زوال إمبراطورية أميركا   
الأحد 1431/7/23 هـ - الموافق 4/7/2010 م (آخر تحديث) الساعة 15:41 (مكة المكرمة)، 12:41 (غرينتش)

- معنى كون الولايات المتحدة الأميركية إمبراطورية ومستقبلها
- نقاط التلاقي والاختلاف بين الإمبراطورية البريطانية وأميركا

- قدرة إدارة أوباما على ضبط الإنفاق العسكري

عبد الرحيم فقرا
فريد زكريا

عبد الرحيم فقرا: مشاهدينا في كل مكان أهلا بكم إلى حلقة جديدة من برنامج من واشنطن. إذا لم تكن الولايات المتحدة إمبراطورية فماذا تكون إذاً؟ وإذا كانت إمبراطورية فهل يسري عليها ما سرى على إمبراطوريات سابقة نشأة فبزوغ فأفول أم أنها إمبراطورية تخضع لمنطق تاريخي مختلف، إمبراطورية أما لا؟ ماذا يعني مستقبلها لمستقبل العرب والمسلمين في كل مكان.

[تقرير مسجل]

المعلق: يستشهد المؤرخ البريطاني نايل فرغيسون على صعود وسقوط الإمبراطوريات بخمس لوحات تعرض في مقر الجمعية التاريخية بنيويورك للرسام الأميركي توماس كول أحد رواد مدرسته الفنية في القرن التاسع عشر وتجسد كل لوحة من هذه اللوحات إحدى المراحل التي تمر بها الدول حسب كول، المرحلة الأولى تحمل عنوان حالة التوحش وهي عبارة عن أدغال يسكنها قناصون يعيشون حياة بدائية تهددها العواصف، المرحلة الثانية تحمل عنوان الفردوس وهي عبارة عن أدغال حولت إلى حقل زراعي أقيم عليه معبد إغريقي، المرحلة الثالثة وهي أكبر اللوحات الخمس وتحمل عنوان ذروة الإمبراطورية تعكس هذه اللوحة مدى التطور الذي حققته الدولة من حيث عمرانها ويسر ساكنتها العامة والخاصة، المرحلة الرابعة تحمل عنوان الدمار وهي عبارة عن مدينة اضرمت فيها النيران وتتعرض للغزو والنهب والاغتصاب، المرحلة الخامسة والأخيرة تحمل عنوان الأرض الخراب وهي خالية من البشر بينما بدأت الطبيعة تطمث معالمها العمرانية.

[نهاية التقرير المسجل]

عبد الرحيم فقرا: ضيفنا في هذه الحلقة مفكر أميركي جذوره في بلاد كانت ذات يوم جزء من الإمبراطورية البريطانية وأصبحت اليوم من الدول التي يحسب العالم لمستقبلها ألف حساب إنها الهند، أما المفكر الأميركي فهو صاحب كتاب "عالم ما بعد أميركا" the post American world.

[تقرير مسجل]

المعلق: ولد فريد زكريا في الهند عام 1964 لأبوين مسلمين هنديين حصل على شهادة الدكتوراه من جامعة هارفورد حيث كان قد درس على يدي مفكرين مرموقين ومؤثرين كصموئيل هانتكتن صاحب نظرية صدام الحضارات وبول كنيدي صاحب نظرية وهن الإمبراطوريات بسبب توسعها أكثر مما تتحمله، وبالإضافة إلى كتبه التي تحظى باحترام المكتبات الأميركية، تقلب زكريا في العديد من المناصب التحريرية في مؤسسات إعلامية أميركية بارزة ومن ضمنها مجلة نيوزويك الدولية حيث لا يزال يكتب عمودا عن القضايا الدولية، كما أصبح يحتل موقعا تلفزيونيا بارزا من خلال برنامجه GPS على شبكة CNN أيديولوجيا يصعب تصنيف فكر زكريا الذي يوصف تارة بالليبرالي وتارة أخرى بالمحافظ فبعد أن كان قد دعم سياسة الرئيس الجمهوري السابق رونالد ريغن في ثمانينيات القرن الماضي أصبح حاليا يعرف نفسه كوسطي بل إن تصريحاته قد توحي بأن أفكاره السياسية تجد أصداء في تفكير إدارة الرئيس أوباما.

فريد زكريا: أنا لي مصلحة خاصة في أن أقول هذا لأن أوباما قرأ كتابي ولقد التقطت له صورة وهو يحمل الكتاب أنا متأكد أنه يفهم هذا العالم بالطبع هو لايزال الرئيس للولايات المتحدة بما يحمله هذا المنصب من قيود ولكنه وأكثر من أي شخص آخر على الساحة العالمية أوباما يفهم العالم الآن.

المعلق: وبعد أن كان قد دعم غزو العراق عام 2003 عارض زكريا لاحقا رفع عدد القوات الأميركية هناك ومهما كانت تقلبات الرجل ومهما لم ترق تحليلاته السياسية لهذه الجهة أو تلك فإنها تظل حاضرة ومؤثرة في الولايات المتحدة سواء تعلق الأمر بالأوضاع الحالية أم المستقبلية للبلاد.

[نهاية التقرير المسجل]

معنى الولايات المتحدة الأميركية إمبراطورية ومستقبلها

عبد الرحيم فقرا: دكتور فريد زكريا مرحبا بك إلى الجزيرة وشكرا على استضافتنا في مقر مجلة نيوزويك في منهاتن بنيويورك، كما تعرف هناك جدل في الأوساط الأميركية حول تعريف الولايات المتحدة البعض يقول إنها إمبراطورية والبعض الآخر ينتزعج حتى من التلميح إلى أنها قد تكون إمبراطورية كيف تنظر أنت إلى الولايات المتحدة؟

فريد زكريا: هذا سؤال رائع حقيقة لأنه يلامس إحدى المفارقات الأميركية أميركا قوة إمبريالية وأعني بذلك أنها تجسم قوة على نطاق لم تبلغه سوى الإمبراطوريات العظمى في الماضي وهي قادرة على مد قوتها العسكرية خارج مجالها الجغرافي ولها قوات عسكرية متمركزة في عشرات الدول وسفن حربية تحرس عشرات الممرات البحرية حول العالم حتى في أوج عظمة الإمبراطورية البريطانية فإنها لم تجسم أبدا قوة عسكرية على المدى المماثل للولايات المتحدة بالتالي هي قوة إمبريالية ولكن في الوقت ذاته هي لا تنظر إلى نفسها على أنها إمبراطورية، هذا بلد أسس على ثورة ضد الإمبراطورية وعدا بعض الاستثناءات الطفيفة لم تحكم الولايات المتحدة أراضي حول العالم ولم تحاول أن تفعل ذلك حتى بعد انتصاراتها في الحرب العالمية الأولى ثم الثانية، بل بالعكس لقد كانت جهودها في اتجاه دفع بريطانيا وفرنسا على التخلي عن مستعمراتها بالتالي هناك نوع من انفصام الشخصية في أميركا حول ما إذا كانت إمبراطورية أما لا والجواب هو أنها إمبراطورية وليست إمبراطورية.

عبد الرحيم فقرا: عندما كانت للعرب والمسلمين إمبراطوريات سابقة كان بعضها يسيطر على طرق القوافل التجارية، بالنسبة للإمبراطورية البريطانية كانت تسيطر على الطرق البحرية بالنسبة للولايات المتحدة هناك سيطرة ليس فقط على الطرق في الأرض هناك سيطرة على الطرق في الجو والسيطرة على طرق إلى كواكب أخرى معنى ذلك أن الولايات المتحدة تمثل إمبراطورية أكثر مما تمثل أي شيء آخر هكذا قد ينظر إليها، ما رأيك؟

فريد زكريا: ليس هناك شك أن الولايات المتحدة لها سيطرة تفوق سيطرة أي دولة في حقبة مماثلة من تاريخها بالتالي موقع الولايات المتحدة القوي هو أمر مؤكد، أما ما يتساءل عنه الناس هو مدى شرعية أن تسمى إمبراطورية في حين أن المعنى الكلاسيكي للإمبراطورية يشمل السيطرة المباشرة على شعوب أخرى على غرار بريطانيا في الهند مثلا وهو البلد الذي نشأت فيه، وبالتالي ومن هذا المنطلق يرفض الأميركيون فكرة أنهم إمبراطورية لكن بالشكل الذي تصفه أنت لا شك أن الولايات المتحدة لديها سيطرة إمبريالية على العالم ليس بمعنى السيطرة على الطرق التجارية والبحرية والقوة العسكرية بل بمعنى أخطر وأهم وهو السيطرة على العقول والمخيلة، فكر في هوليود وغوغل وآبل السيطرة على عقولنا هي مجال التفوق الأميركي.

عبد الرحيم فقرا: بطبيعة الحال ما يهم الناس بالنسبة لتعريف الولايات المتحدة كإمبراطورية أما لا ليس الماضي وإنما المستقبل، كيف تنظر إلى مستقبل القوة الأميركية؟

فريد زكريا: إن القاعدة الأساسية لأية قوة في العالم هي التفوق الاقتصادي والتكنولوجي لقد حاول الاتحاد السوفياتي تحقيق الهيمنة بلجوء إلى القوة العسكرية البحتة والحكم السياسي لأوروبا الشرقية والقضاء عسكريا على دول أخرى ولم ينجح في ذلك، الطريق المستدام للهيمنة هي القوة الاقتصادية ولقد حققت الولايات المتحدة القوة الاقتصادية خلال القرن المنصرم أكثر من أي منافس آخر سواء كانت دولة منفردة أم تكتلا، وإلى يومنا هذا معدل المنتوج الأميركي ونسبة الولايات المتحدة بخصوص الناتج المحلي الخام لمجموع دول العالم يفوق نسب الدول الثلاث اللاحقة والمجتمعة وهي اليابان وألمانيا والصين، ولكنني أعتقد أننا في فترة انتقال كبيرة هذا لا يعني أن الولايات المتحدة تعيش مرحلة تراجع متسارع أو غير مسبوق ما يحدث ليس تراجع أميركا بقدر ما هو صعود آخرين وما نراه هو أن الصين والهند والبرازيل وأندونسيا وجنوب أفريقيا بدؤوا في الصعود وهذا الصعود التدريجي لعدد كبير من الدول وهي ثمانية أو تسعة دول من شأنه أن يغير التركيبة الأساسية للسياسة العالمية.

عبد الرحيم فقرا: الآن بالنسبة لمستقبل القوة الأميركية هناك أزمة مالية عصفت بالاقتصاد عصفت بأسس الاقتصاد الأميركي، كيف تتوقع أن يكون تأثير ذلك على القوة الأميركية في المستقبل؟

فريد زكريا: إن الأثر الأخطر للأزمة المالية هو فقدان الهيمنة الاقتصادية الأميركية لشرعيتها لأن التأثير الفعلي للأزمة المالية لم يصل إلى المستوى الكارثي الذي توقعه البعض ويبدو أننا لا نعدو أن نكون في فترة ركود اقتصادي حاد ولكن ليس غير مسبوق وهو شبيه بالركود الذي وقع خلال رئاسة رونالد ريغن في الثمانينيات ولكن فيما يتعلق بصورة أميركا وصورة الرأسمالية الأميركية فقد كانت الضربة دامية، قال لي أحد أصدقائي الصينيين لطالما أعتقد الصينيون أنكم أنتم الأميركان أساتذة العالم في الرأسمالية فأصغينا إليكم وكنا تلاميذ نجباء وكنا نجتهد في الدراسة ومراجعة الدروس والتحضير للامتحانات ولكننا أفقنا ذات يوم في 2008 فوجدنا أن أستاذنا أحمق وأنه لم يكن يفقه شيئا وكنا نحترمكم ونعتبركم مثلنا الأعلى، فهو هذا الشعور الذي امتد حول العالم بأن النموذج الاقتصادي الأميركي تبين أنه رديء وغير متقدم سيكون من الصعب إعادة بناء تلك الثقة المفقودة أما الضرر الذي لحق بالاقتصاد فلن يستمر، السؤال كيف نسترجع الشرعية؟

عبد الرحيم فقرا: الآن ما مدى التلاقي أو الاختلاف في الرؤية في هذا الموضوع بينك وبين بول كنيدي مثلا صاحب كتاب "صعود وسقوط القوى الكبرى" بول كنيدي يقول "في تصوري فإن العجز في الموازنة الأميركية لعام 2009 وما بعد ذلك العام شيء مخيف وأنا استغرب -يضيف بول كنيدي كيف أن عددا صغيرا فقط من أعضاء الكونغرس يدركون ذلك بينما يهرولون جماعيا نحو باب كتب عليه تحفيز الموازنة".

فريد زكريا: أنا أعرفه جيدا وأنا مطلع على أعماله وأكن له احتراما كبيرا، الولايات المتحدة لها مشاكل مثل كل البلدان الأخرى ولكن خلافا للبلدان الأخرى أميركا لديها أيضا حلولا عديدة أعني أننا نتحدث عن اقتصاد يبلغ 14 ترليون دولار هناك مساحة مناورة كبيرة في اقتصاد كهذا لضبط الموازنة، دعني أفسر إذا أخذنا مثلا ما يسمى برامج الاستحقاق أو نظام المعاشات الذي نسميه الضمان الاحتماعي أو تكلفة الرعاية الصحية وخفضناها قليلا أو لنطلب أن يعملوا حتى سن السبعين بدل من 65 أو 67 فإنك بذلك فقط تكون قد أزلت أكبر عبء على الدولة الأميركية، من جهة أخرى الولايات المتحدة هي الدولة الغنية التي يدفع مواطنوها أقل ضرائب في العالم بإمكانك أن ترفع الضرائب شيئا ما، هناك طرق عديدة تسمح بمعالجة هذه المشاكل البعيدة المدى، أما المشكلة الأكبر التي يتحدث عنها بول كنيدي فهي مشكلة حقيقية وهي حقيقة ليس بالنسبة إلى الولايات المتحدة فقط بل أعتقد أن الغرب برمته يواجهها وهي كالآتي، سكان هذه الدول الغنية جدا يعمرون أكثر فأكثر والسؤال هو سنستمر في تمويل كبار السن أو أننا سنستثمر في الشباب؟ هل سنتثمر في المستقبل أم في الماضي؟ إذا لم نشرع في الاستثمار في المستقبل فلن ننجح، لا يمكنك أن تتحول إلى مجتمع يطيب فيه التقاعد هذا أمر جيد لولاية فلوريدا ولكنه شيء سيء للولايات المتحدة ككل.

عبد الرحيم فقرا: بالنسبة لمسألة، أريد أن أعود إلى مسألة الأزمة المالية في الولايات المتحدة وإلى مسألة الديون تحديدا الديون الأميركية المؤرخ نايل فرغيسن يقول بالحرف الواحد "إذا كان دفع نسب الفائدة يستهلك قسطا متزايدا من الدخل الضريبي الأميركي فإن الانفاق العسكري الأميركي مرشح أكثر من غيره للتخفيض" ولكن هذا هو بيت القصيد بالنسبة لفرغيسن يقول " إن أعداء الولايات المتحدة في العراق وإيران يواسون أنفسهم عندما يدركون أن سياسة الموازنة الأميركية اليوم مبرمجة سلفا لخفض الانفاق العسكري في المستقبل".

فريد زكريا: هذا خوف مبالغ فيه كما تستشف من كتابي أنا مقتنع أننا مقدمون على عالم جديد تلعب فيه تلك القوى الأخرى دورا تتزايد أهميته وعالم لن تكون فيه الولايات المتحدة هيمنة مطلقة ولكننا عندما نتحدث عن مسألة مثل الديون هذه فزاعة أكثر مما هي خطر حقيقي، الحقيقة هو أن سعر الفائدة لا يمثل عبئا كبيرا لأن سعر الفائدة هو الأكثر انخفاضا في الخمسين سنة الأخيرة، هذا أفضل وقت ممكن للاقتراض بالنسبة إلى الشركات بالنظر إلى سعر الفائدة المنخفض لقد أظهر بين بيرنانغي والحكومة الأميركية حكمة كبيرة في الاقتراض في هذا الوقت السانح إذا لم يقع ضبط المصاريف ورفع الضرائب وإذا بقيت كل البرامج على حالها بكل تأكيد بعد عشرة أو عشرين سنة سنواجه مثل هذه المشاكل الكبيرة عندما ينظر المثقفون ورجال الإعلام إلى هذه المشاكل ننسى أن البشر والحكومات ستعالجها وهي ترصد هذه التوجهات وتراقبها، نايل فرغيسن يتحدث عن مشكلة أفغانستان ويقول إن سياسة أوباما لا يمكن أن تنجح لأن طالبان يعرفون أننا سنخرج من أفغانستان خلال 18 شهرا وكل ما عليهم فعله هو الانتظار ولكن طالبان ليست تنظيما يحظى بتمويل وبقدرات كبيرة تسمح له بالصمود أمام الولايات المتحدة ثمانية عشر شهرا، ونحن نشاهد ما الذي يجري على الأرض ونلاحظ أن طالبان بدأت تضعف بشكل كبير وبدأنا نسمع تقارير ذات مصداقية عن أن طالبان تريد مفاوضات سلام، لماذا ياترى؟ لوكان بوسعهم الصمود أمام الولايات المتحدة لفعلوا ذلك وبالتالي عندما نتحدث وننظر إلى الأمور السلبية علينا أن لا ننسى أن لدينا حكومات وخبراء ومسؤوليين ينتبهون ويعالجون هذه التحديات والمستقبل سيحمل التحديات وأيضا الأشخاص الذين سيواجهون تلك التحديات.

عبد الرحيم فقرا: دكتور فريد زكريا الغريب في الأمر أن كاتب أميركي مثل تشارلز كراوث هامر الذي يدافع عن مواقف المحافظين الجدد يقول نفس الشيء، يقول إن هناك مجال أمام القوى لكي تتدخل وتنقذ نفسها من التقهقر والاندثار أنت تقول نفس الشيء لكن بالنسبة لنايل فرغيسون يعتقد أن اضمحلال القوى والإمبراطوريات يأتي بصورة مفاجئة؟

فريد زكريا: لا يزال عندنا متسع من الوقت، فرغيسون محق بمعنى أنه إذا لم تعالج هذه القضايا يأتي وقت تصبح فيه غير قابلة للمعالجة والحل، هذا ما رأيناه في حالة بريطانيا عند انتهاء الحرب العالمية الثانية ففي سنة 1946 و1947 وجدت بريطانيا نفسها في وضعية لم يكن من الممكن استدراكها ولكن تذكر أن بريطانيا كانت تحاول الحفاظ على إمبراطورية عالمية بنسبة لا تتجاوز 4% من الناتج الخام العالمي، نسبة الولايات المتحدة هي 24% من الناتج الخام العالمي وهي مع ذلك تحاول أن تحتفظ بسيطرة إمبريالية أقل صرامة بالمقارنة مع بريطانيا التي كانت تحاول أن تحكم الهند والعراق ونصف القارة الإفريقية وجنوب شرق آسيا، بالتالي لا أعتقد أننا وصلنا إلى تلك المرحلة بعد بالتأكيد إذا لم نجد حلول لهذه المشاكل فإنها ستصبح عويصة للغاية وهل يعني ذلك أن الولايات المتحدة لن تتسرع في اتخاذ قرارات مثل التدخل العسكري في العراق وأفغانستان؟ أجل وبصراحة هذا شيء صحي للولايات المتحدة أعتقد أن انفراد الولايات المتحدة بحالة القطب الأوحد منذ 1990 وحتى 2007 لم يكن أمرا جيدا، الأشخاص والشركات يعملون بشكل أفضل عندما تكون هناك منافسة، الكل يتحسن أدائهم عندما تكون هناك منافسة وبدائل لهم ويكون عليهم أن يتنافسوا من أجل حصة في السوق لقد كانت الولايات المتحدة القوى العظمى الوحيدة طوال عشرين عاما ولا أظن أن ذلك كان شيئا إيجابيا لها بالعكس أعتقد أن ذلك جعلنا راضين عن أنفسنا وجعلنا أغبياء إستراتيجيين ومتهورين ومجازفين، بالتالي إذا كان هناك قدر أكبر من الرصانة سواء كان السبب هو الأزمة المالية أو قوى أخرى تظهر على الساحة قد يؤدي إلى سياسة خارجية أميركية أكثر حكمة.

عبد الرحيم فقرا: دكتور فريد زكريا أريد أن أتحدث عن نقاط التلاقي والاختلاف بين الإمبراطورية البريطانية والقوى الأميركية في الوقت الحالي عندما نعود من الإستراحة، استراحة قصيرة ثم نعود.

[فاصل إعلاني]

نقاط التلاقي والاختلاف بين الإمبراطورية البريطانية وأميركا

عبد الرحيم فقرا: مشاهدينا في كل مكان أهلا بكم مجددا إلى برنامج من واشنطن ضيفنا في هذه الحلقة الدكتور فريد زكريا صاحب كتاب "عالم ما بعد أميركا the post American world " دكتور فريد زكريا مرحبا بك إلى البرنامج مرة أخرى. في نهاية الجزء الأول كنا نتحدث عن الفرق بين الإمبراطورية البريطانية و الولايات المتحدة عودة إلى هذا الموضوع كيف ترى نقاط الاختلاف والتلاقي بين ما حصل للإمبراطورية البريطانية وما هو حاصل للولايات المتحدة في الوقت الحالي؟

فريد زكريا: هذا سؤال جميل جدا، التلاقي الجوهري كالآتي لا يمكن لأحد أن يتبوأ موقع سيطرة في العالم ما لم يمتلك القوة الاقتصادية والولايات المتحدة تحاول مثلما كانت تفعل بريطانيا أن تسيطر على كل شبر في العالم، نحن البلد الوحيد الذي يتحرك في المحيط الهادي والأطلنطي وأفريقيا وأميركا اللاتنيية والشرق الأوسط في نفس الوقت، أما الفرق فهو كالتالي كان اقتصاد بريطانيا صغيرا نوعما مع حلول العشرينيات من القرن الماضي حيث إن الصناعة الألمانية قد تجاوزت البريطانية وبالطبع كان الاقتصاد الأميركي هو الأكبر في العالم كما شهدت بريطانيا سلسلة من الأزمات المالية المروعة خلال الحربين الأولى والثانية والتي مع نهايتها كانت بريطانيا شبه مفلسة وكانت تعيش فقط بالقروض الأميركية، بطبيعة الحال لا يمكن أن تكون إمبراطورية عالمية وأنت في هذا الوضع ومن المثير للدهشة من وجهة النظر التاريخية أن بريطانيا استطاعت عبر الدبلوماسية أن تحتفظ بالإمبراطورية حتى منتصف الخمسينيات والستينيات وبشكل ناجح إلى حد ما، الولايات المتحدة أغنى بكثير واقتصادها أقوى بكثير كانت نسبة بريطانيا من الناتج العالمي الخام 4% بينما نسبة أميركا 24% أي ستة أضعاف ذلك وهي أيضا لا تعيش تقهقرا شبيها بما حصل لبريطانيا فإذا ما نظرت إلى الصناعات المستقبلية مثل التكنولوجيا الحيوية والتكنولوجيا النانوية والهواتف النقالة والإنترنت ترى بوضوح أن الولايات المتحدة تسيطر على كل هذه المجالات في حين أن بحلول 1945 تخلفت بريطانيا في كل المجالات العصرية وراء الولايات المتحدة وألمانيا.

عبد الرحيم فقرا: إنما عندما تتحدث عن الدبلوماسية البريطانية آنذاك دبلوماسية ذكية، ما فعلته بريطانيا عندما اتفقت كما تقول في كتابك مع الولايات المتحدة على تسليم مقاليد السلطة في العالم إلى الولايات المتحدة ألا تقوم الولايات المتحدة حاليا بنفس العملية بحيث تربط مستقبلها بمستقبل الصين مثلا؟

فريد زكريا: هذا قياس جيد ولكن الفرق هو أنه في تلك الصفقة بين بريطانيا وأميركا كانت العلاقة بينهما غير متكافئة وظهر ذلك جليا في السويس عندما قالت الولايات المتحدة "لا" انهار الموقف البريطاني الفرق هنا هو أننا أمام قوتين متكافئتين الولايات المتحدة والصين، وفي الحقيقة هما متكافئتين نسبيا فلا ننسى أن اقتصاد الولايات المتحدة يساوي أربعة أضعاف اقتصاد الصين، ففي الوقت الذي تمسك فيه الصين بعضا من الدين الخارجي الأميركي والناس هنا مخطئة في  اعتبار أن تلك هي النسبة الكبرى من الدين الخارجي التي تمسكها في الحقيقة الأسر الأميركية بينما تمثل الصين أكبر دائن خارجي، ولكن في الواقع ليس بوسع الصين أن تبيع ذلك الدين لأن اقتصادها سينهار إذا ما انهار الاقتصاد الأميركي فمن سيشتري السلع الصينية، أغلبية الصادرات الصينية تأتي إلى الولايات المتحدة فإذا احجمنا على شراء اللعب الصينية الرخيصة ما الذي سيحصل للاقتصاد الصيني وملايين العمال الصينيين إنها حقا علاقة مترابطة، ولكنك على حق فعلى الصعيد الإستراتيجي فإن قرار الولايات المتحدة يخلق نوع من الترابط مع الصين قد يكون القرار الإستراتيجي الأخطر الذي تتخذه الولايات المتحدة وهو من شأنه أن يجعل من غير المحتمل أن نشهد حربا بين قوة مهيمنة وقوة صاعدة مثلما حدث ذلك مرار وتكرار خلال التاريخ، أو أن نشهد انهيارا سريعا للولايات المتحدة لأنه الآن أصبح من مصلحة أكبر قوة صاعدة في النظام العالمي أن تحافظ على استقرار اقتصاد الولايات المتحدة وقد حصل ذلك خلال الأزمة المالية الأخيرة أن الصينيين لم يساعدوا على إعادة الاستقرار الاقتصاد العالمي فحسب بل ساعدوا بشكل خاص الاقتصاد الأميركي ليس من منطلق الطيبة بل لأن استقرار اقتصادهم يتوقف على ذلك.

عبد الرحيم فقرا: أين موقع الرئيس باراك أباما في هذه الصورة الآن هل تعتقد أن الشعب الأميركي انتخب الرئيس باراك أوباما لكي يوقف تقهقر القوة الأميركية هل تعتقد أن الشعب الأميركي انتخبه لكي يتفاوض مع قوى أخرى في العالم حول الموقع الذي ستحتله القوة الأميركية في المستقبل؟ كيف تنظر إلى موقعه؟

فريد زكريا: هذا سؤال وجيه، رغم أن الانتخابات الأميركية لا تنبني على مثل هذه المسائل المجردة مثل صعود واندثار القوى العالمية ولكنني أعتقد أن الأميركيين يشعرون بأن العالم يتغير، أميركا بلد منفتح جدا وهو منفتح لكل هذه التأثيرات والتيارات نحن نرى ذلك نراه في الشركات الأميركية وفي الجامعات الأميركية التي تفتح أبوابها لطلاب يأتون من كل أنحاء العالم، وأعتقد أن الأميركيين يشعرون بأن العالم يتغير وأننا نعيش في عالم ما بعد أميركا وأننا في عالم تصعد فيه دول أخرى وأحد أسباب انتخاب أوباما هو الشعور بأنه يفهم هذا العالم ولا يحاربه، قد تصعب البرهنة على هذا ولكنني أعتقد أنك لو نظرت إلى ما يمثله أوباما فهو شخص ترعرع في هاواي والده من كينيا وأمه أميركية عاش في أندونيسيا وزوج أمه أندونيسي له معرفة حميمة بآسيا ومعرفة حميمة بالإسلام لم يسبق لشخص كهذا أن انتخب رئيسيا للولايات المتحدة من قبل أظن أن انتخابه يعود بشكل من الأشكال إلى حقيقة أنه يفهم هذا العالم، وأنا لي مصلحة خاصة في أن أقول هذا لأن أوباما قرأ كتابي ولقد التقطت له صورة وهو يحمل الكتاب أنا متأكد أنه يفهم هذا العالم بالطبع هو لايزال الرئيس للولايات المتحدة بما يحمله هذا المنصب من قيود ولكنه وأكثر من أي شخص آخر على الساحة العالمية أوباما يفهم العالم الآن.

عبد الرحيم فقرا: هناك قدر كبير من الاقتتال السياسي بين الحزبين في الولايات المتحدة أنت تقول في كتابك إن أسباب انهيار الإمبراطورية البريطانية كان لأسباب اقتصادية وأن المشكلة في الولايات المتحدة هي مشكلة النظام السياسي والمتاعب التي يعانيها النظام السياسي في الولايات المتحدة في الوقت الراهن، هل النظام السياسي كما هو قائم حاليا في الولايات المتحدة قادر على أن يساعد الإدارة سواء كانت ديمقراطية أو جمهورية على وقف التقهقر في القوى الأميركية على الحؤول دون انهيار الدولة أو القوة الأميركية في المستقبل؟

فريد زكريا: هذا هو التحدي الأكبر الذي تواجهه الولايات المتحدة نظامنا السياسي مختل ونحن عاجزون على انجاز أي شيء عدا السياسية الخارجية نظامنا مصاب بالشلل الشبه تام، وهذا التحدي تواجهه الولايات المتحدة والدول الصناعية المتقدمة الأخرى لقد أصبحنا ناجحين في إيقاف كل شيء وأي شيء بوسعنا أن نمنع بناء طريق أو توسيع مطار لأن هناك شرائح من المجتمع قادرة على فعل ذلك، ولكن أين تلك الشرائح التي تعمل من أجل المستقبل؟ أين تلك الشرائح التي تطالب بتوسيع بنيتنا التحتية بناء مطارات جديدة هناك أجيال قادمة التحدي كبير في أميركا النظام الأميركي الآن يظهر كل الشوائب الموجودة في الديمقراطية ومن المفارقة أننا كنا ندعو الجميع في الخارج إلى اعتماد الديمقراطية في أنظمة الحكم في حين أن نظامنا الديمقراطي أصبح مختل ومنقسم ومشلول إلى حد أننا غير قادرين على معالجة أية مسألة مهمة في بلادنا مثل قانون الطاقة أو قوانين الهجرة أو الإصلاح الضريبي أو غيرها.

عبد الرحيم فقرا: دكتور زكريا أريد أن نواصل الحديث في هذا الجانب لكن قبل ذلك نأخذ استراحة قصيرة ثم نعود، استراحة قصيرة إذاً.

[فاصل إعلاني]

عبد الرحيم فقرا: مشاهدين في كل مكان أهلا بكم مرة أخرى في برنامج من واشنطن، ضيفنا هو الدكتور فريد زكريا كنا نتحدث عن مسألة ما وصفته بالإستثنائية الأميركية. الآن إذا كنت دولة في منطقة الشرق الأوسط سواء دولة عربية أو دولة إسرائيل هل تأخذ تلك الإستثنائية كتحصيل حاصل يمكن أن تعول عليها في تخطيط مستقبلك مثلا؟

فريد زكريا: كلا، لو كان علي أن أخمن ما الذي يدور برأس دولة عربية الآن سيكون من المعقول أنهم ينظرون إلى هذا العالم ما بعد أميركا ويقولون علينا أن نبني تحالفات وعلاقات جيدة مع دول أخرى أيضا، وعلينا أن تكون لدينا علاقات جيدة مع الصين ومع الهند وربما البرازيل ونحن نرى أن بعض من ذلك يتحقق بالفعل خلال سنة 2010 ستصدر العربية السعودية النفظ إلى الصين بكميات تفوق صادراتها للولايات المتحدة وهذه أول مرة منذ خمسين عاما أن الولايات المتحدة ليست الزبون الأكبر للسعودية، ولكن في المجال الجيوسياسي وإذا كانت السعودية قلقة حول استمرايتها طبعا من الأفضل لها أن تستند إلى الولايات المتحدة وليس إلى الصين لأن الصين بنفسها سعيدة الآن بالتعلق بذيل أميركا، أنظر الحوار الذي يجري بين أميركا والصين إنه مثير للدهشة فعلا الأميركيون هم الذين يدفعون الصين إلى الانخراط في العالم والمزيد من الدور في معالجة مسائل دولية مثل صعود إيران والصينيون يقولون لا لا أنتم تعاطوا مع هذا نحن نفضل التركيز على جمع الثروة، بالتالي يبدو لي على الأقل في المدى المنظور عندما ينظر الشرق الأوسط إلى العالم سيرى أن الولايات المتحدة لا تزال اللاعب المركزي، وبشكل خاص في الشرق الأوسط حيث القوة العسكرية هي حجر الزاوية وفي ذلك النطاق الولايات المتحدة هي القطب الأوحد وستظل كذلك لوقت طويل.

عبد الرحيم فقرا: في هذا الصدد دعني أسرد لك نظرية حكومة بنيامين نتنياهو، تنظر إلى القوة الأميركية في الوقت الراهن وتشعر أنها مترهلة وبالتالي تشعر أنه يجب عليها كحكومة إسرائيلية أن تتحرك قدر الإمكان حتى إذا تحركت ضد مصالح وتعليمات واشنطن، هل هذه النظرية باعتقادك نظرية سليمة؟

فريد زكريا: أعتقد أن الإسرائيليين يرتكبون حماقة فإذا كان صحيحا أن العالم يتغير وأن التوزانات الجيوسياسية تتغير في المنطقة وأن أميركا تتدهور فطبعا هذه أخبار غير سارة بالنسبة لإسرائيل، إذ أن إسرائيل تعتمد على أميركا ومهما حصل فيما بعد فلن تجد إسرائيل حليفا قويا يوازي دور وقيمة الولايات المتحدة لا في الصين ولا في البرازيل والأهم من ذلك ليس لهؤلاء قدرة الولايات المتحدة على إنجاز أي شيء.

عبد الرحيم فقرا: تتحدث في كتابك عن الضربة القاضية التي تقول إن الإمبراطورية البريطانية قد تلقتها من حرب بريطانيا ضد البور في جنوب أفريقيا أي البيض من أصول هولندية آنذاك، هل ترى أن حرب العراق ربما تمثل ضربة مشابهة للقوة الأميركية؟

فريد زكريا: هذا تشبيه مثير للاهتمام لأن حرب البور فعلا قسمت ظهر الإمبراطورية البريطانية لقد انتصرت ولكن بثمن باهظ جدا، قد استوجب الأمر إرسال أربعمائة ألف جندي وتسبب في ديون كبيرة، في المقابل الحرب في العراق وفي أفغانستان رغم ارتفاع تكلفتهما المادية فإذا جمعت كل تكلفة الدفاع الأميركية في الوقت الحالي فهي تبلغ 750 بليون دولار وذلك يمثل بالنسبة للناتج المحلي الخام بنسبة مئوية أقل مما كانت عليه التكلفة خلال الخميسينيات والستينيات والثمانينيات من الصعب تصديق هذا ولكن علينا أن نتذكر أن الناتج المحلي الخام الأميركي يبلغ 14 ترليون دولار بالتالي هذه التكلفة لم تثقل كاهل أميركا بشكل قاتل، ولكن الأمور تتراكم فخلال إدارة الرئيس جورج دبليو بوش كانت هناك تخفيضات ضريبية كبيرة بلغت اثنين ترليون دولار ثم الحربان التي كلفت كل واحدة منها ترليون دولار ثم توسيع حالة الرفاه الأميركية كل ذلك أدخل أميركا في صعوبات جمة، بالضبط مثل ثعبان التهم وجبة كبيرة ويحتاج بعدها إلى وقت طويل للهضم، بالتالي الفرق جوهري مع الموقف البريطاني إذا أن بريطانيا اقتصاد صغير في جزيرة صغيرة على سواحل أوروبا وجدت نفسها في حالة امبريالية، أما أميركا فهي أكبر اقتصاد في العالم وهي ماتزال أقوى اقتصاد في العالم وهي قادرة على الاستمرار لكن هذا يعني أيضا أن أميركا عليها أن تكون أكثر حذرا وانتقائية في التدخلات العسكرية المستقبلية وسيكون ذلك أمرا جيدا هذا يعني أننا سنكون أقل تهورا وأكثر تنظيما وهذا جيد.


قدرة إدارة أوباما على ضبط الإنفاق العسكري

عبد الرحيم فقرا: لكن بالنظر إلى الهجمة الشرسة التي تتعرض لها سياسة الرئيس باراك أوباما من قبل الحزب الجمهوري ومن قبل المحتجين في ما يمسى بـ tea party هل تعتقد أن الإدارة ستكون قادرة على إنقاذ الانفاق العسكري في هذه الظروف وهي تتعرض لانتقادات من هؤلاء في هذا الصدد؟

فريد زكريا: لقد فعلنا ذلك في السابق إبان انتهاء الحرب الباردة لقد أقدمنا على تخفيض هائل في الموارد العسكرية واغلقت ثلاثمائة قاعدة عسكرية وخفضنا الانفاق العسكري بشكل كبير بالتالي فكرة أن أميركا غير قادرة على تحجيم مركبها الصناعي العسكري هي فكرة خاطئة، لقد فعلنا ذلك في التسعينيات، مع الأسف ما حققه أسامة بن لادن إعادة تنشيط المركب الصناعي العسكري وسمح بصرف كميات هائلة من الأموال على الأسلحة والأنظمة الدفاعية والأمن الداخلي، بالتالي علينا أن نتحرر من عقدة الخوف والـ paranoia هذه التي زجنا فيها بن لادن عندما نحقق ذلك -وأملي كبير في أن يتحقق ذلك وأنا أكتب كل أسبوع للمساعدة على تجاوز حالة الرعب هذه- أنا متأكد أن التغير يحصل في هذا البلد وهذا سبب تفاؤلي، أمور كثيرة ليست على مايرام وتغيرات عديدة يجب أن تحصل ولكن هذا مكان تتغير فيه الأشياء أنظر إلى أوباما من كان ليتوقع قبل سنتين فقط أن شخصا مثله كان يمكن أن ينتخب رئيسا للولايات المتحدة وهذا الذي حصل.

عبد الرحيم فقرا: أنت تقول إن الحرب في العراق نعم وجهت ضربة للقوة الأميركية لكنك تجادل بأن تلك الضربة ليست ضربة قاضية، عودة مرة أخرى إلى ما يقوله نايل فرغيسون يقول إن المشكلة ليست دائما في الأسس المادية للقوة المشكلة تكمن أحيانا في الانطباع الذي يكون لدى الناس داخل الولايات المتحدة وخارج الولايات المتحدة بأن هذه القوة قد أصيبت بالوهن.

فريد زكريا: هذا صحيح علينا أن لا ننسى أن أحد عناصر القوة ليس ملموسا بل هو تصور ذلك ما يجعل مسألة الشرعية مهمة بالنسبة لي لقد أضرت العراق بالشرعية السياسية والعسكرية لأميركا، كما أضرت الأزمة المالية بالشرعية الاقتصادية للولايات المتحدة وسيتطلب إعادة بناء تلك الشرعييات وقتا معنيا ولكن من غير المعقول أن تنظر إلى الولايات المتحدة بشكل منفرد في هذه الوضعية لو سألنا السؤال التالي بعد العراق وبعد أسوء أزمة مالية منذ 75 عاما ما هي حال الدولار الأميركي؟ الجميع كان سيجيب أنه سيكون أسفل السافلين، طبعا الواقع هو أن الدولار الأميركي ارتفع وتقوى، لماذا؟ لأنك يجب أن تقارن الدولار بالعملات البديلة فلو نظرت حولك إلى العالم تتساءل هل أوروبا متماسكة وموحدة ونشيطة وديناميكية؟ كلا، هل اليابان متماسك ودينامكي وموحد وينمو بسرعة؟ كلا، هل الصين قادرة على الاطلاع بدور إمبراطورية عالمية؟ إن عملة الصين غير قابلة للتداول ولا يمكن أن تستعمل كنقد احتياطي، بالتالي الدولار حافظ على قوته رغم كل أنواع المشاكل والصعوبات التي تواجه الولايات المتحدة ولكن عليك أن تنظر إلى البدائل هذه صورة مستعارة لقوة الولايات المتحدة نعم نحن نواجه جميع أنواع المشكلات، ولكن ما هو البديل؟

عبد الرحيم فقرا: عطفا على موضوع البدائل هناك بعض الأطراف التي تتحدث اليورو كبديل للدولار وهذه الأطراف ليست دائما من خصوم الولايات المتحدة ليست إيران ليست فنزويلا، رئيس البنك الدولي يتحدث عن اليورو كبديل للدولار معنى ذلك أن الدولار في ورطة حقيقة، أليس كذلك؟

فريد زكريا: نعم ولكن انظر إلى المشاكل التي يعاني منها اليورو فهو في أزمة في اليونان وفي إيطاليا وإسبانيا وأكبر مشكلة تواجه أوروبا وتحول دون تحول اليورو إلى عملة بديلة للدولار هو التراجع الديموغرافي فهم لا ينجبنون ما يكفي من الأطفال ولا يستقبلون مهاجرين، الأوروبيون لا يريدون مهاجرين عربا أو مسلمين أو فقراء ولكن من غير المتوقع أن يهاجر إلى أوروبا رجال أعمال من السويد، المعقول هو أن يأتي مهاجرون من المغرب وأنهم سيكونوا فقراء، أعتقد مسألة الدولار في مقابل اليورو هي صورة دقيقة لما ستكون عليه الولايات المتحدة في المستقبل لن يكون الدولار النقد الاحتياطي الأوحد في المستقبل ولكن سيكون العملة المسيطرة ربما في إطار سلة من العملات والولايات المتحدة لن تكون القوة العظمى الوحيدة في العالم بل ستكون الدولة الأغنى في العالم والاقتصاد الأكبر والقوة العسكرية الأقوى في العالم ولكن سيكون عليها أن تتشارك في الهيمنة وأن تتعاون مع آخرين، سيكون علينا أن نقبل بعالم ما بعد أميركا وأعتقد أن هذا سيكون جيد سيصبح العالم بذلك أكثر استقرار علينا أن نرضى بهذا في الولايات المتحدة ويجب على العالم أن لا ينظر إلى هذا لا بسعادة مفرطة ولا بخوف لأننا نريد أن نصل إلى عالم أكثر استقرار، لا يسيطر عليه بلد واحد.

عبد الرحيم فقرا: بالنسبة لمسألة الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط أنت تكتب وكتبت الكثير عن الملف الإيراني هناك كما نرى عدد من أعداد مجلة نيوزويك كتبت فيها عن مرحلة ما بعد حصول إيران على السلاح النووي كما تقول برغم أن الإيرانيين يقولون إن هدفهم هو برنامج نووي لأهداف سلمية، كيف تنظر إلى التقاطع بين صعود القوة الإيرانية وأفول القوة الأميركية في منطقة الشرق الأوسط على الأقل أفول كما يسميه بعض منتقدي الولايات المتحدة؟

فريد زكريا: باعتقادي إن مسألة إيران وبكل غرابة سلطت الأضواء على الولايات المتحدة وإسرائيل، إيران لا تمثل تحديا لأي منهما إلا إذا اعتبرت أن النظام الإيراني هو حقيقة انتحاري يعني أنهم ينوون مهاجمة إسرائيل واستفزازها لترد وتبيد إيران بأكلمها لا أعتقد ذلك، يبقى إذاً أن ما يريد أن يحققه الإيرانيون عبر اكتساب السلاح النووي أو القدرة النووية هو أن يكونوا القوة المهيمنة في المنطقة.

عبد الرحيم فقرا: هل تعتقد أن الإيرانيين يريدون أن يكونوا القوة المهيمنة أم إحدى القوى المهيمنة؟

فريد زكريا: أعتقد أنهم يريدون أن يكونوا القوة المهيمنة وهذا طموح إيراني أو فارسي قديم، كانوا ينظرون إلى أنفسهم كأمبراطورية عالمية على عكس العديد من الدول العربية وهم يلعبون دورا خارجيا كما تعلم وهو يمولون مجموعات في كل أنحاء الشرق الأوسط في العراق وأفغانستان وفي الأراضي الفلسطينية وفي لبنان، بالتالي التحدي الحقيقي الذي تمثله إيران هو على مصر والسعودية وتستهدف زعامة الشرق الأوسط المسلم، الإيرانيون يحاولون فرض أنفسهم بخطوتين الأولى هي القدرة النووية والثانية هي مصادرة قضية العرب وهي قضية فلسطين.

عبد الرحيم فقرا: لنفترض أن ذلك صحيحا، هل تعتقد أن القوة الأميركية في موقع حالي وستكون في موقع في المستقبل يخولها إلى أن تحقق تفاهم بين الإسرائيليين والعرب بحيث يقلل ذلك الاتفاق أو ذلك التفاهم من نفوذ إيران في منطقة الشرق الأوسط كما تصفها؟

فريد زكريا: لم يكن أبدا للولايات المتحدة القدرة على إحلال السلام بين العرب وإسرائيل، أنظر كل اتفاقات السلام التي وقعت في العالم إنها تعقد بين الطرفين لم تفلح الولايات المتحدة في دفع الإيرلنديين على توقيع السلام مع بريطانيا ولا بين البوسنيين والصرب، فاللاعب الخارجي له قدرة محدودة إذا حلت المشكلة لا شك أن ذلك سيضعف المحاولات الإيرانية ولكنني لا أعتقد أن الأميركيين سيكونون اللاعب الأساسي، اللاعب الأساسي هنا هم الإسرائيليون هم يسيطرون على الأرض التي يجب أن تسلم لتأسيس الدولة الفلسطينية ومهما قال العرب ونددوا بإسرائيل في نهاية المطاف إذا أرادو دولة فلسطينية عليهم التفاهم مع إسرائيل لأنهم يسيطرون على الأرض وليس هناك مفر من التعامل معهم، هل نحن نقترب من الحل؟ كلا لأن النظام السياسي الإسرائيلي أيضا له اختلاله ولا يمكن الاستهانة بتأثير الرفض القاطع الذي رفعه ياسر عرفات في وجه صفقة كلينتون للسلام على السياسة الإسرائيلية والذي أدى إلى تدمير اليسار الإسرائيلي بشكل كبير، ذلك اليسار الإسرائيلي الذي كان سيعطي للفلسطينيين دولتهم.

عبد الرحيم فقرا: دكتور زكريا شكرا جزيلا لك.

فريد زكريا: شكرا.

عبد الرحيم فقرا: الدكتور فريد زكريا صاحب كتاب "عالم ما بعد أميركا the post American world " في نهاية هذه الحلقة من برنامج من واشنطن عنواننا الإلكتروني minwashington@aljazeera.net إلى اللقاء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة