مستقبل العراق في ظل التهديد الأميركي   
الاثنين 29/11/1425 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:15 (مكة المكرمة)، 14:15 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

مالك التريكي

ضيوف الحلقة:

دانييل بليتكا: قسم الدراسات الدفاعية والسياسية
سيد أبو زيد عمر: مساعد وزير الخارجية المصري سابقاً

تاريخ الحلقة:

11/08/2002

- السيناريوهات الأميركية للحرب ضد العراق
- طبيعة السياسة الأميركية تجاه العراق

- الموقف العربي من الحرب على العراق

مالك التريكي: الولايات المتحدة تصعد الحرب النفسية ضد النظام العراقي وتتوعده بالسيناريو الأفغاني. تساؤلات حول مستقبل العراق في ضوء تجدد النزعة الإمبريالية الأميركية.

أهلاً بكم، عندما قررت الولايات المتحدة الأميركية توسيع حلف شمال الأطلسي شرقاً رغم احتمال استعداء روسيا قال المعلقون إن توسيع الحلف فكرة سيئة إلا أنه قد آن أوانها، والآن وقد قررت الولايات المتحدة الإطاحة بالنظام العراقي، فإنه يبدو أيضاً أن هذه من الأفكار السيئة غير أن وقتها قد حان، إذ رغم انعدام الجدول الزمني فإن هنالك الآن شعوراً عاماً ببدء العد التنازلي، ومع أن التصريحات العلنية الأميركية المتفرقة عن الإطاحة بالنظام العراقي قد بدأت منذ عام 97 على الأقل، فإن الرغبة في ذلك بقيت ضمنية في خلفية التأكيدات الأميركية المستمرة على ضرورة تنفيذ العراق للقرارات الدولية المتعلقة بحظر إنتاج الأسلحة الكيماوية والبيولوجية والنووية إضافة إلى الكف عن تهديد الجيران.

إلا أن الخطاب الأميركي قد أصبح منذ أواخر العام الماضي يتبنى رسمياً فكرة الإطاحة بالنظام العراقي، وقد اجتهد الأميركيون منذئذٍ في محاولة إقناع الأوروبيين بوجود نوع من العلاقة بين النظام العراقي وهجمات الحادي عشر من سبتمبر وعندما خاب هذا المسعى قررت أميركا وبريطانيا بداية من يناير الماضي تغيير الذريعة، فصارتا تقولان إن مكمن الخطر في العراق هو أنه لم يتوقف عن إنتاج أسلحة الدمار، إلا أن هذه الذريعة التي كان يُظن أنها أكثر قابلية للتصديق قد تعذرت هذا أيضاً على الترويج، حيث لاتزال وسائل الإعلام تنتظر من الحكومة البريطانية منذ خمسة أشهر أن تنجز وعدها بنشر ملف كامل يتضمن ما زعمت أنه أدلة على صحة تهمة تطوير أسلحة الدمار.

وفي هذا الإطار بالضبط يفهم الآن تخوف صقور وزارة الدفاع الأميركية من توصل العراق إلى أي اتفاق مع الأمم المتحدة حول استئناف عمليات التفتيش عن الأسلحة المحظورة، فإن ذلك سيلزم الأمم المتحدة برفع العقوبات ويحرم الولايات المتحدة الأميركية من أي ذريعة لاستهداف النظام، وفي هذا الإطار بالظبط أيضاً يندرج الاعتراض الأوروبي على ما سماه المستشار الألماني (جيرهارد شرودر) بألاعيب الحرب الأميركية.

عبد السلام أبو مالك.. أبو مالك يستعرض سيناريوهات الحرب واحتمالات ترتيبات ما بعد الحرب ضد العراق.

السيناريوهات الأميركية للحرب ضد العراق

عبد السلام أبو مالك: الشرق الأوسط في حاجة إلى سلام جديد وليس إلى حرب جديدة، والحرب على العراق لا تدخل ضمن الحرب على الإرهاب، هذا هو لسان حال ألمانيا ومستشارها (شرودر) أحد الحلفاء المخلصين للولايات المتحدة في حربها على ما تسميه الإرهاب، وهو يعتبر أقوى صوت معارض حتى الآن في أوروبا للحرب الأميركية على العراق.

وعلى الصعيد الشعبي ليس هناك ما هو أقسى على الإدارة الأميركية من هذه الأغنية التي أطلقها المغني (جورج مايكل)، shoot the dog أو أطلق النار على الكلب، عنوان صارخ تعبيراً عن مزاج شعبي رافض للتبعية المطلقة التي ينهجها رئيس الوزراء البريطاني (توني بلير).

ومن الطبيعي ألا تنظر الإدارة الأميركية بعين الرضا إلى مثل هذه المواقف، التي تشوش عليها خططها وتكشفها أمام الرأي العالمي كقوة مستبدة متعطشة للدماء ومن هنا جاءت تصريحات الرئيس الأميركي الأخيرة التي قال فيها إنه سيكون صبوراً في التعامل مع النظام العراقي وسيستشير حلفاءه قبل اتخاذ أي قرار نهائي بالهجوم وهي التصريحات التي اعتبرها المراقبون تحولاً في حرب الأعصاب التي تشنها الإدارة الأميركية، لكن ذلك لا يعني أنها تراجعت عن أهدافها الرامية إلى الإطاحة بنظام الرئيس العراقي صدام حسين، فالعاصمة واشنطن تفتح ذراعيها لاستقبال وفود المعارضة العراقية التي تراهن عليها الإدارة الأميركية كحصان طروادة الذي سيسهل أي عملية اجتياح للعراق ويضفي عليه شرعية شبيهة بما حصل في أفغانستان، بيد أن السيناريو الأفغاني الذي يتمنى وزير الدفاع (دونالد رامسفيلد) أن يتكرر في العراق غير مضمون النتائج ويثير الكثير من الرعب والخوف لدي الجيران ومثله السيناريو اليوغسلافي أو سيناريو (ميلوسوفيتش) كما يطلق عليه بعض المراقبين وهو القائم على القصف الجوي المكثف بدءً بالقصور الرئاسية ومن ثم معسكرات الجيش مع التركيز على الحرس الجمهوري إلى جانب المنشآت الحيوية.

الاجتياح البري هو السيناريو الآخر، وسيعتمد بالضرورة على الضربات الجوية والصاروخية التي تشل قدرة القوات العراقية، ومن المفترض أن تتحرك القوات الأميركية حسب هذا السيناريو من الكويت وتركيا والأردن إذا وافقت هذه الأطراف على المشاركة.

لكن السيناريو الأخطر هو السيناريو الذي لا يعرفه أحد ويرسمه المتشددون في إدارة الرئيس بوش التي لم تعد مقتنعة بنجاعة العقوبات الذكية أو سياسة الاحتواء والحصار ولا حتى عودة المفتشين الدوليين، وهي لن ترضى بأقل من الإطاحة بصدام حسين واعتقاله أو قتله.

ورغم الانقسام الذي بدأ يطفو على السطح داخل أميركا بشأن قانونية أي ضربة للعراق إلا أن الصقور في الكونجرس والبنتاجون يحذرون من أن أي تراجع حتى ولو كان بسيطاً سوف يفسر من قبل أعداء أميركا وكأنه مؤشر ضعف وتخبط وعدم وضوح في الرؤية الاستراتيجية، وبوش أحوج ما يكون إلى انتصار كبير في العراق يضرب فيه أكثر من عصفور بحجر واحد، ويسمح لواشنطن بإعادة رسم خريطة المنطقة وفق سياسة جديدة تحقق مصالحها الحيوية ومصالح حليفتها إسرائيل، ومن بينها تطويق إيران ووضعها بين فكي كماشة من العراق وأفغانستان ووضع اليد على ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم وتهديد سوريا المتهمة أيضاً بالإرهاب والسعي للحصول على أسلحة التدمير الشامل.

ترتيبات المنطقة ما بعد تغيير النظام في العراق هي إذن مصلحة مشتركة إسرائيلية – أميركية، وهناك من يدفع في هذا الاتجاه بصرف النظر عن التطورات الجارية في الأراضي الفلسطينية كوزير الخارجية السابق (هنري كسينجر) الذي يرى أن الطريق إلى القدس يمر عبر بغداد وليس العكس، ومهما قيل بشأن مخاطر الحرب القادمة، فإن الإدارة الأميركية تبدو ماضية في تصميمها على إزاحة كل الأنظمة التي لا تروق لها غير عابئة بالتحذيرات من أن سياستها الاستئصالية هذه قد تفجر منابع الإرهاب بدل تجفيفها وتفتح أبواب الشر بدل إغلاقها.

طبيعة السياسة الأميركية تجاه العراق

مالك التريكي: إذن يبدو أن الولايات المتحدة أصبحت مصممة على إزاحة كل الأنظمة التي لا تعجبها غير عابئة مثل ما ذكر التقرير بالتحذيرات من أن سياستها الاستئصالية قد تكون السبب الأساسي لاستمرار ما تسميه بالإرهاب، معنا من واشنطن لبحث قضية السياسية الأميركية إزاء العراق السيدة دانييل بليتكا (نائبة رئيس الدراسات الدفاعية والسياسية في معهد American enterprise institute سيدة دانييل بليتكا، ألا تعتقدون أن قرار الإدارة الأميركية بالإطاحة بالنظام العراقي يمثل أول خطوة على طريق استئناف السياسة الإمبريالية، هذه السياسة التي أصبح يطالب بها عدد متزايد من المثقفين الأميركيين، سواء كانوا من المحافظين أم الليبراليين؟

دانييل بليتكا: لا أعتقد أن هذه خطوة أولى في الطريق نحو الإمبريالية، الولايات المتحدة لم تكن أصلاً قوة إمبريالية وأعتقد أن هذه خطوة ضرورية لضمان أمننا القومي وضمان أمن حلفائنا في المنطقة وأوروبا.

مالك التريكي: ما الذي تغير من الفترة السابقة على الحادي عشر من سبتمبر إلى الفترة اللاحقة عليها، لأنه قبل الحادي عشر من سبتمبر لم يكن الخطاب الرسمي الأميركي يتبنى الإطاحة بالنظام العراقي كهدف استراتيجي وإنما كان يتحدث فقط عن ضرورة تنفيذ القرارات الدولية ما الذي تغير كيف أصبح العراق الآن خطراً داهماً على المصلحة القومية الأميركية؟

دانييل بليتكا: أولاً قبل كل شيء إنني أختلف تماماً مع فرضيتكم، لا أعتقد إن الإدارة غيرت كلامها الرسمي ففي قبل.. قبل الحادي عشر من سبتمبر وافقت على قانون تحرير العراق، وقالت إنها تلك سياسة إدارة (كلينتون) أصلاً، وكان هناك كثير من الجدل والنقاش في الولايات المتحدة ولفترة طويلة، ولكن ما أعتقد أنه بسبب الحادي عشر من سبتمبر إن أميركا بدأت تعي حقائق أسلحة الدمار الشامل ووجودها في أيادي حكام ديكتاتوريين مثل صدام حسين وبدأنا نرسم لأنفسنا ماذا سيحدث وماذا سيعني إن كانت له علاقة بالمنظمات الإرهابية واستخدمت مثل هذه الأسلحة، وسيكون هذا تهديداً ليس لمصالحنا في الشرق الأوسط فقط بل لمصالح حلفائنا أيضاً في أوروبا والشرق الأوسط.

مالك التريكي: في أعقاب الحادي عشر من سبتمبر سيدة بلتيكا حاولت الإدارة الأميركية الإشارة إلى أن العراق ربما كان له علاقة ما بهجمات الحادي عشر من سبتمبر وقام جناح الصقور في وزارة الدفاع الأميركية بإرسال (جيمس والسي) المدير السابق للـ CIA إلى العواصم الأوروبية لإقناع الأوروبيين بذلك، لكن الـ CIA نفسها قالت إنه ليس هناك أدلة كافية على هذه التهمة، وأصبح من يناير.. منذ يناير أصبح الكلام عن تطوير أسلحة الدمار الشامل.

دانييل بلتيكا: لا أعتقد إن من العدل أن نقول إن الإدارة الأميركية ركزت على علاقة العراق بأحداث الحادي عشر من سبتمبر، ولكننا بحثنا في هذه المشكلة لنرى هل أن هناك علاقة لأي دولة كالعراق وأفغانستان أو غيرها، البعض جادل وبحجج دامغة بهذا الاتجاه، ولكن المسؤولون في الولايات المتحدة يجب أن يبحثوا في هذا الاحتمال ولكن.. وبكل إنصاف.. نقول.. عندما نقول إنها لا تكن أية علاقة أبداً بين العراق صدام حسين ولم أسمع أنا عن أي أحد يقول بهذه الحجة ومنذ فترة من الزمن، والأهم من كل ذلك وأننا يجب ألا نقول إنه بسبب الحادي عشر من سبتمبر نريد الإطاحة بصدام حسين سواء فعلها أو لم يفعلها والأدلة واضحة بأنه لم يفعل، يبقى صدام هو تهديداً لشعبه وهذا ما يجعله من الأهمية بمكان الإطاحة به وتغيير نظامه ووضع نظام آخر بدله في العراق.

مالك التريكي: قلتم -سيدة بليتكا- إنه يمثل تهديداً لشعبه، هل تم استفتاء الشعب العراقي في أمر الرئيس؟ هل أنه يمثل تهديداً أم لا؟

دانييل بليتكا: المرة الأخيرة التي كنت فيها في العراق لم ألاحظ أن الكثيرين من العراقيين تتاح لهم حرية المشاركة في استفتاء، هذا عن المشاركة في استفتاء يأتي بصدام حسين إلى السلطة وأعتقد إن الغالبية من الشعب العراقي ليست مع هذا، ولكن هل يريد أحد أن يقول لي إن الشعب الذي يعيش تحت نظام قمعي واستبدادي مثل نظام صدام حسين والذي قتل مئات الآلاف من أبناء شعبه قبل أربعة عشر عاماً في (حلابشة)، هو قائد يحظى بدعم وقبول من لدى شعبه، وهل سيمكن لأحد أن يقول لأحد إن على الشعب أن يحبه أو يرتاح له؟!

مالك التريكي: بما أنكم الآن تتحدثون عن شكل النظام الذي يجب أن يقوم في العراق، فهنا.. هنا لابد أن أشير إلى ما تقوم به وزارة الخارجية الأميركية الآن، بدأت في عقد ندوات منذ العاشر من يوليو الماضي عن ما سمته بمستقبل.. مستقبل النظام السياسي في العراق، وكانت أول ندوة عن ما سمي بـ (transitional) نظام العدالة المؤقت، ويتحدث عن تدريب منفذي القانون على احترام قانون.. احترام حقوق الإنسان، وعقدت ندوة أخيرة أيضاً عن استئصال الفساد الإداري والمالي، هل تعتقدون أن مثل هذه الخطوات الآن التي تقوم بها وزارة الخارجية سيتم تنفيذها.. سيتم مساعدة العراق على بناء نظام ديمقراطي، هل هذا.. هل هذا فعلاً ما تطمح إليه الولايات المتحدة؟

دانييل بليتكا: أعتقد إن هذا هو ما تأمل الولايات المتحدة بتحقيقه في العراق ومن الضروري أن نشير إلى نقطة مفادها إن الكثير من هذه الأمور يجب أن تتبع واقعياً بخطوات عملية، وعلى الولايات المتحدة أولاً أن تقول بوضوح ما هي قضيتها، وما تريد من العراق، هذا أمر، الأمر الآخر علينا أن نفعل أيضاً أن هناك حاجة لإقامة نظام ديمقراطي في العراق، وعلينا أن نعلن التزاماً بما يمكن أن نفعله في العراق فيما بعد مرحلة صدام حسين، وقال البعض إن ذلك يتطلب وجود أو احتلال عسكري طويل الأمد للعراق، أنا لا أتفق مع ذلك، وأقول أن الشعب العراقي قادر تماماً على أن يحكموا أنفسهم، ولكن ما نحتاج نحن إليه هو تقوية التزامنا، والتزام أصدقائنا في مختلف أنحاء العالم، وأن يكون هناك عراق موحد، وديمقراطية، وهذا أمر مختلف وأنا أتفق في ذلك.

مالك التريكي: حتى البريطانيون وهم أصدق حلفاء الأميركيين لا يعرفون بالضبط كم ستدوم مدة احتلال العراق، ويقال أنهم عندما يسألون موظفي البيت الأبيض لا يجدون أي جواب، ثم عندما يسألون موظفي البيت الأبيض ما هي مشاريعكم لحفظ القانون والنظام هنالك؟ فليس هنالك عند الموظفين الأميركيين أي جواب، أي أن الاستراتيجية ليست واضحة بالنسبة للرئيس بوش.

دانييل بليتكا: حسناً، إنني أعتقد أن السؤال هل هو أنا أو أنت أو البريطانيين يعرفون ما هي الاستراتيجية، هذا ليس.. الأمر لا يعنينا، الولايات المتحدة تعرف فقط، هذا يكفي، وأعتقد أن هناك بحث كافي وجاد، وهناك التزام كافي وجاد، ولكننا لا نستطيع أن نعوِّم الأفكار استناداً إلى ما يتم بحثه بين الإدارتين الأميركية والبريطانية، فنحن لا نملك سبيلاً لمعرفة ذلك، وكل ما نفعله أن نتكهن ونتوقع فقط.

مالك التريكي: السيدة دانييل بليتكا (رئيسة أو نائبة رئيس الدراسات الدفاعية في معهد American enterprise institute) لكِ جزيل الشكر.

بعد الفاصل نظرة في الموقف العراقي والموقف العربي من الحرب الأميركية الآجلة، بعد أن أعلنت جميع الدول العربية معارضتها لضرب العراق.

[فاصل إعلاني]

الموقف العربي من الحرب على العراق

مالك التريكي: في منتصف مارس الماضي قام نائب الرئيس الأميركي (ديك تشيني) بجولة في عدد من الدول العربية لإقناع مسؤوليها بمساندة الحرب الأميركية القادمة ضد العراق، وذكرت الأنباء آنذاك أن جميع العواصم العربية التي زارها نائب الرئيس الأميركي أبلغته أنها تناهض أي عمل عسكري خارجي ضد العراق، وأن أي تغيير لن يكون شرعياً في نظر الرأي العام إلا إذا تم من الداخل، إلا أن ديك تشيني أخبر أوساطاً من الكونجرس بعد عودته في أواخر مارس الماضي أن ما يقوله المسؤولون العرب علناً بشأن الحرب ضد العراق يعاكس ما يقولونه في المجالس الخاصة، ذلك أنهم يؤيدون الإطاحة بالنظام العراقي، بل يرغبون فيها حسب قوله، ولكنهم مضطرون لمراعاة الرأي العام المحلي فيما يعلنون من التصريحات، فهل تغير الوضع الآن؟

معنا من القاهرة لبحث قضية الموقف العربي من الحرب الأميركية القادمة ضد العراق السفير سيد أبو زيد عمر (مساعد وزير الخارجية المصري السابق للشؤون العربية).

سعادة السفير، كل الدول العربية.. كل الدول العربية أعلنت مناهضتها لضرب العراق، وكان آخرها السعودية التي جددت هذه المناهضة، هل تعتقدون أن السر يوافق العلن في هذه المواقف؟

سيد أبو زيد عمر: أتصور إن ده.. ده حقيقة يعني، لأن بالإضافة إلى الإعلانات التي صدرت يعني من.. من كل العواصم العربية برفضها لهذا العدوان الأميركي، فأمامك أيضاً قرار القمة العربية في بيروت في مارس الماضي، والذي كان واضحاً وصريحاً ومحدداً، باعتبار أن أي عدوان على دولة عربية، وحددت بالأسماء، كان سوريا ولبنان والعراق، أي عدوان على دولة من هذه الدول، لأن هي هذه الدول بالذات الدول، لأن هي هذه الدول بالذات صدرت تهديدات ضدها بشكل أو بآخر يعتبر عدوان على كل الدول العربية جمعاء، يعني جميع الدول العربية يعتبر عدوان عليها.

مالك التريكي: الشريف علي بن حسين قال في واشنطن: "إن النظام في العراق أذل الشعب، وإنه قاد العراق إلى هزائم متتالية"، ولابد أنكم سمعتم ما ذكرته الخبيرة الأميركية التي كانت ضيفتنا في الجزء الأول من البرنامج عن ارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان في الثمانينات والتسعينات، هل.. ألا تعتقدون أن هذا هو ما يستنتجه أي مراقب للوضع في العراق؟

سيد أبو زيد عمر: لا والله، هذه مسائل.. هذا تدخل في الشؤون الداخلية للدول، يعني الحقيقة ده يقودني إلى السؤال، وأنا كنت أتابع حديث هذه الباحثة الأميركية، إن.. من يعطي الولايات المتحدة الحق في أن تشن حرب على أي دولة عربية أو غير عربية؟ دي.. هذه هي المشكلة الأهم، والتي أشرت إليها حضرتك في مقدمة الحديث تحت عنوان السياسة الإمبريالية الأميركية، الحقيقة أنا يعني يمكن مش عايز استخدم هذا التعبير، ولكن أحب استخدم تعبير إن نمط التفكير الأميركي أصبح يدعو إلى التساؤل، ويدعو إلى وقفة ليس فقط منا كدول عربية، وإحنا.. نحن أولى بهذا فعلاً، ولكن من العالم أجمع لأن المسألة ليست متعلقة بالعراق فقط، ولكن متعلقة بالموقف في فلسطين، وأتصور إن.. إن هناك تبعة وهناك مسؤولية على الجانب الأميركي لما يحدث في فلسطين الآن، وأنا في تخيلي أن كل ما يُقال عن العراق من الجانب الأميركي، والغرض منه إبعاد الأنظار عن المأساة الإنسانية والمذبحة الرهيبة اليومية التي تحدث لأهلنا وشعبنا في فلسطين، هذا النمط..

مالك التريكي [مقاطعاً]: هي تلميحات سعادة السفير، آسف على المقاطعة، في هذا الإطار تتذكرون أثناء حرب الخليج الثانية كان هنالك حديث عن ما يُسمى بالـLinkage أي الربط بين الأزمة في الخليج واحتلال الكويت آنذاك وبين الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، الأميركيون لم.. لم يكونوا يريدون هذا الربط الآن كثير من الدبلوماسين العرب ينادون بحل قضية الشرق الأوسط أولاً قبل التحوُّل إلى العراق، لكن الأميركيين وأولهم (هنري كسينجر) أصبح يقول إن الطريق إلى القدس تمر عبر.. عبر طريق بغداد، أليس.. أليس هذا هو التطور الأخير في الموقف الأميركي؟

سيد أبو زيد عمر: هذا.. هذا من ضمن الأسباب، يعني أنا إذا كنت أحدد الأسباب للموقف الأميركي

أولاً: زي ما قلت إن هو نمط تفكير عمومي وفهم خاطئ لمسألة الأحادية القطبية، الولايات المتحدة لا تدرك أنها كدولة قبطية واحدة كان يجب أن تكون عادلة ومتوازنة لكي تُقبل في هذا الوضع، ده نمرة واحد.

نمرة 2: هو التأثير الصهيوني على الإدارة الأميركية والتي تجعلها تحاول أن يعني تجعل المنطقة في وضع ضعيف أثناء المفاوضات التي تحدث حول عناصر التسوية النهائية، يعني أنا كرجل متابع للشؤون العربية أجد أن زادت التهديدات ضد العراق منذ أن بدأنا نتحدث عن عناصر التسوية النهائية لفلسطين والخاصة بالدولة، والخاصة باللاجئين، والخاصة بالقدس، والخاصة بالمستوطنات، وكل هذه العناصر بدأت تزداد التهديدات ومن مصلحة الحركة الصهيونية وإسرائيل أن.. أن تكون المنطقة ضعيفة وأن تُضرب الدول ذات الشأن في المنطقة أو تُحيَّد، لكي يكون الموقف العربي ضعيف أثناء المفاوضات.

السبب الثالث: يجب التنويه به أيضاً أن الولايات المتحدة في حالة إخفاق خارجي وداخلي، لقد تورطت في أفغانستان، الولايات المتحدة لم تُحسم حربها في أفغانستان، وإنما أقول أنها لقد مازالت الحرب مستمرة، وبالعكس سوف تبدأ، لأنها دخلت مستنقع لم تخرج منه، وهي تشعر بهذا، ومن الجانب الداخلي معروف موقف الولايات المتحدة من الناحية الداخلية نسبة النمو في الربع الأول من هذا العام 1.1، والرئيس الأميركي يواجه هذا الوضع الصعب قبل الانتخابات النصفية في الكونجرس، وبالتالي يرغب في تحويل الأنظار، أعود إلى.. أنها.

مالك التريكي [مقاطعاً]: على ذكر أفغانستان.. سعادة السفيرة على ذكر أفغانستان هنالك سيناريو يقول إن من أهم أهداف الاستراتيجية الأميركية القادمة في المنطقة هو بعد احتلال العراق إذا تم ذلك هو وضع إيران بين فكي كماشة، لأنها تحتل أفغانستان بشكل من الأشكال الآن، سواء استتب الأمر لها أم لم يستتب، تحتل أفغانستان، إذا احتلت العراق فستكون إيران بين فكي كماشة وهذا من أهدافها الاستراتيجية؟

سيد أبو زيد عمر: والله يا سيدي، العقيلة الموجودة في واشنطن يمكن الصحف بدأت تتحدث عن أنها عقلية تسير حسب نظرية (توماس هوب) الذي يؤمن بالاستبداد والعبودية، فهذه.. هذه العقلية الموجودة أنا لا أستبعد أبداً إن لا قدر الله لو حدث أمر في العراق المنطقة كلها هتتغير وكل الأوضاع الموجودة في المنطقة هيحدث فيها تغيير، وده موضوع يعني فيه تفصيلات كثيرة، ولكن كل الدول العربية ستصاب برزاز ما يحدث من.. من زلزال في المنطقة إذا حدث –لا قدر الله- شيء بالنسبة للعراق، طبعاً أنا بأقول إيران معرضة، سوريا أيضاً معرضة، لبنان معرَّض، وجنوب السودان المؤامرات شغَّالة فيه، ولا ندري ماذا سوف يحدث به، وجميع الدول طبعاً بالنسبة لدول الخليج ده مبحث آخر هم طبعاً يعلمون ما.. ما سوف يحدث إذا ما تغيرت الأوضاع الاستراتيجية في المنطقة، الأوضاع الحقيقة خطيرة، وتحتاج وقفة.

مالك التريكي [مقاطعاً]: بالنسبة لدول الخليج سعادة السفير.. بالنسبة لدول الخليج وخاصة كبرى الدول وهي السعودية، يُقال أيضاً أن من الأهداف الأخرى لمحاولة احتلال العراق أميركياً هو تقليل الاعتماد على النفط السعودي خاصةً بعد تكاثر الحديث في الأوساط المحافظة وأوساط صقور البنتاجون ضد السعودية، وأخيراً هنالك باحث وصف السعودية بأنها عدو لأميركا، هل هذا يندرج أيضاً في إطار السيناريوهات هذا التي تعتقدون أنها محتملة؟

سيد أبو زيد عمر: كل ده محتمل، وده كان موجود في عدد الـ "فون فيرس" اللي بيطلع من وزارة الخارجية.. من وزارة الخارجية الأميركية عدد أبريل فيه مقالة كاملة عن.. عن الموقف بالنسبة للسعودية، السعودية دولة شقيقة، دولة فيها الأهل والعشيرة، ومن ثمَّ فإن إحنا لما بننظر للوضع العربي بنقول إنه لم يعد يكفي أن نقول لا، هذه الكلمة التي قلناها في القمة العربية في بيروت واضحة وصريحة، ولكنها غير كافية، أنا أنادي بأن تحدث اجتماعات عربية للاتفاق على تدابير تُتخذ ضد أي عدوان يقع على دولة عربية، تدابير واضحة ومحددة...

مالك التريكي: سعادة السفير...

سيد أبو زيد عمر: لكي يعرف الجانب الآخر.. نعم..

مالك التريكي: سعادة السفير، هنالك.. هنالك ذريعة من السهل استعمالها غربياً وخاصةً أميركياً كلما استُهدف بلد عربي، وهي مسألة الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات العامة، لكي نكون صادقين مع أنفسنا، ألا يكون من مصلحتنا حتى إذا لم.. لم نقل من.. من قيمنا، ألا يكون من مصلحتنا أن نحسِّن سجلنا في مجال حقوق الإنسان حتى ننزع هذه الذريعة على الأقل عربياً؟

سيد أبو زيد عمر: والله يا سيدي هذه.. هذه التهمة يعني بتلحق بجميع الدول بما فيها الولايات المتحدة الأميركية، يعني خليني أصارحك القول أنا رأيي بالنسبة للديمقراطية كالآتي، حتى الديمقراطية الأميركية يعني مجال للبحث.. مجال للجدل، لأنه أي ديمقراطية تفرز هذا الوضع اللي موجود في الولايات المتحدة ولإدارتين متعاقبتين إدارة متهمة، وأنت تدري الاتهامات اللي كانت موجهة إلى رأس هذه الإدارة، وهذه الإدارة حالياً الملفات بدأت تفتح لها في.. في الملفات المعروفة التي بدأت تُفتح لها، إذا كان هذا نوع من الديمقراطية التي تُفرز هذا النوع من القيادات، فأنا أقول لك سحقاً لهذا النوع من الديمقراطية، إحنا فيه النظام الدولي إذا أذنت لي، النظام الدولي خلال كل التجارب اللي مرت بها الإنسانية إلى أن وصلنا عبر عصبة الأمم إلى منظومة الأمم المتحدة، وكان أول مبدأ في هذه المنظومة عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، لأنه لو فتحنا هذه الأمور لن ننتهي...

مالك التريكي [مقاطعاً]: سعادة السفير.. سعادة السفير.

سيد أبو زيد عمر: نعم.. نعم

مالك التريكي: سعادة السفير سيد أبو زيد عمر (مساعد وزير الخارجية المصري السابق للشؤون العربية)، شكراً جزيلاً لك.

وبهذا تبلغ حلقة اليوم من (قضايا الساعة) تمامها، دمتم في أمان الله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة