الأرض كيف ضاعت? ج5   
الاثنين 5/3/1430 هـ - الموافق 2/3/2009 م (آخر تحديث) الساعة 13:26 (مكة المكرمة)، 10:26 (غرينتش)

- أسباب بيع الأراضي وسبل الاستيلاء عليها
- النشاط العربي ضد الاستيطان وممارسات الانتداب البريطاني
- الدور الألماني في تشجيع هجرة اليهود إلى فلسطين
- تأسيس الوكالة اليهودية والدور الأميركي

 

 قسطنطين كابيتونوف
 عبد الوهاب المسيري
 سليمان أبوستة
روجر أوين
 زيفي شيلون
"كنا نعلم تمام العلم أن أسلحتنا العثمانية عتيقة وأننا كلما اشتبكنا مع الصهاينة والإنجليز فإنهم يحصدوننا حصدا برصاصهم ومع هذا كنا ننزل كل ليلة من قرانا كي ننازلهم.

فسألته: لم؟

صمت العجوز قليلا ثم تحرك كأنه جبل قديم من جبال فلسطين، وقال: حتى لا ننسى الأرض والبلاد.. حتى لا ينسى أحد الوطن".

المعلق: تظل الذكرى على الدوام في البال ويظل القلب يحمل الوطن والأرض والميعاد وتبقى الروايات ورؤى الماضي وأحلام المستقبل.

أرشيفهم وتاريخنا

ملف الأرض.. كيف ضاعت؟

مشارك1: آخر إشي دفعوا له مليون ليرة إسترليني بالأراضي هذه، وقتها والدي ما قبلش.

مشاركة1: بيمضي عأرض جده وجد جده.

مشاركة2: نحن اللي بيبيع بنعتبره خائنا.

مشارك2: لا بنبيع ولا بنبدل بدنا الأرض تبعنا.

مشارك3: ما حدا، ما حدا استرجى، إذا نحن ما بدلنا ما حدا بيسترجي يبدل ولا حدا بيسترجي يبيع أرضه.

مشارك4: أنا أحمل هذه الأرض على أكتافي وأدفع الثمن.

المعلق: تمر السنون وتتغير الملامح والأشكال ولكن الآلة الإعلامية تظل تنتج التهمة الجاهزة التي هي أقسى من المنفى ومن الموت ذاته ولكننا نظل نسأل السؤال نفسه.

الجزء الخامس

من باع الأرض؟

أسباب بيع الأراضي
وسبل الاستيلاء عليها

المعلق: الباحث الدكتور خالد الخالدي رئيس قسم التاريخ والآثار في الجامعة الإسلامية في غزة يحصر الأراضي التي انتقلت إلى اليهود عن طريق العرب. أربعمائة ألف دونم باعتها عائلة سرسق، ميشال سرسق وأخوانه في سهل مرج ابن عامر، 165 ألف دونم باعتها عائلة سلام البيروتية، مساحة أخرى في امتياز آخر في منطقة الحولة باعتها عائلتا بيهم وسرسق، باع أنطون تيان وأخوه ميشال تيان أرضا لهما في وادي الحورات مساحتها 5350 دونما واستولى اليهود على جميع أراض الوادي البالغة 32 ألف دونم وطردوا أهلها منها بمساعدة الإنجليز، أربعة آلاف دونم في وادي القباني باعها آل قباني البيروتيون إلى اليهود الذين استولوا على أراضي الوادي كله فيما بعد، باع آل صباغ وآل تويني البيروتيين قرى الهريج والدار البيضاء والانشراح ونهاريا، مساحة كبيرة من الأراضي في صفد باعتها إلى اليهود عائلات القوتلي، الجزائري، وآل مارديني الشامية، مساحة كبيرة من الأرض باعها آل يوسف السوريون إلى شركة تنمية الأرض الفلسطينية، باع كل من خير الدين الأحدب وصفي قدورة، جوزيف خديج، ميشال سرجي، مراد دانا وإلياس الحاج اللبنانيون مساحة كبيرة من الأراضي الفلسطينية المجاورة للبنان إلى اليهود.

زيفي شيلون/ معهد بن غوريون لأبحاث الصهيونية-تل أبيب: الفكرة الأساسية والوحيدة كانت تجريد العرب من الممتلكات أو شراء الأراضي بأسعار مقبولة من أصحابها العرب ومنحها إلى الأمة اليهودية.

المعلق: ولكن ما هي أسباب بيع بعض الفلسطينيين لبعض أراضيهم؟ إنه الجهل بالنوايا الصهيونية والابتعاد عن الأرض بسبب تقسيمات وانتدابات ما بعد الحرب العالمية الأولى، وقد حرمت سلطات الانتداب على المالكين الذين لا يسكنون فلسطين استغلال أراضيهم، أيضا أجبرت سلطات الانتداب الفلاحين العرب على دفع الضرائب المتراكمة عليهم دفعة واحدة رغم أن الإنتاج الزراعي لم يكن في مستوى تحمل هذه الأعباء، يضاف إلى ذلك حرمان الفلاحين العرب من مقومات الإنتاج الرئيسية كانعدام الطرق المعبدة وهو ما عزل المدن عن بعضها وأدى إلى تعريض الإنتاج الزراعي للتلف والكساد بسبب عجز الفلاحين عن إيصال إنتاجهم إلى الأسواق.

سلمان أبوستة/ رئيس هيئة أرض فلسطين بلندن-الكويت: سرسق الذي باع عشرين قرية فلسطينية في عام 1924كان يدرك ماذا يعمل ولذلك هنا عنصر الولاء للوطن أو عدمه طبعا كان واضحا، بالنسبة للفلاح العادي يعني لم يتأثر بذلك إلا عندما هوجم في عقر داره، مثلا أنه جاءت بريطانيا بكميات كبيرة من الحبوب من أستراليا فرخص القمح وبالتالي لم يستطع أن يسدد ديونه وضرائبه وصار عليه هذه الضغوط ولذلك فإنه من الواقع الذي يجب أن ندركه أن الذين قاموا بثورة 1936وتحملوا عبأها وهم الذين تحملوا عبء العقاب الجماعي وهم الذين قتل منهم المئات وجرح الآلاف واعتقل عشرات الآلاف هم الفلاحون الفلسطينيون.

المعلق: كانت النتيجة أن انتهز البعض الفرصة وباع أملاكه في فلسطين إلى اليهود الذين دفعوا لهم فيها أسعارا خيالية بنوا بها عمارات شاهقة في بيروت ودمشق. على جانب آخر اعتبر كل من باع أرضا خائنا وتمت تصفيته.

سلمان أبوستة: ولكن لم تكن هناك مؤسسات تستطيع أن تقوم بدور يشمل البلاد كلها، ولذلك عندما جاء هذا الخطر الداهم كانوا بطبيعة وجود الانتداب غير قادرين على مواجهته فما بالك بعدو اللي هو الصهيونية الذي أتى للسيطرة على هذه البلاد، فيما يتعلق بالصهيونية كان لديها خطة كاملة كيف تستولي على البلاد، كان لديها دعم استعماري كبير جدا وكان لديها أموال.

المعلق: رغم كل تلك الضغوط ورغم بحثنا الدؤوب في الأرشيف العثماني إلا أننا لم نعثر بين الوثائق العثمانية سوى على وثيقة واحدة تتعلق بطلب جورج موسى سرسق إجراء معاملة فراغ لأرض له فيها حق التصرف في قضاء حيفا لصالح أحد رعايا دولة ألمانيا، وتذكر الوثيقة تبين بأن أسماء المشار إليهم والبارون روتشيلد وسائر اليهود الأجانب مستعارة وأن الأراضي والأملاك كافة التي فرغت لهم هي بقصد إسكان اليهود وتكثيرهم وأن المقرر أساسا عدم إفساح المجال لفراغ الأراضي بأرض فلسطين لليهود ودخول اليهود إليها وتوطينهم فيها، لذلك قرر المجلس تبليغ سرسق أفندي بعدم جواز فراغ الأراضي المذكورة إلى لاهمان المشار إليه بصورة قطعية وإشعار ولاية بيروت بعدم إفساح المجال لبيع وفراغة الأملاك والأراضي في أرض فلسطين لليهود المحليين غير الممنوع دخولهم وقبولهم فدخلوا وقبلوا لكنهم لم يصبحوا في عداد الأهالي القدماء. وعثر فريق البحث في الأرشيف البريطاني على مجموعة من الوثائق التي تكشف النقاب عن قيام سلطات الانتداب بتحريات عديدة حول حدود أملاك البطريركية خلال شهر مارس/ آذار عام 1927 وهو ما تطلب اتصالا بين مساعد المفوض البريطاني لمنطقة القدس الكابتن كوست وعمدة المدينة وقتها راغب النشاشيبي الذي بعث في السابع من الشهر نفسه بخطاب إلى نائب المفوضية البريطانية أوضح فيه تلك الطرق المحيطة بأملاك البطريركية.

زيفي شيلون: حصلوا أيضا على قروض كبيرة من الحكومة الانتدابية الإنجليزية وكان عليهم ردها ولم يملكوا الوسائل، لذا قررت الحكومة الانتدابية البريطانية بيع بعض أراضيهم في القدس لتغطية القروض، وعرض اليهود أفضل الأسعار والشروط لذا ربحوا المزاد العلني، لو كان العرب القوميون المخلصون الذين يملكون المال ولو كان أبناء الدول العربية طرحوا عروضا أفضل لتمكنوا من الحصول على الأرض لكن ذلك لم يشغلهم آنذاك.

المعلق: كان الخلاف ما بين حكومة الانتداب وبطريركية الروم الأرثوذكس في القدس يدور حول أرض مساحتها 498 دونما تقع في نكفورية الشرقية والغربية وكرم الحية والحريرية وقد نقلت ملكيتها إلى الدولة العثمانية لكنها ظلت في عهدة البطريركية حيث اشترطت لإتمام الصفقة بناء دوائر حكومية ولأن الشرط لم ينفذ بسبب خروج العثمانيين من فلسطين بعد الحرب العالمية وافقت البطريركية في عام 1921 وكما تشير الوثيقة على بيع الأرض التي كانت قد وهبتها للعثمانيين إلى الشركة اليهودية لتطوير أراضي فلسطين التي تسربت إليها أملاك الوقف المسيحي في منطقة في غاية الحيوية والأهمية وهي المنطقة التي تفصل اليوم القدس الشرقية عن الغربية ومكنت اليهود عام 1948 من وضع الحد الفاصل بين شطري القدس.

زيفي شيلون: حصل اليهود على الأراضي وطوروا منطقة جميلة ومركزا تجاريا مقابل بوابة يافا في القدس.

النشاط العربي ضد الاستيطان وممارسات الانتداب البريطاني

المعلق: في مواجهة موجات الهجرة وحمى شراء الأرض راح النشاط العربي المضاد يتطور واتخذ في جانب منه وإلى عام 1929 أساليب عقد المؤتمرات حيث شهدت تلك المرحلة سبعة مؤتمرات عقد الأول في القدس في مارس/ آذار من عام 1919 والثاني في يافا في فبراير/ شباط من عام 1920 وقد منع بالقوة، والثالث في حيفا في مارس/ آذار من عام 1921 وحتى المؤتمر السابع في القدس في يوليو/ تموز من عام 1928 وكان الهدف من هذه المؤتمرات تعبئة الشعب لمقاومة المشروع الصهيوني والتأكيد على الاستقلال ضمن الوحدة العربية.

سلمان أبوستة: هناك وثائق موجودة أيضا، هناك زي المحفوظات البريطانية، يقول فيها تشرشل إلى هيربل صامويل، قال له هيربل صامويل إنهم يطالبون بمجلس نيابي منتخب حسب الديمقراطية، قال له لا تذكر لهم كلمة الديمقراطية ولا تذكر لهم كلمة التمثيل النيابي على الإطلاق ولا نريد أن يحصل ذلك إلى أن يكون اليهود أغلبية ساعتها نستطيع أن نوافق على مجلس نيابي يكون فيه اليهود إما أغلبية وإما أقلية كبيرة جدا.

المعلق: في شكل آخر للاعتراضات تفجرت التظاهرات في موسم النبي موسى في القدس في تاريخ الرابع من أبريل/ نيسان عام 1920 واستمرت أربعة أيام وتحولت إلى اشتباكات بين عامي 1921 و1924 وظلت المظاهرات والاشتباكات تتوالى حتى انفجر الوضع سنة 1929 فيما عرف بثورة البراق. انتقلنا بالبحث نحو الأرشيف القومي السوفياتي الذي يمدنا بالعديد من الوثائق الراصدة لما جرى حتى قيام الثورة الكبرى في فلسطين، تسلط هذه الوثيقة الضوء على السياسة الجائرة للحكومة البريطانية التي تزيد من الضرائب على الفلاحين لضمان سيطرتها على الأرض لصالح أهدافها مع الحركة الصهيونية وتشرح تفاصيل الحيل المتبعة في هذا الإطار للتمكين من حشد الأراضي في أيدي الصهاينة مع طرد الفلاح وحرمانه بشكل كامل من الأرض وحقه في استخدامها.

روجر أوين/ باحث متخصص في تاريخ الشرق الأوسط-لندن: من الغريب بنظري أن لا تلقى على عاتق الإنجليز مسؤولية أكبر من وجهة نظر الفلسطينيين والعرب لأنهم يحاربون الإسرائيليين منذ وقت طويل، يظنون أن الإسرائيليين والأميركيين هم المشكلة وبالتالي تتم تبرئة الإنجليز بهذه الطريقة.

المعلق: تشير وثيقة سوفياتية أخرى محررة في الرابع عشر من أبريل/ نيسان عام 1933 إلى قيام قيادات حزب الاستقلال بمقابلة السير آرثر واوك هوب سادس مندوب سامي بريطاني على فلسطين لتعرض عليه مطالبها المتمثلة في منع الهجرة وإصدار قوانين تمنع الصهاينة من شراء الأراضي، وبعد الرد السلبي للمفوض السامي قامت القيادات بالدعوة إلى العصيان المدني ورفض دفع الضرائب ومقاطعة البضائع الإنجليزية والصهيونية مع إضراب احتجاجي عام مع الاحتجاج على ملاحقة الصحافة الوطنية العربية.

في صك الانتداب أضاف اليهود بندين في غاية الخطورة، الأول اعترف بالوكالة اليهودية ممثلا لليهود في فلسطين ولها دور حكومي، والثاني أنه سمح في المادة السادسة لليهود بأن يستوطنوا استيطانا كثيفا في فلسطين

سلمان أبوستة:
في صك الانتداب أضاف اليهود بندين في غاية الخطورة، أول بند أنه اعترف بالوكالة اليهودية ممثلا لليهود في فلسطين ولها دور حكومي بمعنى أنه اعترف بوجود حكومة يهودية تحت البناء والشيء الثاني أنه سمح في المادة السادسة لليهود بأن يستوطنوا استيطانا كثيفا في فلسطين close settlement استيطان كثيف في فلسطين وهذا يتم بحيث أن حكومة الانتداب تجعل البلاد في ظروف اقتصادية وسياسية وإدارية تسمح بهذا الاستيطان الكثيف، ما معنى ذلك؟ يعني تحويل فلسطين إلى دولة يهودية.

المعلق: تطورت الأوضاع وفي عام 1935 تذكر الوثائق السوفياتية أن جدران يافا طليت بشعارات الشيوعيين حيث كتب باللون الأحمر العريض "الحكومة المجرمة مسؤولة وحدها عن تهريب الأسلحة".

روجر أوين: في العالم يعتذر الجميع حاليا اعتذر الألمان وآخرون إذاً سرعان ما سيدرك البريطانيون أن الوقت قد حان للاعتذار عن سياساتهم في فلسطين لكنني لا أعيش في بريطانيا حاليا ولا أعرف إن كان أحدهم سيفعل ذلك ولكنه لن يفاجئني.

المعلق: تحرك الشيخ عز الدين القسام ومجموعته وحدث ما حدث ونجد في الأرشيف السوفياتي تقريرا يرصد التظاهرات الكبيرة ضد بريطانيا بعد تصفيتها الوحشية لمجموعة الثوار الوطنيين أخوة الغاب التابعة للشيخ القسام في يناير عام 1936 وتؤكد أنه على امتداد خمسة أشهر قاوم العرب الذين لا يتجاوز عددهم خمسة آلاف شخص وببطولة 25 ألف جندي إنجليزي مؤيدين بالدبابات والطائرات.

زيفي شيلون: بعد ظهور بعض قرارات لجان التحقيق التي شكلها الانتداب وظهور رغبات البعض في التقسيم كان الشعور أن أحد الفريقين سيستقر بعد بضعة أعوام وكان الشعور بأن الطرف العربي لن يوافق على ذلك وسيحاول تدمير الكيان اليهودي والكيان الصهيوني لذا بدأت الاستعدادات تعالج مثل هذا الوضع وقد بدؤوا ببناء قوة هاغانا وتطويرها.

قسطنطين كابيتونوف/ صحفي متخصص في العلاقات مع الشرق الأوسط-موسكو: حتى نهاية الحرب العالمية اصطدم الإنجليز بواقع أنهم لن يستطيعوا السيطرة على الوضع في فلسطين بدؤوا بفهم استحالة السيطرة على اليهود والعرب الفلسطينيين آنذاك ظهرت لديهم اللجان المختلفة.

سلمان أبوستة: قال تشرشل للوفد الفلسطيني الذي زاره عام 1921 عندما طلبوا منه مؤسسات ديمقراطية تمثيلية نيابية قال نعم سيكون لديكم مؤسسات تمثيلية نيابية ديمقراطية ولكن أولاد أولاد أولادكم لن يروها.

المعلق: في السابع من يوليو/ تموز عام 1937 قدمت لجنة بيل تقريرها الذي أوصى بتقسيم فلسطين كحل نهائي إلى دولة يهودية تشمل السهول الساحلية في شمالي تل أبيب وهضاب الجليل ودولة عربية تشمل غزة وبئر السبع وصحراء النقب والخليل ونابلس والإقليم الشرقي من طول كرم وجنين وبيسان ويافا وتتحد مع شرق الأردن وتبقى الأماكن المقدس في القدس وبيت لحم والناصرة وطبرية ومنطقة خاصة على الساحل تبقى مؤقتا تحت إدارة الدولة المنتدبة إنجلترا. رفضت اللجنة العربية العليا فكرة التقسيم ورأت في تقرير لجنة بيل أسبابا كافية للعودة إلى حمل السلاح من جديد وناشدت الملوك والأمراء وسواهم من المسلمين والعرب من أجل المساعدة في إنقاذ فلسطين من التقسيم والانتداب الأبدي.

سلمان أبوستة: بريطانيا عندما أخمدت الثورة الفلسطينية قضت على المجتمع الفلسطيني في ذلك الوقت، أولا إما اعتقلت أو قتلت أو نفت جميع زعماء فلسطين إلى الخارج، ثانيا حلت جميع الأحزاب والجمعيات، ثالثا أوقعت عقابا جماعيا بجميع القرى والمدن إلى درجة أن الذي يعتقل ومعه مسدس كان يحكم بالإعدام والذي كان يحمل سكينا كان يعني يسجن سجنا مؤبدا وبالتالي في هذا الوقت كان المجتمع الفلسطيني مضعضعا بالكامل.

المعلق: هكذا أعلن ديفد بن غوريون زعيم نقابة الهيستدروت استقواءه ورفضه لقرارات اللجنة وقال بحسب الوثائق السوفياتية ليس هناك على الأرض الفلسطينية شعب غير الشعب اليهودي. وفي المؤتمر الصهيوني العشرين الذي انعقد في أغسطس/ آب عام 1937 أثار مشروع التقسيم نقاشا عنيفا، فالمراجعون الذين لم يطالبوا بكامل فلسطين الغربية وحسب وإنما أيضا بشرقي الأردن كانوا معارضين بالطبع ولكن وايزمان كان يرى التقسيم خطوة في الاتجاه الصحيح وعاد بن غوريون ليقول إنه إذا تم العمل بهذه الخطة فإن ذلك سيمثل نفعا هائلا لنا ومقابل كل عربي ينقل يمكننا استقدام أربعة يهود.

[فاصل إعلاني]

الدور الألماني في تشجيع هجرة اليهود إلى فلسطين

المعلق: رغم الهبات والتظاهرات والثورات كان العمل الصهيوني يسير على أفضل ما يكون إلى حد أن الأذرع الأخطبوطية كانت تصل إلى الجميع. من ألمانيا ومن الأرشيف الألماني خرج فريق البحث بالعديد من الوثائق التي توضح موقف الحكومة الألمانية من التحويلات المالية لليهود من ألمانيا إلى فلسطين وكذلك العلاقات التجارية مع شركات ومؤسسات يهودية وصهيونية في كل من ألمانيا وفلسطين وخاصة تلك التي تعمل في مجالات الأرض والعقارات، في الثامن عشر من يوليو/ تموز عام 1933 كان وزير الاقتصاد الألماني قد بعث إلى ممثل المنظمة الصهيونية في ألمانيا ومدير شركة حانوثاي اليهودية في تل أبيب ليقول "إنني مستعد لدعم هجرة اليهود الألمان إلى فلسطين من خلال منح التسهيلات الآتية من أجل مساندة تحويل أكبر لقيمة ممتلكاتهم".

زيفي شيلوني: لقد كان السبيل الوحيد لليهود كي يغادروا ألمانيا النازية وينقذوا جزءا من مالهم وممتلكاتهم هو شراء سلع ألمانية وأخذها معهم إلى فلسطين، هذه هي اتفاقية هافارا.

فولفجنج فيبرمان/ مؤرخ متخصص في القومية النازية والعداء للسامية-برلين: تعني كلمة هافارا التحول المالي، لقد وظفت الاتفاقية للمقايضة، بضاعة مقابل إنسان، هذا يعني أن الألمان كانوا يريدون الحصول على الأموال الطائلة لأن الاقتصاد الألماني كان يعاني آنذاك من أزمة مالية حادة سببها التصنيع الحربي السريع ولهذا كان من الضروري تعزيز الصادرات، صدرت البضائع الألمانية إلى منطقة الانتداب البريطاني حيث جمعت الأموال وحسبت بدقة وتمحيص شديدين ومن خلال هذه الحسابات تم حصر عدد اليهود الذين يسمح لهم بمغادرة البلاد ولكن القليل من المهاجرين تمكن من أخذ أمواله معه، إن مبدأ الاتفاقية الأساسي ما هو إلا مقايضة بين الجانبين، بضاعة مقابل إنسان.

تقرير هافارا كان يقر بأن أي يهودي ألماني يملك مبالغ  توضع في بنك ألمانيا ويورد للكيان الصهيوني آلات حراثة وما شابه نظير هذا المبلغ ويتلقاه اليهودي الألماني حينما يذهب إلى فلسطين

عبد الوهاب المسيري
/ مؤلف موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية-القاهرة:
إحدى ثمرات اتفاقية هافارا أنها هي التي بنت الكيان الصهيوني، بمعنى قبل هافارا كان يوجد بطالة كان يوجد ثلاثمائة ألف مهاجر فقط وهكذا، بتقرير هافارا كان أي يهودي ألماني له نقود توضع في بنك في ألمانيا ويورد للكيان الصهيوني آلات حراثة وما شابه نظير هذا المبلغ ويتلقاه اليهودي الألماني حينما يذهب إلى هناك، وهو ده اللي بنى الكيان الصهيوني حتى أنه كان يقال إذا كان هيرتزل هو ماركس الصهيونية فهتلر هو لينين.

المعلق: ما بين عام 1937 و1938 وفي وقت كانت فيه فلسطين تعيش حالة من الاضطرابات الكبيرة والثورة وكان العالم كله على أعتاب حرب عالمية ثانية احتدم الحديث حول اتفاقية هافارا الداعمة للهجرة والتحويلات المالية اليهودية حيث تسأل وثيقة السادس والعشرين من مايو عام 1937 عما إذا كان مقبولا وضع مجمل تجارة الصادرات الألمانية إلى فلسطين في خدمية هافارا وبالتالي المساهمة مباشرة في تأسيس دولة قومية يهودية برأسمال ألماني.

زيفي شيلون: عندما استلم هتلر والنازيون السلطة في ألمانيا بدؤوا على الفور بمضايقة اليهود وباضطهادهم بقسوة ويوما بعد يوم صدرت أوامر كثيرة ضدهم، أوامر جردتهم من ممتلكاتهم وطردتهم من المدارس ومن الوظائف الحكومية ومن الوظائف في كل مكان، كان واضحا أنهم بذلوا قصارى جهودهم لتدمير اليهود أقله في ألمانيا فيما أعلنوا أنهم سيدمرونهم في كل مكان.

المعلق: كانت جهود إلغاء العمل باتفاقية هافارا مبذولة من جانب داوئر حزب العمال الاشتراكي الوطني برئاسة أدولف هتلر رئيس الوزراء وقتها وكانت مقاومة هذه الجهود تأتي وكما يتضح من الوثائق الألمانية من جهة وزارة الاقتصاد والدوائر المعنية بذلك في الخارجية وهذا ما يؤكده التقرير الذي رفعته هيئة استثمار العمولات إلى وزارة الخارجية في السابع من ديسمبر/ كانون الأول عام 1937 لعناية مستشار الشؤون السرية ممثل حزب الأغلبية الحاكم في وزارة الخارجية الألمانية. يبين التقرير الوسائل المصرفية التي كان التحويل المالي يتم بموجبها وكيف أن تلك الوسائل قد تجاوزها الزمن وتحتاج إلى تطوير ثم وتحت عنوان "التنظيم المستقبلي" جاء في الوثيقة: اليهود الذين يمتلكون ثروة بقيمة أكثر من خمسين ألف مارك سيهاجرون تدريجيا تحت ضغط الإجراءات الداخلية وسيبيعون ثروتهم في الخارج كعملة ألمانية مجمدة وسيحققون بالنظر إلى ضريبة الهروب من الرايخ فائدة بقيمة 13% إلى 14% وإذا غادر هؤلاء اليهود الأثرياء ألمانيا فإن الفقر الذي بدأ يحل بسرعة على الجالية اليهودية سيؤدي قريبا جدا إلى أن هؤلاء الأغنياء لن يعود بوسعهم دعم اليهود الفقراء والعاطلين عن العمل، من بين نحو 360 ألف يهودي متبقين في ألمانيا يتلقى حاليا نحو تسعين ألف الدعم، يجب توقع أنه سيزداد في وقت قصير نسبيا في ألمانيا عدد اليهود الذين سيثقلون كاهل المؤسسة الخيرية والذين لن توجد لهم من الناحية العملية إمكانية للهجرة، مبالغ الدعم التي دفعتها جمعية إغاثة اليهود في ألمانيا للمهاجرين وخدمات أخرى تضاعفت في الفترة بين عامي 1932 و1936، 18 مرة.

فولفجنج فيبرمان: دار حوار حامي الوطيس بين مختلف الأحزاب الألمانية بخصوص تغيير الاتفاقية، كانت تغلب على المنظومة السياسية الألمانية غياب التعددية الحزبية، كانت أصوات ألمانية تطالب بأخذ كل الأموال التي يمتلكها اليهود وإذا ما أرادوا مغادرة البلاد تعين عليهم أن يتركوا كل أموالهم فضلا عن حرمانهم من ممتلكاتهم، آخرون نادوا بقتل كل اليهود وهناك من قال من الأفضل أن نتفاوض معهم حتى نحصل على مزيد من المال، دارت نقاشات ساخنة حول هذه المسائل مما أدى إلى إيقاف صلاحية اتفاقية هافارا تدريجيا لتصبح الاتفاقية سنة 1939 عند اندلاع الحرب غير نافذة المفعول.

المعلق: وقعت أيدينا على تلك الوثيقة التي ورغم أهميتها إلا أنها حفظت في الأرشيف الألماني للوثائق من دون توقيع وبتاريخ العاشر من مارس/ آذار عام 1938 ومن الواضح أنها من أرشيف وثائق حزب العمال الاشتراكي الوطني الحاكم آنذاك والتي تتساءل مرة أخرى هل من المجدي تركيز الهجرة اليهودية المسندة برأس المال إلى فلسطين وبالتالي المساهمة في دولة لليهود لا تتماشى مع المصلحة الألمانية؟ أليس من الأنجع تشتيت هجرة اليهود وبالتالي تشجيع الأجواء المعادية للسامية في العالم؟ أليس من الضروري الاستغناء فورا عن اتفاقية هافارا رغم أن دوائر تصدير ألمانية مهمة تروج للحفاظ عليها بدوافع سياسية مكشوفة؟

فولفجنج فيبرمان: انتفع الطرفان من الاتفاقية، فالرايخ الألماني حصل على أموال كثيرة من العملة الصعبة التي كان الألمان في أشد الحاجة إليها نظرا لقلة العملة الصعبة في الخزانة الألمانية كما تمكن اليهود من مغادرة البلاد والهجرة بشهادات الهجرة التي تخول لهم الدخول إلى فلسطين بالنذر القليل من المال، وأصبح في هذه الأثناء وضع اليهود في ألمانيا سيئا للغاية إذ أن القانون القيصري الألماني يجبر كل مهاجر على دفع ضريبة مالية، مرسوم الهجرة، كما يمنع القانون المهاجر من تحويل أمواله أو أخذ ممتلكاته معه خارج البلاد وباتت مغادرة البلاد لكل من لا يفر عبر اتفاقية هافارا أمرا مستحيلا.

تأسيس الوكالة اليهودية والدور الأميركي

المعلق: حلت الوكالة اليهودية لفلسطين منذ تأسيسها محل المنظمة الصهيونية فيما يتعلق بأهداف المادة الرابعة من صك الانتداب البريطاني على فلسطين، وبعد أقل من عام على تأسيسها وعن طريق إدارتها المالية كيرن هايسود تذكر وثيقة سوفياتية أن الوكالة اليهودية اشترت في عملية واحدة فقط جرت في شهر مارس/ آذار من عام 1930، 28 ألف دونم وأسست عليها ثلاث مستوطنات لتوطين 240 من المهاجرين الجدد.

عبد الوهاب المسيري: الوكالة اليهودية كانت هي التي تقوم بتمويل عملية الاستيطان والإشراف عليها وكانت هي حلقة الوصل بين المستوطنين ويهود العالم والحكومات الغربية.

المعلق: بعد 15 عاما من تأسيسها استعانت الوكالة اليهودية بالرئيس الأميركي هاري ترومان للضغط على بريطانيا كي تسمح لمائة ألف من يهود أوروبا بالدخول إلى فلسطين عام 1946. يقدم لنا الأرشيف الأميركي الوثيقة التي تؤرخ لاجتماع ترومان في الثاني من يوليو/ تموز عام 1946 مع الأعضاء الأميركيين في المجلس التنفيذي للوكالة اليهودية من أجل فلسطين والذي أشار فيه الرئيس إلى استعداد الحكومة الأميركية لتحمل المسؤولية الفنية والمالية عن ترحيل أولئك المهاجرين من أوروبا إلى فلسطين.

قسطنطين كابيتونوف: كان ثمة وقت حين منع الإنجليز وصول المهاجرين وفي أعوام الحرب كان هناك يهود ينتظرون في قبرص ما يمكن تسميته الأيام الأفضل.

فيليس بينيس/ سفير سابق في الشرق الأوسط-واشنطن: لقد تمت تعبئة التجمعات اليهودية الأميركية إلى لوبيات قوية جدا تحث وتطالب وتمول الدعم لإسرائيل هذا أيضا يسبق تاريخ إنشاء دولة إسرائيل، كان لدى الحركة الصهيونية الأولى مناصرون في الولايات المتحدة مع أنها لم تكن وجهة نظر الأكثرية كما هي اليوم.

المعلق: ترصد وثيقة أخرى من الأرشيف الأميركي تفاصيل وأسلوب عمل الوجه الآخر لهذه الوكالة مع قطاع آخر من المهاجرين إضافة إلى قطاعي المهاجرين الشرعيين وغير الشرعيين ألا هو هجرة يهود أوروبا الغربية وأميركا عن طريق فرع الوكالة في باريس حيث يكتب إدغار هوفر مدير الـ FBI ليقول "حضر إلى مكتبنا في نيويورك المدعو فرانك هاريس وعنوانه 900 طريق ريفر سايد في مدينة نيويورك وذكر أنه اتصل بالمنظمة المذكورة بعد قراءة إعلان منشور في النيويورك بوست بتاريخ التاسع من أكتوبر عام 1946 يقول اذهب إلى فلسطين على طريقة منظمة هيحالوتس الأميركية، وذكر أنه من حواره مع ديف بيترمان المنتسب إلى تلك المنظمة استمد انطباعا بأنها تسيء استخدام الوثائق الأميركية وجوازات سفر المواطنين الأميركيين الذين يستعينون بمنظمة هيحالوتس الأميركية في الوصول إلى فلسطين".

أرادت الولايات المتحدة بشدة تحويل هجرة اليهود عن أراضيها إلى فلسطين، ومع أنها وقفت إلى جانب بريطانيا في الحربين العالميتين أرادت في الوقت ذاته أن تخفف دور بريطانيا كقوة عالمية وأن تحل محلها
زيفي شيلون:
أرادت الولايات المتحدة بشدة تحويل هجرة اليهود عن أراضيها إلى فلسطين، علاوة على ذلك ومع أنها وقفت إلى جانب بريطانيا في الحربين العالميتين أرادت في الوقت ذاته أن تخفف دور بريطانيا كقوة عالمية وأن تحل محلها، كانت سعيدة جدا بتفكك الإمبراطورية البريطانية كي يمكن للمال الأميركي والمصالح الأميركية التحرك بسهولة أكبر في إطار مثل تلك الظروف.

المعلق: أشار هوفر في رسالته إلى مدير قسم الأنشطة الأجنبية في وزارة الخارجية الأميركية إلى منشور أصدرته المنظمة المذكورة بعنوان "ساعد في تدريب رواد فلسطين" ورد فيه تصريح على لسان حاييم وايزمان رئيس الوكالة اليهودية من أجل فلسطين، ورغم أن المنشور لا يذكر مسؤولي المنظمة بالاسم إلا أنه يورد صورا لبعض هؤلاء الرواد الأميركيين أثناء التدريب كما يورد صورا لألبرت آينشتاين في حفل افتتاح مزرعة هايدستاون الواقعة في نيوجيرسي، لقد قيل إن الأنشطة الجماعية في مزرعة هايدستاون تشمل دراسة التاريخ اليهودي وإنه في عام 1942 تم تدريب بعض الطيارين اليهود على الطيران في تلك المزرعة. الوثائق السوفياتية تبين أنه وخلال ستة أشهر من أبريل/ نيسان وحتى نهاية سبتمبر/ أيلول من عام 1940 تم منح تسعة آلاف وثيقة سفر إلى مهاجرين يهود للدخول إلى فلسطين انسجاما مع الحصة المحددة للهجرة اليهودية لكن ورغم الصعوبات الكبيرة والقيود المفروضة والحصص المحددة تمكن 1600 من المهاجرين من الدخول إلى فلسطين على امتداد السنة الأولى للحرب جاء معظمهم عبر المحيط الهندي والبحر الأحمر وقد استمرت هذه الهجرة وبدرجات متفاوتة خلال صيف عام 1940 وإلى شهر ديسمبر من العام نفسه وفي الفترة نفسها حل في فلسطين وبشكل قانوني 12270 مهاجرا. الحكومة أعلنت في العشرين من يناير/ كانون الثاني عام 1940 أنها ستقوم في المستقبل بتحويل المهاجرين اليهود غير الشرعيين إلى مستوطنة إنجليزية بحيث يبقون هناك طيلة فترة الحرب ولكن لم يتبين فيما إذا كان هؤلاء سيبقون في المستوطنة بعد الحرب أم سيذهبون إلى فلسطين. أول دفعة من الهجرة غير الشرعية تقدر 1904 أشخاص وكانت سفينة باتريا على وشك الدخول إلى حيفا صباح الخامس والعشرين من يناير كانون الثاني ولكن انفجارا وقع وأدى إلى غرقها ومقتل 170 شخصا وقدمت تسهيلات إنسانية للناجين وسمح لهم بالبقاء في فلسطين.

سلمان أبوستة: ومن العجيب الذي يجب أن يسجل أيضا ضد القادة الأوروبيين والأميركان الغربيين أنهم رفضوا دخول اليهود الذين هربوا من ألمانيا النازية إلى بلادهم وذلك بطلب من الوكالة اليهودية، طلبت من أميركا أن لا تسمح لليهود أن يذهبوا إلى أميركا بل أن يوجهوا إلى فلسطين بل هناك وثائق تقول إن هناك اتفاقا بين بعض الجماعات الصهيونية منها آرغون والنازية أن كل من لا يذهب إلى فلسطين يقول اليهود خذوه واعملوا به ما تشاؤون.

المعلق: بين فلسطين وبريطانيا توالت اللجان والكتب البيضاء من دون أن تغير شيئا في الوضع على الأرض التي صارت تتآكل من تحت أقدام أصحابها. وفي يناير/ كانون الثاني عام 1940 قدم مالكولم مكدونالد إلى مجلس وزراء حكومة الحرب البريطانية تقريرا مطولا حول السياسة البريطانية في فلسطين موضحا ما جاء في المادة السادسة من صك الانتداب والتي تنص على أنه على الدولة المنتدبة أن تدير فلسطين مع ضمان عدم إلحاق الضرر بحقوق ووضع الفئات الأخرى من السكان وأن تشجع هجرة اليهود، ولم يفرض حتى الآن تقييد على نقل الأرض من العرب لليهود. يشير مكدونالد في هذه الوثيقة إلى تقارير لجان الخبراء التي وضعت في اعتبارها أن النمو الطبيعي للسكان العرب وعمليات البيع المستمرة طوال السنوات الأخيرة للأراضي العربية لليهود أدتا إلى عدم وجود أي مجال في بعض المناطق لمزيد من عمليات نقل الملكية للأراضي العربية بينما في مناطق أخرى يجب أن تقيد مثل تلك العمليات حتى يتمكن المزارعون العرب من الحفاظ على مستوى حياتهم الحالي.

قسطنطين كابيتونوف: لقد فعلوا بهذه الأرض ما شاؤوا كانت تابعة لهم وتحت انتدابهم فقد سموا العرب جماهير ببساطة وكان بإمكانهم تسمية اليهود وطن قومي يهودي إلى آخره. إنها تلك السياسة التي قامت إنجلترا بانتهاجها في منطقة الشرق الأوسط.

المعلق: كان لدى وزير المستعمرات مكدونالد بعض التحفظات بشأن الحرب التي كانت تدق الأبواب حيث أشار إلى أن الدعم الحالي لليهود في فلسطين وفي أنحاء العالم سيتأثر بشكل ضار وخطير إذا ما نفذت سياسة الكتاب الأبيض، لقد أكدت الوكالة اليهودية أنها وفي الوقت الذي تواصل فيه معارضتها الصريحة للكتاب الأبيض ستضع اختلافاتها مع الحكومة البريطانية جانبا في فترة الحرب.

زيفي شيلون: حكمت بريطانيا فلسطين وأغلقت الباب أمام هجرة اليهود وأصدرت الكتاب الأبيض ليحد إلى حد بعيد إمكانية شراء اليهود للمزيد من الأراضي في فلسطين لذا كان القرار لننضم إلى بريطانيا لمحاربة النازيين كأنه ما من وجود للانتداب البريطاني في فلسطين وفي الوقت نفسه لنحارب البريطانيين وكأنه ما من حرب عالمية ثانية وحرب ضد النازية.

سلمان أبوستة: عام 1942 الذي هو أثناء الحرب الثانية اجتمع الصهاينة في بلتيمور في أميركا وقال بن غوريون نريد أن نجعل من فلسطين كلها كومنويلث يهودي يعني أعلن بصراحة أنه لا يفكر لا في تقسيم ولا في غيره وأنه يريد الآن أن يستولي على فلسطين كاملة، عالما بأن المجتمع الفلسطيني الآن مضعضع وضعيف جدا بسبب ما قامت به بريطانيا ضده يعني أعفته من هذا الدور ولذلك ما إن انتهت الحرب العالمية الثانية حتى شعر الصهاينة أن دور إنجلترا انتهى ثم أتوا لهم بوعد بلفور ووضعوهم في فلسطين وأصبحت نسبتهم 30% من السكان وبالتالي أصبح ليس لهم دور وبدؤوا حربا جديدة ضد بريطانيا.

المعلق: وسط احتدام الحرب ولاستكمال المخطط جاءت الوثائق السوفياتية من جديد بخبر لقاء حاييم وايزمان رئيس المنظمة الصهيونة مع مايسكي السفير السوفياتي لدى بريطانيا الذي أرسل إلى الخارجية في موسكو تقريرا يسجل فيه تفاصيل لقائه المفاجئ مع وايزمان، يقول مايسكي "أعرب وايزمان عن عدم شعوره بالقلق حيال مصير اليهود السوفيات ولكنه يصاب بالرعب عندما يفكر في مصير ستة أو سبعة مليون يهودي يعيشون في وسط وغرب شرق أوروبا في ألمانيا والنمسا وتشيكوسلوفاكيا وفي البلقان وخاصة بولندا، ما الذي سيحصل لهم وإلى أين سيذهبون؟" عاد وايزمان بحسب ما جاء في تقرير مايسكي ليتساءل بقلق، ما الذي سيحل باليهود في حال انتصار الإنجليز؟ ثم يفصح عن هدفه قائلا إن الخطة الوحيدة التي يفكر فيها لإنقاذ يهود وسط أوروبا وقبل كل شيء يهود بولندا تتلخص في تهجير مليون عربي من فلسطين إلى العراق لكي يوطن محلهم أربعة إلى خمسة مليون يهودي من بولندا ودول أخرى، يقول مايسكي إنه عبر عن دهشته كيف يمكن وعلى أرض يسكنها مليون عربي أن يتم توطين خمسة مليون يهودي؟ وقد أجابه وايزمان ضاحكا لا تقلقوا إنهم يسمون العربي ابن الصحراء والصحيح أنه أبو الصحراء لأنه بكسله وبدائيته يحول البستان المزهر إلى صحراء، أعطوني الأرض التي يشغلها المليون عربي وعليها أوطن خمسة أضعافهم من اليهود. ويختتم مايسكي تقريره قائلا إن وايزمان هز رأسه بشجن ثم قال وتبقى المشكلة الحقيقية هي كيف نحصل على الأرض؟.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة