الذي ساوى بين الصهيونية والعنصرية، يبدو أنها ستنجح في المراوغة مع المجتمع الدولي مرة أخرى.

لجنة تقصي الحقائق الدولية
جيان اليعقوبي: إذا كانت دولة مثل إسرائيل تستطيع تحدي العالم بأسره، فما جدوى الأمم المتحدة؟ هذا السؤال جاء قبل أيام على لسان رئيس الوزراء الماليزي في معرض انتقاده لقرار الأمين العام للأمم المتحدة بحل لجنة تقصي الحقائق في جنين، وهو رأي يشاطره فيه قطاع عريض من صُنَّاع القرار والرأي العام العالمي، وهو رأي تؤيده مجريات الأحداث منذ نشوء الأمم المتحدة نفسها وليس إسرائيل فقط، ففي عام 1945 عندما تقرر إنشاء منظمة الأمم المتحدة تخوف العرب من اتخاذ نيويورك مقر لها وصوتت مصر والعراق ولبنان والمملكة العربية السعودية وسوريا ضد قرار الجمعية العامة باختيار مدينة نيويورك التي كانت وقتها أكبر مدينة يهودية في العالم، وقام (جون روكفلر) الثري اليهودي المعروف بتقديم مبلغ كبير من المال لشراء الأرض التي بني عليها المقر الحالي للمنظمة الدولية، بعد إنشائها بعامين قامت الأمم المتحدة في التاسع والعشرين من نوفمبر تشرين الأول بإصدار القرار 181 الذي نص على تقسيم فلسطين إلى دولتين ووضع القدس تحت إدارة دولية، وبعدها بعام صدر القرار 194 الذي ينص على وجوب السماح في أقرب وقت ممكن بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، وهذا الوقت القريب الممكن مازال ينتظر منذ 50 عاما، ثم جاء القرار 242 الذي دعا إسرائيل إلى الإنسحاب من الأراضي التي احتلتها عام 67، ومازال هذا القرار ينتظر التطبيق منذ 30 عاما، وإن كانت إسرائيل قد حاولت الالتفاف عليه بالانسحاب من سيناء باتفاقية سلام منفصلة مع مصر، وبالتفاوض المباشر مع سوريا على هضبة الجولان، وباتفاقات أوسلو مع الفلسطينيين بالنسبة للضفة الغربية وقطاع غزه، هذه بعض من أبرز القرارات المتعلقة بالقضية الفلسطينية وقد تحداها الإسرائيليون، فهل من داعٍ للاستغراب إذا لم تنفذ إسرائيل القرار الداعي إلى تشكيل لجنة تقصي الحقائق، فالشرعية الدولية لا يمكن أن تنفذ إذا لم تتفق مصالح الدول الكبرى مع مصلحة أي قضية تطرح للنقاش في هذا المنبر الدولي، والدلائل واضحة منذ أيام الحرب الكورية إلى الإشراف على استقلال تيمور الشرقية،

جميل عازر: ولما كانت مصالح الدول الكبرى هي التي تقرر أخلاقيات الالتزام بالقرارات الدولية، فإن ارتباط إسرائيل بالمصالح الأميركية الاستراتيجية هو الذي يزيد من حلفها، ولكن ما هو السبب وراء النظرة العدائية التي تنظر بها إسرائيل إلى الأمم المتحدة التي اعترفت أول الأمر بإسرائيل كدولة؟ سؤال وجهته إلى الدكتور مروان بشارة الباحث في الشؤون الفلسطينية والمحاضر في الجامعة الأميركية بباريس.

مروان بشارة: هنالك سبب.. سببان، السبب الأساسي تعتبر إسرائيل إن هنالك مؤامرة دولية تقودها الدول العربية والدول الإسلامية، وفي فترة مضت دول العالم الثالث ضدها، هي تعتقد أن العالم بشكل عام هو معادي للشعب اليهودي أو لليهود، وهي قضية تستغلها القيادة الإسرائيلية لتعميم مثل هذا الفكر العدائي الذي هو الحقيقة غير موجود، ولكنها تعممه على كأنه معاداة للسامية، القضية الثانية أن إسرائيل منذ.. منذ تأسيسها تعتبر أن القانون البشري القانون الإنساني لا ينطبق عليها، وعملياً باعتبر أنها.. فكرة الدولة اليهودية في المنطقة العربية هي لا تنتمي إلى قانون بشري أو إلى قانون طبيعي، وإنما إلى مهمة إلهية على الأرض.

جميل عازر: طيب إلى ماذا يستند الإسرائيليون في هذا التحدي وهذا الصلف إزاء قرارات الأمم المتحدة؟

مروان بشارة: نعم بالأساس إلى.. إلى.. إلى عامل.. إلى عاملين أساسيين، العامل الأول أن الأمم المتحدة بالرغم من أنها تمثل دول العالم، إلا أنها ليس لها إرادة وليس عندها آليات تمثيل حقيقية، فالأمم المتحدة ليس هناك جيش طبعاً، فبهذا المعنى قرارات الأمم المتحدة بحاجة إلى إرادة لتفعليها.. وإلى آلية لتنفيذها، إسرائيل تستغل هذا الضعف في هيئة الأمم المتحدة وبهذا المعنى تضرب قرارات الأمم المتحدة عرض الحائط، القضية الثانية وهي القضية الأساسية والمحورية لإسرائيل إنها تعتبر أن حلفها مع الولايات المتحدة هو حائط منيع.. سد لأي محاولة للمجتمع الدولي أن يفرض إرادة العالم أو إرادة القانون الدولي والشرعية الدولية على إسرائيل المعتدية على الشعب الفلسطيني.

جميل عازر: طيب في اعتقادك أين تكمن نقاط الضعف في.. في الأمم المتحدة، هل في ميثاقها.. هل في تركيبة مجلس الأمن الدولي أم في صلاحيات الجمعية العمومية للمنظمة الدولية؟

مروان بشارة: نعم، أعتقد بالأساس أنه لا.. لا غبار على قرارات الشرعية الدولية أو على القانون الدولي، يعني خلافنا ومشكلاتنا ليست مع القرارت ومع مضامينها، وليست مع صنع القرار على الأقل في هيئة الأمم المتحدة، وكل دولة أصبحت عضو في الأمم المتحدة ملتزمة بقرار الهيئة العامة وكذلك بمجلس الأمن، وبهذا المعنى أعتقد أن القضية الأساسية هي في آلية التنفيذ، وفي المقدرة على التنفيذ، من ناحية أخرى أعتقد أن تركيبة مجلس الأمن طبعاً بوجود 3 دول هي أعضاء في دول.. في حلف الناتو فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، تشكل عقبة تجاه تنفيذ أي قرارات لا تدخل في مصلحة هذا الحلف.. الحلف الأطلسي

جميل عازر: طب في تقديرك ما هي أخطر التداعيات للتحدي الإسرائيلي على الصعيدين الإقليمي والدولي.

مروان بشارة: أنا أعتقد أن القانون الدولي في نهاية الأمر أن نقول قانون دولي أو نقول مجتمع دولي لأن هي الآلية والوسيلة الوحيدة لكي يعيش المجتمع الدولي بسلام ووئام، فإذن القانون الدولي هو ليس يعني ليس قضية فُرضت على العالم، العالم يطالب بالقانون الدولي ويطالب بهذا النوع من الشرعية حتى تكون هناك علاقات بعيدة المدى سليمة بين الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، كل محاولة إسرائيلية لتجاهل القانون الدولي ولكسر الإرادة الدولية هي محاولة تراكمية جديدة من أجل مزيد من العنف ومن أجل مزيد من الاقتتال ومن أجل مزيد من الصراع في المنطقة وفي هذا المعنى أعتقد أن إسرائيل قد أدخلتنا في متاهات إلى حد أننا اليوم في الأراضي المحتلة وبسبب تجاهل إسرائيل لقرارات الشرعية الدولية وخاصة مؤتمر جنيف الرابع أدت إلى هذا المستوى من الاستيطان ومن العنجهية بحيث أنها اليوم في منطق الحرب الدائمة، إذن اليوم إسرائيل تدخل في منطق الحرب الدائمة والصراع المستديم في منطقها أو في منطقتها العربية و الفلسطينية، هذا أخطر ما هناك وهذا سيؤدي أن يكون كل واحد منا هو رهينة وهو ممكن أن يكون ضحية لمثل هذا العدوان.

جميل عازر: ومن قناة الجزيرة في قطر نتابع هذه الجولة في الملف الأسبوعي وفيه أيضاً بعد فاصل: الشيشان بعد خطاب وباسيبف هل من صفقة قريبة لخروج موسكو من المأزق.

[فاصل إعلاني]

تناقضات الديمقراطية والتطرف في الهند واستفتاء الباكستانيين لتمديد رئاسة مشرف

جميل عازر: عجيب هو أمر شبه القارة الهندية فالهند أكبر الديمقراطيات في العالم شهدت مجيء زعيمة حزب المنبوذين إلى الحكم في ولاية (أوتربراديش) ولكن بالتحالف مع حزب (بهارتيا جناتا) حزب طبقة الهندوس العليا وفي هذه الأثناء أعلنت الحكومة المركزية في دلهي موافقتها على اقتراح من المعارضة في البرلمان ينتقد الحكومة لارتكابها أخطاء في التعامل مع العداوات الدينية والعرقية في ولاية (جوجارات) ويدعو المتطرفون الهندوس في تلك الولاية إلى إبعاد مسلميها إلى باكستان التي عقد رئيسها استفتاءً مثيراً للجدل وكانت نتيجته الموافقة على تمديد أجل رئاسته، متناقضات في شبه القارة مثيرة للإعجاب والحيرة في آن واحد.

مشرف يتوسط مؤيديه

تقرير حسن إبراهيم: للعنف الذي يكتنف ولاية (جوجارات) غربي الهند أبعاد شتى، وقد لا يكفي البعد الطائفي لتفسير القسوة التي راح ضحيتها ما يقارب 900 مسلم من سكان الولاية رغم محاولات حاكم الولاية وغيره لتهدئة الأوضاع، فالصراع بين الهندوس والمسلمين يأخذ أبعاداً طبقية وعرقية، خاصة إذا عرفنا أن كثيراً من مسلمي جوجارات من طبقة المنبوذين الذين ربما اعتنقوا الإسلام للتخلص من التمييز الذي تمارسه الأغلبية الهندوسية ضدهم، وتاريخياً لم يكن يُسمح للمنبوذين بدخول المعابد الهندوسية ومن اللافت للنظر أن المظاهرات التي خرجت في نيودلهي ركزت على خطر واحد يتهدد أكبر دولة ديمقراطية في العالم أهو انهيار النظام العلماني الذي يُعتبر أساساً لنظام الحكم في الهند، والتمييز لدى الهندوس على أساس طبقي قد تزايد بشكل كبير من صعود تحالف الأحزاب الهندوسية بقيادة حزب (بهارتيا جناتا) التي تدعو إنشاء فيوقراطية هندوسية وقد اجتمعت لجنة الأقليات الهندية لممثلين لراديكالي الأغلبية الهندوسية في أحمد آباد حاضرة جوجارات في محاولة لإقناعهم بالتخلي عن العنف في حل المشاكل مع الأقلية المسلمة، لكن يرفض معظم متطرفي الهندوس جميع محاولات التفاهم وهو ما يماثل موقف العناصر الراديكالية في أوساط المسلمين، ويبدو (اتل بهاري فجباي) رئيس الوزراء الهندي محاصراً بين أعضاء المعارضة من حزب المؤتمر الذين يريدون انتهاز الفرصة لإلقاء اللوم على حكومته أملاً في إسقاطها ومتطرفي في حزبه الذين يطلبون تقديم التنازلات للمسلمين في موضوع مسجد البابري، بل ويطالبون بترحيلهم إلى باكستان، وفي إسلام آباد احتفل الجنرال برويز مشرف بانتصاره في الاستفتاء الذي أصر على إجرائه كي يبقى في الحكم لمدة خمسة أعوام إضافية وأحاطت بالاستفتاء الذي قاطعته أحزاب المعارضة كثير من علامات الاستفهام، فلجنة الاستفتاء الباكستانية تقول إن حوالي 60% من الناخبين شاركوا في الاستفتاء وقد صوت أكثر من 97% منهم بنعم لتمديد رئاسة الجنرال مشرف مدة خمس سنوات أخرى، لكن نسبة التصويت من هذا القبيل تثير شكوك المراقبين للشأن الباكستاني، كما أن عدداً من المنظمات المعنية بالديمقراطية وحقوق الإنسان تستهجن سكوت الدول الغربية عن عملية الاستفتاء ونتيجتها متناسية تعهدات مشرف بالتمهيد لإعادة الحياة الديمقراطية في باكستان، لكن يبدو أن الجنرال يجني ثمار تعاونه مع واشنطن في حربها ضد ما يُسمى بالإرهاب، فالحادي عشر من سبتمبر أيلول قلب الموازين وجاء بحسابات جديدة للاستراتيجية الأميركية التي أصبح مفهوم الديمقراطية فيها اعتباراً من قبيل الترف السياسي ليس إلا.

استغلال روسيا لموضة حرب الإرهاب في حربها ضد الشيشان

جميل عازر: ولمثل هذا الترف السياسي الناجم عن أحداث الحادي عشر من سبتمبر دوره في الشيشان إذ يمكن القول إن موسكو كالت في الآونة الأخيرة ضربتين مؤلمتين للمقاومة الشيشانية ولكنهم من غير المتوقع أن تكون قاضيتين عليها فبعد تأكيد وفاة (خطاب) المحارب السعودي الأصل جاءت أنباء مقتل رفيقه في السلاح( شامل باساييف)، وهذا إنجاز كبير للقوات الروسية التي أدمى الإثنان أنفها عدة مرات، غير أن حرب قوتل ضد المقاومة الشيشانية أصبحت في نظر منتقدي الحرب الروسية الأولى في الشيشان مسألة مشروعة طالما أنها تندرج في موضة محاربة الإرهاب.

فلاديمير بوتين
تقرير سمير خضر: من الواضح أن هناك تغييراً استراتيجياً في رؤية موسكو للصراع في الشيشان، تغيير مبني على إسلوبين استقاهما (بوتين) من الحرب الأميركية في أفغانستان ومن حرب شارون ضد الفلسطينيين، فالحرب في أفغانستان منحت بوتين عدة بطاقات مساومة في غاية الأهمية، الأولى: شن حملة إعلامية تشبه حرب روسيا في الشيشان بحرب واشنطن ضد الإرهاب، ولم يكن ذلك سهلاً، إذ تطَّلب الأمر كل المهارة الدبلوماسية لبوتين وخلفيته الاستخباراتية ليساوم على هذا المبدأ عندما جاءه الأميركيون ليطالبوا بالضوء الأخضر للانتشار في جمهوريات آسيا الوسطى. أما الثاني: فتلخص في عزل تجمعات قوات المقاومة الشيشانية من خلال عمليات قوات خاصة بعيداً عن عيون وسائل الإعلام والتباهي بانتصارات عسكرية، وكان العنصر الثالث: يتخلص في اللعب على وتر التناقضات القائمة أصلاً، بينما يمكن تسميتها بفصائل شيشانية ذات أهداف تتراوح بين الواقعية وبين حلم إقامة الدولة الإسلامية. أما استراتيجية شارون في حربه ضد الفلسطينيين فقد تلقفها بوتين بسرعة ولم يتردد في وضعها موضع التنفيذ، وتتلخص في شن حملة تصفيات في صفوف القيادات الشيشانية سياسية كانت أم عسكرية، وكان على رأس هذه القائمة القائد السعودي المولد خطاب الذي لم تتضح بعد حيثيات مقتله، وإن كانت الرواية المقبولة اليوم هي أنه قضى نحبه مسموماً دون أن تعرف الجهة التي تقف وراء ذلك. ثم جاء الإعلان عن مقتل شامل باساييف الذي شكلت عملياته العسكرية بمعية رفيق دربه خطاب نقطة احتكاك مع الرئيس الشيشاني (أصلان مسخادوف)، وأدت إلى نشوب حرب الشيشان الثانية.. وقد ساهمت هذه العمليات في عزل الجماعات المقاتلة في الشيشان عن بعضها بعضاً، الأمر الذي سهل لاحقاً عمليات ملاحقتها تصفيتها، وفي خضم هذه العمليات قطعت موسكو كل قنوات اتصالها السرية مع الرئيس مسخادوف، وبدأت بشن حملة إعلامية دولية تصوره على أساس أنه ليس سوى زعيم عصابة إرهابية تتلقى الدعم المالي واللوجستي من تنظيم القاعدة. وبما أن واشنطن ترفض الحوار مع الإرهاب فلماذا تُجبر موسكو على القبول بذلك؟ لكن ما يثير الحيرة والتساؤل هو مصرع الجنرال الروسي السابق (الإكسندر لبد) في تحطم طائرته، ولبد هذا كان الروسي الوحيد الذي وثق فيه الشيشان ووقعوا معه الإتفاقية التي أنهت الحرب الشيشانية الأولى، فهل كان مصرع (لبد) مجرد مصادفة لا علاقة له بما يجري على الساحة الشيشانية أم أن الأمور مرتبطة مع بعضها بعض بشكل خفي قد لا يظهر إلا بعد سنوات أو عقود؟ كثيرون هم في الكرملن الذين لهم تصوراتهم بشأن مستقبل الصراع في الشيشان، والأكيد هو أن هذه التصورات تنبع من مصالح اقتصادية بحتة، أو بالأحرى مصالح بترولية تتشاطرها دول بحر قزوين ومن ورائها الولايات المتحدة وشركاتها النفطية العملاقة.

احتفالات عيد العمال وخطر عودة اليمين المتطرف إلى الحكم

جميل عازر: يحتفل بيوم الأول من مايو/ أيار في العديد من دول العالم، ولكن الأسباب متنوعة فالبعض اعتبروه منذ قديم الزمان مناسبة للاحتفال بالربيع، والبعض يعتبرونه يوما لتكريم عمال العالم، وهذا الاعتبار هو الذي أصبح السائد في القرن التاسع عشر عندما بدأت الحركات العمالية تنتظم في نقابات تطالب بزيادات أجور وبحقوق وتقوم بمظاهرات وإضراب عن العمل لتحقيق مطالبها، وقد استحوذت الأنظمة الاشتراكية على هذا العيد إلى حدٍ يكاد يكون احتكاراً للمناسبة في القرن العشرين، غير أن الاحتفال بها اتخذ طابعاً مختلفاً بعد انهيار تلك الأنظمة وعلى رأسها الاتحاد السوفيتي في العقد الأخير من القرن الماضي.

تظاهرة في عيد العمال في لندن

تقرير حسن إبراهيم: نشأ الاحتفال بالأول من مايو/أيار عيداً للعمال تخليداً لقمع إضراب العمال الذي بدأ في الولايات المتحدة في الأول من مايو/أيار من عام ألف وثمان مائة وستة وثمانين (1886)، وتصاعد القمع حتى وصل إلى مذبحة سوق القش في شيكاجو، وقد يثير الاستغراب أن عيد العمال الذي كان في الدول الاشتراكية إبان الحرب الباردة تعتبره أهم أعيادها قد نشأ في قلعة رأسمالية احتفالاً بذكرى مؤتمر فيدرالية اتحادات العمال في الولايات المتحدة وكندا، الذي انعقد في الأول من مايو/ أيار عام ألف ثمان مائة وأربعة وثمانين (1884) لإقرار مبدأ الثمان ساعات استجابة لاقتراح (لجورج إدمستن)مؤسس اتحاد النجارين، لكن ومع سقوط الاتحاد السوفيتي ونشوء مبدأ العولمة الاقتصادية التي منحتها حرب الخليج الثانية، ثم أحداث الحادي عشر من سبتمبر مخالب عسكرية وسياسية نشأت حركة الاحتجاجات في معظم أنحاء العالم، ولعل ما أقام ظهرة هذه السنة دفعة إضافية هو عودة اليمين المتطرف إلى الساحة الأوروبية على خلفية الحد من ظاهرة الهجرة ومقاومة الجريمة، ولعل نجاح الزعيم اليمني المتطرف (جان ماري لوبان) في الوصول إلى الدور الثاني في انتخابات الرئاسة الفرنسية قد دق أجراس الخطر في فرنسا وأوروبا عامة للتحذير من احتمال عودة اليمين المتطرف بقوة لأول مرة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وانتحار الفاشية والنازية، وترسخ الخوف مجدداً عندما أعلن في بريطانيا عن نجاح ثلاثة من أعضاء الحزب القومي البريطاني في الوصول إلى مجلس مدينة برلي التي تقع في شمالي بريطانيا والتي تمزقها الخلافات العرقية والبطالة، وتعبيراً عن المخاوف من هذه الظاهرة اتسمت المظاهرات بالعنف في عدد من العواصم الأوروبية، لأن كثيرين يربطون تزايد النعرات العنصرية بتراجع الاهتمام بالقيم الديمقراطية وطغيان قيم وقوانين السوق على سن السياسات.

الحركة العمالية نفسها وبعد مائة وثمانية عشر عاماً من مذبحة سوق القش قد تراجعت مكتسباتها كثيراً، ففي بريطانيا على سبيل المثال لم يتمكن حزب العمال من تحقيق فوز حاسمٍ إلا بعد أن نجح توني بلير وفريقه في الحد من نفوز النقابات العمالية، بل وقدم بلير حزب العمال الجديد كصديق لرجال الأعمال بدلاً من أن يكون حزب الطبقة العاملة كما كان منذ إنشائه في الأول من مايو/أيار من عام ألف وتسعمائة.

وفي الفلبين لم تجد الحركة العمالية رمزاً تتظاهر من أجله إلا الرئيس المخلوع حبيس السجن بتهمة الفساد (جورج دسترادا) وتبقى كوبا جزيرة اشتراكية عمالية في محيط رأسمالي، ومازال زعيمها في فيدل كاسترو يقود العمال في يوم عيدهم، لكنه يبدو كمن يعزف لحناً قديماً على آلة تكسرت أوتارها.

جميل عازر: وبهذا نختتم الجولة في الملف الأسبوعي، ونذكر حضراتكم أن بإمكانكم الوصول إلى مضمون هذه الحلقة بالنص والصورة والصوت في موقع (الجزيرة نت) في الشبكة المعلوماتية الإنترنت. وسنعود في مثل هذا الموعد بعد سبعة أيام لنفتح ملفاً جديداً لأهم أحداث الأسبوع القادم من قناة (الجزيرة) في قطر، فتحية لكم من فريق البرنامج، هذا جميل عازر يستودعكم الله، فإلى اللقاء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة